عرض مشاركة واحدة
قديم 31 -03 -2009, 07:58 PM   #6 (permalink)
ابو قاسم الكبيسي

الوسام الفضي

تاريخ التسجيل: 29-12-2008
رقم العضوية :  132701
عدد المشاركات: 3,188
الردود المواضيع

آخر مشاركة : اليوم 07:47 AM

معدل تقييم المستوى : 43 ابو قاسم الكبيسي is on a distinguished road

حالة العضو:   ابو قاسم الكبيسي غير موجود حالياً

إفتراضي رد: اين هم علماء الدين في العراق والعالم العربي والاسلامي


خطر فقدان الأمة للمرجعية الشرعية:
وما مضى يبين أن المسؤولية على أهل العلم عظيمة وواجبهم تجاه الأمة كبير ولاسيما في هذه الأزمان التي قبض فيها كثير من العلم بموت أهله، وتصدر فيها رؤوس جهال ضلوا وأضلوا، وهؤلاء واجب على أولي الأمر من العلماء والأمراء التصدي لهم، قال الإمام ابن القيم: "من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضاً، قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله: ويلزم ولي الأمر منعهم كما فعل بنو أمية، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هو أسوأ حالا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين!
وكان شيخنا رضي الله عنه، شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء، أجُعلت محتسباً على الفتوى! فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب!"(13).
إننا لا ندعو إلى إضفاء هالة من الإلهية على أحد من البشر، (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 79-80].
بل لا ندعي العصمة من الخطأ لأحد من بني آدم فكلهم خطاء، ولعله ليس في أهل الإسلام من يدعي العصمة لأفراد العلماء، حتى الشيعة الإثني عشرية إنما يقولون بعصمة الأئمة ولا إمام لهم مذ غاب منتظرهم في السرداب، وقد يتوجه لديهم قول بعصمة الفقيه صاحب الولاية خاصة على قول من يرى ولاية الفقيه منهم.
وقد أبى الله العصمة إلاّ لكتابه –كما قال الشافعي- لكن لايعني ذلك أن يفتح المجال لكل جاهل ودعي حتى يجادل الربانيين الذين يعلمون الكتاب ويدرسونه، ولو قام في دنيا الناس اليوم صحفي يهدم أركان نظرية فيثاغورث في حساب المثلثات، أو ينتقد آينشتاين في النظرية النسبية، أو يقترح علاجاً لمرض عضال خلاف ما قالت الأطباء، أو يحذر مما نصح به المختصون أفلا ينبغي أن يضرب بيد من حديد على يده المفسدة؟ فكيف يسوغ إذاً أن يقبل تنظير جاهل ورده على المختصين من أهل الشريعة، أليس إفساد أديان الناس أشد خطراً من إفساد دنياهم؟
بلى وربي. دخل مالك –إمام المسلمين- على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك وارتاع لبكائه. فقال له: أمصيبة دخلت عليك؟ قال: لا ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم! قال ربيعة: وبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السُرَّاق.
إي والله: ظهر في الإسلام أمر عظيم، قال ابن الصلاح [ت: 643] في أدب المفتي بعد أن نقل هذا الخبر: "رحم الله ربيعة كيف لو أدرك زماننا؟"(14)، وأقول: رحمهم الله كيف لو رأوا صحافتنا وكم المتعالمين الوالغين في الدين.
لقد اجتهد ونظر في الدين طلاب علم مبتدئون فقاد بعضَهم التنظيرُ إلى تفجير في بلاد إسلامية وتكفير للمسلمين، فكان جزاؤهم أن ضربوا على أيديهم بيد من حديد، وكذلك ينبغي أن يضرب هؤلاء المبتدئون الذين شَطُّوا جهة اليسار كما ضرب من شط جهة اليمين فجميعهم مفسدون وإن قالوا: (إنما نحن مصلحون)! أولئك يبعثون أفكاراً خارجية فيقتلون ويدمرون، وهؤلاء يبعثون أفكاراً غربية فيروجون للإفساد بل يفسدون ويحاربون أحكام الله وشريعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وعوداً على ما سلف لقد علمت الدولُ والمجتمعات أهمية وجود مرجعية تعنى بنتاج التخصصات المختلفة، فلا دواء ينـزل الأسواق ما لم يجز من وزارة الصحة، ولابناء ينشأ ما لم تجز خرطه هيئة معمارية مختصة، فكيف يؤذن إذاً لشرذمة من الجهلة بالكتابة في أمور الدين، بل وفي الرد على من يفترض أن يكونوا نظاراً شرعيين حاكمين على أمثالهم من المتغولين على الشريعة.
نعم نحن لانقول بعصمة أحد لا وزارة الصحة ولا الشؤون الهندسية ولا الإسلامية ولا الأعلام والشخصيات العلمية الشرعية، ولكن ليس من يقرر خطأ أولئك هم الجهلة أو غير المختصين في العلوم المعنية، فلو اعترض طبيب متخصص على قرار لوزارة الصحة، أو مهندس استشاري على هيئة هندسية، لكان اعتراضه جديراً بالدراسة والنظر، طالما كانت حيثياته مقبولة عند أهل العلم المقصود، أما أن يجيء صحفي عامي ليس له مؤهل إلاّ القدرة على القراءة والكتابة فيعترض على دواء منعته الوزارة ويدعو الناس لتعاطيه فهذا ما لاينبغي أن يقبل بحال، بل يجب الأخذ على يد مثل هذا المروج حتى لا يجني على نفسه أولاً ومجتمعه ثانياً، ومثل هؤلاء المستطيلون على رأي ونظر العلماء من العامة والدهماء.
ومن نظر اليوم في واقع كثير من بلاد الإسلام لمس أثر غياب أهل العلم –أو تغييبهم- وتصدر الجهال أو تصديرهم، ولتدارك آثار ذلك فلابد من تفعيل دور العلماء وإظهار نجوم السماء لتستدل بهم الأمة في سيرها.
ولابد كذلك من أن يعي قادة السفينة مكان أولئك، فيتوجهون بتوجيههم ويلتزمون إشاراتهم، حتى يصل الناس إلى بر السلامة وشاطئ الأمان.
وهذا يتطلب من أهل العلم مبادرة وبذلاً وعملاً، وكذلك من العقلاء الراغبين في النجاة الحادبين على الأمم والمجتمعات المدركين لمحل أهل العلم من سائر الناس.
تفعيل دور العلماء في المواجهة الحضرية ولاسيما عند انكسار الأمة وضعفها:
إن الذي يتأمل عصور الإسلام وما نزل فيها من محن عظام يلحظ تدارك الله تعالى لها بمجددين مصلحين حادبين على الأمة يبادرون فيرجعون الأمة إلى مصدر عزها كتاب ربها سنة نبيها صلى الله عليه وسلم فما تلبث أن تظهر على الأمم، ولعل من أبز سمات الفئة التي تدير عجلة التجديد والإصلاح هي العلم والعمل بشقيهما؛ المتعلق بالشرع، والمتعلق بالواقع.
وتأمل حال شيخ الإسلام ابن تيمية تلمس أثره ظاهراً في التأصيل للمسائل العلمية والعملية، الدقيقة والجلية، وكذلك في تبني مشروعات عملية؛ منها التعبدي الخاص به، ومنها ما يتعلق بإنزال التأصيل العلمي الذي يقرره إلى أرض الواقع، فتراه مثلاً يقرر مسائل الاعتقاد ثم يدعو إليها ويناظر عليها، وتراه كذلك يؤصل للسياسة الشرعية، ثم لا يألُ جهداً في مناصحة الأمراء والولاة والقضاة، وأكثر من ذلك تراه يتولى زمام الدعوة إلى شن الحروب على العدو المتغلب، وينخرط في برامج تدريبية تؤهل الناس إلى ذلك، ثم يحرض الناس على اختلاف طباقتهم للمشاركة في وقعة شقحب، ثم يوجه الدولة نحو خطر أهل النفاق المظاهرين للعدو من رافضة جبل كسروان، مع جهوده وطلابه في إنكار المنكرات، وفي أثناء ذلك كله يبين قراءته للأحداث ويطرح رؤيته لتوقع سيرها، وقد كانت عنده من الوضوح بمكان يجعله يقسم على بعضها، على رغم اضطراب الأوضاع في عصره بما يشبه حال الناس اليوم فما أشبه عصره بعصورنا في كثير من القضايا كشيوع الجهل، وانتشار المنكرات العقدية والعملية والأخلاقية، وضعف الأمة وانكسار شوكتها، وتغلب العدو المغولي المحتل عليها، وتنازع الملك بما يشبه الانقلابات العسكرية المعاصرة، وتغير الأمراء على الأقاليم.
فحري بأهل العلم في هذه الأزمنة التي انكسرت فيها شوكة أهل الحق، حتى أضحى الإسلام الحق المعروف في كثير من أصقاع المعمورة غريباً منكراً، أن يسلكوا سبيل المصلحين فيتولوا زمام المبادرة وينظروا في واقع الأمة، ويدعو الناس إلى سبيل الإصلاح الشرعي بدءاً بالكلمة والتوجيه العام، وانتهاء بوضع أهداف وسياسات ومحددات للمشاريع المختلفة والمؤسسات المتباينة التي تحتاجها الأمة لتنهض، وكذلك النظر فيما وضع منها وقام من أجل تقويمها وفقاً لمنهج مرضي لاشرقي ولا غربي.
وإلاّ فإن تأخر أهل العلم عن الركب وانفصالهم عن قضايا الأمة وانتظارهم من يوجههم أو يصنع لهم المشاريع ويبين لهم ما يفعلون يعني تأخر الأمة وتقهقرها، فإذا تأخر الجديرون بالمهمة وخملوا، فقد يقوم بها من ليس أهلاً لها، وإذا وسد الأمر إلى غير أهله تخبط الناس وضلوا.
ولعل مثل شيخ الإسلام في الزمان عزيز فهو ظاهرة علمية خارقة بحق، ومع ذلك فقد كان له إخوة من العلماء والعباد، وطلاب ومحبون من العامة والأمراء، بتعاضده معهم بعد توفيق الله تعالى أفلح في تحقيق مشاريع كثيرة بعضها متعلق بالدعوة وإظهار الحق، وبعضها متعلق بالجهاد، و أخرى متعلقة بإنكار المنكرات، وكثير منها لم يكن ليتأتى له –على الرغم من القدرات العلمية التي حباه الله- لو سلك نهج العمل الفردي، ولو تأملت حال مجددي الأمة على مر العصور تلمس طابع التفاعل مع المجتمع والتفعيل لقواه المختلفة أمراً مطرداً، وهذا أمر طبعي فكيف يتأتى لأمة خاملة منهكة أن تنهض دون أن تستجمع قواها، ولو كان أحد يستغني عن الآخرين في نشر الإسلام ونصره إذاً لاستغنى الأنبياء عليهم السلام، ولكن هذا لم يكن ومن تأمل سيرة أكثر الأنبياء تبعاً صلى الله عليه وسلم وجد ذلك جلياً.


ولذا فإن عقيدة الرجل الخارق البطل، أو المهدي المنتظر، أو المخلص القادم، أو المنقذ المرتقب، والتي يعتقدها بعضهم في بعض البشر، فيظل خاملاً ينتظر أن يبعث الله ذلك الذي يغير بمفرده وجه البسيطة بكل بساطة، عقيدة خيالية ساذجة فاسدة تخالف سنة الله في نهوض الأمم وتجديد الملل، وحسبك أن تتأمل معناة الأنبياء وأتباعهم مع أممهم.
وإذا تأملت نهوض الأمم في الغابر والحاضر تلحظ بجلاء الطابع الجماعي فحتى تنهض الأمة لابد أن تنهض بمجموعها، ولذا فإن نهضة الأمة الإسلامية مناطة بمجموع الأمة، وهذه قضية لابد أن نعيها ولاسيما في ظل تشعبات وتخصصات الواقع المعاصر، وإذا تبين هذا علم أن أمر الإصلاح أكبر من أن يحصر في عرش أوكرسي بل وخلافة، فضلاً عن رجل، فغاية الخلافة –على مكانتها- أن تكون وسيلة لاستنهاض الأمة من أجل إقامة الواجبات المناطة بدولة الإسلام، فإذا لم تكن المجتمعات مؤهلة لم يتأت لدولة الخلافة تسخيرها للقيام بواجباتها، فإن لم تتوجه نحو استصلاح الأمة وتأهيلها من أجل القيام بما أوجبه الله عليها، فسوف يكون مآلها التبعية أو الانهيار كما انهارت خلافات ودول وممالك، وإن كان بعض ولاتها أخياراً أبراراً.
إن واقع الأمة يتطلب تفعيلاً لها من قبل المبصرين لما يجب أن تكون عليه وفقاً لمنهج الله الذي ارتضى لعباده، وهذا يحتم على أهل العلم والفضل التقاء واتفاقاً على مشاريع مختلفة باختلاف المتفقين عليها وباختلاف أولويات واقعهم، فضلاً عن نبذ التناحر والتنافر الذي لا يخفى أثره، وينبغي أن نراعي في هذا الحشد من التيارات المتباينة والأطياف الإسلامية المتشابهة أموراً منها:
- مهما أمكن الاجتماع على كلمة حق سواء فذلك مقصد ينبغي أن نسعى إليه كما ينبغي أن نجتهد في نبذ الفرقة والاختلاف، فإن من جملة أسباب ما تعيشه الأمة تفرق الناس شيعاً وأحزاباً متناقضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها"(15)، وإذا كنا نعتقد أن اختلاف حكام الإسلام وتشرذمهم قد أضعف الأمة، وأغرى أعداءها بها، فكلمة شيخ الإسلام هذه تذكرنا بأن اختلاف المشايخ والعلماء مصيبة لا تقل عن تلك.
- قد لا يتأتى الاتفاق على الفروع وبعض الأصول ومع ذلك فقد يتأتى الاجتماع على مشاريع مشتركة، وهذا الاتفاق على مشروع لا يعني إقرار المتفقين بعضهم بعضاً على التصورات والآراء غير التي يتبناها المجتمعون في مشروعهم. فلا ينبغي أن يحسب هذا على هذا أو يخلط بينهما على سبيل الإطلاق، ولاسيما إذا اقتضى الاجتماع في مشروع ما واقع معين كفتنة داهمة، أو نازلة عامة. ومن نظر إلى الشريعة السمحة وجد كثيراً من الواجبات مناطة بمجموع الأمة، تتطلب اجتماعاً ولو مع مخالف في أصل من الأصول، فالجمعة والجماعة مثلاً مأمور بها ولو مع مخالفين، بل قد تكون واجبة ولو خلف إمام مبتدع في بعض الأحوال، وكذلك الجهاد وكثير من التشريعات ذات الطابع الجماعي، فلا غرو إذاً إذا تعين واجب على مجموع الأمة، أو تكفل اجتماع بواجب كفائي أو عيني حالٍ على الأمة؛ من أن تلزم المشاركة فيه رغم الخلاف مع بعض المشتركين في أصول أو فروع أخرى.
- مما سبق يعلم أن الاجتماع على مشاريع مع مخالفين في بعض الأصول أو الفروع قد يتأتى، بيد أن النصح للمسلم من حقوقه فلا ينبغي أن يغفل، ولاسيما المخالط القريب، ويتأكد ذلك عندما يكون الاختلاف معه على أصل ربما لم يكن المشروع المتفق عليه بأولى من دعوته إلى ذلك الأصل المختلف فيه. بل قد يكون من الغش لأنفسنا ولأخوتنا وللأمة اجتماعنا لعلاج داء يسير مع من يحملون داءاً عضالاً قتالاً كان البدء به أحرى.
- ومما ينبغي أن يراعى كذلك النظر في أهداف المشروع المنشودة ومحلها من حيز الإمكان، فإن بعض المشاريع غير ممكنة ومع ذلك يوجد من يروج لها إما لبرامج عملية (أجندة) خفية أو لضعف في النظر وقصور في الرؤية، ولذا فلابد من النظر في مدى واقعية الأهداف في نفسها، وكذلك في الأدوات والوسائل التي يراد أن يتوصل بها إليها، وتشمل هذه المجتمعين أنفسهم، فقد لا أكون مناسباً للقيام بعمل ما يحسنه غيري، وكذلك العكس، بل قد يكون الاجتماع على بعض المشاريع مع بعض الناس من قبيل العبث وتضيع الجهود والأوقات، بل قد يفضي إلى نقيض الهدف المنشود، وعلى سبيل المثال لا يتوقع أن تكون ثمرة مشروع مشترك يهدف إلى إدخال إصلاحات على المقررات الشرعية مع علمانيين تحرريين (ليبراليين)، لايتوقع أن تكون ثمرته مفيدة، بل لن يزيد ذلك الناسَ من هدف الإصلاح المقصود إلاّ بعداً فإن طلب المقصود من غير طريقه يُبَعِّد من طريق المقصود، وقد لا تشفع النية الحسنة مجردة، وهذا المعنى أشير إليه في مواضع من القرآن، قال الله تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، وقال: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)، وقال: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ)، فعاد الأمر على جميعهم بعداً عن مقصودهم إذ لم يسلكوا سبيله.
الدور السياسي المطلوب للعلماء:
ولعل إغفال ما سبق من واجب التعاضد أو العمل المشترك أو معرفة سبله والتهيؤ له أو الدخول في مشاريع مشتركة غير مجدية، كان له أثره على دور أهل العلم والفضل في كثير من جوانب الحياة ولا سيما تلك التي سعت أيدي التغريب في كثير من بلاد الله لإقصائهم عنها، ومن تلك الجوانب الجوانب السياسية مع عظيم أثرها على الجوانب الاجتماعية عموماً، فإن النظام السياسي وإن كان جزءاً من النظام الاجتماعي، إلاّ أنه يظل من أكثر الأجزاء تأثيراً في المجتمع، ولهذا كان أثر علماء الإسلام في عصور عز الدولة الإسلامية ظاهراً في النظم السياسية إذ ذاك، فقد كان أهل الحل والعقد وأصحاب الشورى والرأي هم العلماء المرضيون الذين تصدر الأمة عن رأيهم، ولهذا تجد طابع السياسة الداخلي والخارجي للدولة مرتبطاً بقرارات السياسة الشرعية في التعاملات والعلاقات والمعاهدات، بل كانت الحروب تشن بمشورة العلماء ودعمهم، فضلاً عن النظم والتشريعات الداخلية فقد كان القول فيها قولهم، وفقاً لما يقرره فقهاء الشريعة، ويتولى تنفيذه قضاة المذاهب المختلفة. وقد كان هذا هو الحال في بعض بلاد الله إلى عهد قريب ومنها مصر فقد كان شيخ الأزهر يمثل منصب العضو الشرعي في الوزارة المصرية فلا يصدر حكم قبل مصادقته عليه، وقد استمر هذا إلى أن جاء الحكم البريطاني فألغى ذلك عام 1882م، بل أكثر من ذلك حتى المذاهب الاعتقادية التي يقررها العلماء كان الساسة يلتزمونها ويتبنون نشرها فتنتشر بانتشار الدولة وتتوسع بتوسعها، وذلك إلى أيام الخلافة العثمانية والتي كان لها أثرها في نشر المذهب الماتوريدي وتثبيته في بعض أرجاء العالم الإسلامي.






من مواضيع ابو قاسم الكبيسي في المنتدى:

قصة مؤثرة أنصحك بالدخول
قصة سيدنا نوح مع المرآة التي مات ولدها وعمره 300سنة
هم محتاجون أليك فلا تتخلى عنهم
كيف فهم الصحابة التأسي عمر بن الخطاب نموذجا
حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبو
لايأكل طعامك من اصيب بمصيبه
التواصي بالحق لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله
من احاديث مخالفة اليهود
مايبكيك ياعمر
اغسل همومك في نهر الدموع
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم
حرف الالف منظومة أثار

   رد مع اقتباس