بيت خفيف

دخلت إلى بيت صديق منذ أيام المدرسة، ولم أكن قد زرته مذ سنوات طويلة. لا أعرف لمَ شعرت بقدر من التوتر (بل دعوني أعترف أنه كان شعوراً بالانقباض )، على مدار وقت الزيارة القصير، على رغم الذكريات التي تدفقت بيننا ، وفرحتي لرؤيته. بعد خروجي من بيته أخذت أفكر في سبب هذا الشعور. . رجحّت في البداية أن السبب هو ضيق المكان وضعف إضاءته ، مع أننا كنا في منتصف النهار. لكن البيت لم يكن صغيراً ، بل هو خانق لكثرة قطع الأثاث ، وكبر حجمها ، وتراكم العديد من التحف والصور والإكسسوارات الفضية في كل الأركان ، وفكرت أن هذا البيت لا يختلف عن بيوتنا جميعاً. وطرأ على ذهني السؤال الذي طرحه الكاتب والمحاضر إدوار ريديكر هندرسن حين قال: (ماذا لو اندلع حريق في بيتك ، اللهب يعلو ويحاصر كل الأشياء التي تمتلكها ، الأشياء التي تمنيتها وتعني لك شيئاً مهماً ؟! . . . لو أن لديك فرصة لإنقاذ شيء واحد ما الذي تختار؟). كان سؤاله مدخلاً لتناول مأزق تعلقنا بالأشياء التي قد ندرك يوماً أنها هي التي تمتلكنا ، وكنا قد توهمنا أننا نمتلكها. يناقش هندرسن فكرة (الامتلاك) في حد ذاتها، خاصة في هذا العصر الذي تتوحش فيه القوى الاستهلاكية يوماً بعد يوم، ولا تتركنا الإعلانات في حالنا ولا مواسم التخفيضات، ولا تزايد أعداد مناطق التسوق . لو لم ندرك قدرة المجتمع الاستهلاكي على استنزافنا لالتهمتنا القوى الشرائية تماماً. والمشكلة في رأيي لا تتلخص في الاستنزاف المادي وحده ; حيث نشتري أشياء لسنا في حاجة حقيقية إليها ، ولكن لأنها (الموضة) الجديدة ، أو لأنها (الأحدث) في السوق. وكل هذا للأسف ينبع من اعتبارات اجتماعية تغذي رغبتنا في أن نكون مقبولين اجتماعياً بل ومتميزين. عندما سُئل الكاتب جان كوكتو نفس السؤال : (ماذا ستأخذ معك لو جاءتك فرصة إنقاذ شيء من بيتك المحترق؟)، أجاب (سأخمد الحريق). الإجابة غير المتوقعة هي الإجابة الصحيحة. لابد أن نُقر مبدئياً أنه من الصعب جداً في لحظة الحريق أن نفلت من فكرة إنقاذ الأشياء التي تعني لنا شيئاً مهمّاً. والذي يشير إليه كوكتو في إجابته الصعبة ، أنه لو لم يكن لديه شيء يخاف عليه فلن يكون هناك خوف من فقدان (الأشياء). هل هذه دعوى للتخلي عن عيش مريح وبيت لديه إمكانات الحياة الحديثة ؟ أبداً . الأزمة تكمن في التراكم الذي يتم بلا وعي ويؤدي إلى فقداننا الإحساس بالمساحة ، وفقداننا الإحساس بالتحرر من الامتلاك. ربما تتضح الفكرة من خلال ذلك القرار التي نفذه هندرسن وزوجته; إذ عقدا النية على أن في مقابل كل شيء جديد يشترونه، سيتخلصان من شيئين في المقابل. فلو اشتريا جهازاً جديداً مثلا ، فسوف يتبرعان لملجأ أيتام بكنزتين شتويتين. يؤكد هندرسن أن تلك الفكرة قد شجعتهما على التخلص من أكوام من الأشياء لم يكونا في حاجة حقيقية إليها. وفي نفس اللحظة حوّل القرار فكرة شراء شيء جديد إلى عبء ثقيل; لأن عليهما ساعتها أن يقررا ما هي الأشياء التي سيتخلصان منها في المقابل . استغرقني التفكير إلى أن وصلت إلى بيتي ، وعندما أغلقت الباب ورائي درت بعينيّ أتأمل المكان، وأفكر ما الذي أحتاج إليه حقاً، وما الأشياء التي من السهل الاستغناء عنها. . كان الفارق واضحاً لدي بين (الاحتياج) و( الرغبة ) . اللوحات على الجدران لا تندرج في قاموسي تحت باب الرغبة; لأن لدي احتياجاً حقيقياً إلى رؤية لوحات جميلة على حوائط البيت. لكن التلفزيون القديم الذي يشغل حيزاً من غرفة المكتب، لابد أن يرحل ، وكذلك هذا الحجر الكريستال الذي احتفظت به منذ أن زرت الصحراء منذ أعوام . . سيأخذ الأمر مني وقتاً بكل تأكيد، لكنني قررت أن أفسح مساحة أكبر للروح . لا أريد أن أشعر بالاختناق لتزاحم الأشياء إلى حد الحصار . . أريد بيتي خفيفاً ، وكذلك روحي.
مما قرأت
شكرا لكم
وخالص تقديري
من مواضيع ابو طيبه في المنتدى:
لماذا يتفوق 14 مليون يهودي على 1،4 مليار مسلم 000000 ؟
هو * و * هي ... !
طريقة جديدة للخداع احذروا منها اخواني !
ناموس الكون
اساليب التعامل مع الطفل العنيد
كلمات من ذهب
البعض ... يرحلون !
سألت حكيما فاجابني 000 !
حقا انها القناعات 000 !
اذا كانت هذه الدنيا 00 فكيف هي الجنة ( صور )
العوق .. عوق الروح فقط !
سبقني الوقت 000 !
|