| هام جداً .. نظام الدخول الجديد للمنتدى |
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|||||||
المنتديات العلميةقسم يختص بالمواضيع الإسلامية العامة على مذهب أهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الإبانة عن اصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (توفى سنة 324 هـ) مسألة: إذا قال قائل منهم: إن البصر في الحقيقة هو بصر العين لا بصر القلب .قيل له: ولِم زعمت هذا وقد سمى أهل اللغة بصر القلب بصرا، كما سموا بصر العين بصرا، وإن جاز لك ما قلته جاز لغيركم أن يزعم أن البصر في الحقيقة هو بصر القلب دون العين، وإذا لم نجز هذا فقد وجب أن البصر بصر العين وبصر القلب . مسألة: ويقال لهم: حدثونا عن قول الله عز وجل: (وهو يدرك الأبصار) ما معناه ؟ فإن قالوا: معنى (يدرك الأبصار) أنه يعلمها . قيل لهم: وإذا كان أحد الكلامين معطوفا على الآخر، وكان قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) معناه يعلمها، فقد وجب أن يكون قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) لا تعلمه، وهذا نفي للعلم لا لرؤية الأبصار . فإن قالوا: معنى قوله تعالى: (وهو يدرك الأبصار) أنه يراها رؤية ليس معناها العلم . قيل لهم: فالأبصار التي في العيون يجوز أن ترى ؟ فإن قالوا: نعم، نقضوا قولهم: إنا لا نرى بالبصر إلا من جنس ما نرى الساعة، فإن جاز أن يرى الله وكل ما ليس من جنس المرئيات وهو الإبصار الذي في العين، فلِم لا يجوز أن يرى نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات ؟ ولِم لا يجوز أن يرينا نفسه وإن لم يكن من جنس المرئيات ؟ ويقال لهم: حدثونا إذا رأينا شيئا فبصرنا يراه أو إنما يراه الرائي دون البصر ؟ فمن قولهم: إنه محال أن يرى البصر الذي في العين . فيقال لهم: الآية تنفي أن تراه الأبصار، ولا تنفي أن يراه المبصرون . وإنما قال الله: (لا تدركه الأبصار) فهذا يدل على أن المبصرين لا يرونه على ظاهر الآية الشريفة. الباب الثاني الكلام في أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق إن سأل سائل عن الدليل على أن القرآن كلام الله غير مخلوق . قيل له الدليل على ذلك قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) وأمر الله كلامه، فلما أمرهما بالقيام فقامتا لا يهويان ؟ كان قيامهما بأمره . وقال عز وجل: (ألا له الخلق والأمر)، فالخلق جميع ما خلق داخل فيه؛ لأن الكلام إذا كان لفظه عاما فحقيقته أنه عام، ولا يجوز لنا أن نزيل الكلام عن حقيقته بغير حجة ولا برهان، فلما قال: (ألا له الخلق) كان هذا في جميع الخلق، ولما قال: (والأمر) ذكر أمرا غير جميع الخلق، فدل ما وصفنا على أن أمر الله غير مخلوق . فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى في كتابه: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل). قيل له: نحن نخص القرآن بالإجماع وبالدليل، فلما ذكر الله عز وجل نفسه وملائكته ولم يدخل في ذكر الملائكة جبريل وميكائيل وإن كانا من الملائكة، ثم ذكرهما بعد ذلك كأنه قال: الملائكة إلا جبريل وميكائيل، ثم ذكرهم بعد ذكر الملائكة فقال: وجبريل وميكائيل . ولما قال: (ألا له الخلق والأمر)، ولم يخص قوله الخلق دليل، كان قوله ألا له الخلق في جميع الخلق، ثم قال بعد ذكره الخلق " والأمر " فأبان الأمر من الخلق، وأمرُ الله كلامه، وهذا يوجب أن كلام الله غير مخلوق . وقال سبحانه: (لله الأمر من قبل ومن بعد) يعني من قبل أن يخلق الخلق ومن بعد ذلك، وهذا يوجب أن الأمر غير مخلوق . دليل آخر: ومما يدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق؛ قوله سبحانه: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له: (كن فيكون) . ولو كان الله عز وجل قائلا للقول: " كن " لكان للقول قولا، وهذا يوجب أحد أمرين: إما أن يؤول الأمر إلى أن قوله تعالى غير مخلوق . أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولا غير مخلوق. سؤال: فإن قال قائل: معنى قول الله: (أن يقول له كن فيكون) إنما يكون فيكون . قيل: الظاهر أن يقول له، ولا يجوز أن يكون قول الله للأشياء كلها كوني هو الأشياء؛ لأن هذا يوجب أن تكون الأشياء كلها كلاما لله عز وجل، ومن قال ذلك أعظم الفرية؛ لأنه يلزمه أن يكون كل شيء في العالم من إنسان وفرس وحمار وغير ذلك كلام الله، وفي هذا ما فيه . فلما استحال ذلك؛ صح أن قول الله للأشياء كوني غيرها، وإذا كان غير المخلوقات فقد خرج كلام الله عز وجل عن أن يكون مخلوقا، ويلزم من يثبت كلام الله مخلوقا أن يثبت الله غير متكلم ولا قائل، وذلك فاسد، كما يفسد أن يكون علم الله مخلوقا، وأن يكون الله غير عالم . فلما كان الله عز وجل لم يزل عالما؛ إذ لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفا، استحال أن يكون لم يزل بخلاف الكلام موصوفا؛ لأن خلاف الكلام الذي لا يكون معه كلام سكوت أو آفة، كما أن خلاف العلم الذي لا يكون معه علم جهل أو شك أو آفة، ويستحيل أن يوصف ربنا جل وعلا بخلاف العلم . وكذلك يستحيل أن يوصف بخلاف الكلام من السكوت والآفات، فوجب لذلك أن يكون لم يزل متكلما، كما وجب أن يكون لم يزل عالما . دليل آخر: وقال الله تعالى: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي)، فلو كانت البحار مدادا للكتبة لنفدت البحار وتكسرت الأقلام ولم يلحق الفناء كلمات ربي، كما لا يلحق الفناء علم الله تعالى، ومن فني كلامه لحقته الآفات وجرى عليه السكوت، فلما لم يجز ذلك على ربنا سبحانه صح أنه لم يزل متكلما؛ لأنه لو لم يكن متكلما وجب السكوت والآفات، تعالى ربنا عن قول الجهمية علوا كبيرا . فصل وزعمت الجهمية - كما زعمت النصارى - أن كلمة الله تعالى حواها بطن مريم رضي الله عنها، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن كلام الله مخلوق حل في شجرة، وكانت الشجرة حاوية له؛ فلزمهم أن تكون الشجرة بذلك الكلام متكلمة، ووجب عليهم أن مخلوقا من المخلوقين كلم موسى صلى الله عليه وسلم، وأن الشجرة قالت: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني . فلو كان كلام الله مخلوقا في شجرة لكان المخلوق قال: يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني، وقد قال تعالى: (ولكن حق القول مني لأملأنّ جهنم من الجنة والناس أجمعين) وكلام الله من الله تعالى، فلا يجوز أن يكون كلامه الذي هو منه مخلوقا في شجرة مخلوقة، كما لا يجوز أن يكون علمه الذي هو منه مخلوقا في غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: كما لا يجوز أن يخلق الله إرادته في بعض المخلوقات، كذلك لا يجوز أن يخلق كلامه في بعض المخلوقات، ولو كانت إرادة الله مخلوقة في بعض المخلوقات لكان ذلك المخلوق هو المريد بها، وذلك يستحيل، وكذلك يستحيل أن يخلق الله كلامه في مخلوق؛ لأن هذا يوجب أن ذلك المخلوق متكلم به، ويستحيل أن يكون كلام الله كلاما للمخلوق . دليل آخر: ومما يبطل قولهم إن الله قال مخبرا عن المشركين أنهم قالوا: (إن هذا إلا قول البشر) يعني القرآن. فمن زعم أن القرآن مخلوق فقد جعله قولا للبشر، وهذا ما أنكره الله على المشركين . وأيضا فلو لم يكن الله متكلما حتى خلق الخلق ثم تكلم بعد ذلك لكانت الأشياء قد كانت لا عن أمره ولا عن قوله، ولم يكن قائلا لها كوني . وهذا رد للقرآن، والخروج عما عليه جمهور أهل الإسلام. فصل واعلموا - رحمكم الله - أن قول الجهمية: " إن كلام الله مخلوق "، يلزمهم به أن يكون الله تعالى لم يزل كالأصنام التي لا تنطق ولا تتكلم، لو كان لم يزل غير متكلم؛ لأن الله تعالى يخبر عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه لما قالوا له: (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون)، فاحتج عليهم بأن الأصنام إذا لم تكن ناطقة متكلمة لم تكن آلهة، وأن الإله لا يكون غير ناطق ولا متكلم، فلما كانت الأصنام التي لا يستحيل أن يحييها الله وينطقها لا تكون آلهة فكيف يجوز أن يكون من يستحيل عليه الكلام في قدمه إلها ؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإذا لم يجز أن يكون الله سبحانه وتعالى في قدمه بمرتبة دون مرتبة الأصنام التي لا تنطق؛ فقد وجب أن يكون الله لم يزل متكلما . دليل آخر: وقد قال الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه يقول: (لمن الملك اليوم) وجاءت الرواية أنه يقول هذا القول ولا يرد عليه أحد شيئا، فيقول: (لله الواحد القهار)، فإذا كان الله قائلا مع فناء الأشياء؛ إذ لا إنسان ولا ملك ولا حي ولا جان ولا شجر ولا مدر، فقد صح أن كلام الله خارج عن الخلق؛ لأنه يوجد ولا شيء من المخلوقات موجود . دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (وكلم الله موسى تكليما)، والتكليم هو المشافهة بالكلام، ولا يجوز أن يكون كلام المتكلم حالا في غيره، مخلوقا في شيء سواه، كما لا يجوز ذلك في العلم . دليل آخر: وقال الله تعالى: (قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)، فكيف يكون القرآن مخلوقا وأسماء الله في القرآن ؟ هذا يوجب أن تكون أسماء الله مخلوقة، ولو كانت أسماؤه مخلوقة لكانت وحدانيته مخلوقة، وكذلك علمه وقدرته . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (تبارك اسم ربك) ولا يقال لمخلوق " تبارك " فدل هذا على أن أسماء الله غير مخلوقة، وقال: (ويبقى وجه ربك) فكما لا يجوز أن يكون وجه ربنا مخلوقا، فكذلك لا يجوز أن تكون أسماؤه مخلوقة . دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط) ولا بد أن يكون شهد بهذه الشهادة، وسمعها من نفسه؛ لأنه إن كان سمعها من مخلوق فليست شهادة له، وإذا كانت شهادة له وقد شهد بها فلا يخلو أن يكون شهد بها قبل كون المخلوقات؛ أو بعد كون المخلوقات . فإن كان شهد بها بعد كون المخلوقات؛ فلم يسبق شهادته لنفسه بآلهية الخلق، و كيف يكون ذلك كذلك ؟ وهذا يوجب أن التوحيد لم يكن يشهد به شاهد قبل الخلق، ولو استحالت الشهادة بالوحدانية قبل كون الخلق لاستحال إثبات التوحيد ووجوده، وأن يكون واحدا قبل الخلق؛ لأن ما يستحيل الشهادة عليه فمستحيل . وإن كانت شهادته لنفسه قبل الخلق بالتوحيد فقد بطل أن يكون كلام الله تعالى مخلوقا؛ لأن كلام الله شهادته. دليل آخر: ومما يدل عليه بطلان قول الجهمية، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق: أن أسماء الله من القرآن، وقد قال الله سبحانه: (سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) ولا يجوز أن يكون (اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى) مخلوقا، كما لا يجوز أن يكون (جد ربنا) مخلوقا، قال الله تعالى في سورة الجن: (وإنه تعالى جد ربنا)، وكما لا يجوز أن تكون عظمته مخلوقة كذلك لا يجوز أن يكون كلامه مخلوقا. دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من الآية فلو كان كلام الله لا يوجد إلا مخلوقا في شيء مخلوق؛ لم يكن لاشتراط هذه الوجوه معنى؛ لأن الكلام قد سمعه جميع الخلق ووجدوه - بزعم الجهميّة - مخلوقا في غير الله تعالى، وهذا يوجب إسقاط مرتبة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين . ويجب عليهم إذا زعموا أن كلام الله لموسى خلقه في شجرة؛ أن يكون من سمع كلام الله عز وجل من ملك أو من نبي أتى به من عند الله أفضل مرتبة من سماع الكلام من موسى؛ لأنهم سمعوه من نبي ولم يسمعه موسى من الله عز وجل، وإنما سمعه من شجرة، وأن يزعموا أن اليهودي إذا سمع كلام الله من النبي عليه الصلاة والسلام أفضل مرتبة في هذا المعنى من موسى صلى الله عليه وسلم؛ لأن اليهودي سمعه من نبي من أنبياء الله، وموسى سمعه مخلوقا في شجرة، ولو كان مخلوقا في شجرة لم يكن مكلما لموسى من وراء حجاب؛ لأن من حضر الشجرة من الجن والإنس قد سمعوا الكلام من ذلك المكان، وكان سبيل موسى وغيره في ذلك سواء في أنه ليس كلام الله له من وراء حجاب . مسألة: ثم يقال لهم: إذا زعمتم أن معنى أن الله عز وجل كلم موسى أنه خلق كلاما كلمه به في الشجرة وقد خلق الله عندكم في الذراع كلاما؛ لأن الذراع قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا تأكلني فإني مسمومة، فيلزمكم أن ذلك الكلام الذي سمعه النبي صلى الله عليه وسلم كلام الله تعالى، فإن استحال أن يكون الله تكلم بذلك الكلام المخلوق فما أنكرتم من أنه يستحيل أن يخلق الله عز وجل كلامه في شجرة؛ لأن الكلام المخلوق لا يكون كلاما لله، فإن كان كلام الله وكان معنى أن الله تكلم عندكم أنه خلق الكلام؛ فيلزمكم أن يكون الله متكلما بالكلام الذي خلقه في الذراع، فإن أجابوا إلى ذلك؛ قيل لهم: فالله تعالى على قولكم هو القائل لا تأكلني فإني مسمومة . تعالى الله عن قولكم وافترائكم عليه علوا كبيرا . وإن قالوا: لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في ذراع. قيل لهم: وكذلك لا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شجرة . مسألة: ثم يسألون عن الكلام الذي أنطق الله تعالى به الذئب لما أخبر عن نبوة النبي صلى الله عليه وسلم . فيقال لهم: إذا كان الله عز وجل يتكلم بكلام خلقه في غيره، فما أنكرتم أن يكون الكلام الذي سمعه من الذئب كلاما لله، ويكون إعجازه يدل على أنه كلام الله، وفي هذا ما يجب عليهم أن الذئب لم يتكلم به، وأنه كلام الله تعالى؛ لأن كون الكلام من الذئب معجز، كما أن كونه من الشجرة معجز، فإن كان الذئب متكلما بذلك الكلام المنقول فما أنكرتم أن الشجرة متكلمة بالكلام إن كان خلق في الشجرة، وأن يكون المخلوق فيه قال: (يا موسى إني أنا الله) . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . مسألة: ثم يقال لهم: إذا كان كلام الله عز وجل مخلوقا في غيره عندكم فما يؤمنكم أن يكون كل كلام تسمعونه مخلوقا في شيء، وهو حق أن يكون كلاما لله سبحانه ؟ فإن قالوا: لا تكون الشجرة متكلمة؛ لأن المتكلم لا يكون إلا حيا . قيل لهم: ولا يجوز خلق الكلام في شجرة؛ لأن من خلق الكلام فيه لا يكون إلا حيا، فإن جاز أن يخلق الكلام فيما ليس بحي فلِمَ لا يجوز أن يتكلم من ليس بحي . ويقال لهم: لِمَ لا قلتم إنه يقول من ليس بحي، لأن الله عز وجل أخبر أن السماوات والأرض: (قالتا أتينا طائعين). مسألة: ثم يقال لهم: أليس قد قال الله عز وجل لإبليس: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) ؟ فلا بد من نعم . قيل لهم: فإذا كان كلام الله مخلوقا وكانت المخلوقات فانيات؛ فيلزمكم إذا أفنى الله عز وجل الأشياء أن تكون اللعنة على إبليس قد فنيت، فيكون إبليس غير ملعون، وهذا ترك دين المسلمين، ورُدَّ لقوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) ، وإذا كانت اللعنة باقية على إبليس إلى يوم الدين؛ وهو يوم الجزاء، وهو يوم القيامة؛ لأن الله تعالى قال (مالك يوم الدين) يعني يوم الجزاء، ثم هي أبدا في النار واللعنة كلام الله وهو قوله (عليك لعنتي) فقد وجب أن يكون الله عز وجل لا يجوز عليه الفناء، وأنه غير مخلوق؛ لأن المخلوقات يجوز عليها العدم، فإذا لم يجز ذلك على كلام الله عز وجل فهو غير مخلوق. مسألة: ثم يقال لهم: إذا كان غضب الله غير مخلوق، وكذلك رضاه وسخطه، فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق ؟ ومن زعم أن غضب الله مخلوق لزمه أن غضب الله وسخطه على الكافرين يفنى، وأن رضاه عن الملائكة والنبيين يفنى، حتى لا يكون راضيا عن أوليائه ولا ساخطا عن أعدائه، وهذا هو الخروج عن الإسلام . مسألة: ويقال: خبرونا عن قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) أتزعمون أن قوله للشيء " كن " مخلوق مرادا لله ؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون كلام الله الذي هو القرآن غير مخلوق، كما زعمتم أن قول الله للشيء " كن " غير مخلوق . وإن زعموا أن قول الله للشيء " كن " مخلوق . قيل لهم: فإذا زعمتم أنه مخلوق مراد فقد قال الله عز وجل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)؛ فيلزمكم أن قوله تعالى للشيء (كن) قد قال له: (كن) . وفي هذا ما يجب أحد أمرين: إما أن يكون قول الله لغيره كن غير مخلوق، أو يكون لكل قول لا إلى غاية وذلك محال . فإن قالوا: إن لله قولا غير مخلوق . قيل لهم: فما أنكرتم أن تكون إرادة الله للإيمان غير مخلوقة . ثم يقال لهم ما العلة التي إنما قلتم إن قول الله للشيء (كن) غير مخلوق . فإن قالوا: لأن القول لا يقال له (كن) فيقال لهم القرآن غير مخلوق؛ لأنه قول الله، والله لا يقول لقوله (كن) . مسألة على الجهمية: ويقال لهم: أليس لم يزل الله عالما بأوليائه وأعدائه ؟ فلا بد من نعم . قيل لهم: فهل تقولون إنه لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه ؟ فإن قالوا نعم، قيل لهم: فإذا كانت إرادة الله لم تزل فهي غير مخلوقة، وإذا كانت إرادته غير مخلوقة فلِم لا قلتم إن كلامه غير مخلوق ؟ فإن قالوا: لا نقول لم يزل مريدا للتفرقة بين أوليائه وأعدائه، زعموا أن الله لا يريد التفرقة بين أوليائه وأعدائه، ونسبوه سبحانه إلى النقص . تعالى عن قول القدرية علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: إن الشيء المخلوق إما أن يكون بدنا من الأبدان، شخصا من الأشخاص؛ أو يكون نعتا من نعوت الأشخاص . فلا يجوز أن يكون كلام الله شخصا؛ لأن الأشخاص يجوز عليها الأكل والشرب والنكاح، ولا يجوز ذلك على كلام الله تعالى . ولا يجوز أن يكون كلام الله نعتا لشخص مخلوق؛ لأن النعوت لا تبقى طرفة عين؛ لأنها لا تحتمل البقاء، وهذا يوجب أن يكون كلام الله قد فني ومضى. فلما لم يجز أن يكون شخصا ولا نعتا لشخص لم يجز أن يكون مخلوقا، على أن الأشخاص يجوز أن تموت . فمن يثبت كلام الله شخصا مخلوقا لزمه أن يجوز الموت على كلام الله عز وجل، وذلك ما لا يجوز . وأيضا فلا يجوز أن يكون كلام الله مخلوقا في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن يكون نعتا لشخص مخلوق، ولو كان مخلوقا في شخص، وكلام الإنسان مفعولا فيه، كما لا يمكن التفريق بين كلام الله وكلام الخلق إذا كانا مخلوقين في شخص مخلوق، كما لا يجوز أن يكون علمه مخلوقا في شخص مخلوق . مسألة: ويقال لهم أيضا: لو كان كلام الله مخلوقا لكان جسما أو نعتا لجسم، ولو كان جسما لجاز أن يكون متكلما، والله قادر على قلبهما، وفي هذا ما يلزمهم، ويجب عليهم أن يجوزوا أن يقلب الله القرآن إنسانا أو جنيا أو شيطانا . تعالى الله عز وجل أن يكون كلامه كذلك . و لو كان نعتا لجسم كالنعوت؛ فالله قادر على أن يجعلها أجساما، لكان يجد على الجهمية أن يجوزوا أن يجعل الله القرآن جسما متجسدا، يأكل ويشرب، وأن يجعله إنسانا ويميته، وهذا ما لا يجوز على كلام الله، تعالى عن ذلك. الباب الثالث في ذكر الرواية في القرآن قال أبو بكر: أتيت أنا والعباس بن عبد العظيم العنبري أبا عبد الله أحمد بن حنبل، فسأل العباسُ أبا عبد الله - رحمه الله، ورضي عنه - فقال له: قوم ههنا قد حدثوا يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق . فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا ليس بمخلوق فقولوا مخلوق . قال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء . فقال العباس: ما تقول يا أبا عبد الله ؟ فقال: الذي أعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أن القرآن غير مخلوق. ثم قال: سبحان الله ومن يشك في هذا ؟ ! ثم تكلم أبو عبد الله مستعظما للشك في ذلك، فقال: سبحان الله أفي هذا شك ؟ ! قال الله تبارك وتعالى: (ألا له الخلق والأمر) وقال: (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) ففَرَّق بين الإنسان وبين القرآن، فقال: " علَّمَ " " خلَقَ " فجعل يعيدها " علَّم " " خلَقَ " أي فَرْقٌ بينهما . قال أبو عبد الله: والقرآن علم الله، ألا تراه يقول: (علم القرآن) والقرآن فيه أسماء الله عز وجل، أي شيء يقولون ؟ ألا يقولون: إن أسماء الله غير مخلوقة، لم يزل الله قديرا عليما عزيزا حكيما سميعا بصيرا، لسنا نشك أن أسماء الله عز وجل غير مخلوقة، لسنا نشك أن علم الله عز وجل غير مخلوق، فالقرآن من علم الله وفيه أسماء الله، فلا نشك أنه غير مخلوق، وهو كلام الله عز وجل، ولم يزل به متكلما، ثم قال: وأي كفر من هذا ؟ وأي كفر أشر من هذا ؟ إذا زعموا أن القرآن مخلوق فقد زعموا أن أسماء الله مخلوقة، وأن علم الله مخلوق، ولكن الناس يتهاونون بهذا ويقولون، إنما يقولون القرآن مخلوق ويتهاونون به ويظنون أنه هين، ولا يدرون ما فيه وهو الكفر، وأنا أكره أن أبوح بهذا لكل أحد، وهم يسألون وأنا أكره الكلام في هذا، فبلغني أنهم يدعون أني أمسك . فقلت له: فمن قال القرآن مخلوق ولا يقول إن أسماء الله مخلوقة ولا علمه لم يزد على هذا، أقول: هو كافر؟ فقال: هكذا هو عندنا . ثم قال أبو عبد الله: نحن نحتاج أن نشك في هذا القرآن عندنا فيه أسماء الله وهو من علم الله، فمن قال: إنه مخلوق فهو عندنا كافر . فجعلت أردد عليه، فقال لي العباس - وهو يسمع - سبحان الله أما يكفيك دون هذا . فقال أبو عبد الله: بلى . وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: سمعت وكيعا يقول: من قال: القرآن مخلوق فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وذكر محمد بن الصباح البزار، قال: حدثنا علي بن الحسين بن شعبان، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . قال محمد: نقول: نخاف أن نكفر ولا نعلم . وذكر هارون بن إسحاق الهمداني عن أبي نعيم، عن سليمان بن عيسى القاري، عن سفيان الثوري رضي الله عنه قال: قال لي حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا حنيفة المشرك أنى منه بريء ؟ قال سليمان: ثم قال سفيان؛ لأنه كان يقول القرآن مخلوق .وحاشى الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه من هذا القول، بل هو زور وباطل، فإن أبا حنيفة من أفضل أهل السنة . وذكر سفيان بن وكيع قال: سمعت عمر بن حماد بن أبي سليمان قال: أخبرني أبي قال: الكلام الذي استتاب فيه ابن أبي ليلى أبا حنيفة هو قوله: القرآن مخلوق، قال: فتاب منه وطاف به في الخلق، قال أبى: فقلت له كيف صرت إلى هذا، قال: خفت والله أن يقدم عليَّ فأعطيته التقية. وذكر هارون بن إسحاق قال: سمعت إسماعيل بن أبي الحكم يذكر عن عمر بن عبيد الطنافسي إن حماد - يعني ابن أبي سليمان - بعث إلى أبي حنيفة: أني بريء مما تقول، إلا أن تتوب، وكان عنده ابن أبي عقبة، قال: فقال: أخبرني جارك أن أبا حنيفة دعاه إلى ما استتيب منه بعد ما استتيب . وهذا كذب محض على أبي حنيفة رضي الله عنه . وذكر عن أبي يوسف قال: ناظرت أبا حنيفة رضي الله عنه شهرين حتى رجع عن خلق القرآن . وقال سليمان بن حرب: القرآن غير مخلوق، وأخذته من كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: (لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم) من الآية (77 /3) ، وكلام الله ونظره واحد، يعني غير مخلوق . وذكر الحسين بن عبد الأول، قال: حدثنا محمد بن الحسن ابن أبي يزيد الهمذاني عن عمرو بن قيس، عن أبي قيس المديني، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ، فهذا يثبت أن القرآن كلام الله عز وجل، وما كان كلاما لله عز وجل لم يكن خلقا لله، وقد بين الله أن القرآن كلامه بقوله عز وجل: (حتى يسمع كلام الله)، ودل على ذلك في مواضع من كتابه العزيز، وقد قال الله تعالى مخبرا أن الله كلم موسى تكليما . وروى وكيع عن الأعمش عن خيثمة، عن عدى بن حاتم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ومما يدل أن الله عز وجل متكلم، وأن له كلاما ما رواه عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة عن الأشعب الحداني عن شهر ين حوشب قال: (فضل كلام الله عز وجل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) وروى يعلى بن المنهال السعدي، قال: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، قال: ثنا الجراح بن الضحاك الكندي، عن علقمة بن مرثل، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه) ، وقال: (إن فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)، وذلك أنه منه . وروى سعيد بن داود، قال: حدثنا أبو سفيان، عن معمر، عن قتادة قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) الآية. وذكر هارون بن معروف قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن أساف، عن فروة بن نوفل وقال: كنت جارا لخباب بن الأرت، فقال لي: يا هذا تقرب إلى الله عز وجل بما استطعت فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحب إليه من كلامه . وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج) من الآية، قال: غير مخلوق . وروى الليث بن يحيى، قال: حدثني إبراهيم بن أبي الأشعث، قال: سمعت مؤمل ابن إسماعيل يحدث عن الثوري، قال: من زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر . وصحت الرواية عن جعفر بن محمد أن القرآن لا خالق ولا مخلوق . وروي ذلك عن عمه زيد بن علي، وعن جده علي بن الحسين رضي الله عنهم أجمعين . ومن قال: إن القرآن غير مخلوق، وإن من قال بخلقه كافر من العلماء، وحملة الآثار، ونقلة الأخبار، وهم لا يحصون كثرة، ومنهم: حماد، والثوري وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومالك بن أنس رضي الله عنه، والشافعي رضي الله عنه وأصحابه، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، ومالك رضي الله عنهم، والليث بن سعد رضي الله عنه، وسفيان بن عيينة، وهشام، وعيسى بن يونس، وجعفر ابن غياث، وسعيد بن عامر، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو بكر بن عياش، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، ويعلى بن عبيد، ومحمد بن يوسف، وبشر ابن الفضل، وعبد الله بن داود، وسلام بن أبي مطيع، وابن المبارك، وعلي بن عاصم، وأحمد بن يونس، وأبو نعيم، وقبيصة بن عقبة، وسليمان بن داود، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ويزيد بن هارون، وغيرهم . ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام، وفيما ذكرنا من ذلك مقنع، والحمد لله رب العالمين . وقد احتججنا لصحة قولنا: إن القرآن غير مخلوق من كتاب الله عز وجل، وما تضمنه من البرهان، وأوضحه من البيان، ولم نجد أحدا ممن تحمل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار، ويأتم به المؤتمون من أهل العلم يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس، وجهال من جهالهم، لا موقع لهم . والحجاج الذي قدمناه في ذلك يأتي على كثير من قولهم، ودفع باطلهم، والحمد لله على قوة الحق حمدا كثيرا. الباب الرابع الكلام على من توقف في القرآن وقال لا أقول إنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق جواب: يقال لهم: لِم زعمتم ذلك وقلتموه ؟ فإن قالوا: قلنا ذلك؛ لأن الله لم يقل في كتابه إنه مخلوق، ولا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع المسلمون عليه، ولم يقل في كتابه إنه غير مخلوق، ولا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجمع عليه المسلمون، فتوقفنا لذلك، ولم نقل إنه مخلوق، ولا إنه غير مخلوق. يقال لهم: فهل قال الله تعالى لكم في كتابه توقفوا فيه ولا تقولوا إنه غير مخلوق، وقال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم توقفوا عن أن تقولوا إنه غير مخلوق، وهل أجمع المسلمون على التوقف عن القول إنه غير مخلوق ؟ فإن قالوا: نعم، فقد بهتوا . وإن قالوا: لا، قيل لهم: فلا تقفوا عن أن تقولوا غير مخلوق بمثل الحجة التي بها ألزمتم أنفسكم التوقف. ثم يقال لهم: ولم أبيتم أن يكون في كتاب الله ما يدل على أن القرآن غير مخلوق ؟ فإن قالوا: لم نجده، قيل لهم: ولم زعمتم أنكم إذا لم تجدوه في القرآن فليس بموجود فيه ؟ ثم إنا نوجدهم ذلك، ونتلو عليهم الآيات التي احتججنا بها في كتابنا هذا، واستدللنا بها على أن القرآن غير مخلوق، كقوله تعالى: (ألا له الخلق والأمر)، وكقوله: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)، وكقوله: (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي)، وسائر ما احتججنا في ذلك من آي القرآن . ويقال لهم: يلزمكم أن تتوقفوا في كل ما اختلف الناس فيه، ولا تقدموا في ذلك على قول، فإن جاز لكم أن تقولوا ببعض تأويل المسلمين إذا دل على صحتها دليل فلم لا قلتم إن القرآن غير مخلوق بالحجج التي ذكرناها في كتابنا هذا قبل هذا الموضع ؟ مسألة: فإن قال قائل: حدثونا، أتقولون: إن كلام الله في اللوح المحفوظ . قيل له: كذلك نقول؛ لأن الله تعالى قال: (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ)، فالقرآن في اللوح المحفوظ. وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال الله تعالى: (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم). وهو متلو بالألسنة، قال الله تبارك وتعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به). والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بألسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة، كما قال تعالى: (فأَجِرْه حتى يسمع كلام الله). مسألة: فإن قال قائل: حدثونا عن اللفظ بالقرآن كيف تقولون فيه ؟ قيل له: القرآن يقرأ في الحقيقة، ويتلى، ولا يجوز أن يقال يلفظ به؛ لأن القائل لا يجوز له أن يقول إن كلام الله ملفوظ به؛ لأن العرب إذا قال قائلهم لفظت باللقمة من فمي فمعناه رميت بها، وكلام الله تعالى لا يقال يلفظ به، وإنما يقال يقرأ، ويتلى، ويكتب، ويحفظ . وإنما قال قوم لفظنا بالقرآن ليثبتوا أنه مخلوق، ويزينوا بدعتهم، وقولهم بخلقه، ويدلسوا كفرهم على من لم يقف على معناهم، فلما وقفنا على معناهم أنكرنا قولهم، وكذا لا يجوز أن يقال إن شيئا من القرآن مخلوق؛ لأن القرآن بكماله غير مخلوق. مسألة: إن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) من الآية؟ قيل له: الذكر الذي عناه الله عز وجل ليس هو القرآن، بل هو كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ووعظه إياهم . وقد قال الله تعالى لنبيه: (وذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)، وقد قال الله تعالى: (ذكرا رسولا) فسمى الرسول ذكرا، والرسول محدث . وأيضا فإن الله تعالى قال: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون) يخبر أنه لا يأتيهم ذكر محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، ولم يقل لا يأتيهم ذكر إلا كان محدثا، وإذا لم يقل هذا لم يوجب أن يكون القرآن محدثا . ولو قال قائل: ما يأتيهم رجل من التميميين يدعوهم إلى الحق إلا أعرضوا عنه، لم يوجب هذا القول أنه لا يأتيهم رجل إلا كان تميميا، فكذلك الحكم فيما سألونا عنه . مسألة: فإن سألونا عن قول الله تعالى: (قرآنا عربيا). قيل لهم: الله عز وجل أنزل وليس بمخلوق . فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) والحديد مخلوق . قيل لهم: الحديد جسم موات، وليس يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون جسما مواتا، فكذلك لا يجب إذا كان القرآن منزلا أن يكون مخلوقا، وإن كان الحديد مخلوقا . مسألة: ويقال لهم: قد أمرنا الله تعالى أن نستعيذ به وهو غير مخلوق، وأمر أن نستعيذ بكلمات الله التامات، وإذا لم نؤمر أن نستعيذ بمخلوق من المخلوقات، وأمرنا أن نستعيذ بكلام الله، فقد وجب أن كلام الله غير مخلوق. الباب الخامس ذكر الاستواء على العرش إن قال قائل: ما تقولون في الاستواء ؟ قيل له: نقول: إن الله عز وجل يستوي على عرشه استواء يليق به من غير طول استقرار، كما قال: (الرحمن على العرش استوى)، وقد قال تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه)، وقال تعالى: (بل رفعه الله إليه)، وقال تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه)، وقال تعالى حاكيا عن فرعون لعنه الله: (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا)، كذب موسى عليه السلام في قوله: إن الله سبحانه فوق السماوات . وقال تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: (أأمنتم من في السماء) ... لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: (أأمنتم من في السماء) يعني جميع السماوات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات، ألا ترى الله تعالى ذكر السماوات، فقال تعالى: (وجعل القمر فيهن نورا)، ولم يرد أن القمر يملأهن جميعا، وأنه فيهن جميعا، ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض. فصل وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله عز وجل مستو على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة . ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله تعالى قادر على كل شيء والأرض لله سبحانه قادر عليها، وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو تعالى مستو على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش، وعلى الأرض، وعلى السماء، وعلى الحشوش، والأقدار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرا على الأشياء كلها لم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله تعالى مستو على الحشوش والأخلية، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص بالعرش دون الأشياء كلها . وزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله تعالى في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم وفي الحشوش والأخلية، وهذا خلاف الدين . تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: إذا لم يكن مستويا على العرش بمعنى يختص العرش دون غيره، كما قال ذلك أهل العلم، ونقله الأخبار، وحملة الآثار، وكان الله عز وجل في كل مكان فهو تحت الأرض التي السماء فوقها، وإذا كان تحت الأرض والأرض فوقه، والسماء فوق الأرض وفي هذا ما يلزمكم أن تقولوا إن الله تحت التحت، والأشياء فوقه، وأنه فوق الفوق والأشياء تحته، وفي هذا ما يجب أنه تحت ما هو فوقه، وفوق ما هو تحته، وهذا هو المحال المتناقض، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . دليل آخر: ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . روى عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا عمرو بن دينار، عن نافع، عن جبير، عن أبيه رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ حتى يطلع الفجر) . روى عبيد الله بن بكر قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن كثير، عن أبي جعفر، أنه سمع أبا حفص يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بقى ثلث الليل ينزل الله تبارك وتعالى فيقول: من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يستكشف الضر فأكشفه عنه ؟ من ذا الذي يسترزقني فأرزقه ؟ حتى ينفجر الفجر). وروى عبد الله بن بكر السهمي، قال: ثنا هشام بن أبي عبد الله عن يحيى بن كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، قال: ثنا عطاء بن يسار أن رفاعة الجهني حدثه قال: فكنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كفا بالكديد - أو قال بقديد - حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إذا مضى ثلث الليل - أو قال ثلثا الليل - نزل الله عز وجل إلى السماء، فيقول: من ذا الذي يدعوني أستجيب له ؟ من ذا الذي يستغفرني أغفر له ؟ من ذا الذي يسألني أعطيه ؟ حتى ينفجر الفجر) نزولا يليق بذاته من غير حركة وانتقال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . دليل آخر: قال الله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم)، وقال تعالى: (تعرج الملائكة والروح إليه)، وقال تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان)، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا)، وقال تعالى: (ثم استوى على العرش مالكم من ولي ولا شفيع)، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزها عن الحلول والاتحاد. دليل آخر: قال الله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا)، وقال تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة) ، وقال: (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) إلى قوله: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) ، وقال تعالى لعيسى ابن مريم عليه السلام: (إني متوفيك ورافعك إليّ) ، وقال تعالى: (وما قتلوه يقينا بل رفعه الله إليه)، وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعا: لا والذي احتجب بسبع سماوات . دليل آخر: قال الله عز وجل: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء)، وقد خصت الآية الشريفة البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر، ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم، كان أبعد من الشبهة، وإدخال الشك على من يسمع الآية أن يقول: ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولا، فيرتفع الشك والحيرة من أن يقول: ما كان لجنس من الأجناس أن أكلمه إلا وحيا، أو من وراء حجاب، أو أرسل رسولا، وننزل أجناسا لم يعمهم بالآية فدل ما ذكرنا على أنه خص البشر دون غيرهم . دليل آخر: قال الله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق)، وقال: (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم)، وقال: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم)، وقال عز وجل: (وعرضوا على ربك صفا)، كل ذلك يدل على أنه تعالى ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنه مستو على عرشه سبحانه، بلا كيف ولا استقرار، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فلم يثبتوا له في وصفهم حقيقة، ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية؛ إذ كل كلامهم يؤول إلى التعطيل، وجميع أوصافهم تدل على النفي، يريدون بذلك التنزيه، ونفي التشبيه على زعمهم، فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل . دليل آخر: قال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) فسمى نفسه نورا، والنور عند الأمة لا يخلو من أن يكون أحد معنيين: إما أن يكون نورا يسمع، أو نورا يرى . فمن زعم أن الله يسمع ولا يرى فقد أخطأ في نفيه رؤية ربه، وتكذيبه بكتابه، وقول نبيه صلى الله عليه وسلم . وروت العلماء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله عز وجل، فإن بين كرسيه إلى السماء ألف عام، والله عز وجل فوق ذلك) . دليل آخر: وروت العلماء رحمهم الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله عز وجل حتى يسأله عن عمله) . وروت العلماء أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها ؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله ؟ قالت: في السماء، قال فمن أنا ؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة . وهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء فوقية لا تزيده قربا من العرش. [/size]
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
#2 (permalink) | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
اكرمك الله على هذا الجهد
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() |
| يشاهد الموضوع حالياً: 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهة
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | المشاركة الأخيرة |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 1 | 30 -06 -2009 06:42 AM |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 1 | 30 -06 -2009 06:40 AM |
| فضائل القرآن - الرازي | BAHA D ALOSY | منتدى علوم القرآن وأحكامه | 4 | 28 -04 -2009 09:29 AM |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 2 | 22 -04 -2009 12:47 AM |
| الإقناع في القراءات السبع | eng abdallah | منتدى علوم القرآن وأحكامه | 20 | 07 -03 -2009 09:54 AM |