رد: العفة
وقفات تفسيرية:
ليس الحديث عن تفسير السورة وآياتها مجال حديثنا هنا، لكن هناك بعض الآيات تحتاج إلى وقفة عاجلة وذكر لما قاله المفسرون فيها، ومنها:
الوقفة الأولى:
قال تعالى: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " فدلت هذه الآية على أن كلا من يوسف والمرأة قد هم بصاحبه، أما هم المرأة فقضية واضحة لا إشكال فيها، والإشكال إنما هو في هم يوسف عليه السلام بالمرأة. فما معنى الهم هنا؟
أقوال المفسرين كثيرة نشير إليها بإيجاز ثم نختار بعد ذلك مايظهر أنه يليق بمقام أنبياء الله. وقبل ذلك هناك مقدمة لا بد منها وهي: أننا نعتقد نزاهة أنبياء اللّه ونزاهة يوسف عليه السلام، ويوسف ما أورد اللّه قصته في هذه السورة إلا أنه نموذج ومثل يحتذى. ولا ينبغي أن نستطرد في ذكر الأقوال التي هي منقولة عن بني إسرائيل وفيها اتهام ليوسف عليه السلام، وتصوير لا يليق بنبي من أنبياء اللّه.
ومن سوء الأدب مع نبي الله الكريم بن الكريم بن الكريم : ما يروى عن بعض الناس أنه دعته أعرابية فامتنع فرأى يوسف في المنام فقال من أنت؟ قال: أنا يوسف الذي هممت وأنت لم تهم. فكأن مثل هذا يرى أن منزلته أفضل وأعلى من منزلة يوسف عليه السلام.
المهم أننا عندما نقرأ في كتب التفسير حول هذه القصة أو غيرها يجب أن لا ننساق وراء بعض الإسرائيليات التي تحط من شأن الأنبياء ومنزلتهم عليهم السلام، وعلينا أن نقرأ هذه الأخبار ونتعامل معها بروح التقدير واعتقاد العفة والمنزلة العالية لأنبياء اللّه عليهم صلوات الله وسلامه.
نعود إلى الحديث عن أقوال المفسرين:
القول الأول: أنه هم بهذه الخطيئة ولم يعملها والنبي r قال: " من هم بسيئة ولم يعملها كتبت له
حسنة كاملة". ومثل ذلك: أن الرجل يحدث نفسه لكنه لا يقدم على الفعل، كما يحدث الصائم نفسه أن يشرب الماء البارد.
فهذه حسنة يثاب عليها كما أخبر r . في شأن من هم ولم يفعل.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن اللّه عز وجل لم يذكر عن أي نبي من أنبيائه أنه وقع في معصية إلا وذكر أنه تاب منها واستغفر منها. فهو هنا لم يذكر أن يوسف عليه السلام تاب واستغفر وهذا يعني أنه لم يقع منه أي معصية.
القول الثاني: قالوا إنه هم بضربها.
القول الثالث: إنه حدث نفسه أن تكون زوجة له، لما رأى جمالها.
القول الرابع: قال به ابن حيان واختاره الشنقيطي في أضواء البيان وأطال في استظهاره، ومؤداه أن يوسف عليه السلام لم يقع منه الهم أصلا لأن اللّه تعالى قال: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه). ولولا حرف امتناع لوجود ، فهو هنا قد امتنع منه الهم نظرا لأنه رأى برهان ربه. وكأن الكلام فيه تقديم وتأخير مثل قول اللّه عز وجل :(إن كادت لتبدي به لولا أنربطنا على قلبها". فهي لم تبد به أصلا لأن اللّه ربط على قلبها. وهنا يوسف عليه السلام لم يهم بها أصلا لأنه رأى برهان ربه. وهو قول له وجاهته.
وإن لم يصح هذا فالقول القول الآخر الذي لا ينبغي خلافه : هو أن يوسف عليه السلام حدثته نفسه لكنه لم يفعل شيئا. وأما ما يذكرونه أنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم رأى صورة يعقوب، ثم أقدم ثم رأى كفه، ثم أقدم حتى دفعه جبريل بيده، فيوسف عليه السلام أبعد من ذلك.
والواجب على المسلم أن يعتقد تنزيه أنبياء الله تبارك وتعالى، وألا يقبل من الأخبار في حقهم إلا ماجاء في القرآن الكريم، أو صح عن النبي r.
الوقفة الثانية:
قوله تعالى (لولا أن رأى برهان ربه) فما المقصود ببرهان ربه؟
للمفسرين في ذلك أقوال عدة، منها:
أنه رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله.
ومنها: أنه رأى كف يعقوب.
ومنها: أنه رأى آية ( ولا تقربوا الزنا).
ومنها: أنه رآها مكتوبة على جبهتها.
ومنها: أنه رآها مكتوبة على الحائط.
ومنها: أنه خرجت له كف مكتوب عليها (ولا تقربوا الزنا) ثم لم يمتنع ثم خرجت له كف مكتوب عليها (و اتقوا يوما ترجعون فيه إلى اللّه) ولم يمتنع حتى جاء جبريل ومنعه وهذا كما قلت لا يليق بحال يوسف عليه السلام.
ومنهم من قال: إن جبريل دفعه بيده حتى هرب بعد ذلك.
ومنهم من قال: إنه كان هناك صنم في الغرفة وجاءت تغطيه فقال لماذا؟ قالت استحي من إلهي، قال وأنا أحق أن استحي.
هذه الأقوال مروية عن بني إسرائيل وليس عليها دليل صحيح، وليس لنا حاجة أن نعرف ما هذا البرهان ولو كان هناك حاجة لأخبرنا به اللّه سبحانه وتعالى. واللّه عز وجل أبهمه كما أبهم أسماء أصحاب الكهف، أو القرية…وغير ذلك، وإنما ذكرناها لأن هناك من يتساءل عنها ويثيرها.
والأمر المهم في ذلك أن الله تبارك وتعالى أكرم نبيه وحماه من الوقوع في المعصية بأن أراه هذا البرهان.
الوقفة الثالثة:
قوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها)وما قلناه في البرهان نقوله هنا، فلا حاجة للاستطراد فيما قاله المفسرون حول هذا الشاهد حتى نتربى ونتعود على هذا المنهج.
فما هذا الشاهد؟ هل هو رضيع؟ أم رجل كبير؟ أم القميص؟ هذا أمر لا يعنينا المهم أن اللّه وفقه ورأى هذا الشاهد على براءته ونزاهته عليه السلام.
الوقفة الرابعة:
قال يوسف عليه السلام(معاذ اللّه إنه ربى أحسن مثواي) ما المقصود بربي هنا؟
والمقصود هو العزيز وهذا اللفظ كان مستعملا عندهم ومثله قوله (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن) وقوله (اذكرني عند ربك) كل هذه مقصود بها العزيز؛ فهو قد أحسن مثوى يوسف عليه السلام فلا يليق أن يخونه في أهله.
ولكن لماذا اعتذر بهذه الحجة ولم يخوفها باللّه والمانع الأقوى والحقيقي هو الخوف من اللّه؟ قالوا:لأن هذه المرأة قد استحكمت لديها الشهوة، فلو خوفها بالله عز وجل لم ترتدع، فأراد أن يصرفها عنه بأقوى مايعتقد أنه رادع لها، وقد كان يوسف عليه السلام يظن أن زوجها يملك قدرا من الغيرة يحمله على ردعها.
وهذا فيه درس : أن الإنسان يصرف الفتنة والسوء بما يناسب المخاطب، فقد يكون شخص ضعيف الإيمان فحين تحدثه عن الأمراض الجنسية والعقوبات الدنيوية التي يعاقب بها من وقع في الفاحشة كان أردع له، فينبغي أن يردع بما يردعه، ومع ذلك لابد من الاعتناء بتأصيل الخوف من الله والاستجابة له عز وجل.
من مواضيع روضة في المنتدى:
ابن القسيس الذي اسلم
أعجزت أن تكون كعجوز بني إسرائيل ؟
الأسرة مفتاح الهزائم والانتصارات (إتقان الهندسة البشرية)
عشر قواعد من عوامل الثبات
كيف تدخل في الاسلام
دعوة للمصارحة
الشاب غير الملتزم
الورع
أسباب النزول
الاسلام ديننا العربية لغتنا الجزائر وطننا
أحوال الجاهلية
اجلس بنا نؤمن ساعة
آخر تعديل بواسطة روضة ، 14 -07 -2007 الساعة 01:27 AM.
|