رد: تـذكرة القبر والموت والآخـرة
والطريق إلى الآخرة تعتريه آفات حذر منها النذير البشير صلى الله عليه وآله وسلم بقوله (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هَرَماً مُفَنِّداً (أي مسبباً لنقص العقل واختلاله) أو موتاً مجهزاً أو الدَّجالَ فشرُّ غائب ينتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمرُّ)8.
فيا خائف الفقر: افتقر إلى الله ويا طالب الغنى استغن بالله ويا مريض الروح استشفِ بكلام الله .. ويا هرم العقل اعتصم بالكتاب والسنة وإلا خَرِفْتَ ويا مقبلاً على الموت استعد له فما لك منه مهرب ويا فاتح قلبك للفتن! أخرجها تُعصم منها ، ويا سادرا لاهياً ... العمر قصير والزاد قليل وأمامك موقف تلقاه بما عملت فاجعل قيامتكَ آخرةَ عبدٍ صالحٍ لا مصيرَ مجرم نائح! اختر المآل.
قال البشير النذير صلى الله عليه وآله وسلم (احتجت الجنة والنار فقالت النار فيًّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة : فيَّ ضعفاءُ الناس ومساكينهم ؛ فقضى الله بينهما أنك الجنة رحمتي أرحم بك من أشاء ، وإنك النار عذابي أعذب بك من أشاء ولكليكما عليَّ مِلؤها)9، وللموت رجفة في القلب عند المؤمن لا هرباً من موعود الله بل خوفاً من ذنب ما قارفته توبة صحيحة ، أو حياءً من منةٍ ونعمةٍ أضاعها العبد ووضعها في غير موضعها أو صحة ضاع منها ما ضاع في غير سداد ، ووقت وجهد فيه شوائب تخرجه عن المطلوب ، أو موقف حقٍ أضاعه في لحظة جبن حين غفلته عن أن الأرواح والأرزاق بيد الله وأن الروح لا تسلب إلا بإذن باريها ، أو موقف بذلٍ انكمشت يده فيه عن البذل فإذا هي في حب الإتلاف أبذل ، أو حقوق ضاعت أو أوامر نسيت أو طاعات فُرِّط ببعضها أو ذنوب جنح إليها ، أو أنانية طاغية صبغت حياته فما كان فيه كثير نفع لأهله وإخوانه.
يرتجف القلب لكل ذلك وأشباهه وتعروه هِزة وراءها فكرة فيكون تذكر فتبصر فاعتبار فروعة فيقظة فتنبه فهمة فتشمير فعمل صالح يغسل عن العبد كل الشوائب والآفات ؛ أوله طهور ووضوء ، وصلاة مقبل ما من شيء يَفضُلها في إزالة الذنوب والعيوب وفي ذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يومٍ خمس مراتٍ هل يبقى من درنه شيء ؛ قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا)10.
فإن الصلاة ليست قياماً وركعواً بالجسم والقلب غافل ؛ بل هي عبودية وسجود في انتظامٍ كل الكون خاضع له (والنجم والشجر يسجدان)11 وما من ساجدٍ لله إلا وله في ساحات الحياة شموخ يعلو به فوق فتن المال والدور والقصور والجاه والمناصب والآفات والشهوات ، وله نسب مع صحابي كريم: خبيب بن عدي ، وقف وسط الشرك ؛ في قلبه إيمان وفي لسانه ثبات :
وقد عرضوا بالكفر والموت دونه وقد ذرفت عيناي من غير مدمع
وما بي حذار الموت وإني لميت ولكن حـذاري حر نــار تلفَع
ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنبٍ كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبـارك على أشـلاء شلو ممزع
ينطق بذلك بعد ركعتين ما كان شيء أحسن منهما ؛ فتعلمها ابن جبير فقال للظالم لمَّا هدده : لو علمت أن الجنة والنار بيدك لاتخذتك إلهاً. وما كان الموت ليوهن بل هو بوابة الحياة ، ومن ظن أن التذكير بالآخرة ونشر فقه الاتعاظ بالموت يضعف الناس ويدعوهم إلى العزلة والانطواء فهو واهم ؛ فإن ذلك فهم المبتدعة الذين استقوا الزهد من غير منابع الإسلام الصافية ؛ أما أمة لا إله إلا الله ففتحت الأرض لما عرفت سر الموت ، وأوجز خالد في وصيته لجنده فقال: (اطلبوا الموت توهب لكم الحياة) فإن الدنيا دار غرور وشهوات زائلة وملذات فانية وهي سراب ؛ من صدَّق به عاش عمره عبداً له يخاف فواته فإن عرف حقيقتها وكان همه الآخرة امتطاها وجعلها في قبضته ، وكان سيره دائماً في توازن تعلمته الأمة من نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم إذ دعا فقال: (اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر)12.
وإذا تطهر العبد بركعتيه وسجد مع الساجدين وخرجت الدنيا من قلبه إلى يده وعلم أن الدنيا ساعة وهي ليست بدار مُقام وأن القبر آخر منازلها ؛ هنالك تحصل العظة ، و(الكيِّسُ من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني)13.
من مواضيع روضة في المنتدى:
تـذكرة القبر والموت والآخـرة
سبيل محبة الله - سورة العصر
رائعة بوحبيلة المنشد الجزائري.. ...
التربية الذاتية
أسباب عذاب القبر وكيفية النجاة منه
أحوال الجاهلية
خلق التواضع : من خصال أهل القرآن
أحسب وشوف وزنك المثالي
أين ضاعت العقيدة
المسجد: القاعدة المادية لبناء الأمة المسلمة
الرأي العام وأهميته
إعجاز القرآن* رمضان كريم*
|