رد: الرشوة والضرورة

وكذلك المؤمن.. إن أحاط به المنكر يزداد تعرفا عليه ويدرك ضرورة إزالته من الحياة ، ويسافر إلى ديار الغرب ويرى الإباحية الجنسية فيوقن برحمة الإسلام وسموه وعظمته ويأخذونه مع عمار بن ياسر فيعذب حتى ينطق بكلمة الكفر فتخرج من لسانه اضطرارا وكل ذرة في كيانه تقول مع بلال : أحد أحد ، ويبتلى بالظلم أو الرشوة أو أكل الأموال من حوله فلا يجعله ذلك أحد دعائمها ولا يألفها قلبه ولا يرتضيها سلوكه وينظر في الشرق والغرب فيرى الشعوب تئن من الظلم وأكثر كبارها يبتلعون ويبتلعون ، وأممهم تحترق ؛ فيعلم أن أوخم العواقب إنما بدأت من أصغر حرام.. فتنفر نفسه من الحرام كله ومن الظلم كله ومن الفساد كله وان أجبر عليه ألف مرة ومرة.
فإن أدرك ذلك نظر إلى قرآنه تفكرا وتدبرا فعلم النقطة الثانية وهي أن من وجوه إعجازه فضحه الشمولي لأسباب الفساد والكفر والنفاق فمن علمها لم يخدعه أحد يوما ؛ فإن الغافل أو الجاهل إنما يؤتى لعدم معرفته بأن الفساد يتخذ شكلا نفاقيا في الحياة يدجل فيه على الناس فتختلط الأمور عليهم وصدق تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين)6 ولقد صرف الله تعالى في هذا القرآن للناس من كل مثل ؛كيلا يضيعوا ، وكما تركب الصورة المدهشة من آلاف القطع الصغيرة التي يسمونها الـ (puzzle) فكذلك فساد الأرض كله ينظر الناس إليه من خلال القطع الصغيرة فلا يحسون بخطره فإذا اجتمعت في فكرهم و أمام أنظارهم القطع بان الفساد صورة واحدة بشعة ؛ لو عرفها المؤمن لهان عليه دمه وماله وأهله وولده في سبيل دفع أذاها عن الحياة كلها ، والتفصيل في الموضوع لا تحتمله الخطبة وإنما نشير إليه إشارة ؛ فمن وجوه الإعجاز القرآني فضح النفسية النفاقية على كافة المستويات بدءا من فرعون موسى (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)7 ، وهي نفسية الطغاة فانهم يظنون أن الإيمان شيء يظهرونه يوافقون به ما يهوى الناس ، والسياق القرآني يظهر لنا كيف أن فرعون لم يقل : لا إله إلا الله بل قال : (لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) أي أنه حتى في لحظات الغرق ظن أن النفاق لقومه سينجيه ؛ فماداموا مسلمين لله قال: وأنا من المسلمين ، ولو كانوا شعبا آخر لقال لا إله إلا الذين تؤمنون به ، وأنا على دينكم (لا اعتقادا قلبيا بل نفاقا لسانيا للنجاة) فلو كانوا مجوسا لقال انه مجوسي ولو كانوا عباد أبقار أو أوثان أو أصنام أو نيران لألقى إليهم بما يوهمهم معه أنه على دينهم. ولعل دولة النفاق الكبرى الولايات المتحدة تتبع خطى فرعون فهي ساعية في خطة خبيثة لاستئصال كل مد إسلامي في بلاد المسلمين بأمكر الطرق ، ولكنها عندما اصطدمت بالسياسة الفرنسية في الجزائر والتي تعتمد على المواجهة المباشرة ، ورأت أن جبهة الإنقاذ مازالت تتحرك ؛ ألقت حبالها وعصيها في الساحة فقالت: أن جبهة الإنقاذ الإسلامية ليست إرهابية ، وليس السبب حبا بالإسلام ولا بالجبهة ، ومن يتابعون الأمور يعلمون أن الجزائر في خريطة السياسة الدولية تحت الهيمنة الفرنسية ، والولايات المتحدة تريد أن تمتد إليها وتحتويها بطرقها ، والسياسة الأوربية عموما سياسة صدام مباشر أما سياسة أميركا فهي سياسة تطويق واستيعاب طويل ابتداء ثم التحطيم القاسي انتهاء ، وما استطاعت أن تتسلل مباشرة إلى الجزائر ثم رأت أن جبهة الإنقاذ قد صمدت وأن السياسة الفرنسية لم تفلح فأتت تحاول أن تدخل بمنطق فرعون توهم الإسلاميين أنها تتفهم قضيتهم وتشهد بعدالتهم ، والأمور كلها حرب نفوذ واقتصاد وسياسة وبترول وغاز وكلا الدولتين لا تهتمان بإسلام ولا إيمان ولا عدل ولا ظلم ، وبالبارحة كانوا يقيمون الدنيا ويقعدونها من أجل حقوق الإنسان في الصين ثم أعلن فرعونهم الأكبر لما رأى أن الميزان التجاري لن يكون لصالح أميركا لو تمسكت بحقوق الإنسان فلحسها كلها دفعة واحدة ؛ وفي المواجهة لأهل النفاق وأحابيلهم يشير القرآن الكريم إلى أمر في غاية الأهمية وهو قوة الرأي العام : (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه)8 فهو لا يخشى الله فيهزأ من دعاء موسى لربه ولكنه يخشى الرأي العام : (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)9 فهل كان فرعون منتظرا رأي القوم حتى يقتل نبي الله! إنه ككل صاحب باطل يعلم نفسه تماما وما هو عليه فلا يريد أن يتصدى للأمر مباشرة بل أراد أن يظهر أن قتل موسى مطلب شعبي حرصا على الناس من أن يبدل موسى دينهم أو أن يفسدهم وفي هذه الآية عبرة وأي عبرة ؛ فإن لصاحب الحق مقالا ومادام الناس يتكاتفون على الحق ولو بأعينهم إن لم تستطع ألسنتهم وأيديهم فإن الظالم يبقى أبدا يحسب لهم ألف حساب وحساب لأن التاريخ يعلمنا أن الطغاة والظالمين ما قتلوا نبيا ولا آذوا مصلحا إلا كان ذلك سبب انتشار دعوته وإسفينا يدق في نعوشهم فهم يتحرزون أبدا من مواجهة الناس ، وكلمة حق واحدة ترهب ألف ظالم ومتسلط ، ويكفي من الأمثلة المعاصرة أن حرب فيتنام قد أجبرت الولايات المتحدة على الانسحاب منها مهزومة ذليلة لما أصبح الرأي العام الأميركي ضدها ولو بقي نائما لبقي طغاتهم يحاربون ويدفعون بالجنود إلى ما لا يعلمه إلا الله ، أما في بلاد المسلمين المساكين فكانوا قد قتلوا الرأي العام قبل حرب الخليج فلم تبق إلا أصوات منفردة خسرت الجولة تكتيكيا ، ولكنها استراتيجيا كسبت كسبا ربانيا بفضح كل من تآمر على بلاد المسلمين ؛ كل من أطفأ الصحوة الإسلامية في بلاده ؛كل من أذل العلماء بالضغط لينتزع الفتاوى الباطلة ؛ كل من ينهب الأمم باسم التسلح والدفاع فلما أتت ساعة المعركة رأينا أكثر من ثلاثين دولة فاجرة تنقض علينا لا دفاعا عن بلد مجتاح ولا كرامة ضائعة بل صيانة لنفوذ واقتصاد ونفط.
إن العالم الإسلامي في ضعف شديد ولكن الساحة فضحت الكل فلم تبق إلا كلمة الإسلام تحن إليها شعوب المسلمين ولا ترى الخلاص إلا بها بعد أن أصبح من التزامات السلام مع اليهود الكفرة أن لا تذكر كلمة الجهاد أبدا ؛ أما (إسرائيل) فلم يفرض عليها تدمير سلاحها النووي الرهيب ولم يسألها أحد عن صفقة الطائرات المتطورة جدا البالغة ألفي مليون دولار التي عقدتها قبل أسبوع ، وإذا فشت الرشوة في أية أمة على وجه الأرض فأي شيء لا يمكن شراؤه فيها.
من مواضيع روضة في المنتدى:
فضائل الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله و سلم
الشاب غير الملتزم
الالتزام بين الطالب والهارب
الدعاة الصامتون
قصة إسلام إبراهيم خليل فلوبرس
الزكاة
إني لا يخاف لدي المرسلون
خلق التواضع : من خصال أهل القرآن
الاسلام والرعاية البدنية
الحجاب الشرعي للمرأة المسلمة
العاطفة
الحـرب علـى التائبـات..!
|