| هام جداً .. نظام الدخول الجديد للمنتدى |
![]() |
![]() |
![]() |
||
![]() |
|
![]() |
||
![]() |
![]() |
![]() |
|
|||||||
المنتديات العلميةقسم يختص بالمواضيع الإسلامية العامة على مذهب أهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
LinkBack | أدوات الموضوع |
|
|
#1 (permalink) | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري (توفى سنة 324 هـ) الجزء الرابع 1مسألة أخرى: يقال لهم: إذا كان توفيق المؤمنين بالله، فما أنكرتم أن يكون خذلان الكافرين من قبل الله تعالى، وإلا فإن زعمتم أن الله وفق الكافرين للإيمان فقولوا عصمهم من الكفر، وكيف يعصمهم من الكفر وقد وقع الكفر منهم ؟ فإن أثبتوا أن الله خذلهم، قيل لهم: فالخذلان من الله أليس هو الكفر الذي خلقه فيهم ؟ فإن قالوا: نعم، وافقوا . وإن قالوا: لا . قيل لهم: فما ذلك الخذلان الذي خلقه ؟ فإن قالوا: تخليته إياهم والكفر . قيل لهم: أو ليس من قولكم: إن الله عز وجل خلى بين المؤمنين وبين الكفر ؟ فمن قولهم: نعم . قيل لهم: فإذا كان الخذلان التخلية بينهم وبين الكفر، فقد لزمكم أن يكون خذل المؤمنين؛ لأنه خلى بينهم وبين الكفر، وهذا خروج عن الدين، فلا بد لهم أن يثبتوا لهم الخذلان الكفر الذي خلقه فيتركوا القول بالقدر. مسألة أخرى: إن سأل سائل مِن أهل القدر، فقال: هل يخلو العبد من أن يكون بين نعمة يجب عليه أن يشكر الله عليها، أو بلية يجب عليه الصبر عليها ؟ قيل له: العبد لا يخلو من نعمة وبلية، والنعمة يجب على العبد أن يشكر الله عليها، والبلايا على ضربين: منها ما يجب الصبر عليها كالأمراض والأسقام وما أشبه ذلك . ومنها ما يجب عليه الإقلاع عنها كالكفر والمعاصي . مسألة: وإن سألوا فقالوا: أيما خير، الخير أو مَن الخير منه ؟ قيل لهم: من كان الخير متفضلا به فهو خير من الخير . فإن قالوا: فأيما شر، الشر أو من الشر منه ؟ قيل لهم: من كان الشر منه جائزا به فهو أشر من الشر، والله تعالى يكون منه الشر خلقا، وهو عادل به، ولذلك لا يلزمنا ما سألتم عنه على أنكم ناقضون لأصولكم؛ لأنه إن كان من كان الشر منه فهو أشر من الشر، وقد خلق الله تعالى إبليس الذي هو أشر من الشر الذي يكون منه، فقد خلق ما هو أشر من الشرور كلها، وهذا نقض دينكم وفساد مذهبكم . مسألة في الهدى: يقال للمعتزلة: أليس قد قال الله تعالى: (ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) (2 /3) فأخبر أن القرآن هدى للمتقين ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: أو ليس قد ذكر الله عز وجل القرآن فقال: (والذين لا يؤمنون بالآخرة في آذانهم وقر وهو عليهم عمى) من الآية (44 /41) فخبر أن القرآن على الكافرين عمى ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فهل يجوز أن يكون من خبر الله عز وجل أن القرآن له هدى وهو عليه عمى ؟ فلا بد من لا . يقال لهم: فكما لا يجوز أن يكون القرآن عمى على من أخبر الله تعالى أنه له هدى، كذلك لا يجوز أن يكون القرآن هدى لمن أخبر الله أنه عليه عمى . مسألة أخرى: ثم يقال لهم: إذا جاز أن يكون دعاء الله إلى الإيمان هدى لمن قَبِل ولمن لم يقبل، فما أنكرتم دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا لمن قبل ولمن لم يقبل، فإن كان دعاء إبليس إلى الكفر إضلالا للكافرين الذين قبلوا عنه، دون المؤمنين لم يقبلوا عنه، فما أنكرتم أن دعاء الله تعالى إلى الإيمان هدى للمؤمنين الذين قبلوا عنه، دون الكافرين الذين لم يقبلوا عنه، وإلا فما الفرق بين ذلك ؟ مسألة أخرى: ويقال لهم: أليس قال الله تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من الآية (26 /2) فهل يدل قوله: (يضل به كثيرا) على أنه لم يضل الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال: يضل به الكل، فلما قال: (يضل به كثيرا) علمنا أنه لم يضل الكل ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فما أنكرتم أن قوله تعالى: (ويهدي به كثيرا) دليل على أنه لم يرد الكل؛ لأنه لو أراد الكل لقال: ويهدي به الكل، فلما قال تعالى: (ويهدي به كثيرا) علمنا أنه لم يهد الكل، وفي هذا إبطال قولكم: إن الله هدى الخلق أجمعين . مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا قلتم إن دعاء الله إلى الإيمان هدى للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره، فما أنكرتم أن يكون دعا الله إلى الإيمان نفعا وصلاحا وتسديدا للكافرين الذين لم يقبلوا عن الله أمره، وما أنكرتم أن يكون عصمة لهم من الكفر وإن لم يكونوا من الكفر معتصمين، وأن يكون توفيقا للإيمان وإن لم يوفقوا للإيمان، وفي هذا ما يجب أن الله سدد الكافرين وأصلحهم وعصمهم ووفقهم للإيمان وإن كانوا كافرين، وهذا ما لا يجوز؛ لأن الكافرين مخذولون . وكيف يكونون موفقين للإيمان وهم مخذولون ؟ فإن جاز أن يكون الكافر موفقا للإيمان، فما أنكرتم أن يكون الإيمان له متفقا، فإن استحال هذا، فما أنكرتم أن يستحيل ما قلتموه . مسألة في الضلال: يقال لهم: أضل الله تعالى الكافرين عن الإيمان، أو عن الكفر ؟ فإن قالوا: عن الكفر. قيل لهم: فكيف يكونون ضالين عن الكفر ذاهبين عنه، وهم كافرون ؟ وإن قالوا: أضلهم عن الإيمان، تركوا قولهم . وإن قالوا: نقول: إن الله أضلهم، ولم يضلهم عن شيء . قيل لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: إن الله هدى المؤمنين لا إلى شيء ؟ فإن استحال أن يهدي المؤمنين لا إلى الإيمان، فما أنكرتم من أنه محال أن يضل الكافرين لا إلى الإيمان. مسألة أخرى: ويقال لهم: ما معنى قول الله تعالى: (ويضل الله الظالمين) من الآية (27 /14) ؟ فإن قالوا: معنى ذلك أنه يسميهم ضالين، ويحكم عليهم بالضلال . قيل لهم: أليس خاطب الله العرب بلغتهم فقال: (بلسان عربي مبين) من الآية (195 /26) ، وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) من الآية (4 /14) ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: وإذا كان الله عز وجل أنزل القرآن بلسان العرب، فمن أين وجدتم في لغة العرب أن يقال: أضل فلان فلانا أي سماه ضالا ؟ فيقال: قالوا وجدنا القائل يقول: إذا قال رجل لرجل ضال قد ضللت . قيل لهم: قد وجدنا لعمري القائل: ضلل فلان فلانا أنه سماه ضالا، ولم نجدهم يقولون: أضل فلان فلانا بهذا المعنى، فلما قال الله تعالى: (ويضل الله الظالمين) من الآية (27 /14) لم يجز أن يكون معنى ذلك الاسم، والحكم إذا لم يجز في لغة العرب أن يقال: أضل فلان فلانا، بأن سماه ضالا، بطل تأويلكم إذا كان خلاف لسان العرب. مسألة أخرى: ويقال لهم: إذا قلتم: إن الله أضل الكافرين بأن سماهم ضالين، وليس ذلك في اللغة على ما ادعيتموه، فيلزمكم إذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم قوما ضالين فاسدين بأن يكون قد أضلهم وأفسدهم بأن سماهم ضالين فاسدين، وإذا لم يجز هذا بطل أن يكون معنى (يضل الله الظالمين) الاسم والحكم كما ادعيتم . مسألة: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) من الآية (17 /18) ، وقال تعالى: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) من الآية (86 /3) فذكر أنه يهديهم، وقال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) الآية من (25 /10) فجعل الدعاء عاما، والهدى خاصا، وقال تعالى: (لا يهدي القوم الكافرين) من الآية (264 /2) فإذا أخبر الله عز وجل أنه لا يهدي القوم الكافرين، فكيف يجوز لقائل أن يقول: إنه هدى الكافرين مع إخباره أنه لا يهديهم، ومع قوله تعالى: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) من الآية (56 /28) ، ومع قوله تعالى: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) من الآية (272 /2) ، ومع قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) من الآية (13 /32)؟ وإن جاز هذا جاز أن يقال: أضل المؤمنين، مع قوله تعالى: (ومن يهد الله المهتد) من الآية (97 /17) ، ومع قوله: (هدى للمتقين) من الآية (2 /2) ، فإن لم يكن ذلك، فما أنكرتم أنه لا يجوز أن يهدي الكافرين مع قوله تعالى: (لا يهدي القوم الكافرين) من الآية (264 /2) ومع سائر الآيات التي طالبناكم بها . مسألة: ويقال لهم: أليس قد قال الله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) من الآية (23 /45) ؟ فلا بد من نعم . يقال لهم: فأضلهم ليضلوا أو ليهتدوا ؟ فإن قالوا: أضلهم ليهتدوا . قيل لهم: وكيف يجوز أن يضلهم ليهتدوا، وإن جاز هذا جاز أن يهديهم ليضلوا، وإذا لم يجز أن يهدي المؤمنين ليضلوا، فما أنكرتم من أنه لا يجوز أن يضل الكافرين ليهتدوا . مسألة: ويقال لهم: إذا زعمتم أن الله هدى الكافرين فلم يهتدوا، فما أنكرتم أن ينفعهم فلا ينتفعون، وأن يصلحهم فلا ينصلحون، وإذا جاز أن ينفع من لا ينتفع بنفعه فما أنكرتم من أن يضر من لا تلحقه المضرة، فإن كان لا يضر إلا من يلحقه الضرر فكذلك لا ينفع إلا منتفعا، ولو جاز أن ينفع من ليس منتفعا، ويهدي من ليس مهتديا؛ جاز أن يقدر من ليس مقتدرا، وإذا استحال ذلك استحال أن ينفع من ليس منتفعا، ويهدي من ليس مهتديا. مسألة يسألون عنها: يقولون: أليس قد قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات) من الآية (185 /2) فما أنكرتم أن يكون القرآن هدى للكافرين والمؤمنين . قيل لهم: الآية خاصة؛ لأن الله تعالى قد بين لنا أنه هدى للمتقين، وخبرنا أنه لا يهدي الكافرين، والقرآن لا يتناقض، فوجب أن يكون قوله: (هدى للناس) أراد المؤمنين دون الكافرين . مسألة: فإن قال قائل: أليس قد قال الله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر) من الآية (11 /36)، وقال تعالى: (إنما أنت منذر من يخشاها) (45 /79) ، وقد أنذر النبي صلى الله عليه وسلم من اتبع الذكر ومن لم يتبع، ومن خشي ومن لم يخش ؟ قيل له: نعم . فإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: (هدى للمتقين) من الآية (2 /2) أراد به هدى لهم ولغيرهم ؟ قيل لهم: إن معنى قول الله تعالى: (إنما ينذر من اتبع الذكر) من الآية (11 /36) إنما أراد به ينتفع بإنذارك من اتبع الذكر، وقوله تعالى: (إنما أنت منذر من يخشاها) (45 /79) أراد أن الإنذار ينتفع به من يخشى الساعة، ويخاف العقوبة فيها، على أن الله تعالى قد أخبر في موضع آخر من القرآن أنه أنذر الكافرين، فقال: (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) (6 /2) وهذا هو خبر عن الكافرين، وقال تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (214 /26) ، وقال تعالى: (أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) من الآية (13 /41) وهذا خطاب للكافرين . فلما أخبر الله تعالى في آيات من القرآن أنه أنذر الكافرين، كما أخبر في آيات من القرآن أنه أنذر من يخشاها، وأنذر من اتبع الذكر؛ وجب بالقرآن أن الله قد أنذر المؤمنين والكافرين، فلما أخبرنا الله أنه هدى للمتقين وعمى على الكافرين، وخبرنا أنه لا يهدي الكافرين؛ وجب أن يكون القرآن هدى للمتقين دون الكافرين . مسألة: وإن سأل سائل عن قول الله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) من الآية (17 /41) فقال: أليس ثمود كانوا كافرين وقد أخبر الله تعالى أنه هداهم . قيل له: ليس الأمر كما ظننت . والجواب في هذه الآية على وجهين: أحدهما: أن ثمود كانوا فريقين مؤمنين وكافرين، وهم الذين أخبر الله أنه نجاهم مع صالح صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا) من الآية (66 /11) فالذين عنى الله عز وجل من ثمود أنه هداهم هم المؤمنون دون الكافرين؛ لأن الله تعالى قد بين لنا في القرآن أنه لا يهدى الكافرين، والقرآن لا يتناقض، بل يصدق بعضه بعضا، فإذا أخبرنا في موضع أنه لا يهدي الكافرين، ثم خبر في موضع آخر أنه هدى ثمود، علمنا أنه إنما أراد المؤمنين من ثمود دون الكافرين . والوجه الآخر: أن الله عز وجل عنى قوما من ثمود كانوا مؤمنين ثم ارتدوا، فأخبر أنه تعالى هداهم فاستحبوا بعد الهداية الكفر على الإيمان، وكانوا في حال ما هداهم مؤمنين . فإن قال قائل معترضا في الجواب الأول: كيف يجوز أن يقول: (فهديناهم) ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) يعني الكافرين منهم وهم غير مؤمنين ؟ يقال له: هذا جائز في اللغة التي ورد بها القرآن أن يقول: (فهديناهم) ويعني المؤمنين من ثمود، ويقول: (فاستحبوا) ويعني الكافرين منهم، وقد ورد القرآن بمثل هذا، قال الله تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) من الآية (33 /8) يعني الكافرين، ثم قال تعالى: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) من الآية (33 /8) يعني المؤمنين، ثم قال تعالى: (وما لهم ألا يعذبهم الله) من الآية (34 /8) يعني الكافرين، ولا خلاف عند أهل اللغة في جواز الخطاب بهذا أن يكون ظاهره لجنس والمراد به جنسان، فبطل ما اعترض به ودل على جهله. الباب العاشر ذكر الروايات في القدر روى معاوية بن عمرو، ثنا زائدة، قال: ثنا سليمان الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق -: (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله الملك، قال: فيؤمر بأربع كلمات، يقال: اكتب أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح) . قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع أو باع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) . لا حرمنا الله منها . وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احتج آدم وموسى صلوات الله وسلامه عليهما فقال موسى عليه السلام: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال: فقال آدم صلى الله عليه وسلم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلماته، تلومني على عمل كتبه الله علي قبل أن يخلق الله السماوات، قال: فحج آدم موسى) . وروى حديث (حج آدم موسى) مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على بطلان قول القدرية الذين يقولون: إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتى يكون؛ لأن الله تعالى إذا كتب ذلك وأمر بأن يكتب فلا يكتب شيء لا يعلمه - جل عن ذلك وتقدس - وقال تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) من الآية (59 /6) ، وقال تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين) من الآية (6 /11) ، وقال تعالى: (أحصاه لله ونسوه) من الآية (6 /58) ، وقال تعالى: (لقد أحصاهم وعدهم عدا) (94 /19) ، وقال تعالى: (أحاط بكل شيء علما) من الآية (12 /25) ، (وأحصى كل شيء عددا) من الآية (28 /72) ، وقال تعالى (بكل شيء عليم) من الآية (231 /25) ، فذلك يبين أنه يعلم الأشياء كلها . وقد أخبر الله تعالى أن الخلق يبعثون ويحشرون، وأن الكافرين في النار يخلدون، وأن الأنبياء والمؤمنين في الجنان يخلدون، وأن القيامة تقوم ولم تقم القيامة، فذلك يدل على أن الله تعالى يعلم ما يكون قبل أن يكون، وقد قال تعالى في أهل النار: (ولو ردوا لعادوا) من الآية (28 /6) ، فأخبر عما لا يكون أنه لو كان كيف يكون، وقال تعالى: (فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى) من الآية (51 - 52 /20) ، ومن لا يعلم الشيء قبل كونه لا يعلم بعد تقضيه، تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا . وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سليمان الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن ربيعة، قال: كنا عند عبد الله، قال: فذكروا رجلا فذكروا من خُلُقِه، فقال القوم: أما له من يأخذ على يديه؟ قال عبد الله: أرأيتم لو قطع رأسه كنتم تستطيعون أن تجعلوا له رأسا؟ قالوا: لا. قال عبد الله: إن النطفة إذا وقعت في المرأة مكثت أربعين يوما، ثم انحدرت دما، ثم تكون علقة مثل ذلك، ثم تكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث ملك فيقول: اكتب أجله، وعمله، ورزقه، وأثره، وخلقه، وشقي أو سعيد، وأنكم لن تستطيعوا أن تغيروا خُلُقه حتى تغيروا خَلْقه . وروى معاوية بن عمرو، قال: ثنا زائدة، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه، قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد ونحن حوله، ومعه حصير فنكت بها ورفع رأسه، فقال: (ما منكم من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة) ، فقال رجل من القوم: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى الشقاوة ؟ فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما أهل الشقوة فميسرون لعمل الشقوة، وأما أهل السعادة فميسرون لعمل السعادة) ، ثم قال: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى) (5 - 10 /92) . وروى موسى بن إسماعيل قال: ثنا حماد، قال: ثنا هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، وعن أبويها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، وإنه مكتوب في الكتاب من أهل النار، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل النار، فمات فدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، وأنه مكتوب في الكتاب أنه من أهل الجنة، فإذا كان قبل موته تحول فعمل بعمل أهل الجنة، فمات فدخل الجنة) . وهذه الأحاديث تدل على أن الله تعالى علم ما يكون أنه يكون وكتبه، وأنه قد كتب أهل الجنة وأهل النار، وخلقهم فريقين فريقا في الجنة وفريقا في السعير، وبذلك نطق كتابه العزيز؛ إذ يقول: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) من الآية (30 /7) ، وقال تعالى: (فريق في الجنة وفريق في السعير) من الآية (7 /42) ، وقال تعالى: (فمنهم شقي وسعيد) من الآية (105 /11) فخلق الله الأشقياء للشقاء، والسعداء للسعادة، وقال تعالى: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) من الآية (179 /7). وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله عز وجل جعل للجنة أهلا وللنار أهلا) أعاذنا الله منها. دليل آخر في القدر: ومما يدل على بطلان قول القدرية قول الله تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) الآية من الآية (172 /7) . وجاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن الله عز وجل مسح ظهر آدم فأخرج ذريته من ظهره كأمثال الذر، ثم قررهم بوحدانيته وأقام الحجة عليهم) ؛ لأنه قال تعالى: (وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) من آية (172 /7) قال الله تعالى: (أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) من الآية (172 /7) فجعل تقريرهم بوحدانيته لما أخرجهم من ظهر آدم صلى الله عليه وسلم حجة عليهم إذا أنكروا في الدنيا ما كانوا عرفوه في الذر الأول، ثم من بعد الإقرار جحدوه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنه سبحانه وتعالى قبض قبضة للجنة، وقبض قبضة للنار، ميز بعضها من بعض، فقلبت الشقوة على أهل الشقوة، والسعادة على أهل السعادة) . قال الله تعالى مخبرا عن أهل النار - أعاذنا الله منها - أنهم قالوا: (ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين) ، فكل ذلك أمر قد سبق في علم الله تعالى، ونفذت فيه إرادته، وتقدمت فيه مشيئته . وروى معاوية بن عمرو قال: ثنا زائدة، قال: حدثنا طلحة بن يحيى القرشي، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبويها أن النبي صلى الله عليه وسلم دعي إلى جنازة غلام من الأنصار ليصلي عليه، فقالت عائشة رضي الله عنها: طوبى لهذا يا رسول الله، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءا ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله تعالى قد جعل للجنة أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وللنار أهلا جعلهم لها وهم في أصلاب آبائهم)، وهذا يبين أن السعادة قد سبقت لأهلها، والشقاء قد سبق لأهله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) . دليل آخر: وقد قال الله تعالى: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) من الآية (17 /18) ، وقال تعالى: (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا) من الآية (26 /12) ، فأخبر تعالى أنه يضل ويهدي، وقال تعالى: (ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) من الآية (27 /14) ، فأخبرنا أنه (فعال لما يريد) من الآية (107 /11) وإذا كان الكفر مما أراده فقد فعله، وقدره، وأحدثه، وأنشأه، واخترعه، وقد تبين ذلك بقوله تعالى: (أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) من الآية (95 - 96 /37) فلو كانت عبادتهم للأصنام من أعمالهم كان ذلك مخلوقا لله تعالى، وقد قال الله تعالى: (جزاء بما كانوا يعملون) من الآية (17 /32) يريد أنه تعالى يجازيهم على أعمالهم، فكذلك إذا ذكر عبادتهم للأصنام وكفرهم بالرحمن، ولو كان مما قدروه وفعلوه لأنفسهم لكانوا قد فعلوا وقدروا ما خرج عن تقدير ربهم وفعله، وكيف يجوز أن يكون لهم من التقدير والفعل والقدرة ما ليس لربهم ؟ فمن زعم ذلك فقد عجَّز الله . تعالى الله عن قول المعجزين له علوا كبيرا . ألا ترى أن من زعم أن العباد يعلمون مالا يعلمه الله عز وجل لكان قد أعطاهم من العلم ما لم يدخله في علم الله، وجعلهم لله نظراء، فكذلك من زعم أن العباد يفعلون ويقدِّرون ما لم يقدِّره، ويقدرون على ما لم يقدر عليه، فقد جعل لهم من السلطان والقدرة والتمكن ما لم يجعله للرحمن . تعالى عن قول أهل الزور والبهتان، والإفك والطغيان علوا كبيرا . مسألة: ويقال لهم: هل فعل الكافر الكفر فاسدا باطلا متناقضا ؟ فإن قالوا: نعم . قيل لهم: وكيف يفعله فاسدا متناقضا قبيحا، وهو يعتقده حسنا صحيحا أفضل الأديان ؟ وإذا لم يجز ذلك؛ لأن الفعل لا يكون فعلا على حقيقته إلا ممن علمه على ما هو عليه من حقيقته، كما لا يجوز أن يكون فعلا ممن لم يعلمه فعلا، فقد وجب أن الله تعالى هو الذي قدر الكفر وخلقه كفرا فاسدا باطلا متناقضا، خلافا للحق والسداد . الباب الحادي عشر الكلام في الشفاعة والخروج من النار: مسألة: ويقال لهم: قد أجمع المسلمون أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم شفاعة، فلمن الشفاعة أهي للمذنبين المرتكبين للكبائر، أم للمؤمنين المخلصين ؟ فإن قالوا: للمذنبين المرتكبين للكبائر وافقوا . وإن قالوا: للمؤمنين المبشرين بالجنة الموعودين بها . قيل لهم: فإذا كانوا موعودين بالجنة وبها مبشرين، والله تعالى لا يخلف وعده فما معنى الشفاعة لقوم لا يجوز عندكم أن لا يدخلهم الله جناته ؟ ومن قولكم أنهم قد استحقوها على الله عز وجل واستوجبوها عليه سبحانه، وإذا كان الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة وكان تأخيرهم عن الجنة ظلما، فإنما يشفع الشفعاء إلى الله تعالى في أن لا يظلم على مذاهبكم . تعالى الله عن افتراءكم عليه علوا كبيرا . فإن قالوا: يشفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى في أن يزيدهم من فضله، لا في أن يدخلهم جناته. قيل لهم: أو ليس قد وعدهم الله عز وجل ذلك فقال تعالى: (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) من الآية (173 /4) والله تعالى لا يخلف وعده، فإنما يشفع إلى الله تعالى عندكم من أن يخلف وعده، وهذا جهل منكم، وإنما الشفاعة المعقولة فيمن استحقه عقابا أن يوضع عنه عقابه، أو في من لم يعده شيئا أن يتفضل عليه به، فأما إذا كان الوعد بالتفضل سابقا فلا وجه لهذا . مسألة: فإن سألوا عن قول الله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) من الآية (28 /21) . فالجواب عن ذلك: إلا لمن ارتضى لمن يشفعون له، وقد روي أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن المذنبين يخرجون من النار) . الباب الثاني عشر الكلام في الحوض وأنكرت المعتزلة الحوض، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين بلا خلاف . وروي عن عفان، قال: ثنا حماد بن مسلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ذُكر الحوض عند عبيد الله بن زياد فأنكره، فبلغ أنسا رضي الله عنه فقال: لا جرم والله لأفعلن به، قال: فأتاه فقال: ما ذكرتم من الحوض، ما أنكرتم من الحوض، قال عبيد الله: هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكره ؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من كذا مرة وكذا مرة يقول: (ما بين طرفيه - يعني الحوض - ما بين أيلة ومكة، أو ما بين صنعاء ومكة، وأن آنيته أكثر من نجوم السماء) اللهم اسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبدا . وروى أحمد بن عبد الله بن يونس قال: ثنا ابن زائدة، عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن سفيان، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا فرطكم على الحوض) في أخبار كثيرة. الباب الثالث عشر الكلام في عذاب القبر وأنكرت المعتزلة عذاب القبر أعاذنا منه . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وروي عن أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، وما روي عن أحد منهم أنه أنكره ونفاه وجحده، فوجب أن يكون إجماعا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . وروى أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعوذوا بالله من عذاب القبر). وروى أحمد بن إسحاق الحضرمي، قال: ثنا وهيب، قال: ثنا موسى بن عقبة قال: حدثتني أم خالد بنت خالد بن سعيد بن القاضي رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (يتعوذ من عذاب القبر) أعاذنا الله منه . وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لولا أن تدافنوا لسألت الله عز وجل أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمعني) دليل آخر: ومما يبين عذاب الكافرين في القبور قول الله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) (46 /40) فجعل عذابهم يوم تقوم الساعة بعد عرضهم على النار في الدنيا غدوا وعشيا، وقال تعالى: (سنعذبهم مرتين) من الآية (101 /9) مرة بالسيف، ومرة في قبورهم، ثم يردون إلى عذاب غليظ في الآخرة . وأخبر الله تعالى أن الشهداء في الدنيا يرزقون ويفرحون بفضل الله تعالى، قال الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (169 - 170 /3) وهذا لا يكون إلا في الدنيا؛ لأن الذين لم يلحقوا بهم أحياء لم يموتوا ولا قتلوا . الباب الرابع عشر الكلام في إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال الله تبارك وتعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) من الآية (55 /24) ، وقال تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتو الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) من الآية (41 /22) ، وأثنى الله تعالى على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، وعلى أهل بيعة الرضوان، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين في مواضع كثيرة، وأثنى على أهل بيعة الرضوان فقال تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) من الآية (18 /48) الآية، وقد أجمع هؤلاء الذين أثنى الله عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وسموه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه وانقادوا له، وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة من العلم والزهد وقوة الرأي، وسياسة الأمة وغير ذلك . دليل آخر من القرآن على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه دليل آخر من القرآن على إمامة الصديق رضي الله عنه: وقد دل الله تعالى على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سورة براءة فقال تعالى للقاعدين عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم والمتخلفين عن الخروج معه: (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (83 /9) ، وقال تعالى في سورة أخرى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (15 /48) يعني قوله: (لن تخرجوا معي أبدا) من الآية (83 /9) ، ثم قال تعالى: (كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) من الآية (15 /48) ، وقال تعالى: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا) من الآية (16 /48) يعني تعرضوا عن إجابة الداعي لكم إلى قتالهم (كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) من الآية (16 /48) والداعي لهم إلى ذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل له: (قل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) من الآية (83 /9) ، وقال تعالى في سورة الفتح: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) من الآية (15 /48) فمنعهم الخروج مع نبيه صلى الله عليه وسلم وجعل خروجهم معه تبديلا لكلامه، فوجب بذلك أن الداعي الذي يدعوهم إلى القتال داع يدعوهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال الناس: هم أهل فارس، وقالوا: أهل اليمامة، فإن كانوا أهل اليمامة فقد قاتلهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وإن كانوا الروم فقد قاتلهم الصديق أيضا، وإن كانوا أهل فارس فقد قوتلوا في أيام أبي بكر رضي الله عنه، وقاتلهم عمر رضي الله عنه من بعده وفرغ منهم . وإذا وجبت إمامة عمر رضي الله عنه وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه، كما وجبت إمامة عمر رضي الله عنه؛ لأنه العاقد له الإمامة، فقد دل القرآن على إمامة الصديق رضي الله عنه والفاروق رضي الله عنه. وإذا وجبت إمامة أبي بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أنه أفضل المسلمين . دليل آخر من الإجماع على إمامة أبي بكر رضي الله عنه: ومما يدل على إمامة الصديق رضي الله عنه أن المسلمين جميعا بايعوه وانقادوا لإمامته، وقالوا له: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ورأينا عليا والعباس رضي الله عنهما بايعاه رضي الله عنه وأقرا له بالإمامة، وإذا كانت الرافضة يقولون: إن عليا رضي الله عنه هو المنصوص على إمامته، والراوندية تقول: العباس هو المنصوص على إمامته، ولم يكن للناس في الإمامة إلا ثلاثة أقوال: من قال منهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقول من قال: نص على إمامة علي رضي الله عنه . وقول من قال: الإمام بعده العباس . وقول من قال: هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، هو بإجماع المسلمين والشهادة له بذلك . ثم رأينا عليا رضي الله عنه والعباس رضي الله عنه قد بايعاه وأجمعا على إمامته، فوجب أن يكون إماما بعد النبي صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين . ولا يجوز لقائل أن يقول كان باطن علي والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع، وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع للمسلمين . وهذا يسقط حجة الإجماع؛ لأن الله تعالى لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس، وإنما تعبدنا بظاهرهم، وإذا كان كذلك فقد حصل الإجماع والاتفاق على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه . وإذا ثبتت إمامة الصديق رضي الله عنه، ثبتت إمامة الفاروق رضي الله عنه؛ لأن الصديق رضي الله عنه نص عليه وعقد له الإمامة، واختاره لها . وكان أفضلهم بعد أبي بكر رضي الله عنه . وثبتت إمامة عثمان رضي الله عنه بعد عمر رضي الله عنه بعقد من عقد له الإمامة من أصحاب الشورى؛ الذين نص عليهم عمر رضي الله عنه، فاختاروه ورضوا بإمامته، وأجمعوا على فضله وعدله. وتثبت إمامة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه لعقد من عقدها له من الصحابة رضي الله عنهم من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدعها أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمع على فضله وعدله، وأن امتناعه عن دعوى الأمر لنفسه في وقت الخلفاء قبله كان حقا؛ لعلمه أن ذلك ليس بوقت قيامه، وأنه قلما كان لنفسه في وقت الخلفاء قبله، ثم لما صار الأمر أظهر وأعلن ولم يقصر حتى مضى على السداد والرشاد، كما مضى من قبله من الخلفاء، وأئمة العدل من السداد والرشاد متبعين لكتاب ربهم وسنة نبيهم . هؤلاء هم الأئمة الأربعة المجمع على عدلهم وفضلهم رضي الله عنهم أجمعين . وقد روى شريح بن النعمان قال: ثنا حشرج بن نباته عن سعيد بن جمهان، قال ثني سفينة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك) ، ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر وخلافة عمر وخلافة عثمان، ثم أمسك خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، قال فوجدتها ثلاثين سنة . فدل ذلك على إمامة الأئمة الأربعة رضي الله عنهم أجمعين . فأما ما جرى من علي والزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين، فإنما كان على تأويل واجتهاد، وعلي الإمام، وكلهم من أهل الاجتهاد، وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة والشهادة، فدل على أنهم كلهم كانوا على حق في اجتهادهم، وكذلك ما جرى بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما، فدل على تأويل واجتهاد . وكل الصحابة أئمة مأمونون غير متهمين في الدين، وقد أثنى الله ورسوله على جميعهم، وتعبدنا بتوقيرهم وتعظيمهم وموالاتهم، والتبري من كل من ينقص أحدا منهم رضي الله عنهم أجمعين. وقد قلنا في الأبرار قولا وجيزا، والحمد الله أولا وآخرا.
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
#2 (permalink) | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
مكرر
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() |
| يشاهد الموضوع حالياً: 1 (0 عضو و 1 ضيف) | |
| أدوات الموضوع | |
|
|
المواضيع المتشابهة
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | المشاركة الأخيرة |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 1 | 30 -06 -2009 06:44 AM |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 1 | 30 -06 -2009 06:40 AM |
| فضائل القرآن - الرازي | BAHA D ALOSY | منتدى علوم القرآن وأحكامه | 4 | 28 -04 -2009 09:29 AM |
| الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري | BAHA D ALOSY | المنتدى الإسلامي العام | 2 | 22 -04 -2009 12:47 AM |
| الإقناع في القراءات السبع | eng abdallah | منتدى علوم القرآن وأحكامه | 20 | 07 -03 -2009 09:54 AM |