رد: المسجد: القاعدة المادية لبناء الأمة المسلمة
ولِما رآه من هزال الفهم لدور المسجد صَدَعَ أديب القرآن الرافعيُ رحمه الله بحقيقة دور المسجد فقال: (فالمسجد في حقيقته موضع الفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع ؛ هو فكر واحد لكل الرؤوس ، ومن ثم فهو حل واحد لكل المشاكل وكما يُشَقُّ النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم ؛ يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله)
ويتابع فيقول: (فما المسجد بناءً ولا مكانا كغيره من البناء والمكان ؛ بل هو تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويضطرب فان الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها ، وهذه كلها يمحوها المسجد ، إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة الصدر وبراءة القلب وروحانية النفس ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء ؛ فكأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا عن أعضائه قبل دخول المسجد)6.
فإن سألت عن أسباب التشرذم بين المسلمين ، قلت لك: ضياع فقههم لدور المسجد ، وإن حيرتك كثرة خلافاتهم لَفَتُّ نظرك إلى تفريطهم بالقيام برسالة المسجد ، وإن أذهلك التباين الشديد في آراء كثيرين منهم وتضارب أفكارهم ، وبحثتَ عن حل فما أنت بواجد خيرا من المسجد ، وإن أردت معالجة العلل وبناء النفوس وتربية الأمة وحمل العقيدة فعليك بالمسجد ، وإن آذتك الأنانية الطاغية في الحياة والانهماك في الشهوات ، والجفاء عن الخلق والأدب والدين ، فاعلم أن بداية الإصلاح من المسجد ؛ لا بالحفاظ على جدرانه ومعانيه مفقودة ، ولا بتزيينه والقلوب خواء ، ولا بملئه بأجسامنا والنفوس معلولة لا تعشق إلا متاع الحياة ، بل بإعطائه حقه فيكون هو الفكر الواحد لكل الرؤوس.
إن الإنسان الفرد قد لا يثمر فيكون صفرا في حسابات الحياة ، وألف صفر ما كانت لتساوي إلا صفرا ، فإذا اجتمعت إلى الواحد كانت ذات قيمة هائلة ؛ لا تدع سبيل خير إلا وتناله ، ولا سبيل أذى إلا وتبعده ، والواحد هنا ليس رقما رياضيا مجردا ، بل فكراً إيمانياً مُوحِداً يجمعنا فنحقق من خلاله أمر الله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)7 ، وننطلق من خلال حديث الهادي : (المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا)8 .
فإن أتى من يريد أن يكون لوحده بعيدا عن الجماعة منزويا باهتماماته وأفكاره ، مترفعا عن إخوانه ؛ يظن أنه يحقق بذلك الفكر الواحد ؛ قلنا له لعلك كسور عشرية اجتماع الأصفار إليها يزيد ضعفها..
فان أصر أنه الواحد رغم بعده عن إخوانه قلنا له: مالنا بد من مصارحتك بفقه عمر علمه للناس بعدما تلقاه من المعلم الهادي إذ يقول: (عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقَة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ؛ من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة…)9 حديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم من طرق صحيحة ، ومن يفقه هذا تفتح له أبواب النعم فيعرف أنها لشدة قربها تكاد تخفى ، فيرفع يديه يدعو ويقول: (اللهم عرفنا نعمك بدوامها ولا تعرفنا نعمك بزوالها) ، وكما يقول الإمام أحمد رحمه الله: (قبيح على من أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي معتمدا على غيره) ، وقبيح بالمسلم أن لا يدري موقعه في منظومة عقيدة توحيدية مذهلة يكاد لا يحس بها لشدة قربها فيذكره بها رجل دخل في الإسلام بعد أن كان من أقطاب مناهج الإضلال في الأرض ، ثم عاد إلى الله وقام يصلي ، فوجد أن (الصلاة تربط الإنسان بالخالق سبحانه وتعالى ثم تربطه كذلك بالبشر جميعا فإن قِبلات جميعِ مساجد العالم تشكل حول الأرض دوائر متحدة المركز ترمز إلى وحدانية الله ، وتتغير مواقيت الصلاة بتغير خطوط الطول ليكون هناك في كل لحظة جبهة تسجدُ ، وأخرى ترفع من السجود في موجةٍ عظيمة من العبادة تتدفق بلا انقطاع في أرجاء الأرض)10.
وهكذا في كل عبادة وطاعة ينطلق المسجد مثل نهر تقف الآفات عند شاطئيه لا تستطيع تجاوزه ، ويحمل الحياة إلى الأرض العطشى في ظلال عقيدة التوحيد ، ليكون المؤمنون يدا واحدة وقلبا واحدا وروحا واحدة في هدير إيماني عظيم غايته (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) 11.
من مواضيع روضة في المنتدى:
أختاه هل تريدين السعادة
إعجاز القرآن* رمضان كريم*
بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ( رد على مناهج التجهيل)
شبهات في مصطلح الحديث
خمس نقاط من عوامل الثبات
الحـرب علـى التائبـات..!
لازلت مسلما
الالتزام بين الطالب والهارب
من حق اخواننا علينا
ذكرى ولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم*نية لا جُبن معها*
سؤال ومعلومة *الشيخوخة*
أحسب وشوف وزنك المثالي
|