رد: ست وثلاثون بحثًا في المقطوع والموصول
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الثانية: قطع من ما قطعت "من ما" في ثلاث مواضع، ووصلت في (122) موضعًا، ولبيان سبب القطع نقارن مواضع القطع بالمواضع المثيلة لها في الوصل:
الموضع الأول :في قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَـاـتِ الْمُؤْمِنَـاـتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـاـنُكُمْ مِنْ فَتَيَـاـتِكُمْ الْمُؤْمِنَـاـتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـاـنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَءاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (25) النساء.
يبين الله تعالى لمن لم يستطع أن ينكح المحصنات المؤمنان، أن ينكح مما ملكت الأيمان، ولكن مما ملكت يمين غيره، وليس مما ملكت يمينه هو، فهي مقطوعة عنه؛ ولأن وضع ملك اليمين هو كوضع الزوجة، ولو كانت متصلة به لما كان الخطاب موجهًا له، لذلك قطعت في الرسم كما هي مقطوعة عنه في الواقع.
أما وصلها في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَـاـبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـاـنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءاتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي ءاتَـاـكُمْ (33) النور
فهذا مما ملكت يمين المخاطب في هذه الآية من الفتيان وليست من الفتيات، وأراد أن يكاتب مولاه على التحرر من العبودية؛ فوصلت لما كان هذا مما ملكت يمينه هو، وملك يمينه موصول به. فجاء الرسم موافقًا للحال الذي عليه ملك اليمين مع المخاطبين بشأنه.
الموضع الثاني: في قوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـاـنُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَـاـكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَـاـتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(28) الروم
فهذا سؤال: هل يوجد مُلك يمين شريكاً لمالكه في ملكه؟
فكيف يكون شريكًا له وهو مُلك لصاحبه؟!
فهل يقبل مالك أن يكون مُلك يمينه شريكًا له؟
لذلك قطعت في هذا الموضع لعدم وجود مالك يقبل ذلك.
فكيف يكون لله شريكًا له من عبيده إذا كان البشر لا يقبل شراكة عبيدهم لهم؟!
فقطعت لذلك في الرسم كما هي مقطوعة في الواقع.
الموضع الثالث: في قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَـاـكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّـاـلِحِينَ(10) المنافقون.
يطلب سبحانه وتعالى في هذه الآية من عباده الإنفاق مما رزقهم الله قبل مجيء الموت، فيندم على عدم إنفاقه، فيطلب تأخير أجله لكي يتصدق من المال الذي تركه خلفه، وانفصل عنه بالموت ... وهيهات أن يؤخر الأجل له؛ (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) نوح،
فجاءت "من ما" في هذه الآية مفصولة؛ لأن طلب الإنفاق كان من المال الزائد عن الحاجة، المفصول عنه بالموت، والباقي بعده لمن لا يدري في أي باب خير أو شر ينفق.
أمّا اتصالها في قوله تعالى: (فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَـاـهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا ءاتَـاـهَا (7) الطلاق
وقوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ(7) الحديد،
وقوله تعالى: (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَـاـهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً (29) فاطر
وغير ذلك من المواضع فكلها فيها طلب الإنفاق من المال الذي بين أيدينا، ومتصل بنا، غير مقطوع عنا، ولم يربط بذكر الموت؛ فجاء الرسم فيها متصلاً لاتصال المال المنفق منه بمالكيه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الثالثة: قطع ووصل: إنّ ما ورد لفظ "إنّ مَا" موصولاً في (146) موضعًا، ومقطوعًا في موضعٍ واحدٍ فقط؛
في قوله تعالى: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ(134) الأنعام.
ويرجع القطع في هذا الموضع إلى أن الموعود به هو أمر سيحدث في المستقبل؛ فزمنه مقطوع عنا في الحاضر؛ فالوعد باليوم الآخر والحساب والجنة والنار ... كل ذلك سيكون في زمن مستقبل، علمه عند الله، وقدومه مجهول لدى كل البشر.
وأمّا اتصالها في قوله تعالى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ(5) الذاريات.
وفي قوله تعالى: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ(7) المرسلات.
فيرجع ذلك إلى أن الآية تقرر أن الوعد صدق وأن الوعد ثابت وحق، لا تراجع عنه، والآيتان لا تتحدثان عن زمن الموعود وقدومه، كما في ءاية التي قطعت (إنما) فيها.
وأمّا اتصال "إنَّما" في بقية المواضع فهو لتأكيد وتقرير وتوثيق وتثبيت ما ارتبطت به، فكان حقها الوصل لا الفصل؛
كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَـاـنَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ(171) النساء
وفي قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ(11) البقرة.
وفي قوله تعالى: (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَـاـطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (14) البقرة.
وفي قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا(20) الجن.
وإذا كانت "ما" زائدة فزيادتها جاءت من جواز الاستغناء عنها؛
إنَّما الله إله واحد = إنَّ الله إله واحد.
ولما كانت "ما" تفيد العموم والإبهام؛ فإن ذكر المعرف بعدها يكون تعظيمًا له، وشدة تأكيد له، فكأن هذا العموم اختزل فيه.
وإذا كانت "ما" مصدرية؛ قل إنَّما أدعو = قل إنَّ دعائي
فإنها أعم وأثبت لكونها؛ مصدرًا وكونها اسمًا، فتعطي ثباتًا للفعل المتجدد الحدوث؛ لا يتأتى ذلك من كونه فعلاً لوحده.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الرابعة: قطع ووصل عَنْ مَنْ قطع حرف الجر(عَنْ) عن (مَنْ)الموصولة في موضعين، وليس في القرآن غيرهما؛
في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَـاـرِ(43) النور.
فقد وافق القطع في هذا الموضع خبر قطع المطر وصرفه عنهم، ومنع وصوله إليهم.
وفي قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَواةَ الدُّنْيَا(29) النجم
فقد وافق القطع في هذا الموضع أيضًا؛ طلب الإعراض عمن هو معرض عن ذكر الله تعالى، وقاطع للوصل به، وليس بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبينهم إلا باب الدعوة لهم إلى الله، لأنه أرسل إليهم، وكان عليه واجب التبليغ بما أرسل به إليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الخامسة: قطع ووصل عن ما ورد لفظ "عَمَّا" (48) مرة في القرآن الكريم؛ قطع في موضعٍ واحد فقط؛
في قوله تعالى: (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَـاـسِـ(ءِ)ـينَ(166) الأعراف.
ويرجع القطع في هذا الموضع لانقطاعهم عن أمر النهي عن الصيد يوم السبت، وعدم الأخذ به، لا عن انقطاعهم عن معصيتهم فهم مستمرين عليها ومتصلين بها.
وأمّا وصلها كما في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـاـثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73) المائدة.
فذلك لاتصالهم بالقول مستمرين عليه: بأن الله ثالث ثلاثة، فهم لم يتوقفوا ولم ينقطعوا عن قولهم بذلك.
وكما في قوله تعالى: (قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَـاـدِمِينَ(40) المؤمنون. فما أنذورا به سيصبح واقعًا ملتصقًا بهم، لا انفكاك لهم منه، نادمين على استبعاد حدوث ذلك لهم.
وكذلك وردت "عَمَّا" متصلة في مواضع كثيرة اقتضى تنزيه الله تعالى عنها؛
كما في قوله تعالى: (سَبْحَـاـنَهُ وَتعَـاـلَى عَمَّا يَصِفُون(100) الأنعام.
ففيها تنزيه لله عن وصفهم الذي يصفون الله عز وجل به في (7) آيات؛ بأن له ولد، أو بنين وبنات، أو شريك في الملك، وهم لا يَدَعون وصفهم هذا.
وفي قوله تعالى: (سَبْحَـاـنَهُ وَتَعَـاـلَى عَمَّا يَشْرِكُون(67) الزمر.
ففيها تنزيه لله في (12) آية عن الشريك الذي يشركون الله تعالى به، ولا ينقطعون عن ادعاء وجود أو اتخاذ الشريك لله فيها.
وباقي المواضع وصلها كمثل السابقات؛ يعود إلى وجود اتصال وارتباط والتصاق للقول أو العمل أو الوصف بأصحابه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة السادسة: قطع ووصل إنْ ما
وردت "إمَّا" أربع مرات؛ قطعت في واحدة منها، ووصلت في ثلاث؛
في قوله تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ(46) يونس.
وفي قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ(77) غافر.
فوصلها في هذين الموضعين راجع إلى أن كلمت العذاب قد حقت على هذه الفئة من الناس من رؤوس أهل الشرك والكفر، وسيرى الرسول صلى الله عليه وسلم العذاب واقعًا بهم؛ إما في حياته الدنيا بتعجيل العذاب لهم فيها، وإما في الآخرة بتأخير العذاب عنهم، فمرجعهم في نهاية الأمر إلى الله عز وجل؛ قصرت أعمارهم، أو طالت بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك كان الوصل، وسقوط نون النزع بالإدغام في الميم توكيدًا بما توعدهم الله عز وجل مما لا منزع ولا مخرج لهم منه.
ووصلت في قوله تعالى: (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ(41) الزخرف.
فوصلها في هذا الموضع كسابقتيها، فالعذاب قد كتب عليهم، فينتقم الله منهم إذا أخرج الله تعالى الرسول من بينهم بالوفاة، أو بإخراجه بعيدًا عنهم بالهجرة. وهذه المواضع الثلاثة هي في سور مكية، وقد بطش الله تعالى بهم بعد ذلك؛ فقد أصاب العذاب من حارب الله ورسوله من رؤوس الكفر وغيرهم في بدر وما بعدها، أو مات على كفره كأبي لهب لعنه الله.
وقد قطعت في قوله تعالى: (وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَـاـغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ(40) الرعد. وهي سورة مدنية.
فقطع (إن ما) في هذا الموضع من سورة الرعد؛ راجع إلى أن العذاب الذي يتوعدهم الله به مقطوعًا عنهم، ولم يكتب عليهم حتى يتم الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ الذي عليه لهم، وحتى يتبين موقفهم من أمر الله تعالى.
وقد قطع العذاب عمن آمن بالله ورسوله، وتخلى عن كفره وشركه قبل موته، وأصبح من المسلمين، ومن المجاهدين في سبيل الله تعالى بعد ذلك؛ كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل رضي الله عنهم، وكثير ممن هاجر قبل الفتح أو أسلم بعد الفتح من أهل مكة خاصة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة السابعة: قطع (أن لم) وردت "أن لم" في موضعين فقط، وقطعت فيهما؛
في قوله تعالى: (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـاـفِلُونَ(131) الأنعام.
قطعت "أن لم" في هذا الموضع؛ لأن فيه تنزيه لله سبحانه وتعالى عن الظلم، وعقابه مقطوع عن الظالم حتى يحذره، ويرسل له رسولاً يبين له ما هو فيه من الشرك والكفر الموجب لعقابه، ولا يأخذه وهو غافل عن نتائج عمله دون أن يعلمه بما يستحقه من العذاب قبل ذلك.
وقطعت في قوله تعالى: (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ(7) البلد.
وكان القطع في هذا الموضع بما يوافق غفلة بعض الناس عن متابعة الله تعالى له، وهو السميع البصير، وظنه أنه سبحانه وتعالى لا يراه ولا يسمعه.
وهل لا يراه الذي جعل له عينين ليبصر بهما؟!
وهل لا يسمعه الذي جعل له لسانًا وشفتين ليتكلم بها؟!
فكيف يقدر قطع رؤية الله سبحانه وتعالى عن أفعاله؟!
فكان الرسم موافقًا لما أنكره الله تعالى على هذا أمثال هذا الجاهل الذي يظن أن رؤية الله مقطوعة عن فعله.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الثامنة: قطع إن لم وردت "إن لم" في القرآن الكريم أربع مرات؛ قطعت في ثلاث منها:
في قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـاـثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73) المائدة.
ويرجع هذا القطع إلى أنه قد جاءهم نهي عن القول بأن الله ثالث ثلاثة، ووعيد لهم على كفرهم بهذا القول؛ فلم يأخذوا بالنهي، ولم يأبهوا بالوعيد لهم، وظلوا مقطوعين عن هذا النهي والوعيد؛ فكان القطع في الرسم تبعًا للقطع الحاصل منهم في الواقع.
وقطعت في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَـاـدِقِينَ(23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـاـفِرِينَ(24) البقرة.
الخطاب موجه للكافرين، وفيه تحدٍ لهم للإتيان بسورة من مثل القرآن؛ فلم يفعلوا، ولن يفعلوا، وسيظل القطع قائمًا بينهم وبين القدرة على الفعل؛ ولذلك جاء القطع في الرسم موافقًا للعجز والقطع في الواقع، وقد مرت أكثر من أربعة عشر قرنًا وعدة عقود على ذلك، فلم يقدروا على فعله، واستمر عجزهم عنه.
وقطعت في قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَـاـبٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَـاـدِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَـاـهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّـاـلِمِينَ(50) القصص.
أمر بالتبليغ بالقول؛ فيه تحد للإتيان بكتاب أهدى من القرآن والتوراة، وكان حالهم مثل الحال السابق في الآيتين، ثم قيل للنبي صلى الله عليه وسلم؛ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ)، وقد فارق عليه الصلاة والسلام الدنيا، وهم على نفس الحال من العجز وعدم القدرة والاستجابة، فكان القطع موافقًا لتحد منقطع، حده نهاية حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تواصل التحدي من الأمة التي حملت هذا التحدي من بعده، فأصبح التحدي هو تحديها كما يأتي في الآية التالية التي وصلت فيها.
ووصلت في قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَـاـهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَـاـتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَـاـدِقِينَ(13) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(14) هود.
فكان وصلها في هذا الموضع؛ لأن الخطاب في الآية موجه للمسلمين؛ (فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ)، والمسلمون أمة بدأت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، واستمرت إلى يومها هذا، وإلى ما شاء الله تعالى، وحاملة لهذا التحدي من بعده؛ فالتحدي قائم وموصول مع بدايته، ولا انقطاع له إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ولذلك جاء الوصل موافقًا لتواصل التحدي للكافرين من الأمة التي حملته دون توقف ولا انقطاع.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة التاسعة: قطع أنّ ما وردت "أنَّ ما" في القرآن الكريم في واحد وعشرين موضعًا؛ وصلت في تسعة عشر موضعًا منها، وقطعت في موضعين فقط؛
في قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَـاـطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(62) الحجّ.
وفي قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَـاـطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ(30) لقمان.
في الآيتين تقرير من الله تعالى بنفس النص؛ بأن الذي يدعونه من دون الله تعالى هو باطل لا حقيقة له، ولا وجود له، وهو من اختلاقهم، وفساد عقولهم.
فكيف يكون وصل مع لا وجود له، فـ "أنَّ" جاءت تأكيدًا على أنه باطل، وليس تأكيدًا على صحة وجوده.
فجاء القطع صورة لما عليه واقع انقطاع أهل الكفر والشرك عن باطل يدعونه من دون الله عز وجل.
أما وصل "أَنَّمَا" في بقية المواضع فعائد إلى لزوم الأمر أو الوصف وما لا يمكن نقضه؛ كألوهية الله تعالى ووحدانية؛
في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (110) الكهف.
وفي قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) الأنبياء.
وفي قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ (52) إبراهيم.
وفي قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ (6) فصلت.
وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نذير، وعليه البلاغ بالحق الذي أنزل عليه من ربه؛
كما في قوله تعالى: (إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) ص.
وفي قوله تعالى: (وَأَطِيعُ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلـاـغُ الْمُبِينُ (92) المائدة.
وفي قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى (19) الرعد.
وفي قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ (14) هود.
وأن الأموال والغنائم وما يمدهم الله به في أيدي الناس هو ملتصق بهم، وأكثره فتنة لهم في الحياة الدنيا؛
كما في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ... (41) الأنفال.
وفي قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلـاـدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) الأنفال.
وفي قوله تعالى: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) المؤمنون.
وفي قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ (178) آل عمران.
وفي قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَواةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلـاـدِ (20) الحديد.
وأنه لا راد لما يريده الله بالكافرين من العذاب؛
في قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ (49) المائدة.
وان الكافرين يتبعون أهواءهم التي تصرفهم عن الحق ويتمسكون بها؛
في قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ (50) القصص.
وأن داود عليه السلام قد وقع فعلاً في الفتنة، فاستغفر وخر راكعًا، فغفر الله له؛
في قوله تعالى: (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّـاـهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) ص.
وأن الشجر لا ينفك اتصاله بالأرض؛
في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلـاـمٌ (27) لقمان.
وأن نسبة الخلق إلى الله ثابتة لا منكر لها، وإن حدث إنكار للسبب والبعث؛
في قوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـاـكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) المؤمنون.
والتصاق الدعوة بهم إلى ما ليس له دعوة في الدنيا والآخرة؛ فكان جزاؤهم نار يعرضون عليها غدوًا وعشيًا؛
في قوله تعالى: (لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآَخِرَةِ (43) غافر.
من مواضيع العرابلي في المنتدى:
خير الجنات جنت الواقعة ......... الجنة التي بسطت تاؤها
طبق آخر من أسرار الرسم القرآني في أسماء الأنبياء وغيرهم
سر تسمية عيسى ابن مريم عليه السلام بعيسى؟!
حقيقة إلقاء الشيطان في أمنية الأنبياء والمرسلين
هل هلك قوم لوط بأول تفجير نووي في التاريخ في وادي الأردن
للنار أهل في القرآن ولا أهل للجنة
سر التاءات التي بسطت في القرآن في حزمة واحدة
حذف ياء المتكلم الزائدة المتصلة بأفعال الأمر والنهي
فكرة تجبر إسرائيل وقف الحرب وانسحابها من غزة بعد يومين
وطلح منضود لا موز منضود
نزول الله إلى السماء الدنيا بلا انتقال ولا تجسيد
سر كتابة الألف واللام في اسم الجلالة "الله"
|