رد: ست وثلاثون بحثًا في المقطوع والموصول
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة العاشرة: أم من أم: حرف جر يستعمل لطلب التعيين لأحد الاثنين؛ وردا بلفظين أو جملتين.
وهو مكون من؛
الهمزة التي تفيد الامتداد المتصل، فهي تدل على وجود آخر متصل بالأول.
والميم التي تفيد الإحاطة، ولذلك لا تدغم الميم إلا في مثلها،
والإحاطة هنا بالأول والثاني وهما كل المذكور.
لذلك كان استعمال "أَمْ" لطلب تعيين أحد الاثنين؛ ولا يكون ذلك إلا بمعرفة الاثنين، والإحاطة بأحوالهما.
والتعيين سيكون لواحد منهما؛
:إما الأول الذي يعرض أولاً، وتسبق المعرفة به والإشارة إليه، وهو المعطوف عليه،
:وإمَّا الثاني الذي يعرض تاليًا ويعطف على الأول.
وكان سبب عرض الثاني هو عدم إقرار الأول، أو بيان فضل الأول من مقارنته بغيره، أو عطفه على مثله.
والتعيين لأحدهما يقتضي أن كل منهما يخالف الآخر، أو أن أحدهما دون الآخر.
فقد يساوى بين أمرين مختلفين، أو يكون أحدهما في حالة الإثبات والآخر في حالة النفي، وعند ذلك يؤتى بلفظ سواء وغيرها، وهمزة التسوية أو المعادلة؛
كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) البقرة.
وقد جاء الرسم القرآني في فصل وقطع "أمْ مَّنْ" تبعًا للمعنى؛
فإن كان التعيين لما بعد "أم"؛ أي المعطوف، وقرر هو دون المعطوف عليه، أو مما اتصلوا به وتعلقوا به، ولو كان باطلاً؛ اتصلت الكلمتان وأصبحتا كلمة واحدة "أمَّنْ".
وإن كان التعيين لما قبل "أم"، وليس للمعطوف بعدها، أو كان العطف على منفي مثله؛ تقطع الكلمتان ولا يتم وصلهما.
ذُكرت "أمَّنْ" في القرآن الكريم في خمسة عشر موضعًا؛ قطعت في أربعة مواضع:
في قوله تعالى: (هَـاـأَنْتُمْ هَـاـؤُلاءِ جَـاـدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَواةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَـاـدِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَـاـمَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً(109) النساء.
المعطوف عليه: من يجادل الله عنهم يوم القيامة؟ ... لا أحد
المطوف: من يكون عليهم وكيلا؟ ... لا أحد
فلا وكيل ولا شفيع ولا صديق ولا حميم يتصل بهم يوم القيامة ويدافع عنهم، ويشفع لهم، بل المرء يفر من أقرب الناس إليه؛ لذلك قطعت في الرسم بما يوافق حال القطع الذي هم عليه يوم القيامة.
وفي قوله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَـاـنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَـاـنَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّـاـلِمِينَ(109) التوبة.
المعطوف عليه؛ من أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان؛ هو خير؟ ... نعم
المعطوف: من أسس بنيانه على شفا جرف هار ..؛ هو خير؟ .... لا
من أسس بنيانه على جرف هار لا يثبت هو ولا بنيانه، وكذلك من بنى عقيدة فاسدة على هوى وضلال؛ فإنه ينهار هو وبناؤه في نار جهنم.
فعلى ذلك كان الرسم بالقطع يوافقه الحال الذي عليه المتأخر من القطع وعدم الثبات.
وفي قوله تعالى: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَـاـهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ(11) الصافات.
المعطوف عليه: هل الناس هم أشد خلقًا؟ .... نعم
المعطوف : هل الملائكة والجن أشد خلقًا .... لا
كانت النظرة الأولى أن جواب الأول سيكون: لا ، وجواب الثاني: نعم.
وعند النظر في الآية لوجود هذا القطع الذي يوجب مراجعة الإجابة؛ أن تغيرت الإجابة
فأشد خلقًا ليست هي مرادفة لأشد قوة.
ومن خلق من مادة جامدة وسائلة هو أشد خلقًا وأثقل ممن خلق من نار أو نور.
وشدة الشيء هي قوة تماسك أجزاءه وترابطها، نقول هذا حجر قاسٍ وهذا أشد منه قسوة.
وقد جاءت هذه الآية بعد ذكر تمكن الشياطين لخفتهم من استراق السمع في السماء، وقذفهم بالشهب التي أغلبها ذرات كذرات الرمل؛ تحترق لسرعتها العالية عند دخول جو الأرض.
وكان ختم الآية؛ (إِنَّا خَلَقْنَـاـهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ(11) هو بيان لسر هذا القطع. وأن المذكور بعد "أم" ليس هو المعين كما يبدو في ظاهره.
وفي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي ءايَـاـتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي ءامِنًا يَوْمَ الْقِيَـاـمَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(40) فصلت.
المعطوف عليه: هل من يلقى في النار هو خير؟ ... لا
المعطوف : هل من يأتي آمنًا يوم القيامة هو خير؟ .... نعم
ولكن لماذا كان القطع في هذا الموضع، وليس الوصل؟
السؤال بطريقة أخرى؛ من هو خير من اتصل بالنار ووقع فيها
أم من انقطع عن النار وأمن من العذاب فيها؟
الجواب: من انقطع عن النار وتجاوزها هو خير ممن وقع فيها، وظل متصلا بها.
فكان القطع في الرسم موافقًا للانقطاع عن النار الذي تحقق للآمن.
ووصلت "أمَّنْ" في أحد عشر موضعًا،
في الآيات الست التالية؛ المعين فيها بعد "أم"؛ الله عز وجل؛
وعلى ذلك كان وصلها؛
في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَـاـرَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ(31) يونس.
وفي قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَـاـوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَـاـهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ(60) النمل.
وفي قوله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَـاـلَهَا أَنْهَـاـرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَـاـهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ(61) النمل.
وفي قوله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَـاـهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ(62) النمل.
وفي قوله تعالى: (أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَـاـتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَـاـحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءِلَـاـهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(63) النمل.
وفي قوله تعالى: (أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَءِلَـاـهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَـاـنَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَـاـدِقِينَ(64) النمل.
فهو سبحانه وتعالى الذي يملك السمع والبصر، وهو الذي خلق السموات والأرض، وهو الذي جعل الأرض قرارًا، وهو الذي يجيب المضطر ويكشف السوء، وهو الذي يهدي في ظلمات البر والبحر، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده؛ فكان الوصل لأن هذه الأعمال من أفعاله سبحانه وتعالى.
ووصلت في قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(22) الملك.
فالمعين فيها في أمر موجب وقع بعد "أم"؛ وهو الذي يمشي سويًا على صراط مستقيم.
ووصلت في قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَـاـنِتٌ ءانَاءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَـاـبِ(9) الزمر.
فالمعين فيها في أمر موجب وقع بعد "أم"؛ من هو قانت آناء الله، وليس كمن يعبد الله عندما يمسه الضر، وينساه مع النعمة الوارد ذكره في الآية السابقة.
ووصلت في قوله تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَـاـنِ إِنْ الْكَـاـفِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ(20) الملك.
وفي قوله تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ(21) الملك.
فما وقع بعد "أم" هو من تعلقوا به ورجوا نصرته في الآية الأولى، ورجوا منه الرزق في الآية الثانية، ولذلك وصفوا بأنهم في غرور، وأنهم لجوا في عتو ونفور؛ لشدة ارتباطاهم بضلالاتهم.
ووصلت في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35) يونس.
فما وقع بعد "أم" هو من تعلقوا به، وجعلوه شريكًا لله؛ من رؤوس الكفر والضلالة والداعين إليها، كم قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَـاـنَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ (31) التوبة، ومن تعلقوا به على حال لا يهتدي حتى يُهدى؛ فاستنكر الله تعالى عليهم هذا الانحطاط الذي هم عليه العباد برب العباد؛ بقوله: (فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(35) يونس.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الحادية عشرة : قطع لات حين وردت لات حين مرة واحدة؛
في قوله تعالى: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ(3) ص.
قطعت التاء عن حين في ولا تحين، لتصبح في الرسم؛ "ولات حين"
والتاء أحد حروف المضارعة الأربعة المجموعة في كلمة "نأتي"
وسر استخدام هذه الحروف للمضارعة مبني على معانيها؛
فنون النزع استعملت علامة للمتكلم الجمع، لأنهم ينزعون أنفسهم عن البقية؛ نحن نزرع، نعمل، ...
وهمزة الامتداد المتصل؛ استعملت علامة للمتكلم الفرد؛ لأن المتكلم يضيف بكلامه وبفعله شيئًا جديدًا يظل متصلا به ومنسوبًا إليه؛ أنا أكتب، أقرأ، أفعل كذا، .....
وياء التحول استعملت علامة للمذكر الغائب، لأن المذكر هو المكلف بالعمل، وعدم وجوده في مكانه أو منزله هو بسبب التحول لعمل يؤديه بعيدًا عن أعين الحاضرين، هو يحرث، يسافر،..
وتاء التراجع استعملت علامة للمؤنث الغائب، لأن تحول الأنثى هو تراجع لها إلى بيتها الذي خرجت منه فظهرت بحضورها،
والقول في لات أنها مشبهة بليس؛ واسمها محذوف؛ أي ولات الحين أو أحياننا حين مناص
وأن لا النافية للجنس زيدت عليها التاء.
وجاء في تفسير القرطبي لهذه الآية: "وكان الكسائي والفراء والخليل وسيبويه والأخفش يذهبون إلى أن «وَلاَتَ حِينَ» التاء منقطعة من حين، ويقولون معناها وليست".
ومعنى ولات حين مناص: لا وقت للفرار والنجاة، ولا وقت للتوبة والرجوع عن الذنوب.
وبهذا الرسم القائم على قطع التاء تحصل فوائد عديدة؛
- أن استقلال التاء وحدها ثم جعلها مع لا؛ أفادت النفي المطلق للتراجع؛ أي أنه لا تراجع لهم ينجيهم، لا بالفرار ولا بالتوبة.
- وبقطع التاء عن الفعل المضارع (تحين) الدال على تجدد الحدث، حوله إلى اسم ثابت (حين)، فالعذاب ثابت وقوعه بهم ولا مفر لهم منه، وهو مسلط عليهم في الآخرة ولا مخرج لهم منه، ولن يأت حين يكون فيه مناص لهم في الدنيا ولا في الآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الثانية عشرة: قطع لام الجر عن مجرورها حرف اللام حرف يستعمل للقرب والإلصاق في جذور اللغة، وفي حروف المعاني،
واستعمالات لام الجر كثيرة؛ للاختصاص وللاستحقاق، وللملك، وشبه الملك، وللتمليك، وشبه التمليك، والتعليل، والتبيين، والقسم، والتعدية، والصيرورة، والتعجب، والتبليغ، وتضمن معاني إلى، وفي، وعن، وعلى، وعند، وبعد، ومع، ومن، ولام الاستغاثة به، ولام المدح والذم، والزائدة.
وحيثما استعملت اللام، فإن استعمالها هو مبني على استعمالها للقرب والإلصاق، وحقها الاتصال بما بعدها.
وقد استعملت اللام كحرف جر في القرآن الكريم مرات كثيرة جدًا؛ إلا أنها لم تقطع عن مجروها إلا في أربعة مواضع فقط؛
وفي قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَـاـبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـاـوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَـاـبِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَـاـهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا(49) الكهف.
وسبب هذا القطع مبني على المعنى؛ لأن المجرمين يصدمون بحصر الكتاب لجميع أعمالهم، وإغلاق أبواب العتب والاعتذار والنجاة أمامهم، فهم يريدون بقولهم هذا أن تقطع عن الكتاب صفته في دقة رصد أعمالهم وحصرها عليهم، فجاء الرسم موافقًا لما قصدوا من قولهم.
وقطعت اللام في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7) الفرقان.
ويرجع هذا القطع لما أراده الكفار؛ بأن ينفصل الرسول صلى الله عليه وسلم عن حاجته لأكل الطعام، والسعي في الأسواق؛ ليصح أن يكون رسولاً عندهم؛ فقطعت اللام بما يوافق ما أرادوه بقولهم هذا. فهم لم يأتوا بذكر أكل الطعام والمشي في الأسواق لأجل تقريره، بل لأجل بيان أن من يتصف بالأكل والسعي في الأسواق لا يصح أن يكون رسولاً في رأيهم.
وقطعت اللام في قوله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا(78) النساء.
ويرجع قطعها في هذا الموضع إلى أن الله تعالى يريد منهم أن ينفصلوا عن هذا الجهل، وعدم الفقه الذي هم عليه، وأن الأمور كلها؛ بخيرها وشرها بيد الله عز وجل، فمن مات أو قتل إنما كان موته بقدر من الله عز وجل، وليس لأنه كان في حرب، وأن قدر الله الذي قدره له بالموت سيلحق به أينما حل وأقام.
وقطعت اللام في قوله تعالى: (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ(36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) المعارج.
مُهْطِعِينَ: مسرعين نحوك، مادّي أعناقهم إليك، مقبلين بأبصارهم عليك.
عِزِينَ: فرقا شتى كل فرقة من ثلاثة أو أربعة، كانوا يجتمعون حول الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستهزئون بما جاء به. فاستنكر تعالى عليهم فعلهم، على قصد تركه وقطعه؛ فكان الرسم موافقًا لما أراد الله تعالى من ذكر ذلك عنهم.
وقد جاءت اللام في خبر "ما" حيث ما؛ اسم استفهام في محل رفع مبتدأ، وكان الاستفهام في هذه المواضع هو استفهام استنكاري.
فلم يكن مجيء اللام في هذه المواضع الأربعة التي قطعت فيها؛ لأجل إقرار الخبر وتوكيده، بل لأجل الرغبة في قطعه وإبعاده، وعدم الاتصاف به، وعلى ذلك كان الرسم بالقطع.
من مواضيع العرابلي في المنتدى:
أعجاز نخل منقعر، وأعجاز نخل خاوية
سر حذف الياء المفردة الزائدة المتصلة بالأسماء في الرسم القرآني
موسى عليه السلام (1) القاطع الذي لم يقطع
وطلح منضود لا موز منضود
سر حذف الواو في (يمح الله) وإثباتها في (يمحوا الله)
موسى عليه السلام (8) والحياة الفرعونية
البشرى بأحمد والسبق التاريخي
الأمية صفة الاستقلالية
سر التاءات التي بسطت في القرآن في حزمة واحدة
خير الجنات جنت الواقعة ......... الجنة التي بسطت تاؤها
سر كتابة السين صادًا في القرآن الكريم
حذف ياء إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة
|