رد: التكامل والتوازن في التربية
من صور التكامل والتوازن في المجال الفردي:
إننا لا نستطيع أن نأتي على جميع ما نريد فلعلنا نقتصر على بعض النماذج على المستوى الفردي وعلى مستوى المجتمع كله .
أولاً : في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه:
إن من التكامل والتوازن في التربية هو أن يُربَّى الفرد على التوازن في التعامل مع نصوص الشرع وأحكامه؛ فالغلو صفة ممقوتة مرذولة بالعقل ويأباها ويرفضها الشرع، والإهمال والتجاوب مع رغبات النفس وشهواتـها لا يسوغ أن تكون بديلاً للغلو ] ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً [، ] وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا [ .
إننا حين نربي أبناءنا على الفوضى والتساهل في الأحكام الشرعية والتفلّت منها، فإننا نربيهم تربية غير متوازنة تربية متطرفة إلى جانب دون جانب، وإننا حين نربيهم على الغلو والمبالغة فإنها هي أيضاً تربية غير متوازنة.
إننا كثيراً ما نسمع الشكوى من أن الابن يواجه - مثلاً – التعويق من أبيه وهو يدعوه إلى التجاوب مع شهواته، يدعوه إلى التجاوب مع التقصير والإهمال بل نرى الأب وللأسف يحض ابنه على التقصير في الصلاة، والتهاون فيها، فيما نرى الأب أحياناً يدعو ابنته إلى الزهد في الحجاب والعفاف والفضيلة. إنها تربية غير متوازنة، تربية متطرفة، تربية تخل بهذا المبدأ، تخل بهذه الوسطية التي جاء عليها شرع الله - عز وجل - .
ثانياً :التكامل والتوازن في تربية ومحتوى الشخصية:
إن التربية التي نطالب بها الأبوين لابنهما ليست أمرُه بالصلاة فقط، ونـهيه عن سائر الأخلاق السيئة فقط، وإن كـان هذا أساساً ومبدأً هاماً من مبادئ التـربية، فالتربية السليمة لابد أن ترعى صحة الابن، إنه لا يسوغ أبداً أن تهمل الأم ابنها أو طفلها الصغير أو طفلتها تجاوباً مع داعي النوم الذي يدعوها للراحة، ولا يسوغ أبداً أن تكون المكالمات الهاتفية والحديث مع بنات جنسها مدعاةً لانشغالها عن صبيتها ورعايتهم، والأب كذلك هو الآخر.
لهذا يوصي النبي e في حديث جابر في الصحيحين، أن نحرص على رعاية الأبناء وحمايتهم مما قد يضرهم. يقول e: "إذا كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ" فهو يأمرنا r أن نحرص على صحتهم وأن نحرص على إبعادهم عما قد يضر بها، ودخل r فسمع صوت صبي يبكي فقال: "ما بال صبيكم هذا؟ فهلاّ استرقيتم له من العين" رواه الإمام أحمد. ولهذا يوصي ابن القيم – رحمه الله – برعاية هذا الجانب، فيقول:"ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خُلُقه فإنه ينشأ على ما تعود في صغره من غضب ولجاج وعجل وخفة مع هوى وطيش وحدّة وجشع، فيصعب عليه تلافي ذلك".
ثالثاً :مراعاة جوانب الشخصية المختلفة:
إن المرء له جوانبه العقلية وجوانبه المعرفية وجوانبه الوجدانية؛ فالتربية السليمة ينبغي أن ترعى هذه الجوانب كلها ولنقرأ – على سبيل المثال – قراءة سريعة عاجلة في التربية والتعليم الذي نراه على مستوى الأمة الإسلامية، هل التربية المدرسية الآن ترعى هذه الجوانب كلها أم أنها تتعامل مع جانبٍ واحدٍ فقط من هذه الجوانب؟ ماذا يتلقى الطالب في المدرسة؟ إن الذي يتلقاه لا يزيد على أن يكون معلومات معرفية مجردة جافة، وحتى هذه المعلومات تعطى إليه تلقيناً يطلب منه أن يعتاد أن يخضع ويسلم، وأن يعتاد على مبدأ التسول الفكري، يعتاد على أن يلغي عقله ويلغي تفكيره، فكل ما يقوله له والده صواب لا يحتمل الخطأ، وكل ما يقوله له حق لا يقبل الخطأ ولا النقاش.
إن هذه تربية غير متكاملة تربية لا متوازنة، إننا بحاجة إلى أن نعيد إلى النظر في مناهجنا التربوية، هل هي تغطي هذه الجوانب التربوية أم لا؟
ولك أن تتساءل كم هم من الشباب والفتيات الذين يعيشون في سن المراهقة ويعانون من مشكلات معيّنة تثور مع هذه المرحلة؟ وهل مناهج التعليم في العالم الإسلامي تتعامل مع هذه المشكلات في هذه المرحلة بما يليق؟ كم نرى في العالم الإسلامي بأسره من الشباب والفتيات من رواد الجامعات ورواد المدارس، ممن يكونون ضحية للمخدرات أو للانحراف الجنسي أو للخلل هنا وهناك، فأين أثر التربية ؟ أظن أن جزءاً كبيراً من المشكلة يكمن في أن التربية هنا تربية غير متكاملة فهي لا ترعى إلا جانباً واحداً فقط هو الجانب المعرفي فحسب .
رابعاً :التكامل والتوازن في الجانب الواحد:
وفي الجانب الواحد في الرفد ذاته نحتاج إلى تكامل وتوازن؛ فالتربية العلمية –على سبيل المثال- بحاجة إلى أن تكون تربية متكاملة متوازنة، وهذا يعني أن تتنوع التخصصات، وأن يتربى الشاب، على أن يحمل رصيداً متكاملاً وخلفية علمية متكاملة مما يحتاج إليه في مرحلته وسنّه، ويعني ثانياً – أيضاً – أن يتعلم أدوات البحث ووسائله ومراجعه، ويتعلم المنهج العلمي الصحيح؛ فلا يكون التعليم قاصراً على شحن ذهنه بالمعلومات فحسب، وحين نمعن في مراجعة التربية المعرفية وحدها نجد أن هناك شرخاً واضحاً في هذا الجانب وخللاً واضحاً في رعاية التكامل والتوازن فيه، فما بالكم بسائر الجوانب الأخرى.
وأختم الحديث عن الجانب الفردي بعبارة للحسن - رضي الله عنه – وكأنه يخاطب بها جيل الصحوة، يقول: " العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح؛ فاطلبوا العلم طلباً لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا تضروا بالعلم، فإن قوماً طلبوا العبادة وتركوا العلم، فخرجوا بأسيافهم على أمة محمد e " – يقصد بذلك الخوارج – ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا من الخروج عن منهج محمد e.
فحري بجيل الصحوة أن يتربى تربية متكاملة، تربية تعنى بالعبادة الحقة والصلة بالله – عزوجل– والعناية بالجانب العلمي والمعرفي، والعناية بالجانب العملي والدعوي والتطبيقي وأن تكون تربية متكاملة ترعى هذه الجوانب كلها .
من مواضيع روضة في المنتدى:
العلاج بالقرآن والسُّنَّة
بين العدل والإحسان في الحياة الزوجية
أسباب النزول
رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم
الأحرف السبعة والقراءات
قوانين الحرب النفسية وبناء الأسرة المسلمة
أخلاف بني قينقاع – لماذا يحاربون الحجاب
الحوار والجدل
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
أختاه هل تريدين السعادة
قصة إسلام إبراهيم خليل فلوبرس
أحوال الجاهلية
أخر تعديل بواسطة روضة ، 27 -07 -2007 الساعة 10:47 PM
|