رد: الرشوة والضرورة
إن الضابط الشرعي يقوده فيعلم أولا : أنه لا يجوز له أن يبادر إلى فتح باب الرشوة في أي ميدان كيلا يسن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
ثانيا: أن يفعلها اضطرارا لا اختيارا ؛ فتبقى في حسه إثما وحراما يقارفه مضطرا ولا يكون لها تخريب في نفسه كمن فعلها استباحة ورضا مع تنبهه إلى أن الضرورة تقدر بقدرها.
ثالثا: أن يحاول ما استطاع الخروج من شبهة الرشوة ؛ كمثل من علقت له قضية في مكان وطال العهد بها فسأل وفتش فقيل له هناك معلوم يجب أن تدفعه فذهب إلى الذي يأخذ المعلوم فقال له : ما الذي يحملك على أخذ المال من دون حقه ومن دون رضا أصحابه ؛ فشكا الرجل وبكى وتعلل بأولاد سبعة يعولهم والمرتب لا يكفي والغلاء شديد ؛ فقال صاحب القضية : اسمع يا أخي الرشوة حرام ، والمال الحرام لا بركة فيه وكم رأينا من جمع الملايين من دون حق فرأينا عقوبته في الدنيا قبل الآخرة : من ولد يصيبه السرطان أو زوجة تشل أو حياة كلها نكد وشقاء ؛ فضلا عن احتقار الناس له ولعنهم له سرا وعلنا ؛ فطأطأ الرجل رأسه وتذكر قروشا حلالا قليلة كان يدسها في جيبه يوما تغنيه عن الآلاف من الحرام ، ثم قال : ولكن ما الحل؟ ووضعي كذا وكذا؟ فقال صاحب القضية : إن كنت مضطرا فاسأل الناس العون من دون إكراه ، والمساعدة من دون تحكم في أمورهم ، وبقدر حاجتك الفعلية فإن ابن آدم لا يملأ عينه إلا التراب ، ومد يده فواساه ببعض المال قائلا : هذا المبلغ أدفعه إليك مساعدة أخ لأخيه لا رشوة حراما لا أرضاها لك أهوي بها في النار معك ؛ فكادت الدمعة تخرج من عين الرجل. إن هذا الأمر أقل ما يجب في حال الاضطرار ، وهو ينفع مع المستويات الدنيا ممن تنخر في صفوفهم الرشى وفيهم بقايا فطرة ؛ أما المستويات الأعلى فننتقل معها إلى :
رابعا: وهو أنه لا يجوز بحال من الأحوال دفع رشوة لأخذ حق الآخرين ، فما توصل به إلى إذهاب حق أو تمشية باطل فحرمته شديدة ، كمن يأتي على سبيل المثال إلى جمعية سكنية يريد التسجيل فيها فلا يجد شاغرا ؛ فيستغل سفر عضو مكتتب منها استحق دفع قسط له ، فيرشي أحدهم كي لا يرسل له إعلاما إلا بوقت متأخر لا يلحق معه التسديد فيذهب حقه في الاكتتاب فيأتي الراشي الملعون فيأخذ بيته وهذا من الحرام المخيف ؛ أما من اضطر إلى دفع الرشوة لأخذ حقه ، وهو لا يُعطاه إلا بالدفع ؛ فهنا يقع الإثم على الآخذ لا على الدافع لأنه لا يستطيع أخذ حقه أو دفع الظلم عنه إلا بما فرضه الظلمة المرتشون الملعونون ؛ فهو عند الله مضطر لم يقصد الحرام ولا له إليه رغبة وهم آثمون ملعونون (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)5
خامسا: لقد جاءت السنة بلعن الراشي والمرتشي فلم لا تطبق هذه السنة كلما اضطرك أحد إلى رشوته ليبقى قلبك على تمييز ووضوح فإن فعلت كل هذا أتقول لي : إن الحق لم يعد يعرف من الباطل والتبست الأمور والحلال لا يعرف من الحرام. إن وضع الإنسان المسلم في أي وسط فيه انحرافات وضع حرج فعلا ولكنه لا ينسيه الحرام ولا يرديه في المعصية ولا يزجه في الكبائر ، وهذا الأمر في غاية الأهمية فان من يضطر إلى أمر يفعله اضطرارا فسينفك عنه أول ما ترتفع عنه الضرورة ولو كان تحت وطأتها سنين طوالا ، أما من استسهلها ثم رضي بها ثم مات إنكاره لها فلو ذهب كل سبب يغذي الحرام لبقي يفعل الحرام لأنه أضحى جرثومة خبيثة ما دواؤها إلا الاستئصال والإحراق ، وأشبه لك أمور المعاصي والحرام بقصة طبيب فطن حاذق ضاع مرة في مجاهل بلاد ما امتدت إليها يد العلم والحضارة يوما وفيها قبائل متوحشة بدائية ليس له مع علمه وطبه موضع بينها ؛ يعقمون الجروح بمياه الجداول الآسنة ويذهبون الألم بالضرب الشديد ، ويدفعون وساوس المريض النفسي بجمر يطفئونه في جسده ، فلو مكث هذا الطبيب بينهم عقودا من الزمان هل تتغير قناعته بالعلم الذي أكرمه الله به ، وهل يحتقر طبه واختصاصه وهل يقل حرصه عليه ؛ أم يكون كل يوم له بينهم شاهد جديد على أهمية تخليص الحياة من مشعوذ القبيلة وكاهنها وساحرها الذين يستعبدون الناس ، ويجهلونهم ويلقون بهم في المهالك ادعاء للشفاء وهم أسباب التلف والبلاء.

من مواضيع روضة في المنتدى:
لماذا كان الإسلام أسرع الأديان انتشاراً في العالم!
الى كل فتاة
أديان وعقائد
رمضان: بضع نصائح لتجاوز المرحلة
الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة
قصص الأنبياء
العام الدولي للتسامح
سؤال ومعلومة *الشيخوخة*
أفغنستان
( 50 ) معلومه قيّمه
الوضوء وقاية من الامراض الجلدية
بين العدل والإحسان في الحياة الزوجية
|