| هام جداً .. نظام الدخول الجديد للمنتدى |
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|||||||
المنتديات العلميةقسم يختص بالمواضيع الإسلامية العامة على مذهب أهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
االإبانة عن أصول الديانة
لأبي الحسن الأشعري (توفى سنة 324 هـ) 1الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين قال الله تبارك وتعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)، وقال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، فأخبر أن له سبحانه وجها لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك . وقال تعالى: (تجرى بأعيننا)، وقال تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) فأخبر تعالى أن له وجها وعينا ولا تكيَّف ولا تحد . وقال تعالى: (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا)، وقال تعالى: (ولتصنع على عيني)، وقال تعالى: (وكان الله سميعا بصيرا)، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: (إنني معكما أسمع وأرى) فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته . فصل ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين، ووافقوا النصارى؛ لأن النصارى لم تثبت الله سميعا بصيرا إلا على معنى أنه عالم، وكذلك قالت الجهمية، ففي حقيقة قولهم أنهم قالوا: نقول إن الله عالم، ولا نقول سميع بصير، على غير معنى عالم، وذلك قول النصارى. فصل قالت الجهمية: إن الله لا علم له، ولا قدرة، ولا سمع له، ولا بصر، وإنما قصدوا إلى تعطيل التوحيد، والتكذيب بأسماء الله تعالى، فأعطوا ذلك له لفظا، ولم يحصلوا قولهم في المعنى، ولولا أنهم خافوا السيف؛ لأفصحوا بأن الله غير سميع ولا بصير ولا عالم، ولكن خوف السيف منعهم من إظهار زندقتهم. فصل وزعم شيخ منهم نحس مقدم فيهم أن علم الله هو الله، وأن الله سبحانه علم، فنفى العلم من حيث أوهم أنه يثبته، حتى ألزم أن يقول: يا علم اغفر لي؛ إذ كان علم الله عنده هو الله، وكان الله - على قياسه الفاسد - علما وقدرة .تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . قال الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله ورضى عنه: بالله نستهدي، وإياه نستكفي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهو المستعان أما بعد: مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجها ؟ قيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام). مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين ؟ قيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: (يد الله فوق أيديهم) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته)، فثبتت اليد بلا كيف . وجاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده) ، أي بيد قدرته سبحانه . وقال تعالى: (بل يداه مبسوطتان). وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلتا يديه يمين) . وقال تعالى: (لأخذنا منه باليمين). وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله عز وجل إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: (بيدي) نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا . مسألة: ويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: (بيدي) نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة ؟ فلا يجدون ذلك إجماعا ولا في اللغة . وإن قالوا: قلنا ذلك من القياس . قيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: (بيدي) لا يكون معناه إلا نعمتي ؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) ، وقال تعالى: (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) ، وقال تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا) ، وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله) ، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه . مسألة: وقد اعتل معتل بقول الله تعالى: (والسماء بنيناها بأيد) قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: (بيدي) بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه: أحدها: أن الأيد ليس جمع لليد؛ لأن جمع يد أيدي، وجمع اليد التي هي نعمة أيادي، وإنما قال تعالى: (لما خلقت بيدي)، فبطل بذلك أن يكون معنى قوله: (بيدي) معنى قوله: (بنيناها بأيد) . وأيضا فلو كان أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي، وهذا ناقض لقول مخالفنا، وكاسر لمذهبهم؛ لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة، فكيف يثبتون قدرتين. وأيضا فلو كان الله تعالى عنى بقوله: (لما خلقت بيدي) القدرة لم يكن لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس مزية في ذلك، والله تعالى أراد أن يرى فضل آدم صلى الله عليه وسلم عليه؛ إذ خلقه بيديه دونه، ولو كان خالقا لإبليس بيده كما خلق آدم صلى الله عليه وسلم بيده لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه، وكان إبليس يقول محتجا على ربه: فقد خلقتني بيديك كما خلقت آدم صلى الله عليه وسلم بهما، فلما أراد الله تعالى تفضيله عليه بذلك، وقال الله تعالى موبخا له على استكباره على آدم صلى الله عليه وسلم أن يسجد له: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت ؟)، دل على أنه ليس معنى الآية القدرة؛ إذ كان الله تعالى خلق الأشياء جميعا بقدرته، وإنما أراد إثبات يدين، ولم يشارك إبليس آدم صلى الله عليه وسلم في أن خلق بهما. فصل وليس يخلو قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) أن يكون معنى ذلك إثبات يدين نعمتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين جارحتين . تعالى الله عن ذلك، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين قدرتين، أو يكون معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين لا توصفان إلا كما وصف الله تعالى، فلا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين؛ لأنه لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل: عملت بيدي وهو نعمتي . ولا يجوز عندنا ولا عند خصومنا أن نعني جارحتين، ولا يجوز عند خصومنا أن يعني قدرتين. وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع؛ وهو أن معنى قوله تعالى: (بيدي) إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين، ولا نعمتين لا يوصفان إلا بأن يقال: إنهما يدان ليستا كالأيدي، خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت . مسألة: وأيضا فلو كان معنى قوله تعالى: (بيدي) نعمتي لكان لا فضيلة لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا؛ لأن الله تعالى قد ابتدأ إبليس على قولهم، كما ابتدأ آدم صلى الله عليه وسلم، وليس تخلو النعمتان أن يكونا هما بدن آدم صلى الله عليه وسلم، أو يكونا عرضين خلقا في بدن آدم عليه الصلاة والسلام، فلو كان عنى بدن آدم عليه السلام فلأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد، وإذا كانت الأبدان عندهم جنسا واحدا فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من النعمة ما حصل في جسد آدم صلى الله عليه وسلم، وكذلك إن عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم صلى الله عليه وسلم من لون، أو حياة، أو قوة، أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس، وهذا يوجب أنه لا فضيلة لآدم صلى الله عليه وسلم على إبليس في ذلك، والله تعالى إنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم صلى الله عليه وسلم في ذلك الفضيلة، فدل ما قلناه على أن الله عز وجل لما قال: (خلقت بيدي) لم يعن نعمتي. مسألة: ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: (بيدي) يدين ليستا نعمتين ؟ فإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة . قيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة ؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة . قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حيا من الخلق إلا جسما لحما ودما فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا كنتم لقولكم تاركين و لاعتلالكم ناقضين . وإن أثبتم حيا لا كالأحياء منا فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي ؟ وكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبرا حكيما إلا إنسانا ثم أثبتم أن للدنيا مدبرا حكيما ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد . مسألة: فإن قالوا إذا أثبتم لله عز وجل يدين لقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: (مما عملت أيدينا)؟ قيل لهم: قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي، فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك؛ وجب أن يكون الله تعالى ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين؛ لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع، وإذا كان الإجماع صحيحا وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين؛ لأن القرآن على ظاهره، ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة، فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر، ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة . مسألة: فإن قال قائل: إذا ذكر الله عز وجل الأيدي وأراد يدين، فما أنكرتم أن يذكر الأيدي ويريد يدا واحدة ؟ قيل له: ذكر تعالى أيدي وأراد يدين؛ لأنهم أجمعوا على بطلان قول من قال أيدي كثيرة، وقول من قال يدا واحدة، فقلنا يدان؛ لأن القرآن على ظاهره، إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف الظاهر. مسألة: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (مما عملت أيدينا) ، وقوله تعالى: (لما خلقت بيدي) على المجاز ؟ قيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة . ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة . ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين. الباب السابع الرد على الجهمية في نفيهم علم الله تعالى وقدرته وجميع صفاته قال الله تعالى: (أنزله بعلمه) ، وقال تعالى: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) ، وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه العزيز، وقال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله)، وقال تعالى: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء). وذكر القوة فقال: (أولم يرو أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة)، وقال تعالى: (ذو القوة المتين)، وقال تعالى: (والسماء بنيناها بأيد). فصل وزعمت الجهمية أن الله تعالى لا علم له، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر له، وأرادوا أن ينفوا أن الله تعالى عالم، قادر، حي، سميع، بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه؛ لأنهم إذا قالوا لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل؛ لأن الزنادقة قد قال كثير منهم: إن الله تعالى ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه، وقالت إن الله عالم، قادر، حي، سميع، بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم، والقدرة، والسمع، والبصر. فصل وقد قال رئيس من رؤسائهم - وهو أبو الهذيل العلاف - إن علم الله هو الله، فجعل الله تعالى علما. وأُلْزِم، فقيل له: إذا قلت إن علم الله هو الله فقل يا علم الله اغفر لي وارحمني، فأبى ذلك فلزمه المناقضة . واعلموا رحمكم الله أن من قال عالم ولا علم كان مناقضا، كما أن من قال علم الله ولا عالم كان مناقضا، وكذلك القول في القادر والقدرة، والحياة والحي، والسمع والبصر والسميع والبصير . مسألة: ويقال لهم: خبرونا عمن زعم أن الله متكلم، قائل، آمر، ناه، لا قول له، ولا كلام، ولا أمر له، ولا نهى، أليس هو مناقض خارج عن جملة المسلمين ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فكذلك من قال: إن الله تعالى عالم ولا علم له، كان ذلك مناقضا خارجا عن جملة المسلمين . وقد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهمية والمعتزلة والحرورية على أن لله علما لم يزل، وقد قالوا: علم الله لم يزل، وعلم الله سابق في الأشياء، ولا يمتنعون أن يقولوا في كل حادثة تحدث ونازلة تنزل كل هذا سابق في علم الله، فمن جحد أن لله علما فقد خالف المسلمين وخرج عن اتفاقهم . مسألة: ويقال لهم: إذا كان الله مريدا فله إرادة ؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإذا أثبتم مريدا لا إرادة له فأثبتوا أن قائلا لا قول له، وإن أثبتوا الإرادة قيل لهم: فإذا كان المريد لا يكون مريدا إلا بإرادة، فما أنكرتم أن لا يكون العالم عالما إلا بعلم، وأن يكون لله علم كما أثبتم له الإرادة . مسألة: وقد فرقوا بين العلم والكلام فقالوا: إن الله تعالى علم موسى وفرعون، وكلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك قد يقال علم موسى الحكمة وفصل الخطاب، وآتاه النبوة، ولم يعلم ذلك فرعون فإن كان لله كلام؛ لأنه كلم موسى ولم يكلم فرعون، فكذلك لله علم؛ لأنه علم موسى ولم يعلم فرعون. ثم يقال لهم: إذا وجب أن لله كلاما به كلم موسى دون فرعون؛ إذ كلم موسى دونه، فما أنكرتم إذا علمهما جميعا أن يكون له علم به علمهما جميعا . ثم يقال: قد كلم الله الأشياء بأن قال لها: كوني، وقد أثبتم لله قولا، وإن علم الأشياء كلها فله علم. مسألة: ثم يقال لهم: إذا أوجبتم أن لله كلاما وليس له علم؛ لأن الكلام أخص من العلم، والعلم أعم منه، فقولوا: إن لله قدرة؛ لأن العلم أعم عندكم من القدرة؛ لأن مذاهب القدرية أنهم لا يقولون أن الله لا يقدر أن يخلق الكفر، فقد أثبتوا القدرة أخص من العلم، فينبغي لهم أن يقولوا على اعتلالهم إن لله قدرة . مسألة: ثم يقال لهم: أليس الله عالما، والوصف له بأنه عالم أعم من الوصف له بأنه متكلم مكلِّم ؟ ثم لم يجب؛ لأن الكلام أخص من أن يكون الله تعالى متكلما غير عالم ؟ فلم لا قلتم إن الكلام - وإن كان أخص من العلم - أن ذلك لا ينفي أن يكون لله علم، كما لم ينف بخصوص الكلام أن يكون الله عالما ؟ مسألة: ويقال لهم: من أين علمتم أن الله عالم ؟ فإن قالوا: يقوله تعالى: (إنه بكل شيء عليم). قيل لهم: وكذلك فقولوا: إن لله علما بقوله: (أنزله بعلمه) ، وبقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه)، وكذلك فقولوا إن له قوة لقوله تعالى: (أولم يروا أن الذي خلقهم هو أشد منهم قوة). فإن قالوا: قلنا: إن الله عالم؛ لأنه صنع العالم على ما فيه من آثار الحكمة واتساق التدبير . قيل لهم: فلم لا قلتم إن لله علما بما ظهر في العالم من حكمة وآثار تدبيره ؟ لأن الصنائع الحكمية لا تظهر إلا من ذي علم، كما لا يظهر إلا من عالم، وكذلك لا تظهر إلا من ذي قوة كما لا تظهر إلا من قادر . مسألة: ويقال لهم: إذا نفيتم علم الله فلم لا نفيتم أسماءه ؟ فإن قالوا كيف ننفي أسماءه وقد ذكرها في كتابه ؟ قيل لهم: فلا تنفوا العلم والقوة؛ لأنه تعالى ذكر ذلك في كتابه العزيز . مسألة أخرى: ويقال لهم: قد علَّم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الشرائع والأحكام، والحلال والحرام، ولا يجوز أن يعلمه ما لا يعلمه، فكذلك لا يجوز أن يعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم مالا علم الله به . تعالى الله عن قول الجهمية علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: أليس إذا لعن الله الكافرين، فلعنه لهم معنى، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم لهم معنى ؟ فمن قولهم نعم . فيقال لهم: فما أنكرتم من أن الله تعالى إذا علم نبيه صلى الله عليه وسلم شيئا فكان للنبي صلى الله عليه وسلم علم، ولله تعالى علم، وإذا كنا متى أثبتناه غضبانا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حيا سميعا بصيرا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر . مسألة: ويقال لهم: وجدنا اسم عالم اشتق من علم، واسم قادر اشتق من قدرة، وكذلك اسم حي اشتق من حياة، واسم سميع اشتق من سمع، واسم بصير اشتق من بصر، ولا تخلو أسماء الله عز وجل من أن تكون مشتقة إما لإفادة معنى، أو على طريق التلقيب، فلا يجوز أن يسمى الله تعالى على طريق التقليب باسم ليس فيه إفادة معنى، وليس مشتقا من صفة . فإذا قلنا: إن الله تعالى عالم قادر فليس تلقيبا، كقولنا زيد وعمر، وعلى هذا إجماع المسلمين . وإذا لم يكن كذلك تلقيبا، كان مشتقا من علم، فقد وجب إثبات العلم، وإن كان ذلك لإفادة معنى، فلا يختلف ما هو لإفادة معنى واجب إذا كان معنى العالم منا أن له علما أن يكون كل عالم فهو ذو علم، كما إذا كان قولي موجود مفيدا فينا الإثبات كان الباري تعالى واجبا إثباته؛ لأنه سبحانه وتعالى موجود . مسألة: ويقال للمعتزلة والجهمية والحرورية: أتقولون إن لله علما بالأشياء سابقا فيها، وبوضع كل حامل، وحمل كل أنثى، وبإنزال كل ما أنزله ؟ فإن قالوا: نعم، أثبتوا العلم ووافقوا . وإن قالوا: لا، قيل لهم: جحد منكم؛ لقوله تعالى: (أنزله بعلمه)، ولقوله: (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه)، ولقوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله). وإذا كان قول الله تعالى: (بكل شيء عليم)، (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) يوجب أنه عليم بعلم الأشياء، فكذلك فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات نوجب أن لله علما بالأشياء سبحانه وبحمده . مسألة: ويقال لهم: هل لله عز وجل علم بالتفرقة بين أوليائه وأعدائه ؟ وهل هو مريد لذلك ؟ وهل له إرادة للإيمان إذا أراد الإيمان ؟ فإن قالوا: نعم، وافقوا . وإن قالوا: إذا أراد الإيمان فله إرادة . قيل لهم: وكذلك إذا فرق بين أوليائه وأعدائه، فلا بد من أن يكون له علم بذلك، وكيف يجوز أن يكون للخلق علم بذلك، وليس للخالق عز وجل علم بذلك ؟ ! وهذا يوجب أن للخلق مزية في العلم وفضلا على الخلاق . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . قيل لهم: إذا كان من له علم من الخلق أولى بالمنزلة الرفيعة ممن لا علم له، فإذا زعمتم أن الله تعالى لا علم له لزمكم أن الخلق أعلى مرتبة من الخالق . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: إذا كان من لا علم له من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، فما أنكرتم من أنه لا بد من إثبات علم الله ؟ وإلا ألحقتم به النقصان - جل عن قولكم وعلا - ألا ترون أن من لا يعلم من الخلق يلحقه الجهل والنقصان، ومن قال ذلك في الله عز وجل وصف الله تعالى بما لا يليق به، فكذلك إذا كان من قيل له من الخلق لا علم له لحقه الجهل والنقصان، وجب أن لا يُنفى ذلك عن الله تعالى؛ لأنه لا يلحقه جهل ولا نقصان . مسألة: ويقال لهم: هل يجوز أن تنسق الصنائع الحكمية ممن ليس بعالم ؟ فإن قالوا: ذلك محال، ولا يجوز في وجود الصنائع التي تجري على ترتيب ونظام إلا من عالم قادر حي. قيل لهم: وكذلك لا يجوز وجود الصنائع الحكمية التي تجري على ترتيب ونظام إلا من ذي علم وقدرة وحياة . فإن جاز ظهورها لا من ذي علم فما أنكرتم من جواز ظهورها لا من عالم قادر حي . وكل مسألة سألناهم عنها في العلم فهي داخلة عليهم في القدرة والحياة والسمع والبصر . مسألة: وزعمت المعتزلة أن قول الله تعالى: (سميع بصير) إن معناه عليم. قيل لهم: فإذا قال الله تعالى: (إنني معكما أسمع وأرى)، وقال: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) فمعنى ذلك عندكم علم. فإن قالوا: نعم . قيل لهم: فقد وجب عليكم أن تقولوا معنى قوله: (إنني معكما أسمع وأرى) أعلم وأعلم إذا كان معنى ذلك العلم. فصل ونفت المعتزلة صفات رب العالمين، وزعمت أن معنى (سميع بصير) راء بمعنى عليم، كما زعمت النصارى أن سمع الله هو بصره، وهو رؤيته، وهو كلامه، وهو علمه، وهو ابنه . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . فيقال للمعتزلة: إذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى عالم، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم . وإذا زعمتم أن معنى سميع وبصير معنى قادر، فهلا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم . وإذا زعمتم أن معنى حي معنى قادر، فلم لا زعمتم أن معنى قادر معنى عالم. فإن قالوا: هذا يوجب أن يكون كل معلوم مقدورا . قيل لهم: ولو كان معنى سميع بصير معنى عالم لكان كل معلوم مسموعا، و إذا لم يجز ذلك بطل قولكم. الباب الثامن الكلام في الإرادة والرد على المعتزلة في ذلك مسألة: يقال لهم: ألستم تزعمون أن الله تعالى لم يزل عالما ؟ فمن قولهم: نعم . قيل لهم: فلم لا قلتم إن ما لم يزل عالما أنه يكون في وقت من الأوقات لم يزل مريدا أن يكون في ذلك الوقت، وما لم يزل عالما أنه لا يكون فلم يزل مريدا أن لا يكون، وأنه لم يزل مريدا أن يكون ما علم كما علم ؟ فإن قالوا: لا نقول إن الله لم يزل مريدا؛ لأن الله تعالى مريد بإرادة مخلوقة. قيل لهم: فلم زعمتم أن الله عز وجل مريد بإرادة مخلوقة، وما الفصل بينكم وبين الجهمية في زعمهم أن الله عالم بعلم مخلوق، وإذا لم يجز أن يكون علم الله مخلوقا، فما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله مخلوقة ؟ فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن ذلك يقضي أن يكون حدث بعلم آخر كذلك لا إلى غاية . قيل لهم: ما أنكرتم أن لا تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن ذلك يقتضي أن تكون حدثت عن إرادة أخرى، ثم كذلك لا إلى غاية . فإن قالوا: لا يجوز أن يكون علم الله محدثا؛ لأن من لم يكن عالما ثم علم لحقه النقصان. قيل لهم: ولا يجوز أن تكون إرادة الله محدثة مخلوقة؛ لأن من لم يكن مريدا ثم أراد لحقه النقصان، وكما لا يجوز أن تكون إرادته تعالى محدثة مخلوقة، كذلك لا يجوز أن يكون كلامه محدثا مخلوقا . مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا زعمتم أنه قد كان في سلطان الله عز وجل الكفر والعصيان، وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعون، فلم يؤمنوا فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان؛ لأن الكفر الذي كان وهو لا يشاؤه عندكم، أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاؤه، وأكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن . وهذا جحد لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء الله أن يكون كان، وما لا يشاء لا يكون. مسألة أخرى: ويقال لهم: من قولكم: إن كثيرا ما شاء أن يكون إبليس كان؛ لأن الكفر أكثر من الإيمان، وأكثر ما كان هو شاءه، فقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، ولا إله غيره؛ لأن أكثر ما شاءه كان، وأكثر ما كان فقد شاءه . وفي هذا إيجاب أنكم قد جعلتم لإبليس مرتبة في المشيئة ليست لرب العالمين. تعالى الله عز وجل عن قول الظالمين علوا كبيرا. مسألة أخرى: ويقال لهم: أيما أولى بصفة الاقتدار: من إذا شاء أن يكون الشيء كان لا محالة، وإذا لم يرده لم يكن، أو من يريد أن يكون ما لا يكون ويكون مالا يريد ؟ فإن قالوا: من لا يكون أكثر ما يريده أولى بصفة الاقتدار كما يروا . وقيل لهم: إن جاز لكم ما قلتموه جاز لقائل أن يقول: من يكون مالا يعلمه أولى بالعلم ممن لا يكون إلا ما يعلمه . وإن رجعوا عن هذه المكابرة، وزعموا أن من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لا يكون أولى بصفة الاقتدار لزمهم على مذاهبهم أن يكون إبليس - لعنه الله - أولى بالاقتدار من الله تعالى؛ لأن أكثر ما أراده كان، وأكثر ما كان قد أراده . وقيل لهم: إذا كان من إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن أولى بصفة الاقتدار، فيلزمكم أن يكون الله تعالى إذا أراد أمرا كان، وإذا لم يرده لم يكن؛ لأنه أولى بصفة الاقتدار . مسألة: ويقال لهم: أيما أولى بالإلهية والسلطان من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يغيب عن علمه شيء ولا يجوز ذلك عليه، أو من يكون مالا يعلمه ويعزب عن علمه أكثر الأشياء ؟ فإن قالوا: من لا يكون إلا ما يعلمه ولا يعزب عن علمه شيء أولى بصفة الإلهية . قيل لهم: فكذلك من لا يريد كون شيء إلا ما كان، ولا يكون إلا ما يريده، ولا يعزب عن إرادته شيء أولى بصفة الإلهية كما قلتم ذلك في العلم، وإذا قالوا ذلك تركوا قولهم ورجعوا عنه، وأثبتوا الله عز وجل مريدا لكل كائن، وأوجبوا أنه لا يريد أن يكون إلا ما يكون . مسألة: ويقال لهم: إذا قلتم أنه يكون في سلطانه تعالى ما لا يريد، فقد كان إذا في سلطانه ما كرهه . فلا بد من نعم . يقال لهم: فإذا كان في سلطانه ما يكرهه فما أنكرتم أن يكون في سلطاته ما يأبى كونه . فإن أجابوا إلى ذلك، قيل لهم: فقد كانت المعاصي شاء الله أم أبى، وهذه صفة الضعف والفقر . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: أليس لما فعل العباد ما يسخطه تعالى وما يغضب عليهم إذا فعلوه فقد أغضبوه وأسخطوه ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فلو فعل العباد ما لا يريد وما يكرهه لكانوا أكرهوه، وهذه صفة القهر . تعالى عن ذلك علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فعال لما يريد) ؟ فلا بد من نعم . قيل لهم: فمن زعم أن الله تعالى فعل ما لا يريد، وأراد أن يكون من فعلة ما لا يكون، لزمه أن يكون قد وقع ذلك وهو ساه غافل عنه، أو أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه . فلا بد من نعم . قيل لهم: فكذلك من زعم أنه يكون في سلطان الله تعالى مالا يريده من عبيده؛ لزمه أحد أمرين: إما أن يزعم أن ذلك كان عن سهو وغفلة . أو أن يزعم أن الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده لحقه . مسألة: ويقال لهم: أليس من زعم أن الله تعالى فعل مالا يعلمه فقد نسب الله سبحانه إلى ما لا يليق به من الجهل ؟ فلا بد من نعم . قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن الله فعل ما لا يريده؛ لزمه أن ينسب الله تعالى إلى السهو والتقصير عن بلوغ ما يريده، فإذا قالوا: نعم . قيل لهم: وكذلك يلزم من زعم أن العباد يفعلون مالا يعلم الله نسب الله تعالى إلى الجهل . فلا بد من نعم. يقال لهم: فكذلك إذا كان في كون فعل فعلة الله، وهو لا يريده إيجاب سهو أو ضعف أو تقصير عن بلوغ ما يريده . فكذلك إذا كان من غيره مالا يريده وجب إثبات سهو وغفلة، أو ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريد، لا فرق في ذلك بين ما كان منه وما كان من غيره . مسألة: ويقال لهم: إذا كان في سلطان الله مالا يريده وهو يعلمه، ولا يلحقه الضعف والتقصير عن بلوغ ما يريده فما أنكرتم أن يكون في سلطانه مالا يعلمه ولا يلحقه النقصان، فإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه. مسألة: إن قال قائل: لـِم قلتم: إن الله مريد لكل كائن أن يكون، ولكل مالا يكون أن لا يكون ؟ قيل له: الدليل على ذلك أن الحجة قد وضحت أن الله تعالى خلق الكفر والمعاصي، وسنبين ذلك بعد هذا الموضع من كتابنا . وإذا وجب أن الله سبحانه خالق لذلك، فقد وجب أنه مريد له؛ لأنه لا يجوز أن يخلق مالا يريده . وجواب آخر: أنه لا يجوز أن يكون في سلطان الله تعالى من اكتساب العباد مالا يريده، كما لا يجوز أن يكون من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده؛ لأنه لو وقع من فعله مالا يعلمه، لكان في ذلك إثبات النقصان، وكذلك القصد لو وقع من عباده مالا يعلمه فكذلك لا يجوز أن يقع من عباده مالا يريده؛ لأن ذلك يوجب أن يقع عن سهو وغفلة، أو عن ضعف وتقصير عن بلوغ ما يريده، كما يجب ذلك لو وقع من فعله المجتمع على أنه فعل مالا يريده . وأيضا فلو كانت المعاصي وهو لا يشاء أن تكون لكان قد كره أن تكون وأبى أن تكون، وهذا يوجب أن تكون المعاصي كائنة شاء الله أم أبى، وهذا صفة الضعف . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . وقد أوضحنا أن الله سبحانه لم يزل مريدا على حقيقته التي علمه عليها، فإذا كان الكفر مما يكون، وقد علم ذلك فقد أراد أن يكون. مسألة: يقال لهم: إذا كان الله عز وجل علم أن الكفر يكون، وأراد أن لا يكون، فقد أراد أن يكون ما علم على خلاف ما علم، وإذا لم يجز ذلك فقد أراد أن يكون ما علم كما علم . مسألة: ويقال لهم: لم أبيتم أن يريد الله الكفر الذي علم أنه يكون أن يكون قبيحا فاسدا متناقضا خلافا للإيمان ؟ فإن قالوا: لأن مريد السفه سفيه . قيل لهم: ولم قلتم ذلك، أو ليس قد أخبر الله تعالى عن ابن آدم أنه قال لأخيه: (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين)، فأراد أن لا يقتل أخاه لئلا يعذب، وأن يقتله أخوه حتى يبوء بإثم قتله له، وسائر آثامه التي كانت عليه فيكون من أصحاب النار، فأراد قتل أخيه الذي هو سفه، ولم يكن بذلك سفيها، فلم زعمتم أن الله تعالى إذا أراد سفه العباد وجب أن ينسب ذلك إليه ؟ مسألة: ويقال لهم: قد قال يوسف صلى الله عليه وسلم: (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) وكان سجنهم إياه معصية، فأراد المعصية التي هي سجنهم إياه دون فعل ما يدعونه إليه، ولم يكن سفيها فما أنكرتم من أن لا يجب إذا أراد الباري سبحانه سفه العباد أن يكون قبيحا منهم، خلافا للطاعة أن يكون سفيها . مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس من يرى منا حرم المسلمين كان سفيها، والله تعالى يراهم ولا ينسب إلى السفه ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فيما أنكرتم أن من أراد السفه منا فكان سفيها، والله سبحانه يريد سعة السفهاء ولا ينسب إلى الله تعالى سفه تعالى الله عن ذلك . مسألة أخرى: ويقال لهم: السفيه منا إنما كان سفيها لما أراد السفه؛ لأنه نهى عن ذلك، ولأنه تحت شريعة من هو فوقه، ومن يحد له الحدود وترسم له الرسوم فلما أتى ما نهي عنه كان سفيها، ورب العالمين جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ليس تحت شريعة، ولا فوقه من يحد له الحدود ويرسم له الرسوم، ولا فوقه مبيح ولا حاظر، ولا آمر ولا زاجر، فلم يجب إذا أراد ذلك أن يكون قبيحا أن ينسب إلى السفه سبحانه وتعالى . مسألة: ويقال لهم: أليس من خلى بين عبيده وبين إمائه منا يزني بعضهم ببعض وهو لا يعجز عن التفريق بينهم يكون سفيها ؟ ورب العالمين عز وجل قد خلى بين عبيده وإمائه يزني بعضهم ببعض وهو يقدر على التفريق بينهم وليس سفيها، وكذلك من أراد السفه منا كان سفيها، ورب العالمين عز وجل يريد السفه وليس سفيها . مسألة أخرى: ويقال لهم: من أراد طاعة الله منا كان مطيعا، كما أن من أراد السفه كان سفيها ورب العالمين عز وجل يريد الطاعة وليس مطيعا، فكذلك يريد السفه وليس سفيها . مسألة أخرى: ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتلوا) فأخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا ما اقتتلوا، قال: (ولكن الله يفعل ما يريد) من القتال، فإذا وقع القتال فقد شاءه، كما أنه قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) فقد أوجب أن الرد لو كان إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر، وأنهم إذا لم يردّهم إلى الدنيا لم يعودوا، فكذلك لو شاء الله أن لا يقتتلوا لما اقتتلوا، وإذا اقتتلوا فقد شاء أن يقتتلوا . مسألة: ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) وإذا حق القول بذلك فما شاء أن تؤتي كل نفس هداها؛ لأنه إذا لم يؤتها هداها لما حق القول بتعذيب الكافرين، وإذا لم يرد ذلك فقد شاء ضلالتها . فإن قالوا: معنى ذلك لو شئنا جبرناهم على الهدى واضطررناهم إليه . قيل لهم: فإذا أجبرهم على الهدى واضطرهم إليه ليكونوا مهتدين، فإن قالوا: نعم . قيل لهم: فإذا كان إذا فعل الهدى كانوا مهتدين، فما أنكرتم لو فعل كفر الكافرين فكانوا كافرين، وهذا هدم قولهم؛ لأنهم زعموا أنه لا يفعل الكفر إلا كافر . ويقال لهم أيضا: على أي وجه يؤتيهم الهدى لو آتاهم إياه، وشاء ذلك لهم . فإن قالوا: على الإلجاء . قيل لهم: وإذا ألجأهم إلى ذلك هل ينفعهم ما يفعلونه على طريق الإلجاء ؟ فمن قولهم: لا . قيل لهم: فإذا أخبر أنه لو شاء لآتاهم الهدى لولا ما حق منه من القول أنه يملأ جهنم، وإذا كان لو ألجأهم لم يكن نافعا لهم ولا مزيلا للعذاب عنهم، كما لم ينفع فرعون قوله الذي قاله عند الغرق والإلجاء، فلا معنى لقولكم، لأنه لولا ما حق من القول لأوتيت كل نفس هداها، وإتيان الهدى على الوجه الذي قلتموه لا يزيل العذاب . مسألة أخرى: ويقال لهم: قال الله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض)، وقال تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) مخبرا أنه لولا أن يكون الناس مجتمعين على الكفر لم يبسط لهم الرزق ولم يجعل للكافرين سقفا من فضة، فما أنكرتم من أنه تعالى لو لم يرد أن يكفر الكافرين ما خلقهم مع علمه بأنه إذا خلقهم كانوا كافرين، كما أنه لو أراد أن لا يكون الناس على الكفر مجتمعين لم يجعل للكافرين سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون؛ لئلا يكونوا جميعا على الكفر متطابقين، إذا كان في معلومه أنه لو لم يفعل ذلك لكانوا جميعا على الكفر مطبقين. الباب التاسع الكلام في تقدير أعمال العباد والاستطاعة والتعديل والتجوير يقال للقدرية: هل يجوز أن يعلم الله عز وجل عباده شيئا لا يعلمه ؟ فإن قالوا: لا يعلم الله عباده شيئا إلا وهو به عالم . قيل لهم: فكذلك لا يقدرهم على شيء إلا وهو عليه قادر، فلا بد من الإجابة إلى ذلك . قيل لهم: فإذا قدرهم على الكفر، فهو قادر أن يخلق الكفر لهم، وإذا قدر على خلق الكفر لهم فلم أبيتم أن يخلق كفرهم فاسدا متناقضا باطلا، وقد قال تعالى: (فعال لما يريد) وإذا كان الكفر مما أراد فقد فعله وقدره . مسألة: ويرد عليهم في اللطف. يقال لهم: أليس الله عز وجل قادر أن يفعل بخلقه من بسط الرزق ما لو فعله بهم لبغوا في الأرض ؟ وأن يفعل بهم ما لو فعله بالكفار لكفروا ؟ كما قال تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) ، وكما قال: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة). فلا بد من نعم . يقال لهم: فما أنكرتم من أنه قادر أن يفعل بهم لطفا لو فعله بهم لآمنوا أجمعين، كما أنه قادر أن يفعل بهم أمرا لو فعله بهم لكفروا كلهم . مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) ، (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)، وقال: (فاطلع فرآه في سواء الجحيم) يعني في وسط الجحيم، قال: (تالله إن كدت لتردين ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين). ما الفضل الذي فعله بالمؤمنين، الذي لو لم يفعله لاتبعوا الشيطان، ولو لم يفعله ما زكى منهم من أحد أبدا ؟ وما النعمة التي لو لم يفعلها لكانوا من المحضرين ؟ وهل ذلك شيء لم يفعله بالكافرين وخص به المؤمنين ؟ فإن قالوا: نعم . فقد تركوا قولهم، وأثبتوا لله تعالى نعما وفضلا على المؤمنين ابتدأهم بجميعه، ولم ينعم بمثله على الكافرين، وصاروا إلى القول بالحق . فإن قالوا: قد فعل الله ذلك أجمع بالكافرين لما فعله بالمؤمنين، فقل لهم: فإذا كان الله تعالى قد فعل ذلك أجمع بالكافرين فلم يكونوا زاكين، وكانوا للشيطان متبعين، وفي النار محضرين . وهل يجوز أن يقول للمؤمنين: لولا أني خلقت لكم أيدي وأرجل لكنتم للشيطان متبعين، وهو قد خلق الأيدي والأرجل للكافرين وكانوا للشيطان متبعين ؟ فإن قالوا: لا يجوز ذلك . قيل لهم: وكذلك لا يجوز ما قلتموه . وهذا يبين أن الله تعالى اختص المؤمنين من النعم والتوفيق والتسديد (2/ 185) بما لم يعط الكافرين، وفضل عليهم المؤمنين . مسألة في الاستطاعة: ويقال لهم: أليست استطاعة الإيمان نعمة من الله تعالى وفضلا وإحسانا ؟ فإذا قالوا: نعم . قيل لهم: فما أنكرتم أن يكون توفيقا وتسديدا، فلا بد من الإجابة إلى ذلك . يقال لهم: فإذا كان الكافرون قادرين على الإيمان، فما أنكرتم من أن يكونوا موفقين للإيمان، ولو كانوا موفقين مسددين لكانوا ممدوحين؛ وإذ لم يجز ذلك لم يجز أن يكونوا على الإيمان قادرين، ووجب أن يكون الله تعالى اختص بالقدرة على الإيمان للمؤمنين . (2/ 186) مسألة أخرى: ويقال لهم: لو كانت القدرة على الكفر قدرة على الإيمان، فقد رغب إليه في أن يقدره على الكفر، فلما رأينا المؤمنين يرغبون إلى الله تعالى في قدرة الإيمان، ويزهدون في قدرة الكفر؛ علمنا أن الذي رغبوا فيه غير الذي زهدوا فيه . مسألة أخرى: ويقال لهم: أخبرونا عن قوة الإيمان، أليست فضلا من الله تعالى ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فالتفضل، أليس هو ما للمتفضل أن لا يتفضل به، وله أن يتفضل به، فلا بد من الإجابة إلى ذلك؛ لأن ذلك هو الفرق بين الفضل وبين الاستحقاق . فيقال لهم: وللمتفضل إذا أمر بالإيمان أن يرفع التفضل، ولا يتفضل به فيأمرهم بإيمان، وإن لم يعطهم قدرة الإيمان وخذلهم، وهذا هو قولنا ومذهبنا . (2/ 187) مسألة: ويقال لهم: هل يقدر الله على توفيق يوفق به الكافرين حتى يكونوا مؤمنين ؟ فإن قالوا: لا . نطقوا بتعجيز الله، تعالى عن ذلك علوا كبيرا . وإن قالوا: نعم يقدر على ذلك، ولو فعل بهم التوفيق لآمنوا، تركوا قولهم، وقالوا بالحق . مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما الله يريد ظلما للعباد) من الآية (31 /40) ، وعن قوله: (وما الله يريد ظلما للعالمين) من الآية (103 /3) . قيل لهم: معنى ذلك أنه لا يريد أن يظلمهم؛ لأنه قال: (وما الله يريد ظلما لهم) ولم يقل: لا يريد ظلم بعضهم لبعض، فلم يرد أن يظلمهم وإن كان أراد أن يتظالموا . مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) من الآية (3 /67) ، قالوا: والكفر متفاوت، فكيف يكون من خلق الله ؟ والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير) من الآية (3 - 4 /67) فإنما عنى ما ترى في السماوات من فطور؛ لأنه ذكر خلق السماوات، ولم يذكر الكفر، وإذا كان هذا على ما قلناه بطل ما قالوه . والحمد لله رب العالمين . مسألة: ويقال لهم: هل تعرفون لله عز وجل نعمة على أبي بكر الصديق رضي الله عنه خص بها دون أبي جهل ابتداء ؟ فإن قالوا: لا، فحُش قولهم . وإن قالوا: نعم، تركوا مذاهبهم، لأنهم لا يقولون إن الله خص المؤمنين في الابتداء بما لم يخص به الكافرين . مسألة: وإن سألوا عن قوله تعالى: (ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) من الآية (27 /38) ، فقالوا: هذه الآية تدل على أن الله عز وجل لم يخلق الباطل . والجواب عن ذلك: أن الله عز وجل أراد بذلك المشركين الذين قالوا: لا حشر ولا نشور ولا إعادة، فكأنه قال تعالى: ما خلقت ذلك، وأنا لا أثيب من أطاعني، ولا أعاقب من عصاني، كما ظن الكافرون أنه لا حشر ولا نشر ولا ثواب ولا عقاب، ألا تراه قال (2/ 190) : (ذلك ظَنُّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) من الآية (27 /38) ، وبيَّن ذلك بقوله: (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) (28 /38) أي لا نسوي بينهم في أن نفنيهم أجمعين ولا نعيدهم، فيكون سبيلهم سبيلا واحدا . مسألة: وسألوا عن قوله تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (79 /4) والجواب عن ذلك: أن الله تعالى قال: (وإن تصبهم حسنة) من الآية (78 /4) يعني الخصب والخير، (يقولون هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة) من الآية (78 /4) يعني الجدب والقحط والمصائب، (قالوا هذه من عندك) من الآية (78 /4) أي بشؤمك، قال الله تعالى: (يا محمد قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) من الآية (78 /4) في قولهم: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) (79 /4) فحذف " في قولهم " لأن ما تقدم من الكلام يدل عليه؛ لأن القرآن لا يتناقض، ولا يجوز أن يقول في آية إن الكل من عند الله، ثم يقول في الآية الأخرى التي تليها إن الكل ليس من عند الله، على أن ما أصاب الناس هو غير ما أصابوه، وهذا يبين بطلان تعلقهم بهذه الآية، ويوجب عليهم الحجة . مسألة: وإن سألوا عن قول الله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (56 /15). والجواب عن ذلك: أن الله تعالى إنما عنى المؤمنين دون الكافرين؛ لأنه أخبرنا أنه ذرأ لجهنم كثيرا من خلقه، فالذين خلقهم لجهنم، وأحصاهم، وعدهم، وكتبهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وأمهاتهم؛ غير الذين خلقهم لعبادته . مسألة في التكليف: ويقال لهم: أليس قد كلف الله عز وجل الكافرين أن يستمعوا الحق ويقبلوه ويؤمنوا بالله ؟ فلا بد من نعم . فيقال لهم: فقد قال الله تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع) من الآية (20 /11) ، وقال: (وكانوا لا يستطيعون سمعا) من الآية (101 /18) ، وقد كلفهم استماع الحق . مسألة: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) (42 /68) ، أليس قد أمرهم الله تعالى بالسجود في الآخرة ؟ وجاء في الخبر: (أن المنافقين يجعل في أصلابهم كالصفائح فلا يستطيعون السجود) ، وفي هذا تثبيت ما نقوله من أنه لا يجب لهم على الله تعالى إذا أمرهم أن يقدرهم، وهو بطلان قول القدرية . مسألة في إيلام الأطفال: ويقال لهم: أليس قد آلم الله تعالى الأطفال في الدنيا بآلام أوصلها إليهم، كنحو الجذام الذي يقطع أيديهم وأرجلهم وغير ذلك - أعاذنا الله من ذلك - كما يؤلمهم به، وكان ذلك سائغا جائزا ؟ فإذا قالوا: نعم . قيل لهم: فإذا كان هذا عدلا فما أنكرتم أن يؤلمهم في الآخرة، ويكون ذلك منه عدلا . فإن قالوا: آلمهم في الدنيا ليعتبر بهم الآباء . قيل لهم: فإذا فعل بهم ذلك في الدنيا ليعتبر بهم الآباء، وكان ذلك منه عدلا فلم لا يؤلم أطفال الكافرين في الآخرة ليغيظ بذلك آباءهم، ويكون ذلك منه عدلا ؟ وقد قيل في الخبر: (إن أطفال المشركين تؤجج لهم نار يوم القيامة ثم يقال لهم اقتحموها، فمن اقتحمها أدخله الجنة، ومن لم يقتحمها أدخله النار) وقد قيل في الأطفال، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شئت أسمعتك ضغاءهم في النار) . مسألة: ويقال لهم: أليس قد قال الله تبارك وتعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب) (1 - 3 /111) ، وأمره مع ذلك بالإيمان، فأوجب عليه أن يعلم أنه لا يؤمن، وأن الله صادق في إخباره عنه أنه لا يؤمن، وأمره مع ذلك أن يؤمن ولا يجتمع الإيمان والعلم بأنه لا يكون ولا يقدر على أن يؤمن، وأن يعلم أنه لا يؤمن . وإذا كان هذا هكذا فقد أمر الله سبحانه أبا لهب بما لا يقدر عليه؛ لأنه أمره أن يؤمن، وأنه يعلم أنه لا يؤمن . مسألة: ويقال لهم: أليس أمر الله عز وجل بالإيمان من علم أنه لا يؤمن ؟ فمن قولهم نعم . يقال لهم: فأنتم قادرون على الإيمان، ويتأتى لكم ذلك . فإن قالوا: لا، وافقونا . وإن قالوا: نعم، زعموا أن العباد يقدرون على الخروج من علم الله . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . مسألة عن المعتزلة: قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه: ويقال لهم: أليس المجوس أثبتوا الشيطان يقدر على الشر الذي لا يقدر الله عز وجل عليه فكانوا بقولهم هذا كافرين ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فإذا زعمتم أن الكافرين يقدرون على الكفر، والله تعالى لا يقدر عليه فقد زدتم على المجوس في قولكم؛ لأنكم تقولون معهم: إن الشيطان يقدر على الشر، والله لا يقدر عليه، وهذا ما بينه الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن القدرية مجوس هذه الأمة، وإنما صاروا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم قالوا بقول المجوس . مسألة: وزعمت القدرية أنا نستحق اسم القدر؛ لأنا نقول إن الله تعالى قدر الشر والكفر، فمن يثبت القدر كان قدريا دون من لم يثبته . يقال لهم: القدري هو من يثبت القدر لنفسه دون ربه عز وجل، وأنه يقدر أفعاله دون خالقه، وكذلك هو في اللغة؛ لأن الصائغ: هو من زعم أنه يصوغ دون من يزعم أنه يصاغ له، والنجار: هو من يضيف النجارة إلى نفسه دون أنه ينجر له . فلما كنتم تزعمون أنكم تقدرون أعمالكم وتفعلونها دون ربكم، وجب أن تكونوا قدرية، ولم نكن نحن قدرية؛ لأنا لم نضف الأعمال إلى أنفسنا دون ربنا عز وجل، ولم نقل إنا نقدرها دونه، وقلنا: إنها تقدر لنا. مسألة: ويقال لهم: إذا كان من أثبت التقدير لله عز وجل قدريا، فيلزمكم إذا زعمتم أن الله تعالى قدر السماوات والأرض، وقدر الطاعات أن تكونوا قدرية، فإذا لم يلزم هذا فقد بطل قولكم وانتقض كلامكم . مسألة في الختم: يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة) من الآية (7 /2) ، وقال تعالى: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله (2/ 199) يجعل صدره ضيقا حرجا) من الآية (125 /6) ، فخبرونا عن الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، أتزعمون أنه هداهم وشرح للإسلام صدورهم وأضلهم . فإن قالوا: نعم، تناقض قولهم . وقيل لهم: كيف تكون الصدور مشروحة للإيمان، وهي ضيقة حرجة مختوم عليها، وكيف يجتمع الفعل الذي قال الله عز وجل: (أم على قلوب أقفالها) من الآية (24 /47) مع الشرح، والضيق مع السعة، والهدى مع الضلال، إن كان هذا جاز أن يجتمع التوحيد والإلحاد الذي هو ضد التوحيد، والكفر والإيمان معا في قلب واحد، وإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه . فإن قالوا: الختم والضيق والضلال لا يجوز أن يجتمع مع شرح الله الصدر . قيل لهم: وكذلك الهدى لا يجتمع مع الضلال، وإذا كان هذا هكذا فما شرح الله صدور الكافرين للإيمان، بل ختم الله على قلوبهم وأقفلها عن الحق، وشد عليها، كما دعا نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم على قومه فقال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى تروا العذاب الأليم) من الآية (88 /10) قال الله تعالى: (قد أجبت دعوتكما) من آية (89 /10) ، وقال تعالى يخبر عن الكافرين إنهم قالوا: (قلوبنا في أكنَّة مما تدعوننا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) من الآية (5 /41) ، فإذا خلق الله الأكنة في قلوبهم، والقفل والزيغ؛ لأن الله تعالى قال: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) من الآية (5 /16) والختم وضيق الصدر تم أمرهم بالإيمان الذي علم أنه لا يكون، فقد أمرهم بما لا يقدرون عليه، وإذا خلق الله في قلوبهم ما ذكرنا من الضيق عن الإيمان، فهل الضيق عن الإيمان إلا الكفر الذي في قلوبهم ؟ وهذا يبين أن الله خلق كفرهم ومعاصيهم. مسألة: ويقال لهم: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا) (74 /17) ، وقال تعالى يخبر عن يوسف صلى الله عليه وسلم: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) من الآية (24 /12) فحدثونا عن ذلك التثبيت والبرهان، هل فعله الله عز وجل بالكافرين، أو ما هو مثله ؟ فإن قالوا) لا، تركوا القول بالقدر . وإن قالوا: نعم . قيل لهم: فإذا كان لم يركن إليهم من أجل التثبيت فيجب لو كان فعل ذلك بالكافرين أن لا يثبتوا على الكفر، وإذا لم يكونوا عن الكفر مفترقين فقد بطل أن يكون فعل بهم مثل ما فعله بالنبي صلى الله عليه وسلم من التثبيت الذي لما فعله به لم يركن إلى الكافرين . مسألة في الاستثناء: ويقال لهم: خبرونا عن مطالبة رجل بحق، فقال له: والله لأعطينك ذلك غدا إن شاء الله تعالى، أليس الله شائيا أن يعطيه حقه ؟ فمن قولهم: نعم . يقال لهم: أفرأيتم إن جاء الغد فلم يعطه حقه، أليس لا يحنث ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فلو كان الله شاء أن يعطيه حقه لحنث إذا لم يعطه، كما لو قال: والله لأعطينك حقك إذا طلع الفجر غدا، ثم طلع ولم يعطه أنه يكون حانثا . مسألة في الآجال: يقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) من الآية (61 /16) ، وقال تعالى: (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) من الآية (11 /63) ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: خبرونا عمن قتله قاتله ظلما، أتزعمون أنه قتل في أجله، أو بأجله (2/ 204) ؟ فإن قالوا: نعم، وافقوا وقالوا بالحق، وترك القدر . وإن قالوا: لا . قيل لهم: فمتى أجل هذا المقتول ؟ فإن قالوا: الوقت الذي علم الله أنه لو لم يقتل لتزوج امرأة أنها امرأته، وإن لم يبلغ إلى أن يتزوجها، وإذا كان في معلوم الله أنه لو لم يقتل وبقي لكفر أن تكون النار داره . وإذا لم يجز هذا لم يجز أن يكون الوقت الذي لم يبلغ إليه أجلا له، على أن هذا القول مقيد لقول الله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) من الآية (61 /16) . مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا كان القاتل عندكم قادرا على أن لا يقتل هذا المقتول فيعيش، فهو قادر على قطع أجله وتقديمه قبل أجله، وهو قادر على تأخيره إلى أجله، فالإنسان على قولكم يقدر أن يقدم آجال العباد ويؤخرها، ويقدر أن يبقي العباد ويبلغهم ويخرج أرواحهم، وهذا إلحاد في الدين . مسألة في الأرزاق: ويقال لهم: خبرونا عمن اغتصب طعاما فأكله حراما، هل رزقه الله ذلك الحرام ؟ فإن قالوا: نعم، تركوا القدر . وإن قالوا: لا . قيل لهم: فمن أكل جميع عمره الحرام، فما رزقه الله شيئا اغتذى به جسمه . ويقال لهم: فإذا كان غيره يغتصب له ذلك الطعام ويطعمه إياه إلى أن مات، فرازق هذا الإنسان عندكم غير الله، وفي هذا إقرار منهم أن للخلق رازقين: أحدهما يرزق الحلال، والآخر يرزق الحرام، وأن الناس تنبت لحومهم وتشد عظامهم، والله غير رازق لهم ما اغتذوا به. وإذا قلتم: إن الله لم يرزقه الحرام، لزمكم أن الله لم يغذه به، ولا جعله قواما لجسمه، وأن لحمه وجسمه قام وعظمه اشتد بغير الله عز وجل، وهو ممن رزقه الحرام، وهذا كفر عظيم إن احتملوا . مسألة أخرى في الأرزاق: ويقال لهم: لم أبيتم أن يرزق الله الحرام ؟ فإن قالوا: لأنه لو رزق الحرام لملك الحرام . يقال لهم: خبرونا عن الطفل الذي يتغذى من لبن أمه وعن البهيمة التي ترعى الحشيش، من يرزقهما ذلك؟ فإن قالوا: الله تعالى . قيل لهم: فمن ملَّكهما ؟ وهل للبهيمة مِلك ؟ فإن قالوا: لا . قيل لهم: فلم زعمتم أنه لو رزق الحرام لملك الحرام، وقد يرزق الله الشيء ولا يُمَلِّكُه ؟ ويقال لهم: هل أقدر الله العبد على الحرام ولم يملِّكْه إياه ؟ فمن قولهم: نعم . يقال لهم: فما أنكرتم أن يرزقه الحرام، وإن لم يملِّكه إياه .
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() |
| يشاهد الموضوع حالياً: 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهة
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | المشاركة الأخيرة |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 1 | 30 -06 -2009 06:44 AM |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 1 | 30 -06 -2009 06:42 AM |
| فضائل القرآن - الرازي | BAHA D ALOSY | منتدى علوم القرآن وأحكامه | 4 | 28 -04 -2009 09:29 AM |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 2 | 22 -04 -2009 12:47 AM |
| الإقناع في القراءات السبع | eng abdallah | منتدى علوم القرآن وأحكامه | 20 | 07 -03 -2009 09:54 AM |