رد: الفكر التفكيكي ورفضه ( ما أنا بطارد الذين آمنوا )
إن قانون الدعوة الأول (إن أجري إلا على الله) إن لم يكن متحققاً بالكلية فسوف ينفر الناس من صاحب الدعوة كائناً ما كانت العبارات من الصواب التي تخرج من فمه ، فكيف إن كان الأمر لا قيد له ولا ضابط.
الفكر التفكيكي الذي يقلقل ولا يبني وضعت أسس نسفه في منطلقات الأنبياء عليهم السلام ، (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون)5 ؛ أهل الإيمان وعقيدتهم ومنظومتهم الاجتماعية والفكرية والنفسية هي صاحبة السيادة والأولوية.
المشكلة أيها الأخوة في كيفية التعامل مع ما يخطر ببالنا أنه بحاجة إلى فهم جديد ؛ الفقيه المسلم ... الداعية المسلم ... المفكر المسلم الذي مبدأه : (إن أجري على الله) دون أن يكون الهدف إرضاء أمير ولا وزير ولا غني ولا فقير ولا جماعة ولا حزب ينظر إلى ما يطرأ في الأمة من مشكلات فيقرر أن الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة هي الإطار الذي يتحرك من خلاله ؛ فإذا أتت ضرورات تزحزح حكماً من الأحكام الاجتهادية عما هو مستقر عليه ، نُظر فإن كان الكتاب والسنة يتسعان لرأي جديد أو قديم يُجَدَّدُ لا يخالف مقاصدهما ، لم يكن هناك غضاضة في تبنيه والتزامه ، ومثال ذلك : إلزامية الشورى فكثرة من فقهاء المسلمين يرون أن الشورى غير ملزمة للأمير ، ولكن إذا وجد الفقيه أن مقاصد الشريعة وتجارب التاريخ وعبر الأمم وما مرت به الأمة المسلمة من نكبات بينت بجلاء أن هذا الأمر سبَّبَ استبدادية في الرأي وتلاعباً بالشعوب وزجاً بالطاقات في غير موضعها فوصل إلى نتيجة تقول بإلزامية الشورى ؛ فهذا الأمر ظاهر الحكمة ، ولا يخرج عن الكتاب والسنة ، وقد نقل القاسمي عن الإمام الرازي أن من وجوه مشاورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه أن المشاورة لا لأجل أنه محتاج إليهم ، ولكن لأجل أنه إذا شاورهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصح في تلك الواقعة فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها ، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد ؛ انتهى. فإذا كان هذا الحال مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف بمن دونه.
العلَّامة المودودي شديد التبني لفكرة عدم إلزامية الشورى فلما رأى ما سببته من كوارث في بعض الأحيان على الشعوب المسلمة أو الجماعات الإسلامية التي تريد أن تحارب الاستبداد وبنيتها الهيكلية قائمة على طريقة استبدادية ؛ لما رأى ذلك رجع عن رأيه إلى القول بإلزامية الشورى للأمير.
المهم أن هذا الأمر في سعة وتُتقصدُ فيه مصلحة المسلمين ، ولكن هناك أموراً أخرى لا يجوز تجاوزها ولا القفز عليها بحال من الأحوال ؛ خذوا مثالاً عن ذلك موضوع الربا الذي لم يأت في كل كتاب الله تحذير شديد مثلما أتى فيه (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون)6، والذي يأتي ويفتي الناس بحل الربا أو معاملاته فإنما يوقع الأمة في إشكال خطير أوله إخراجها من كنف الله ورحمته وعنايته (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم)7، وكما تحصل الخشية بالخوف على النفس من القتل والتخطف من الأرض تحصل الخشية من التدهور الاقتصادي والتخطف من عالم الأموال فيردنا الله إلى الاعتماد عليه الثقة بشريعته وما اختاره لنا سبحانه.
ثانياً: تربية النفسية الأنانية الضيقة التي لا تنظر إلا إلى المنفعة القريبة وتغفل عن العاقبة المريعة ، وحقيقةً فإن النظام الربوي هو أبشع ما ابتليت به البشرية في أطوارها الاقتصادية وكل الباحثين الاقتصاديين يعلمون أن النظام الربوي العالمي قد دمر الدول النامية لصالح الدول الصناعية ، بل إن هناك صناعةً مخيفةً اسمها صناعة الجوع وصناعة الكوارث الاقتصادية تمتلكها الدول الكبرى وتمتص دماء الشعوب المستضعفة التي باتت كالعبد الذليل تقبل الضغوط السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية بسبب أنها مربوطة بشكل محكم بشبكة عنكبوت اقتصادي مرعب هو الدول الصناعية الكبرى التي تتحكم بالعالم عن طريق النظام الربوي.
ثالثاً: قبول النظام الربوي يدمر الاحتياطي الاستراتيجي من الفطرة البشرية ويدمر البعد الإنساني فيها فالإسلام لا يرضى أن يكون مصاص دماء لأحد وكل أمة تقبل الربا فإنما تعلن انسحابها من التواصل الإنساني الذي يقوضه نظام الربا يما ينشؤه في النفوس من عشق المال والترف والاستغلال والأثرة والأنانية والجشع.
رابعاً: التنازل النفسي عن تحريم الربا يماثل تماماً أمة أعلنت الاستسلام المادي والمعنوي في وجه عدوها ؛ بدل حشد كل طاقاتها لمواجهته والخلاص منه ؛ لذا فالربا يبقى حراماً إلى يوم الدين ، ومهما اشتدت الظروف الاقتصادية ، ومهما حاصرت القوى الاستكبارية العالمية الشعوب الضعيفة فإن الربا يبقى في حس الإنسان المسلم حاكماً كان أو وزيراً أو مسؤولاً اقتصادياً أو مواطناً عادياً ؛ يبقى حراماً وإن تعامل معه وفيه ، وتسألون ما الفرق مادام الضغط قد أدى إلى القبول العملي بالتعامل! والفرق هائل ... من أن يُحتل قلبك بحرام تفقد معه الصلة مع الله تعالى وتدمر مقومات الأمة المسلمة المادية والمعنوية وبين أن يكون الحرام الذي يلابسك إنما هو ضرورة قاهرة على صعيد أمة أو مؤسسة أو فرد ؛ وفي القلب نفور شديد منه ، والعلاقة معه كمثل قطرات ماء فوق شمع بارد لا تقدر على الامتزاج فيه أبداً مهما مكثت فوقه ، وهزة واحدة تزيلها. أترى لو أن عدواً خبيثاً مثل بني صهيون أو الصرب احتل دياركم وخرَّبَ مساجدكم واغتصب نساءكم وأيتم أطفالكم ؛ ثم قهركم بسلاحه وقوته ؛ أكنتم ترضون بذلك في أعماق قلوبكم أم أن جذوة المقاومة والرفض والبغض العارم والإعداد ليوم الخلاص تتقد وتتقد حتى إذا نادى المنادي أن يا خيلَ الله اركبي نفرتم جميعاً ؛ فامتزجت دماءكم سيلاً أحمر قانياً يغسل عاركم ولا يبالي بغالٍ ولا نفيس من أجل الخلاص ، وكذلك الاحتلال الاقتصادي للأمة المسلمة لا يجوز أن يذيقها طعم النوم أو السبات الحضاري ؛ لأن في أعماق النفس هدير إيماني لا يقبل بسوى شرع الله بديلاً ؛ حربه ليست في جزئيات صغيرة بل مع نظام عالمي أخطبوطي وجوده إثم من الأثام التي لا تستريح البشرية المنكودة إلا بإزالته.
وعندما يأتي من يتحدث عن ضرورات تحيط بالحياة ؛ قلنا له ما دامت شريعة الإسلام هي شريعة الله الحق فهي لا تغفل ضرورات الناس الفعلية ، وكلكم تعلمون القاعدة الشرعية الضرورات تبيح المحظورات التي تأتي أخت لها لتقول الضرورة تقدر بقدرها وما في تاريخ الفقه الإسلامي سد أبداً في وجه حاجة حقيقية للأمة ؛ أما الحاجات النفسية والأهواء الخاصة والأصابع الخفية لفكر رأسمالي أو ماركسي تغريبي أو تهويدي ، تفريغي أو تحطيمي، فليس مسموحاً لها بحال أن تأخذ مكاناً في رحاب الفقه الإسلامي ، ومقولات التجديد المزعوم إن كان القصد منها استنباط الأحكام الشرعية لمستجدات الأمور أو مراجعة بعض الاجتهادات التي تتغير بتغير الزمان والمكان والمجتمعات في ضوء الكتاب والسنة والصحيحة فهذا مما لا لبس فيه بل هو واجب شرعي تأثم الأمة إن لم يقم أحد به ؛ أما إن كان القصد هو الإتيان في كل يوم بما لا يُعقل ولا يُفهم فهو مرفوض وإن أتى به حملة الأسفار! كمن زعموا أن المرأة يجب أن تتحرر ، وقلنا: كلام عام يتحمل الخير والشر فقيدوه وخصصوه حتى نفهمه ؛ فقالوا: ما بين الفخذين عورة والفخذان ليسا بعورة ، و(إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)8.
من مواضيع روضة في المنتدى:
( 50 ) معلومه قيّمه
السكريات بطيئة الهضم*** الأغذية ذات عامل الغليسيمي المنخفضIG ***
التكامل والتوازن في التربية
السكري
أفغنستان
القابضون على الجمر
19 خطأ في التعامل مع الاخطاء
دعوة للمصارحة
نصائح هامة لعلاج الدوالي
خير جليس
إعجاز القرآن* رمضان كريم*
أحوال الجاهلية
|