عرض مشاركة واحدة
قديم 15 -10 -2008, 08:10 PM   #1 (permalink)
احمد الماضي

الوسام الماسي

الصورة الرمزية احمد الماضي
تاريخ التسجيل: 06-09-2006
رقم العضوية :  3029
عدد المشاركات: 7,099
الردود المواضيع

آخر مشاركة : 26 -05 -2009 08:26 PM

معدل تقييم المستوى : 110 احمد الماضي is on a distinguished road

حالة العضو:   احمد الماضي غير موجود حالياً

إفتراضي المرأة المسلمة في التراث الفقهي



ميراث المرأة بين الحقائق والافتراءا

ولابد علينا أن نعلم ما هو الإرث ؟ وماذا تعني هذه الكلمة في اللغة وفي الشرع ؟ فالإرث في اللغة : الأصل ، والأمر القديم توارثه الآخر عن الأول ، والبقية من كل شيء . وهمزته أصلها واو . ويطلق الإرث ويراد منه انتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين . ويطلق ويراد منه الموروث . ويقاربه على هذا الإطلاق في المعنى التركة.
والإرث اصطلاحًا : عرفه الشافعية والقاضي أفضل الدين الخونجي من الحنابلة : أنه حق قابل للتجزؤ يثبت لمستحقه بعد موت من كان له ذلك لقرابة بينهما أو نحوها .
ومن الأمور المهمة التي يجب أن تكون حاضرة في ذهن المسلم الواعي أن مساحة الاجتهاد في فقه المواريث خاصة ضيقة ، وأحكام المواريث في أغلبها ليست إلا تطبيقًا لنصوص الشارع الحكيم ، فالذي قسم تلك الأنصبة هو الله سبحانه وتعالى وعندما استقرء العلماء هذه التقسيمات زاد يقينهم بالله وسبحوا ربهم على حكمة التشريع الرباني ، وقالوا صدق ربنا : ( مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) [الأنعام :38] .
يتردد كثيرًا قول بعضهم : « إن الإسلام ظلم المرأة ؛ حيث جعل نصيبها في الميراث نصف نصيب الرجل » ، ونحن المسلمين نؤمن بثوابت راسخة من صفات الله تعالى ، تجعل تلك الشبهة لا تطرأ على قلب أي مسلم أو مسلمة ، وتتمثل تلك الثوابت في أن الله سبحانه حكم عدل ، وعدله مطلق ، وليس في شرعه ظلم لبشر أو لأي أحد من خلقه : ( وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) [الكهف :49] ، ( وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ) [النساء :49] ، ( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ ) [الحج :10] ، ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) [العنكبوت :40] ، ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) [النساء :40] ، ( وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) [النساء :124] ، ( فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ) [التوبة :70] .
وإن الفروق في أنصبة المواريث هي أساس قضية المواريث في الفقه الإسلامي ، ولا تختلف الأنصبة في المواريث طبقًا للنوع ؛ وإنما تختلف الأنصبة طبقًا لثلاثة معايير :
الأول : درجة القرابة بين الوارث والمورث : ذكرًا كان أو أنثى ، فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث ، وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين ، فترى البنت الواحدة ترث نصف تركة أمها ( وهي أنثى ) بينما يرث أبوها ربع التركة ( وهو ذكر ) وذلك لأن الابنة أقرب من الزوج فزاد الميراث لهذا السبب .
الثاني : موقع الجيل الوارث : فالأجيال التي تستقبل الحياة ، وتستعد لتحمل أعبائها ، عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها ، بل تصبح أعباؤها - عادة - مفروضة على غيرها ، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات . فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه - وكلتاهما أنثى - وترث بنت المتوفى أكثر من أبيه كذلك في حالة وجود أخ لها .
الثالث : العبء المالي : وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثى ، لكنه تفـاوت لا يفـضى إلى أي ظـلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها ، بل ربما كان العكس هو الصحيح .
ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في العاملين الأولين ( درجة القرابة ، وموقع الجيل ) - مثل أولاد المتوفَّى ، ذكوراً وإناثاً - يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث ؛ ولذلك لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين ، وإنما حصره في هذه الحالة بالذات ، والحكمة في هذا التفاوت ، في هذه الحالة بالذات ، هي أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى - هي زوجه - مع أولادهما ، بينما الأنثـى الوارثة أخت الذكر- إعالتها ، مع أولادها ، فريضة على الذكر المقترن بها .
فهي - مع هذا النقص في ميراثها بالنسبة لأخيها الذي ورث ضعف ميراثها - أكثر حظًّا وامتيازًا منه في الميراث ؛ فميراثها - مع إعفائها من الإنفاق الواجب - هو ذمة مالية خالصة ومدخرة ، لجبر الاستضعاف الأنثوى ، ولتأمين حياتها ضد المخاطر والتقلبات ، وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين ، ومن أعباء الرجل المالية نذكر منها :
1- الرجل عليه أعباء مالية في بداية حياته الزوجية وارتباطه بزوجته ، فيدفع المهر ، يقول تعالى : ( وَءَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ) [النساء :12] ، والمهر -التزام مالي يدفعه الرجل للمرأة - من تشريعات بداية الحياة الزوجية ، والمرأة تتميز عن الرجل ؛ حيث ليس من حقه أن يطالب بمهر من المرأة إذا ما أرادت أن تتزوج منه .
2- الرجل بعد الزواج ينفق على المرأة وإن كانت تمتلك من الأموال ما لا يمتلكه هو ، فليس من حقه أن يطالبها بالنفقة على نفسها فضلاً عن أن يطالبها بالنفقة عليه ؛ لأن الإسلام ميزها وحفظ مالها ، ولم يوجب عليها أن تنفق منه .
3- الرجل مكلف كذلك بالأقرباء وغيرهم ممن تجب عليه نفقته ، حيث يقوم بالأعباء العائلية والالتزامات الاجتماعية التي يقوم بها المورث باعتباره جزءًا منه ، أو امتدادًا له ، أو عاصبـًا من عصبته .
هذه الأسباب وغيرها تجعلنا ننظر إلى المال أو الثروة نظرة أكثر موضوعية ، وهي أن الثروة والمال أو الملك مفهوم أعم من مفهوم الدخل ، فالدخل هو المال الوارد إلى الثروة ، وليس هو نفس الثروة ؛ حيث تمثل الثروة المقدار المتبقي من الواردات والنفقات .
وبهذا الاعتبار نجد أن الإسلام أعطى المرأة نصف الرجل في الدخل الوارد ، وكفل لها الاحتفاظ بهذا الدخل دون أن ينقص سوى من حق الله كالزكاة ، أما الرجل فأعطاه الله الدخل الأكبر وطلب منه أن ينفق على زوجته وأبنائه ووالديه إن كبرا في السن ، ومن تلزمه نفقته من قريب وخادم وما استحدث في عصرنا هذا من الإيجارات والفواتير المختلفة ؛ مما يجعلنا نجزم أن الله فضل المرأة على الرجل في الثروة ؛ حيث كفل لها حفظ مالها ، ولم يطالبها بأي شكل من أشكال النفقات .
ولذلك حينما تتخلف قضية العبء المالي كما هي الحال في شأن توريث الإخوة والأخوات لأم ؛ نجد أن الشارع الحكيم قد سوَّى بين نصيب الذكر ونصيب الأنثى منهم في الميراث ، قال تعالى : ( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ ) [النساء :12] . فالتسوية هنا بين الذكور والإناث في الميراث ؛ لأن أصل توريثهم هنا الرحم ، وليسوا عصبةً لمورثهم حتى يكون الرجل امتدادا له من دون المرأة ، فليست هناك مسئوليات ولا أعباء تقع على كاهله بهذا الاعتبار .
وباستقراء حالات ومسائل الميراث انكشف لبعض العلماء والباحثين حقائق قد تذهل الكثيرين ؛ حيث ظهر التالي :
أولاً : أن هناك أربع حالات فقط ترث المرأة نصف الرجل .
ثانيًا : أن أضعاف هذه الحالات ترث المرأة مثل الرجل .
ثالثًا : هناك حالات كثيرة جدًا ترث المرأة أكثر من الرجل .
رابعًا : هناك حالات ترث المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال .
وتفصيل تلك الحالات فيما يلي :
أولاً : الحالات التي ترث المرأة نصف الرجل :
1- البنت مع إخوانها الذكور ، وبنت الابن مع ابن الابن .
2- الأب والأم ولا يوجد أولاد ولا زوج أو زوجة .
3- الأخت الشقيقة مع إخوانها الذكور .
4- الأخت لأب مع إخوانها الذكور .
ثانيا : الحالات التي ترث المرأة مثل الرجل :
1- الأب والأم في حالة وجود ابن الابن .
2- الأخ والأخت لأم .
3- أخوات مع الإخوة والأخوات لأم .
4- البنت مع عمها أو أقرب عصبة للأب ( مع عدم وجود الحاجب ) .
5- الأب مع أم الأم وابن الابن .
6- زوج وأم وأختين لأم وأخ شقيق على قضاء سيدنا عمر ( رضى الله عنه )، فإن الأختين لأم والأخ الشقيق شركاء في الثلث .
7- انفراد الرجل أو المرأة بالتركة بأن يكون هو الوارث الوحيد ، فيرث الابن إن كان وحده التركة كلها تعصيبا ، والبنت ترث النصف فرضًا والباقي ردًا . وذلك لو ترك أبا وحده فإنه سيرث التركة كلها تعصيبًا ، ولو ترك أما فسترث الثلث فرضًا والباقي رضا عليها .
8- زوج مع الأخت الشقيقة ؛ فإنها ستأخذ ما لو كانت ذكرًا ، بمعنى لو تركت المرأة زوجًا وأخًا شقيقا فسيأخذ الزوج النصف ، والباقي للأخ تعصيبًا. ولو تركت زوجاً وأختاً فسيأخذ الزوج النصف والأخت النصف كذلك .
9- الأخت لأم مع الأخ الشقيق ، وهذا إذا تركت المرأة زوجًا ، وأمًّا ، وأختًا لأم ، وأخًا شقيقًا ؛ فسيأخذ الزوج النصف ، والأم السدس ، والأخت لأم السدس ، والباقي للأخ الشقيق تعصيًبا وهو السدس .
10- ذوو الأرحام في مذهب أهل الرحم ، وهو المعمول به في القانون المصري في المادة 31 من القانون رقم 77 لسنة 1943، وهو إن لم يكن هناك أصحاب فروض ولا عصابات فإن ذوي الأرحام هم الورثة ، وتقسم بينهم التركة بالتساوي كأن يترك المتوفى ( بنت بنت ، وابن بنت ، وخال ، وخالة ) فكلهم يرثون نفس الأنصبة .
11- هناك ستة لا يحجبون حجب حرمان أبدًا وهم ثلاثة من الرجال ، وثلاثة من النساء ، فمن الرجال ( الزوج ، والابن ، والأب ) ، ومن النساء ( الزوجة ، والبنت ، والأم ) .
ثالثا : حالات ترث المرأة أكثر من الرجل :
1- الزوج مع ابنته الوحيدة .
2- الزوج مع ابنتيه .
3- البنت مع أعمامها .
4- إذا ماتت امرأة عن ستين فدانًا ، والورثة هم ( زوج ، وأب ، وأم ، وبنتان ) فإن نصيب البنتين سيكون 32 فدانًا بما يعني أن نصيب كل بنت 16 فدانا ً، في حين أنها لو تركت ابنان بدلاً من البنتان لورث كل ابن 12,5 فداناً ؛ حيث إن نصيب البنتين ثلثي التركة ، ونصيب الابنين باقي التركة تعصيبا بعد أصحاب الفروض .
5- لو ماتت امرأة عن 48 فدانًا ، والورثة ( زوج ، وأختان شقيقتان ، وأم ) ترث الأختان ثلثي التركة بما يعني أن نصيب الأخت الواحدة 12 فداناً ، في حين لو أنها تركت أخوين بدلاً من الأختين لورث كل أخ 8 أفدنة لأنهما يرثان باقي التركة تعصيًبا بعد نصيب الزوج والأم .
6- ونفس المسألة لو تركت أختين لأب ؛ حيث يرثان أكثر من الأخوين لأب .
7- لو ماتت امرأة وتركت ( زوجًا ، وأبًا ، أمًا ، بنتًا ) ، وكانت تركتها 156 فدانًا فإن البنت سترث نصف التركة وهو ما يساوي 72 فداناً ، أما لو أنها تركت ابنًا بدلاً من البنت فكان سيرث 65 فدانًا ؛ لأنه يرث الباقي تعصيبًا بعد فروض ( الزوج والأب والأم ) .
8- إذا ماتت امرأة وتركت ( زوجًا ، وأمًا ، وأختًا شقيقة ) ، وتركتها 48 فدانًا مثلا فإن الأخت الشقيقة سترث 18 فدانًا ، في حين أنها لو تركت أخًا شقيقًا بدلاً من الأخت سيرث 8 أفدنة فقط ؛ لأنه سيرث الباقي تعصيبًا بعد نصيب الزوج والأم ، ففي هذه الحالة ورثت الأخت الشقيقة أكثر من ضعف نصيب الأخ الشقيق .
9- لو ترك رجل ( زوجة ، وأمًا ، وأختين لأم ، وأخوين شقيقين ) وكانت تركته 48 فداناً ، ترث الأختان لأم وهما الأبعد قرابة 16 فداناً فنصيب الواحدة 8 أفدنة ، في حين يورث الأخوان الشقيقان 12 فدانًا ، بما يعني أن نصيب الواحد 6 أفدنة .
10- لو تركت امرأة ( زوجًا ، وأختًا لأم ، أخوين شقيقين ) ، وكانت التركة 120 فدانًا ، ترث الأخت لأم ثلث التركة ، وهو ما يساوي 40 فدانًا ، ويرث الأخوان الشقيقان 20 فدانًا ، بما يعني أن الأخت لأم وهي الأبعد قرابة أخذت أربعة أضعاف الأخ الشقيق .
11- الأم في حالة فقد الفرع الوارث ، ووجود الزوج في مذهب ابن عباس (رضى الله عنه ) ، فلو مات رجل وترك ( أبًا ، وأمًا ، وزوجًا ) فللزوج النصف ، وللأم الثلث ، والباقي للأب ، وهو السدس أي ما يساوي نصف نصيب زوجته .
12- لو تركت امرأة ( زوجًا ، وأمًّا ، وأختًا لأم ، أخوين شقيقين ) وكانت التركة 60 فدانًا ، فسترث الأخت لأم 10 أفدنة في حين سيرث كل أخ 5 أفدنة ؛ مما يعني أن الأخت لأم نصيبها ضعف الأخ الشقيق ، وهي أبعد منه قرابة .
13- ولو ترك رجل ( زوجة ، وأبًا، وأمًّا ، وبنتًا ، بنت ابن ) ، وكانت التركة 576 فدانًا ، فإن نصيب بنت الابن سيكون 96 فدانًا ، في حين لو ترك ابنَ ابنٍ لكان نصيبه 27 فدانًا فقط .
14- لو ترك المتوفى ( أم ، وأم أم ، وأم أب ) وكانت التركة 60 فدانًا مثلاً ، فسوف ترث الأم السدس فرضا والباقي ردًّا ، أما لو ترك المتوفى أبًا بدلاً من أم بمعنى أنه ترك ( أبًا ، وأم أم ، أم أب ) فسوف ترث أم الأم ، ولن تحجب السدس وهو 10 أفدنة ، والباقي للأب 50 فداناً ، مما يعني أن الأم ورثت كل التركة 60 فدانًا ، والأب لو كان مكانها لورث 50 فداناً فقط .
رابعا : حالات ترث المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال :
1- لو ماتت امرأة وتركت ( زوجًا ، وأبًا ، أمًا ، بنتًا ، بنت ابن ) ، وتركت تركة قدرها 195 فداناً مثلاً ، فإن بنت الابن سترث السدس وهو 26 فدانًا ، في حين لو أن المرأة تركت ابن ابن بدلاً من بنت الابن لكان نصيبه صفرًا ؛ لأنه كان سيأخذ الباقي تعصيًبا ولا باقي ، وهذا التقسيم على خلاف قانون الوصية الواجبة الذي أخذ به القانون المصري رقم 71 لسنة 1946، وهو خلاف المذاهب ، ونحن نتكلم عن المذاهب المعتمدة ، وكيف أنها أعطت المرأة ، ولم تعط نظيرها من الرجال .
2- لو تركت امرأة ( زوجًا ، وأختًا شقيقة ، أختًا لأب ) ، وكانت التركة 84 فدانًا مثلاً ، فإن الأخت لأب سترث السدس ، وهو ما يساوي 12 فدانًا ، في حين لو كان الأخ لأب بدلا من الأخت لم يرث ؛ لأن النصف للزوج ، والنصف للأخت الشقيقة والباقي للأخ لأب ولا باقي .
3- ميراث الجدة : فكثيرا ما ترث ولا يرث نظيرها من الأجداد ، وبالاطلاع على قاعدة ميراث الجد والجدة نجد الآتي : الجد الصحيح ( أي الوارث ) هو الذي لا تدخل في نسبته إلى الميت أم مثل أب الأب أو أب أب الأب وإن علا ، أما أب الأم أو أب أم الأم فهو جد فاسد ( أي غير وارث ) على خلاف في اللفظ لدى الفقهاء ، أما الجدة الصحيحة هي التي لا يدخل في نسبتها إلى الميت جد غير صحيح ، أو هي كل جدة لا يدخل في نسبتها إلى الميت أب بين أمين ، وعليه تكون أم أب الأم جدة فاسدة لكن أم الأم ، وأم أم الأب جدات صحيحات ويرثن .
4- لو مات شخص وترك ( أب أم ، وأم أم ) في هذه الحالة ترث أم الأم التركة كلها ، حيث تأخذ السدس فرضًا والباقي ردًا ، وأب الأم لا شيء له ؛ لأنه جد غير وارث .
5- كذلك ولو مات شخص وترك ( أب أم أم ، وأم أم أم ) تأخذ أم أم الأم التركة كلها ، فتأخذ السدس فرضًا والباقي ردًا عليها ولا شيء لأب أم الأم ؛ لأنه جد غير وارث .
إذن فهناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل ، أو أكثر منه ، أو ترث هى ولا يرث نظيرها من الرجال ، في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل . تلك هي ثمرات استقراء حالات ومسـائل الميراث في عـلم الفرائض ( المواريث ) ، فأرى أن الشبهة قد زالت بعد هذه الإيضاحات لكل منصفٍ صادقٍ مع نفسه ، نسأل الله العناية والرعاية ، والحمد لله رب العالمين .




شهادة المرأة المسلمة ورد الشبه حولها

الشهادة في اللغة تعني : الخبر القاطع ، والحضور والمعاينة والعلانية ، والقسم ، والإقرار ، وكلمة التوحيد ، والموت في سبيل الله .
وفي الاصطلاح الفقهي : استعمل الفقهاء لفظ الشهادة في الإخبار بحق للغير على النفس ، واستعملوا اللفظ في الموت في سبيل الله ، واستعملوه في القسم كما في اللعان ، كما استعمل الفقهاء لفظ الشهادة في الإخبار بحق للغير على الغير في مجلس القضاء ، وهو موضوع البحث في هذا المصطلح ، واختلفوا في تعريف الشهادة بهذا المعنى على النحو التالي :
فعرفها الكمال من الحنفية بأنها : إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القضاء .
وعرفها الدردير من المالكية : بأنها إخبار حاكم من علم ليقضي بمقتضاه .
وعرفها الجمل من الشافعية بأنها : إخبار بحق للغير على الغير بلفظ أشهد .
وعرفها الشيباني من الحنابلة بأنها : الإخبار بما علمه بلفظ أشهد أو شهدت .
وتسميتها بالشهادة إشارة إلى أنها مأخوذة من المشاهدة المتيقنة ، لأن الشاهد يخبر عن ما شاهده ، وهي إحدى الحجج التي تثبت بها الدعوى .
ويتعلق بقضية الشهادة الشبهة الثانية التي يكررها الآخرون ؛ محاولة منهم لاتهام التشريع الإسلامي بانتقاص المرأة وبظلمه لها ، حيث يرددون : « إن الإسلام ظلم المرأة بأن جعل شهادتها نصف شهادة الرجل » .
في البداية يجب أن نعلم أن الشهادة تكليف ومسئولية ، وعندما يخفف الله عن المرأة في الشهادة فهذا إكرام لها ، وليس العكس ، كما علينا أن نعلم كذلك أن الشروط التي تراعى في الشهادة ، ليست عائدة إلى وصف الذكورة والأنوثة في الشاهد ، ولكنها عائدة إلى أمرين :
الأول : عدالة الشاهد وضبطه .
الثاني : أن تكون بين الشاهد والواقعة التي يشهد بها ، صلة تجعله مؤهلاً للدراية بها والشهادة فيها ، ومن المعلوم أنه إذا ثبت لدى القاضي اتصاف هذا (الشاهد) بهذه الصفات ( أي رقة المشاعر والعاطفة ) فإن شهادته تصبح غير مقبولة ؛ إذ لابد أن يقوم من ذلك دليل على أن صلته بالمسائل الجرمية وقدرته على معاينتها ضعيفة أو معدومة ، وهو الأمر الذي يفقده أهليته للشهادة على تلك المسائل .
ومن الحقائق التي يجب أن نعلمها في قضية الشهادة ما يلي :
1) شهادة المرأة وحدها تقبل في هلال رمضان شأنها شأن الرجل .
2) تستوي شهادة المرأة بشهادة الرجل في الملاعنة .
3) شهادة المرأة قبلت في الأمور الخاصة بالنساء ، قال ابن قدامة في المغني : " ويقبل فيما لا يطلع عليه الرجال مثل الرضاعة والولادة والحيض والعدة وما أشبهها شهادة امرأة عدل . ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في قبول شهادة النساء المنفردات في الجملة " ، ويوضح الحكم في موضع آخر فيقول: " تقبل شهادة النساء وحدهن - منفردات عن الرجال - في خمسة أشياء : 1 ـ الولادة . 2 ـ الاستهلال. 3 ـ الرضاع . 4 ـ العيوب التي تحت الثوب كالرتق، والقرن، والبكارة، والثيبوبة، والبرص . 5 ـ انقضاء العدة " .
4) تقبل شهادة المرأة الواحدة . قال ابن قدامة : " وكل موضع تقبل فيه شهادة النساء المنفردات فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة " . وجاء في الحديث : " سأل عقبة بن الحارث النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فقال : إني تزوجت امرأة . فجاءت أمة سوداء فقالت : إنها أرضعتنا فأمره بفراق امرأته . فقال: إنها كاذبة . فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " دعها عنك " ، وقد علق ابن القيم فقال: " ففي هذا قبول شهادة المرأة الواحدة ، وإن كانت أمة وشهادتها على فعل نفسها " ، وقد علق معروف الدواليبي بكلام جميل على هذا فقال : " إن الشريعة الإسلامية اتجهت إلى تعزيز الشهادة في القضايا المالية بصورة مطلقة بشهادة رجل آخر ، إلى جانب الرجل الأول ، حتى لا تكون الشهادة عرضة للاتهام . ولم يعتبر أحد تنصيف شهادة الرجل هنا وتعزيزها بشهادة رجل آخر ماسًّا بكرامته ما دام ذلك التعزيز أضمن لحقوق الناس . وزيادة على ذلك فإن شهادة الرجل لم تقبل قط " وحده " حتى في أتفه القضايا المالية . غير أن المرأة قد امتازت على الرجل في سماع شهادتها " وحدها " ، دون الرجل ، فيما هو أخطر من الشهادة على الأمور التافهة ، وذلك كما هو معلم في الشهادة على الولادة وما يلحقها من نسب وإرث ، بينما لم تقبل شهادة الرجل " وحده " في أتفه القضايا المالية وفي هذا ردٌّ بليغ على مَن يتهم الإسلام بتمييز الرجل على المرأة في الشهادة " .
5) شهادة المرأة تقدم أحياناً على شهادة الرجل بعد سماع الشهادتين: " يثبت خيار الفسخ لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه . . . وإن اختلفا في عيوب النساء أريت النساء الثقات ويقبل فيه قول امرأة واحدة ، فإن شهدت بما قال الزوج وإلا فالقول قول المرأة " .
6) الشهادة تختلف عن الرواية وقد قُبلت رواية المرأة الواحدة - وما تزال - في كل أمر حتى في الحديث ؛ فالحديث النبوي الذي روته لنا امرأة عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) له حجية الحديث نفسه الذي يرويه رجل . ولم يرد أحد قول امرأة لمجرد أنها امرأة ، ونقل الدين وما فيه من تشريع أخطر من الشهادة في حكم قضائي ، قال الشوكاني : " لم ينقل عن أحد من العلماء بأنه رد خبر امرأة لكونها امرأة . فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول من امرأة واحدة من الصحابة وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة " . وقال ابن القيم : " الشارع - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله - لم يرد خبر العدل قط، لا في رواية ولا في شهادة ، بل قبل خبر العدل الواحد في كل موضع أخبر به . . . وقبل شهادة الأمة السوداء وحدها على الرضاعة " .
بعد هذه الحقائق نجد أن مصدر الشبهة التي حسب مثيروها أن الإسلام قد انتقص من أهلية المرأة ، بجعل شهادتها على النصف من شهادة الرجل : ( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ) [ البقرة :282] . هو الخلط بين « الشهادة » وبين « الإشهاد » الذي تتحدث عنه هذه الآية الكريمة ، فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة ، واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم ، لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها ، ومن ثم قبولها أو رفضها ؛ وإنما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة بصرف النظر عن جنس الشاهد ، ذكرًا كان أو أنثى ، وبصرف النظر عن عدد الشهود .
فالقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة أن يعتمد شهادة رجلين ، أو امرأتين ، أو رجل وامرأة ، أو رجل وامرأتين ، أو امرأة ورجلين ، أو رجل واحد أو امرأة واحدة . . ولا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التى يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له من البينات.
أما الآية فإنها تتحدث عن أمر آخر غير « الشهادة » أمام القضاء ؛ حيث تتحدث عن « الإشهاد » الذي يقوم به صاحب الدين للاستيثاق من الحفاظ على دَيْنه ، وليس عن « الشهادة » التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين . . فهي - الآية - موجهة لصاحب الحق الدَّيْن وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع . . بل إن هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق دَيْن ولا تشترط ما اشترطت من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدَّيْن .
وإنما توجهت بالنصح والإرشاد فقط النصح والإرشاد إلى دائن خاص ، وفي حالات خاصة من الديون ، لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية . . فهو دين إلى أجل مسمى . . ولابد من كتابته . . ولابد من عدالة الكاتب .
ولقد فقه هذه الحقيقة حقيقة أن هذه الآية إنما تتحدث عن " الإشهاد" في دَيْن خاص ، وليس عن الشهادة . . وإنها نصيحة وإرشاد لصاحب الدَّيْن ذى المواصفات والملابسات الخاصة وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضي الحاكم في المنازعات . . فقه ذلك العلماء المجتهدون .
ومن هؤلاء العلماء الفقهاء الذين فقهوا هذه الحقيقة ، وفصّلوا القول فيها شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم من القدماء والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده والإمام الشيخ محمود شلتوت من المُحْدَثين والمعاصرين ، فقال ابن تيمية فيما يرويه عنه ، ويؤكد عليه ابن القيم :
قال عن « البينة » (1) التي يحكم القاضي بناء عليها ، والتي وضع قاعدتها الشرعية والفقهية حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : « البينة على المدعى ، واليمين على المدعى عليه »( 2) إن البينة في الشرع ، اسم لما يبيّن الحق ويظهره ، وهى تارة تكون أربعة شهود ، وتارة ثلاثة ، بالنص في بينة المفلس ، وتارة شاهدين ، وشاهد واحد ، وامرأة واحدة ، وتكون نُكولاً( 3) ، ويمينًا ، و خمسين يمينًا أو أربعة أيمان ، وتكون شاهد الحال ، فقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : « البينة على المدعى » ، أي عليه أن يظهر ما يبيَّن صحة دعواه ، فإذا ظهر صدقه بطريق من الطرق حُكِم له ا.هـ .
فكما تقوم البينة بشهادة الرجل الواحد أو أكثر ، تقوم بشهادة المرأة الواحدة ، أو أكثر ، وفق معيار البينة التي يطمئن إليها ضمير الحاكم - القاضي - ، وبعد ذلك بقليل علق ابن القيم قائلاً : « قلت : وليس في القرآن ما يقتضى أنه لا يُحْكَم إلا بشاهدين ، أو شاهد وامرأتين ، فإن الله سبحانه إنما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النِّصاب ، ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به ، فضلاً عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك . ولهذا يحكم الحاكم بالنكول ، واليمين المردودة ، والمرأة الواحدة ، والنساء المنفردات لا رجل معهن وبعد هذا الضبط والتمييز والتحديد (4) .
وقد علل ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين تعدلان شهادة الرجل الواحد ، بأن المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات ، لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها ، كانت شهادتها حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون مساوية لشهادة الرجل . . فقال : « ولا ريب أن هذه الحكمة في التعدد هى في التحمل ، فأما إذا عقلت المرأة ، وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإن المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات ، ولهذا تُقبل شهادتها وحدها في مواضع ، ويُحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين ، وهو قول مالك وأحد الوجهين في مذهب أحمد »(5)
ونفس هذا المعنى ذكره الإمام محمد عبده ، عندما أرجع تميز شهادة الرجال على هذا الحق الذي تحدثت عنه الآية على شهادة النساء ، إلى كون النساء في ذلك التاريخ كن بعيدات عن حضور مجالس التجارات ، ومن ثمَّ بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين ، وهو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغير ، وليس طبيعة ولا جبلة في جنس النساء على مر العصور ، فقال : « تكلم المفسرون في هذا ، وجعلوا سببه المزاج ، فقالوا : إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان ، وهذا غير متحقق ، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ، فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة ، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها ، فإنها أقوى ذاكرة من الرجل ، يعنى أن من طبع البشر ذكراناً وإناثاً أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها » (6) .
ولقد سار الشيخ محمود شلتوت الذي استوعب اجتهادات ابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده مع هذا الطريق ، مضيفًا إلى هذه الاجتهادات علمًا آخر عندما لفت النظر إلى تساوى شهادة الرجل في « اللعان » فكتب يقول عن شهادة المرأة وكيف أنها دليل على كمال أهليتها : وذلك على العكس من الفكر المغلوط الذي يحسب موقف الإسلام من هذه القضية انتقاصًا من إنسانيتها . . كتب يقول : إن قول الله سبحانه وتعالى : ( فَإِن لَّم يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَاَمَرأَتَانِ ) [ البقرة :282] ليس واردًا في مقام الشهادة التى يقضى بها القاضى ويحكم ، وإنما هو في مقام الإرشاد إلى طرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل( الآية ) فالمقام مقام استيثاق على الحقوق ، لا مقام قضاء بها . والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهم ، وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة أو شهادة النساء اللاتى ليس معهن رجل ، لايثبت بها الحق ، ولا يحكم بها القاضى ، فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو «البينة» .
وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة ، وأن كل ما يتبين به الحق ويظهره ، هو بينة يقضى بها القاضى ويحكم . ومن ذلك : يحكم القاضى بالقرائن القطعية ، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها ، واعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعف عقلها ، الذي يتبع نقص إنسانيتها ويكون أثرًا له ، وإنما هو لأن المرأة كما قال الشيخ محمد عبده " ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ، ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التى هى شغلها ، فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل ، ومن طبع البشر عامة أن يقوى تذكرهم للأمور التى تهمهم ويمارسونها ، ويكثر اشتغالهم بها .
والآية جاءت على ما كان مألوفًا في شأن المرأة ، ولا يزال أكثر النساء كذلك ، لا يشهدن مجالس المداينات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات ، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي هذا الأصل الذي تقضى به طبيعتها في الحياة ( 7) .
إلى هذا الحد من النقل والتحليل نكون قد رددنا على من حاول إلصاق تهم إلى هذا التشريع الحكيم ، ونحن نرى في إلقاء تلك التهم على فروعنا شرعنا الحنيف تخبط في الآخرين يؤكد لنا أن هذا الشرع متين ، وأنه من لدن حكيم خبير والحمد لله رب العالمين .

---------------------

(1) الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ( ص 34 ) تحقيق : محمد جميل غازي . طبعة القاهرة .
(2) صحيح البخاري ( ج2 ص 931 ) وابن حبان فى صحيحه ( ج13 ص 358 ) .
(3) هو الامتناع عن اليمين .
(4) الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية ص 34 . تحقيق محمد جميل غازى . طبعة القاهرة .
(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين ( ج1 ص95 ) . طبعة بيروت سنة 1973 م .
(6) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ( ج4 ص 732 ) . دراسة وتحقيق : د . محمد عمارة . طبعة القاهرة .
(7) الإسلام عقيدة وشريعة ( ص 239 - 241 ) . طبعة القاهرة سنة ( 1400 ) هجرية سنة 1980 .



تعدد الزوجات وحقيقته


من باب تصحيح المفاهيم وإرساء الحقائق يجب علينا أن نعلم أن الإسلام جاء بالحد من تعدد الزوجات ، ولم يأت بتعدد الزوجات كما يظن الآخرون ، فعن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة ، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم ) : « اختر منهن أربعًا » (1) . من هذا الحديث يظهر لنا أن الإسلام نص على الحد من كثرة عدد الزوجات ، وفي المقابل لم يرد أمر لمن تزوج واحدة بأن يتزوج أخرى ؛ وذلك لأن تعدد الزوجات ليس مقصودًا لذاته ، وإنما يكون تزوج الرجل مرة أخرى لأسباب ومصالح عامة .
فلم يرد تعدد الزوجات في القرآن الكريم بمعزل عن أسبابه ، فالله عز وجل قال : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) [النساء :3] ، فالذين فسروا الآية الكريمة ، أو درسوها كنظام إنساني اجتماعي يفسرونها بمعزل عن السبب الرئيس الذي أُنْزِلَت لأجله ، وهو وجود اليتامى والأرامل ؛ إذ إن التعدد ورد مقرونًا باليتامى ؛ حيث قاموا بانتزاع قوله تعالى : "فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ) دون القول السابق ، والذي صيغ بأسلوب الشرط ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى ) وكذلك دون القول اللاحق ، والذي يقيد تلك الإباحة بالعدل حيث قال : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) .
فمن ذهب إلى القرآن الكريم لا يجد دعوة مفتوحة صريحة للتعدد دون تلك القيود التي أشرنا إليها ، ومن ذهب إلى السنة فسيجد أن الإسلام نهى عن التعدد بأكثر من أربع نساء ، وشتان بين أن يكون الإسلام أمر بالتعدد حتى أربع نساء ، وبين أن يكون نهى عن الجمع بين أكثر من أربع نساء .
فإنَّ نظام تعدُّد الزوجات كان شائعًا قبل الإسلام بين العرب ، وكذلك بين اليهود والفرس ، والتاريخ يحدِّثنا عن الملوك والسلاطين بأنِّهم كانوا يبنون بيوتًا كبيرة تسع أحيانًا لأكثر من ألف شخص ، لسكن نسائهم من الجواري ، وفي بعض الأحيان يقومون بتقديمهن كهدايا إلى ملوك آخرين ، ويأتون بنساء جديدات ، كما أنه في شريعة اليهود وفي قوانينهم - حتى الآن- يبيحون تعدد الزوجات ، ولا يجرؤ أحد أن يهاجمهم في عقيدتهم ودينهم وشرعهم .
والغريب أن الذين يحاربون نظام الإسلام في السماح للرجل بالزواج مرة أخرى في ظروف معينة يعانون من تفكك أسري ، وانتشار الفاحشة ، وإباحة تعدد الخليلات ( العشيقات ) بلا عدد ولا حد ، فالخليلة لا تتمتع بحقوق الزوجة ، إضافة إلى ما يترتب على الأمر من خيانة الزوجة ، وإسقاط حقوقها ، وعدم الاعتراف بها وبأولادها . فهي وحدها التي تتحمل ثمن أجرة الإجهاض أو تعيش غير متزوجة ( الأم العازبة ) لترعى طفلها غير الشرعي ( فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون ) [الأنعام :81] .
التعدد المباح في الغرب هو التعدد في غير إطار ، وهو التعدد الذي لا يكفل للمرأة أي حق ، بل يستعبدها الرجل ، ويقيم معها علاقة غير رسمية ويسلب زهرة حياتها ، ثم يرمي بها خارج قلبه وحياته ، وقد يتسبب لأسرته في أمراض جنسية خطيرة إلى جانب أطفال السفاح الذين لا يعترف بهم في أكثر الأحيان ، ولكثرة الأرقام وكثرة الأحصائيات نكتفي بأخذ نموذج من الدول الغربية ، وليكن الولايات المتحدة الأمريكية ولندع الأرقام تتحدث :
* في عام 1980م (1.553000) حالة إجهاض ، 30 % منها لدى نساء لم يتجاوزن العشرين عامًا من أعمارهن ، وقالت الشرطة : إن الرقم الحقيقي ثلاثة أضعاف ذلك .
* في عام 1982 م (80%) من المتزوجات منذ 15 عامًا أصبحن مطلقات .
* وفي عام 1984م (8 ملايين) امرأة يعشن وحدهن مع أطفالهن دون أية مساعدة خارجية .
* وفي عام 1986م (27%) من المواطنين يعيشون على حساب النساء .
* وفي عام 1982م (65) حالة اغتصاب لكل 10 آلاف امرأة .
* وفي عام 1995م (82) ألف جريمة اغتصاب ؛ 80% منها في محيط الأسرة والأصدقاء ، بينما تقول الشرطة : إن الرقم الحقيقي 35 ضعفًا .
* وفي عام 1997م بحسب قول جمعيات الدفاع عن حقوق المرأة : اغتصبت امرأة كل 3 ثوان ، بينما ردت الجهات الرسمية بأن هذا الرقم مبالغ فيه في حين أن الرقم الحقيقي هو حالة اغتصاب كل 6 ثوان !
* 74% من العجائز الفقراء هم من النساء ؛ 85% من هؤلاء يعشن وحيدات دون أي معين أو مساعد .
* ومن 1979 إلى 1985: أجريت عمليات تعقيم جنسي للنساء اللواتي قدمن إلى أمريكا من أمريكا اللاتينية ، والنساء اللاتي أصولهن من الهنود الحمر ، وذلك دون علمهن .
* ومن عام 1980 إلى عام 1990م : كان بالولايات المتحدة ما يقارب مليون امرأة يعملن في البغاء .
* وفي عام 1995: بلغ دخل مؤسسات الدعارة وأجهزتها الإعلامية 2500 مليون دولار (2) .
كل هذه الأرقام هي نتائج طبيعية لأن نستبدل بنظام الزواج واحترام المرأة في الشريعة الإسلامية ، نظام الانفلات وتعدد الصديقات والعشيقات عند من يهاجم التشريع الإسلامي .
ولننظر آراء المنصفين من الغربيين في تلك القضية :
تقول إحداهن : « لقد كثرت الشاردات من بناتنا ، وعمَّ البلاء ، ودل الباحثون عن أسباب ذلك ؛ وإذ كنت امرأة تراني أنظر إلى هاتيك البنات ، وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحبًّا ، وماذا عسى يفيدهن بشيء حزني ووجعي وتفجعي ، وإن شاركني فيه الناس جميعًا ؛ إذ لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة . ويرى العالم ( توس ) ، أن الدواء الكافل للشفاء من هذا الداء وهو الإباحة للرجل التزوج بأكثر من واحدة وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة ، وتصبح بناتنا ربات بيوت ، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة ، فهذا التحديد هو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال ، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة . أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلاًّ وعالةً وعارًا في المجتمع الإنساني فلو كان تعدد الزوجات مباحًا لما حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من العذاب والهوان ، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن . فإن مزاحمة المرأة للرجل ستحل بنا الدمار ، ألم تروا أن حال خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل ، وعليه ما ليس عليها ، وبإباحة تعدد الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين » (3) .
وعن كاتبة أخرى تقول : « لأن تشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاءً من اشتغالهن في المعامل ، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد ، ألا ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة حيث الخادمة والرقيق ينعمان بأرغد عيش ، ويعاملان كما يعامل أولاد البيت ولا تمس الأعراض بسوء . نعم إنه لعار على بلاد الإنجليز أن تجعل بناتها مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال ، فما بالنا لا نسعى وراءها بجعل البنت تعمل بما يوافق فطرتها الطبيعية من القيام في البيت ، وترك أعمال الرجال للرجال سلامة لشرفها » (4) .
وهذا الفيلسوف الألماني الشهير « شوبنهور » يقول : « إن قوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى ، بمساواتها المرأة بالرجل ؛ فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا ، وضاعفت علينا واجباتنا . . . إلى أن قال : ولا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجًا يتكفل بشئونها ، والمتزوجات عندنا قليل ، وغيرهن لا يحصين عددًا ، تَرَاهُن بغير كفيل : بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة ، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السفلى ، يتجشمن الصعاب ، ويتحملن مشاق الأعمال ، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار ، ففي مدينة لندن وحدها ثمانون ألف بنت عمومية ، سفك دم شرفهن على مذبح الزواج ، ضحية الاقتصار على زوجة واحدة ، ونتيجة تعنت السيدة الأوروبية ، وما تدعيه لنفسها من الأباطيل ، أما آن لنا أن نعد بعد ذلك تعدد الزوجات حقيقة لنوع النساء بأسره » (5) .
وقالت « أني بيزانت » زعيمة التيصوفية العالمية في كتابها « الأديان المنتشرة في الهند » : « ومتى وزنَّا الأمور بقسطاس العدل المستقيم ، ظهر لنا أن تعدد الزوجات الإسلامي - الذي يحفظ ويحمي ويغذي ويكسو النساء - أرجح وزنًا من البغاء الغربي الذي يسمح بأن يتخذ الرجل امرأة لمحض إشباع شهواته ، ثم يقذف بها إلى الشارع متى قضى منها أوطاره » .
قال غوستاف لوبون : « إن نظام تعدد الزوجات نظام حسن يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تمارسه ، ويزيد الأسر ارتباطًا ، ويمنح المرأة احترامًا وسعادة لا تجدهما في أوروبا » .
ما سبق يؤكد لنا أن نظام تعدد الزوجات أو إباحة التزوج بأكثر من واحدة للظروف والأوضاع التي نصَّ عليها الشرع الإسلامي ليس منقوضًا عند كل المفكرين الغربيين ، وقد رأينا شهادة المنصفين منهم .
وفي الختام نؤكد أن : الإسلام أباح للرجل بأن يتزوج بأكثر من واحدة لكل هذه الفوائد التي ذكرناها وجاءت تلك الإباحة مقيدة في القرآن ، قال تعالى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِى اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ " [النساء :3] كما أشار سبحانه إلى صعوبة العدل بين النساء ، فقال تعالى : ( وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ) [النساء :129] .
ورأينا كذلك في السنة النبوية الغراء أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) لم يأمر في حديث من أحاديثه من تزوج بواحدة أن يتزوج مرة أخرى ، وإنما جاءت السنة بعكس ذلك ، وهي أن من تزوج بنساء كثيرات أن يطلق عنه حتى يبقى عددًا محصورًا كما ذكرنا في حديث سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم ) : « اختر منهن أربعًا » (6) .
وأرى أن الأمر قد اتضح ، والشبهة قد زالت ، وتبين أن الزواج بأكثر من واحدة من خلال النظام التشريعي الإسلامي هو في الحقيقة تكريم للمرأة ؛ لأن الإنسان لابد أن تكون نظرته متكاملة ؛ فالنظر للمرأة التي يتزوج الرجل عليها وحده ليس إنصافًا ، فإن الذي سوف يتزوجها الرجل هي امرأة كذلك ، وكرمها الشرع بأن سمح للرجل أن يتزوج منها لعلاج ما يعانيه المجتمع من مشكلات اجتماعية واقتصادية . نسأل الله أن يبصرنا بأمور دنيانا وديننا ، والله من وراء القصد .


------------------------------------------
(1) رواه أحمد فى المسند ( ج2 ص 13 ) وابن ماجه فى سننه ( ج1 ص 628 ) .
(2) التقرير السنوي المسمي بـ " قاموس المرأة " صدر عن معهد الدراسات الدولية حول المرأة ومقره مدريد .
(3) المنار ( ج4 ص 485 ) منه نقلاً عن جريدة ( لندن ثرو ) بقلم بعض الكتاب ما ترجمته ملخصاً .
(4) المنار ( ج4 ص 362 ) منه نقلاً عن جريدة ( لندن ثرو ) بقلم بعض الكتاب ما ترجمته ملخصاً .
(5) الإسلام روح المدينة لمصطفى الغلاييني ( ص 224 ) وهذا الرقم الذى ذكره شوبنهور كان فى عهده حيث توفى سنة 1860 م .
(6) رواه أحمد فى المسند ( ج2 ص 13 ) وابن ماجه فى سننه ( ج1 ص 628 ) .



من مواضيع احمد الماضي في المنتدى:

{}{}{}{}{ أغرب الغرباء من صار غريبا في وطنه }{}{}{}{}
فلسفة أبو العتاهية الشعرية
هاآرتس: الصهاينة لا زالوا فى صدمة نفسية رغم انتهاء العدوان على غزة
الزنجبيل..الكنز الذي لانعرف قيمته
أبحاث فى التاريخ تؤكد وجود الإسلام فى البرازيل منذ 1200عام
لاب توب على شكل حقيبة نسائية
..نحلة تشرب الخمر ويعاقبها النحل"فيديو"..
الالة التي تنتج حرارة اكثر من الشمس
ركب الحجاز بصوت نور الدين خورشيد
مقاضاة قادة "إسرائيل" أمام الجنائية الدولية بسبب حصار غزة
مصر وأهلها
حصريا بلبل الشام توفيق المنجد وشريط بعنوان رمضانيات



التوقيع
يكفيه ان البدر يخسف نوره _ لكنّ نور محمد لن يخسفا






   رد مع اقتباس