رد: محنة العقل المسلم
مجاز وحقيقة
استأنسنا في كتاب "حقوق الإنسان" بمجاز عين العقل وشبكيته وقرنيته وبلوريته وما يعتريها من أمراض. واستأنسنا بمجاز الدماء الثقافية ومصبها ومجاريها ووظائفها الموازية لوظائف الدماء البيولوجية.
هيأنا الاستيناس بالمجاز للوقوف على حقيقة من الحقائق الجوهرية التي يبسطها الوحي بسطا، ويكررها تكرارا، ويضرب لها الأمثال، لكن يمر عليها قارئو القرآن مرا لا يكادون يقفون معها.
هذه الحقيقة هي أن العقل عقلان. ما نسميه عقلا لغة وتعريفا للملكة المشتركة بين البشر ليس هو مسمى العقل في القرآن.
العقل في القرآن فعل حاسة باطنة في الإنسان تسمى القلب. العقل تلق لحقائق الوحي بواسطة القلب.
والفقه في القرآن علم ينشأ في باطن الإنسان في قلبه.
والتفكر حركة قلبية تتدبر الكون استدلالا على الله.
هذا العقل المعاشي المشترك بين البشر إما يكون آلة للقلب يخدم تطلعات القلب إلى خالقه، وإما يكون آلة للهوى المتأله، أو للنفس والشهوات، أو للفلسفة والتأملات، أو للفعل في المكونات، أو لجمع المعلومات واستنتاج حصيلة الماجريات.
وكمال العقل الآلة أن يخدم القلب وتطلعاته خدمة متزامنة متساوقة مترابطة هنا وهناك. هنا في الكون حيث يشترك مع كافة البشر في طرق تحصيل علوم الكون. وهناك وراء سجف الغيب من حيث لا تتأتى له معرفة إلا باستماعه للوحي.
ذكرت مادة "قلب" في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة. ما منها لفظة تنصرف للعضلة الصنوبرية اللحمية.
وذكرت في القرآن مادة "عقل" خمسين مرة ما منها لفظة تدل على الآلة المشتركة.
وذكرت مادة "فقه" عشرين مرة، ومادة "فكر" ثمان عشرة مرة. كل ذلك دلالة على الوظيفة القلبية الإيمانية.
يأخذ العقل الآلة علومه عن الكون بواسطة الحواس، وبواسطة البديهيات الفطرية، ثم بواسطة المنطق الناشي، لديه من استقراء الثابتات والمترابطات والمستلزمات.
ويأخذ العقل الكامل عن الوحي ما هو من عالم الغيب، وعن المدارك المشتركة ما هو من عالم الشهادة.
يحدث للعقل المومن بالله المصدق للوحي عور إذا أغمض عن المدارك المشتركة، وعجز عن التعلم من الكون، وترك آلته للإهمال والصدإِ. فيفوته ركب الحياة الدنيا، ويقعد مع القاعدين العاجزين.
وذلك نقص من حقه، وقصور عن فهم رسالة الوحي الذي أنبأ بأن الله سخر لنا الكون وأمرنا أن نسير في الأرض ونستعمرها وندافع ونجاهد، وكل ذلك ممتنع إن لم نسخر بإرادتنا واجتهادنا وتعلمنا هذه الآلة العجيبة المسماة عقلا.
ويصيب العقل المشترك، الآلة عاهة العمى الكلي. لا يبصر معها البصر المعتبر على أفق الأبدية وهو البصر بالله وبأمر الله وبالدار الآخرة وما يسعد الإنسان هنا وهناك.
يصيب الشلل والعجز في الدنيا العقل المومن إن أغمض إحدى عينيه وأعرض عن الاكتساب في حلبة النظر العلومي الصناعي التدافعي الجهادي جنبا إلى جنب مع العقل الآلة المشتركة.
ويضل العقل الأعمى المعرض عن الوحي فلا يهتدي سبيلا إلى الغاية الوحيدة المعتبرة على سلم الأبدية والخلود في الجنة أو النار. لا يهتدي سبيلا إلى سعادته الأخروية وإن كان بصيرا بسبل رخائه المادي في الدنيا.
ذكرت مادة "عمى" في القرآن ثلاثا وثلاثين مرة، منها ثلاثة ألفاظ تدل على عمى الحاسة في الرأس. وثلاثون لفظة للدلالة على عمى القلب.
هذه الحواس المشتركة من سمع وبصر تنغلق مسالكها وتنحبس، وتتعطل وظائفها، فيسمع السامع وهو غير سامع، وينظر وهو لا يهتدي.
ذلك حين يحول كفر الكافر بينه وبين ضوئيات الوحي، ويقطع الشك مواصلاته مع مصادر السمع.
قال الله عز وجل يصف حال الكافرين مخاطبا رسوله محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ومنهم من يستمعون إليك. أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك. أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون﴾ (سورة يونس، الآيتان : 42-43).
فهؤلاء لا يسمعون الكونيات ويبصرونها. لكنهم كما وصفهم القرآن الكريم : ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ (سورة البقرة، الآية : 17).
في ميزان الحق، وعلى سلم الأبدية، ينحط عقل المعرض عن الوحي المنازع ربه على السيادة المتأله المتجبر المستكبر، إلى درجة الحيوان.
سبحان الله الذي أهانه حتى أصبح يفتخر بحيوانيته، ويعتز بقرديته.
قال الله تعالى يصف الصم البكم العمي الذين لا يعقلون : ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس. لهم قلوب لا يفقهون بها. ولهم أعين لا يبصرون بها. ولهم آذان لا يسمعون بها. أولئك كالأنعام بل هم أضل. أولئك هم الغافلون﴾ (سورة الأعراف، الآية : 179).
لهم قلوب العضل الصنوبري التي تمرض من ترف الحضارة، ومآكل الشره، وضغوط هموم المدنية الصاخبة السريعة الدائرة بالإنسان الفردي في دوامة الهوس المعاشي. لكن ما لهم قلوب الفقه عن الوحي، ولا آذان الاستماع من الوحي ولا أعين الاستنارة بالوحي.
﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون﴾ (سورة الأعراف، الآية : 179).
﴿أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم. أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفلها﴾ (سورة محمد، الآيتان : 23-24).
قلوب مطبوع عليها، مختوم عليها، موضوعة عليها الأقفال. أقفال هي صنعتها بعنادها وكبريائها وتفاهتها القردية.
أعادنا الله. حمانا الله. رحمنا الله.
من مواضيع ابن الجماعة في المنتدى:
أسس سعادة الحياة الزوجية
التجذُّرُ الصهيوني
الشوق إلى الله عز وجل (1)
المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا
قد يكون توقيعك معنا شهادة لك أمام الله يوم القيا مة أنك نويت يوما حفظ
محنة العقل المسلم
محبة رسول الله هي العروة الوثقى
فضائل الرسول صلى الله عليه وسلم
المنظومة الوعظية
حوار أدبي مع الشاعر منير ركراكي [6]
مقدمات لمستقبل الإسلام
أحسن الله اليكم وزادكم من فضله
|