منتديات صوت القرآن الحكيم

هذا الموقع متخصص بالصوتيات والمرئيات وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب , انضم الآن و احصل على فرصة متابعة أَناشيد جديدة و خلفيات إسلامية و المصحف المعلم للأَطفال والعديد من تلاوات القرآن الكريم لمشاهير القراء.



+ الرد على الموضوع
صفحة 1 من 3 1 2 3 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 42
Like Tree0Likes

الموضوع: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

  1. #1
    مشرفة سابقة mariem is on a distinguished road الصورة الرمزية mariem
    تاريخ التسجيل
    07-12-2006
    المشاركات
    3,965
    معدل تقييم المستوى: 129

    Post علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    الســـــــــــــــلام عليكـــــــــم ورحمـــــــة اللــــــــه وبركاتـــــــــه

    اخوانــــى الكــــــرام كـــــونوا معـــــــــى علـــــــوم القــــــــران الكـــــــريــــــم عســــــــــى اللـــــــه ان

    ينفعــــــــــنا بمــــــــا علمنـــــــــــا

    ارجــــــــوا ان ينــــــــال اعجــــــــابكــــــــــم

    هل في القرآن لفظة غريبة؟




    قال قوم: إنا اذا تلونا القرآن وتأملناه وجدنا معظم كلامه مبنياً ومؤلفاً من ألفاظ قريبة ودارجة في مخاطبات العرب ومستعملة في محاوراتهم,وحظ الغريب المشكل منه بالإضافة الى الكثير من واضحه قليل,وعدد الفقر والغرر من ألفاظه بالقياس الى مباذله ومراسيله عدد يسير,الأمر الذي لايشبه شيئاً من كلام البلغاء الأقحاح من خطباء مصاقع وشعراء مفلقين,كان ملء كلامهم الدرر والغرر والغريب الشارد.
    لكن الغرابة على وجهين – كما ذكره أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي في كتابه " معالم السنن " قال : الغريب من الكلام إنما هو الغامض البعيد من الفهم,كما أن الغريب من الناس إنما هوالبعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل.والغريب من الكلام يقال به على وجهين:
    أحدهما : أن يراد به أنه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر.والوجه الآخر : أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب,فاذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربنا.
    والغريب في القرآن إنما هو من النوع الثاني,ومن ثم لم يخل بفصاحته,والقرآن لم يستعمل إلا ما تعارف استعماله عند العرب وتداولوه فيما بينهم,ولكن في طبقة أعلى وأرفع من حد الابتذال العامي,فلا استعمل الوحشي الغريب ولا العامي السخيف المرتذل.على حد تعبير عبد القادر الجرجاني في أسرار البلاغة.
    قال التفتازاني : والغرابة كون الكلمة وحشية,غير ظاهرة المعنى,ولا مأنوسة الاستعمال,فمنه ما يحتاج في معرفته الى أن ينقر ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة ,كتكأكأتم وافرنقعوا في قول عيسى بن عمر النحوي,هاجت به مرة وسقط من حماره فوثب اليه قوم يعصرون ابهامه ويؤذون في اذنه,فأفلت من أيديهم وقال:
    " مالكم تكأكأتم علي كما تتكأكأون على ذي جنة,افرنقعوا عني!".
    فجعل الناس ينظرون اليه ويقول بعضهم لبعض: دعوه فإن شيطانه يتكلم بالهندية!.
    قال: ومنه ما يحتاج الى أن يخرج له وجه بعيد,نحو مسرج في قول العجاج:
    ومقلة وحاجباً مزججا وفاحماً ومرسناً مسرجا
    لم يعلم أنه مأخوذ من السيف السريجي في الدقة والاستواء,أو من السراج في البريق واللمعان.
    قال: والوحشي قسمان,غريب حسن وغريب قبيح,فالغريب الحسن هو الذي لايعاب استعماله على العرب لأنه لم يكن وحشياً عندهم,وذلك مثل شرنبث واشمخر واقمطر وهي في النظم أحسن منه في النثر.ومنه غريب القرآن والحديث.
    والغريب القبيح يعاب استعماله مطلقاً ( حتى على العرب ) ويسمى الوحشي الغليظ,وهو أن يكون مه كونه غريب الاستعمال ثقيلاً على السمع كريهاً على الذوق,ويسمى المتوعر أيضاً.وذلك مثل جحيش واطلخم الأمر وجفخت وأمثال ذلك.
    والخلاصة: القرآن كما يترفع عن الاسترسال العامي المرتذل,كذلك يبتعد عن استعمال غرائب الألفاظ المتوعرة بمعنى وحشيتها غير مأنوسة الاستعمال ولا مألوفة في متعارف اهل اللسان المترفعين.
    قال الخطابي : ليست الغرابة مما اشترطت في حدود البلاغة,وإنما يكثر وحشي الغريب في كلام الأوحاش من الناس والأجلاف من جفاة العرب,الذين يذهبون مذاهب ( العنهجية ) ولا يعرفون تقطيع الكلام وتنزيله والتخير له,وليس ذلك معدوداً في النوع الأفضل من أنواعه,وإنما المختار منه النمط الأقصد الذي جاء به القرآن,وهو الذي جمع البلاغة والفخامة الى العذوبة والسهولة.
    قال: وقد يعد من ألفاظ الغريب في نعوت الطويل نحو من ستين لفظة أكثرها بشع شنع,كالعشنق والعشنط والعنطنط,والشوقب والشوذب والسهلب,والقوق والقاق,والطوط والطاط...فاصطلح أهل البلاغة على نبذها وترك استعمالها في مرسل الكلام,واستعملوا الطويل,وهذا يدلك على أن البلاغة لاتعبأ بالغرابة ولاتعمل بها شيئاً.
    وبعد,فالذي جاء منه في القرآن الشيء الكثير هو الغريب العذب والوحش السائغ,الذي أصبح بفضل استعماله ألوفاً,وصار من بعد اصطياده خلوباً.دون البعيد الركيك والمتوغر النفور,الذي لم يأت منه في القرآن شيء.مما جاء في كلام أمثال ذاك النحوي المتكلف عيسى بن عمر.
    والسبب في ازدحام غرائب الألفاظ وعرائس الكلمات في القرآن هو ارتفاع سبكه عن مستوى العامة الهابط,واعتلاء اسلوبه عن متناول الأجلاف المبتذل.
    القرآن اختص بإحاطته على عوالي الكلمات الفصحى,وغوالي العبارات العليا,لاإعواز في بيانه ولا عجز ولا قصور,الأمر الذي ينبئك عن علم شامل بأوضاع اللغة وكرائم الألفاظ,دليلاً على أنه من رب العالمين المحيط بكل شيء.هذا أولاً.
    وثانياً: احتواؤه لما في لغات القبائل من عرائس الغرائب,كانت معهودة في أقطار أختصت بوضعها,ومعروفة في أمصار توحدت في استعمالها,ومن ثم كانت غريبة في سائر البقاع والبلدان.
    وقد استعمل القرآن كل هذه اللغات,فتعارفت القبائل بلغات بعضها من بعض,وبذلك توحدت اللغة,وخلصت من التشتت والافتراق,وهذا من فضل القرآن على اللغة العربية.
    فقد أخذ القرآن من لغات القبائل العربية المشهورة:
    1- ازدشنوءة 2- الأشعريون 3- أنماط 4- أوس
    5- بنوحنيفة 6- بنو عامر 7 - تغلب 8- تميم
    9- ثقيف 10- جذام 11- جرهم 12- حمير
    13- خثعم 14- خزاعة 15- سعد العشيرة 16- سليم
    17- طي 18- عذرة 19- غسان 20- قريش
    21- قيس 22- كنانة 23- كندة 24- لخم
    25- مزينة 26- هذيل 27- همدان 28- هوازن
    ومن أهل البلاد المتحضرة :
    1- الحجاز 2- حضرموت 3- سبأ 4- عمان
    5- مدين 6- اليمامة 7- اليمن
    ومن لغات الامم المجاورة للعرب ذوات الشأن:
    1- الأحباش 2- الفرس 3- الروم 4- القبط
    5- الأنباط 6- السريان 7- العبرانيون 8- البربر
    وإليك تفصيل هذا الإجمال حسب ترتيب السور:
    فمن سورة البقرة :
    "السفهاء" : الجهلاء."خاسئين" : صاغرين."شطر" : تلقاء.بلغة كنانة.
    "رغداء": خصباً. "رجزاً" :عذاباً. "سفة" : خسر."ينعق" : يصيح. بلغة طي.
    "أشتروا" باعوا."العنت" :الأثم."عزموا" : حققوا."صلدا" :نقياً.بلغة هذيل.
    "باؤوا" :استوجبوا. "شقاق" :ضلال. "الخير" :المال. بلغة جرهم.
    "أماني" :أباطيل. "وسط" :عول. "جنفا" :تعمداً للجنف.بلغة قريش.
    "بغيا" :حسدا.لغة تميم.
    "الشيه" :الوضح."العصل" :الحبس.لغة ازدشنوءة.
    "الصاعقة" :الموتة.لغة عمان.
    "الطور" :الجبل.وافقت لغة السريان.
    "رفث" :جماع.لغة مذحج.
    "أفيضوا" :انفضوا.لغة خزاعةز
    ومن آل عمران:
    "حصروا" :لاحاجة له الى النساء."خلاق" :نصيب. "فورهم" :وجوههم ."تهنوا" :تضعفوا.لغة كنانة.
    "دأب" : أشباه.لغة جرهم.
    "سيداً" : حكيماً. "تفشلاً" : تجبنا.لغة حمير.
    "ربانيين" : علماء.وافقت لغة السريان.
    "إصري" : عهدي.لغة النبط.
    "آناء" : ساعات.لغة هذيل.
    "خبالاً" : غياً.لغة عمان.
    "ربيون" : رجال.لغة حضرموت.
    "قرح" : بالفتح.لغة الحجاز,وبالضم : لغة تميم.
    ومن سورة النساء :
    "نحلة" : فريضة.لغة قيس بن عيلان.
    "تعولوا" : تميلوا.لغة جرهم.
    "سبيلا" : مخرجا."السفاح" : الزنا."موالي" : عصبة."السلم" : الصلح. " الكلالة " :لاولد له ولاوالد."أن تضلوا" : كراهية أن تضلوا.لغة قريش.
    "أفضى" : جامع.لغة خزاعة.
    "تميلوا" : تخطئوا.لغة سبأ.
    "كفل": نصيب.وافقت لغة النبط.
    "حصرت" : ضاقت.لغة اليمامة.
    "مراغماً" : منفسحاً.لغة هذيل.
    "يفتنكم" : يضلكم.لغة هوازن.
    "تغلوا" : تزيدوا.لغة مزينة.
    ومن سورة المائدة:
    "العقود" : العهود.لغة بني حنيفة.
    "مخمصة" : مجاعة."لاتأس" : لاتحزن."عثر": اطلع.لغة قريش.
    "حرج" : ضيق.لغة بن عيلان.
    "ملوكا" : أحراراً.لغة هذيل وكنانة.
    "فافرق" : فاقض.لغة مدين.
    ومن سورة الأنعام:
    "مدراراً" : متتابعا.لغة هذيل.
    "نفقاً" : سرباً.لغة عمان.
    "مبلسون" : آيسون.لغة كنانة.
    "يصدفون" : يعرضون.لغة قريش.
    "قبلاً" : عياناً.لغة تميم.
    "إملاق" : جوع.لغة لخم.
    ومن سورة الأعراف :
    "حرج" : شك ."يتطهرون" : يتنزهون."آسى" : أحزن. " ثقلت" : خفيت."حفياً" : عالماً.لغة قريش.
    "طفقا" : عمدا." بئيس" : شديد.لغة غسان.
    "سفاهة" : جنون.لغة حمير.
    "يغنوا" : يتمتعوا.لغة جرهم.
    "هدنا" : تبنا. وافقت لغة العبرانية.
    "وما مسني السوء" : الجنون.لغة هذيل.
    "اجتبيتها" : أتيتها.لغة ثقيف.
    ومن سورة الأنفال:
    "رجز الشيطان" : تخويفه."ليثبتوك" : ليخرجوك ."مكاء" : صفيراً.
    "تصديه" :تصفيقاً."يركمه" : يجمعه.لغة قريش.
    "فرقاناً" : مخرجا."حرض" : حض.لغة هذيل.
    "أساطير" : كلام الأولين." فشرد بهم" :نكل."لاتحسبن" بفتح السين.لغة جرهم.
    "نكص" : رجع.لغو سليم.
    ومن سورة براءة:
    "غير معجزي الله" : غير سابقين.لغة كنانة.
    "ولاذمة" : ولاقرابة.لغة قريش.
    "وليجة" : بطانة."عيلة" :فاقة."انفروا" :اغزوا. " السائحون": الصائمون.لغة هذيل.
    "يبشرهم" بالتخفيف لغة كنانة. والتشديد لغة تميم.
    ومن سورة يونس :
    "زيلنا" : ميزنا.لغة حمير.
    "يعزب" : يغيب.لغة كنانة.
    "غمة" : شبهة."ببدنك": بدرعك.لغة هذيل.
    ومن سورة هود :
    "الى امة معدودة" : سنين.لغة ازدشنوءة.
    "اراذلنا": سفلتنا."عصيب" : شديد.لغة جرهم.
    "فلاتبتئس" :لاتحزن.لغة كندة.
    "غيض الماء" : نقص.وافقت لغة الاحباش.
    "مرجواً" : حقيراً.لغة حمير.
    "حنيذ" : مشوي."تتبيب" : تخسير.لغة قريش.
    "أواه منيب" : يعني الدعاء الى الله.وافقت النبطية.
    "سيء بهم" : كرههم.لغة غسان.
    "سجيل".وافقت لغة الفرس.
    "الحليم الرشيد" : ضد الأحمق السفية.لغة مدين.
    "لاتركنوا" : لاتميلوا.لغة كنانة.
    ومن سورة يوسف :
    "خاسرون" : مضيعون.لغة قيس بن عيلان.
    "هيت لك" : تهيأت لك.وافقت النبطية.
    "متكئا" : أترجا.وافقت القبط.
    "أعصر خمراً" : عنباً.لغة عمان.
    "وادكر بعد أمة" : بعد نسيان.لغة تميم وقيس.
    "السقاية" : الاناء.لغة حمير.
    ومن سورة الرعد:
    "أفلم ييأس" : يعلم.لغو هوازن.
    "ظاهر من القول" : كذب.لغة مذحج.
    ومن سورة ابراهيم :
    "دار البوار" : دار الهلاك.لغة عمان.
    "افئدة من الناس" : ركباناً منهم."مقنعي رؤوسهم" : ناكسي رؤسهم.لغة قريش.
    ومن سورة الحجر :
    "من حمأ مسنون" : طين منتن.لغة حمير.
    "دابر هؤلاء مقطوع" : مستأصل.لغى جرهم.
    "للمتوسمين" : المتفرسين.لغة قريش.
    ومن سورة النحل :
    "تسيمون" : ترعون.لغة خثعم.
    "ظل وجهه" : صار.لغة هذيل.
    "كل على مولاه" : عيال."قانتاً" : إماماً مقتدى به.لغة قريش.
    "سرايبل تقيكم الحر" : القمص.لغة تميم.
    "سرايبل تقيكم بأسكم" : الدروع.لغة كنانة.
    ومن سورة الاسراء:
    "ولتعلن" : تقهرون."جاسوا" :تخللوا.لغة جذام.
    "طائرة" : عمله.لغة أنمار.
    "دمرنا" : أهلكنا.لغة حضرموت.
    "المبذرين" : المسرفين."شاكلته": ناحيته.لغة هذيل.
    "محسوراً" : منقطعاً.لغة جرهم.
    "فسينغضون" : يحركون."مسطوراً" : مكتوباً."إمام" : كتاب.لغة حمير.
    "لأحتنكن" : لأستأصلن.لغة الأشعريين.
    "دلوك الشمس" : زوالها."لفيفاً" : جميعاً.لغة قريش.
    ومن سورة الكهف:
    "باخع نفسك" : قاتل نفسك "إمراً" : عجيباً."نكراً" : منكراً.لغة قريش.
    "الرقيم" : الكتاب.وافقت لغة الروم.
    "شططاً" : كذباً.لغة خثعم.
    "فجوة" : ناحية."موئلاً" : ملجأ."لاأبرح" : لاأزال.لغة كنانة.
    "الوصيد" : الفناء."حقباً" : دهراً.لغة مذحج.
    "رجماً بالغيب" :ظناً."ملتحداً" : ملجأ."يرجو" : يخاف.لغة هذيل.
    "الاستبرق" : الديباج.وافقت لغة الفرس.
    "حسباناً" : برداً.لغة حمير.
    "وراءهم" : أمامهم.لغة النبطية.
    "الصدفين" : الجبلين.لغة تميم.
    ومن سورة مريم:
    "من الكبر عتياً" : نحولاً.لغة حمير.
    "تحتك سرياً": جدولا.وافقت السريانية.
    "حفياً" : عالماً." أيهم أشد على الرحمن عتياً" : أعظم أمراً."ورداً" : حفاةً مشاةً عطاشاً: صوتاً خفياً.لغة قريش.
    "ضداً" : عدواً وخصماً.لغة كنانة.
    ومن سورة طه :
    "مآرب" : حاجات.لغة حمير.
    "اليم" : البحر.توافق القبط.
    "تارةً أخرى" : مرة أخرى.لغة الأشعريين.
    "هضماً" : نقصاً.لغة هذيل.
    "ذكركم" : شرفكم."حسيسها" : جلبتها.لغة قريش.
    "تتخذ لهواً" : يعني المرأة.لغة اليمن.
    "فجاجاً": طرقاً.لغة كندة.
    "حرم على قرية" : لغة هذيل."حرام على قرية" : يعني أمة.لغة قريش.
    "حدب ينسلون" : جانب يخرجون.لغو جرهم.
    ومن سورة الحج :
    "هامدة" : مغيرة .لغو هذيل.
    "امنيته" : فكرته.لغة قريش.
    ومن سورة المؤمنون:
    "طور" : جبل.وافقت السريانية.
    "سيناء" : الحسن.توافق النبطية.
    "خرجاً" : جعلاً.لغة حمير."خراجاً".لغة قريش.
    "استكانوا" : استذلوا.لغة قريش.
    "مبلسون" : آيسون.لغة كنانة.
    "اخسأوا" : اخزوا.لغة عذرة.
    ومن سورة النور:
    "لولا جاؤوا" : هلا جاؤوا."لايأتل" : لايحلف.لغة قريش.
    "الودق" : المطر."الخلال" السحاب.لغة جرهم.
    ومن سورة الفرقان:
    "قوماً بوراً" : هلكاً.لغة عمان.
    "حجراً محجوراً" : حراماً محرماً.لغة قريش.
    "الرس" : البئر.لغة ازذشنوءة.
    "تبرنا" : أهلكنا.لغة سبأ.
    "غراماً" : بلاءً.لغة حمير.
    "عبدت" : قتلت.بالنبطية.
    "شرذمة قليلون" : عصابة." بكل ريع" : بكل طريق.لغة جرهم.
    من سورة النمل الى آخر الأحزاب:
    "رب أوزعني" : ألهمني." في مرية" : في شك.لغة قريش.
    "جناحك" : يدك." الرهب": الكم.لغة بني حنيفة.
    "واقصد في مشيك" : اسرع.لغة هذيل.
    "أنكر الاصوات" : أقبحها." الصرح" : البيت."فيطمع الذي في قلبه مرض" يعني الزنا.لغة حمير.
    :أليماً" : موجعاً.وافقت العبرانية.
    "صياصيهم" : حصونهم.لغة قيس عيلان.
    ومن سورة سبأ:
    "وقدر في السرد" : يعني المسمار في الحلقة.لغة كنانة.
    "القطر" : النحاس.لغة جرهم.
    "منسأته" : عصاه.لغة حضرموت وأنمار وخثعم.
    "التناوش" : التناول.لغة قريش.
    ومن سورة فاطر:
    "تؤفكون" : تكذبون ."أفاك" : كذاب.لغة قريش.
    ومن سورة يس:
    " يس " : ياإنسان.لغة الحبشة.
    " الأجداث " : القبور.لغة هذيل.
    " امتازوا " : اعتزلوا.لغة قريش.
    ومن سورة الصافات :
    "دحوراً" :طرداً.لغة كنانة.
    "واصب" : دائم.لغة قريش.
    "شهاب ثاقب" : مضيء.لغة هذيل.
    "متنا" : بالكسر.لغة الحجاز.وبالضم لغة تميم.
    "شوباً" : مزجاً.لغة جرهم.
    "أتدعون بعلاً":رباً.لغة حمير أوازدشنوءة.
    "أويزيدون" : بل يزيدون.لغة كندة.
    "إفكهم" : كذبهم.لغة قريش.
    ومن سورة ص :
    "ولات حين مناص" : ليس حين فرار.توافق النبطية.
    "الأواب" : المطيع.لغة كنانة وهذيل وقيس عيلان.
    "حيث أصاب " : حيث أراد.لغة عمان.
    "سخرياً" : بالكسر.لغة قريش,وبالضم لغة تميم.
    "رجيم" : ملعون.لغة قيس عيلان.
    من سورة الزمر الى آخر سورة الجاثية:
    "أشمأزت" : مالت ونفرت.لغة الأشعريين.
    "حاق" : وجب.لغة قريش واليمن.
    "مقاليد" : مفاتيح.لغة حمير.وافقت لغة قريش والأنباط والحبشة.
    "كاظمين": مكروبين.لغة ازدشنوءة.
    "واق" : مانع.لغة جثعم.
    "خاشعة" : مقشعرة.لغة تميم.
    "يخرصون" : يكذبون.لغة هذيل.
    "تحبرون" : تنعمون.لغة قيس عيلان وبني حنيفة.
    "فارتقب" : فانتظر.لغة قريش.
    "لايرجون" :لايخافون.لغة هذيل.
    ومن سورة الأحقاف :
    "حق عليهم القول" : وجب.لغة قريش.
    "الأحقاف" : الرمل.لغة حضرموت وتغلب.
    ومن سورة محمد ( ص ):
    "واصلح بالهم" : حالهم.لغة هذيل.
    "آسن" : منتن.لغة تميم.
    "يتركم أعمالكم" : ينقصكم.لغة حمير.
    ومن سورتي الفتح والحجرات:
    "معكوفاً" : محبوساً.لغة حمير.
    "لايلتكم" : لاينقصكم.لغة قيس عيلان.
    ومن سورة ق :
    "مريج" : مستتر.لغة جثغم.
    "لغوب" : إعياء.لغة حضرموت.
    "بجبار" : بمسلط.لغة جرهم.
    ومن سورة الذاريات :
    "الإفك" في جمع القرآن : الكذب.لغة قريش.
    "الخراصون" : الكذابون.لغة كنانة وقيس عيلان.
    "مايهجعون" : ماينامون.لغة هذيل.
    "اليم" : البحر.وافقت النبطية.
    "ذنوباً" : نصيباً من العذاب.لغة هذيل.
    ومن سورة الطور:
    "المسجور" : الممتلىء.لغة بني عامر بن صعصعة.
    "سجرت" : جمعت.لغة خثعم.
    "تمور السماء موراً" : تنشق شقاً."يوم يدعون" : يدفعون.وكذلك "يدع اليتيم" : لغة قريش.
    "وما ألتنا من عملهم من شيء" : مانقصنا.لغة حمير.
    ومن سورة النجم:
    "ذومرة" : ذوقوه.لغة قريش.
    ومن سورة القمر :
    "سحر مستمر" : دائم."مدكر" : متفكر.لغة قريش.
    "سعر" : جنون.لغة عمان.
    ومن سورة الرحمن:
    "الأنام" : الخلق.لغة جرهم.
    "المرجان" : صغار اللؤلؤ.لغة اهل اليمن.
    ومن سورة الواقعة:
    "بست الجبال بساً" : فتتت.لغة كندة.
    "مدينين" : محاسبين.لغة حمير."مبعوثين" : لغة كنانة.
    ومن سورتي الحديد والمجادلة :
    "سور" : حائط." أمد" : أمل.لغة هذيل.
    "كبتوا" : لعنوا.لغة مذحج.
    ومن سورة الحشر:
    "وأيدهم" : قواهم." غلا" : غشاء.لغة قريش.
    "من لينة" : نخل.لغة الاوس.
    "المهيمن" : الشاهد.لغة قيس عيلان.
    ومن سورة الصف :
    "كبر مقتاً" : بغضاً."فلما زاغوا" : مالوا.لغة قريش.
    ومن سورتي الجمعة والمنافقين:
    "أسفاراً" : كتباً.لغة كنانة.
    "قاتلهم الله" : لعنهم.لغة قريش.
    "ينفضوا" : يذهبوا.لغة مذحج.
    ومنسورة التغابن :
    "زعم" : كل زعم في كتاب الله بمعنى الباطل.في لغة حمير.
    ومن سورة التحريم :
    "صغت قلوبكما" :مالت.لغة خثعم.
    ومن سورة الملك :
    "من تفاوت" : عيب.لغة هذيل.
    "تكاد تميز من الغيظ" : تمزق.لغة قريش.
    ومن سورة القلم:
    "الخرطوم" : الأنف.لغة مذحج.
    ومن سورة الحاقة:
    "أعجاز نخل": أجذاع."اخذة رابية" : شديدة.لغة حمير.
    "أرجائها" : نواحيها.لغة هذيل.
    "غسلين": شراب حار شديد الغليان.لغة ازدشنوءة.
    ومن سورة المعارج:
    "المهل" : عكر الزيت: وافقت لغة البربر.
    "هلوعاً" : ضجوراً.لغة خثعم.
    "مهطعين" : مسرعين: " الى نصب يوفضون" : علم يسرعون.لغة قريش.
    ومن سورة النوح:
    "استغشوا ثيابهم" : تغطوا.لغة جرهم.
    "أطواراً" : ألواناً.لغة هذيل.
    ومن سورة الجن:
    "فزادهم رهقاً" : غياً."فلايخاف بخساً" ظلماً.لغة قريش.
    ومن سورتي المزمل والمدثر:
    "أخذاً وبيلاً" : شديداً.لغة حمير.
    "لواحة للبشر": حراقة .لغة ازدشنوءة.
    "من قسورة" : من أسماء الأسد.لغة قريش.
    ومن سورة القيامة:
    " كلا لاوزر" : لاحيل ولاملجأ.وافقت النبطية.
    "والتفت الساق بالساق" : الشدة فوق الشدة.لغة قريش.
    ومن سورة المرسلات :
    " واذا الرسل اقتت" : جمعت .لغة كنانة.
    ومن سورة النبأ الى آخر القرآن :
    "المعصرات " : السحب.لغة قريش.
    "ثجاجاً " : رشاشاَ.لغة الأشعريين.
    "برداً ولا شراباً" : نوما ..."كاساً دهاقاً" : ملاىء.لغة هذيل.
    "واجفة " : خائفة .لغة همدان.
    "أغطش ليلها": أظلم .لغة أنمار وهمدان.
    "بأيدي سفرة" :كتبة.لغة كنانة.
    "حدائق": بساتين.لغة قريش.
    "غلباً" : ملتفة.لغة قيس عيلان.
    "سجرت" : جمعت .لغة خثعم.
    "عسعس" : أدبر."ضنين".بخيل.لغة قريش.
    "ظنين" : متهم.لغة هذيل.
    "كتاب مرقوم" : مختوم.لغة حمير,
    "فتنوا": أحرقوا ."الضريع" : الشرق." النمارق" : الوسائد." في كبد" : شدة."تردى" : هلك ."لنسفعن" : لنأخذن." ألم يكن الذين كفروا" : لم يزل.لغة قريش.
    "الثاقب" : المضيء." كنود" : كفور.لغة كنانة.
    "من عين آنية " : حارة.لغة مدين.
    "زرابي" : الطنافس."مسبغة": مجاعة.لغة هذيل.
    ...



    اللسان العربي قبل القرآن



    ماذا يمكننا أن نقول عن اللسان العربي قبل القرآن ؟ أبحوزتنا عناصر تتيح لنا أن نجيب عن مثل هذا السؤال ؟ ثم ماذا بوسعنا أن نقول عن العلاقات الموجودة بين محمد واللسان والأدب العربي ؟
    مسألة اللسان العربي قبل القرآن يمكننا أن نتفحصها من وجهات نظر مختلفة . ووجهة النظر التي تخطر في الذهن أول ما تخطر على العموم هو لسان الأدب السابق على الإسلام و ونحن لانريد أن نثير هنا كل المسائل الخاصة بمشكل الأدب في (الجاهلية ) وأصالته , ولكننا سنتوقف فقط عند ما يعنينا , أي أن المعرفة التي يمكننا الحصول عليها , الخاصة بهذا اللسان وهذا الأدب , لاتنفصل عملياً عن الإسلام ولسان القرآن .
    { ومن المؤكد أن أي شخص لايخطر بباله أن يجزم , مهما كان استبساله في معارضة أصالة الشعر الجاهلي , أن أية فاعلية أدبية لم توجد قبل ظهور الإسلام . ولكن المفارقة تكمن هنا : فهذه الفاعلية الأدبية لم تكن محفوظة في وثائق سابقة على الإسلام , وأولى الوثائق الأدبية الأصلية المعروفة في اللغة العربية وأقدمها تظل القرآن حتى هذا اليوم .}
    تلك هي مفارقة اللسان العربي وتاريخ اللسان العربي : فتجد النهاية نفسها متضمنة في نقطة الانطلاق , والإنجاز مندرجاً في البداية , فليس ثمة ضرب من ما قبل تاريخ اللسان العربي نأخذه بالحسبان في دراسة تاريخ النتاجات في اللسان العربي .
    ولكن ذلك ينبغي له ان يوقظ انتباهنا . فإذا لم يكن ثمة ضرب من ماقبل التاريخ , فهل يكون ممكناً أن يوجد تاريخ بصورة لاحقة ؟ وإذا كان الإنجاز مندرجاً في البداية , فهل هناك إمكان لتطور ونمو تاريخيين ؟
    ولن يفوت هذه الخصائص أن تميز وضع اللسان العربي في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الميلادي .
    وعلينا ألا ننسى أن نوضح , عندما نقول إن النص الأول الأدبي العربي الموجود في حوزتنا هو القرآن , أننا نقصد بذلك نص القرآن كما كان قد نقل إلينا , أي القرآن الذي كتبه , بدءاً من عام 644 في عهدالخليفة (( عثمان )) , زيد بن ثابت انطلاقاً من مدونة أبي بكر : إننا في أواسط القرن السابع .
    وكل ما نعرفه عن اللسان العربي , السابق على هذا التاريخ , لا يستند إلا الى أجزاء من وثائق معيبة بقوة , أو الى وثائق أفضل إعداداً , ولكنها عندئذ لاحقة تماماً بالعصر الذي تحيل اليه . والقرآن وحده , الذي وصلنا في مخطوطات ناجمة عن جمع عثمان , يجعلنا نرجع مباشرة الى أواسط القرن السابع .
    وإذا كانت وثيقتنا الأقدم لاترجع الى ماهو أبعد من هذا التأريخ , فإننا سنقتصر في بحثنا في تصور اللسان العربي , لدى العرب قبل القرآن, على أن نستند الى القرآن ذاته والى وثائق لاحقة . والأول هو الذي يعنينا هنا من حيث أن الوثائق التي ستلي ستكون موسومة به ولن يكون لها إذن سمة الأصالة والأولية , السمة نفسها . فعلينا إذن , لنعرف كيف يدرك اللسان العربي قبل القرآن , أن نفتح القرآن ونبحث فيه عما يمكنه أن يخبرنا عن هذا اللسان العربي السابق . والسؤال الأول الذي سنطرحه على أنفسنا هو أن نعرف كيف تدرك لفظتا ( اللسان واللغة ) , وماذا يعني التقابل ( عربي / أعجمي ) .
    وفيما يخص اللسان , ليست لفظة ( لغة ) مستخدمة في القرآن , بل الجذر ( ل غ و ) , المستخدم إحدى عشرة مرة على ثلاث صور : فعل أمر في صيغة الجمع ( مرة واحدة ) , اسم فاعل بصيغة المؤنث ( مرة واحدة ) , اسم فاعل بصيغة المؤنث ( مرة واحدة ) , ( والمصدر , لغو) ( تسع مرات ) . والدلالة التي ينقلها هذا المصدر هي دلالة كلام عبث , غير حسن و وماينشده يتعارض مع الكلام السليم . ولكن المصدر يتضمن أيضاً فكرة (( مالايؤخذ بالحسبان , ما ليس له أهمية أكثر من أهمية صوت صادر عن عصفور ))
    وهكذا قول الذين كفروا : (( لاتسمعوا لهذا القرآن , والغوا فيه )) ( 41 فصلت/26 ).( " لاتصغوا لهذا القرآن ولاتحملوه محمل الجد , اهملوه " ) .
    وهذا المصدر مستخدم , بمناسبتين , في علاقته بالأيمان , ليصف سمة الطيش وعدم الرزانة : (( لايؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم )) ( 2 البقرة / 225 , 5 المائدة / 89 ) .( " لن يعاقبكم الله بسبب يمين أقسمتموه طيشاً " ).
    والباقي من استخدامات اللفظة – ثمانية استعمالات أخرى – تقصد الكلام التافه أو القول العبث , وترتبط هذه اللفظة , في معظم الحالات ( خمسة استخدامات ) , بالسمع , شأنها شأن الاستخدام الأول الذي حللناه : (( لايسمعون فيها لغواً )) ( " لن يسمعوا فيها كلاماً طائشاً " ) ( 196 / مريم 62 ) .
    هذه اللفظة , لفظة ( لغو ) , تدل إذن على كلام لاأساس له , لايستحق أبداً أن يتوقف عنده المرء ليعيره اهتماماً , ويفترض بالحري , كما في الآية 72 من سورة ( الفرقان ) , ألا يشهده المرء وإذا مر به مر كريماً . وكل ذلك مرتبط بالسمة الشفهية , المحدودة , لهذه اللفظة التي ليست سوى إصدار صوتي ولاتحيل الى فكرة , الى تفكير أو الى حديث , بمعنى أنها لاتنقل أي محتوى . يضاف الى ذلك أن هذه اللفظة , ( لغو ) , لم تدخل في صلة بالكلام أو اللسان العربي , ولن تكون هذه الحالة حالة لفظة لسان , بل على العكس كما سنرى .
    وجذر ( ل س ن ) مستخدم في القرآن خمساً وعشرين مرة , وذلك ليس بالعدد الكبير, لاسيما إذا أخذنا بالحسبان الآيات المتماثلة . والجذر مستعمل بصور شتى , بالمفرد أو الجمع , من الاسم لسان . وهذه الاستعمالات تتوزع الى فئتين كبيرتين : اللسان بصفته ( عضواً ) موقعه في الفم ويستخدم للتعبير (16 مرة ) , واللسان بمعنى ( اللغة ) ( 9 مرات ) . ومعنى العضو هو المعنى الذي يبين أول ما يبين في معاجم المفردات القرآنية . ولفظة لسان بمعنى عضو التعبير, يتدخل في السياق المرتبط بالتنزيل القرآني وتاريخه : إنه هبة الله ( 90 البلد / 9 ) . إنه يتيح التبشير بكلام الله ( 20 طه / 27 ) . أو يستخدمه الخبثاء الذين ينطق لسانهم بالكذب وينشرونه , أعني أنه مخالف للكلام والوحي الإلهيين ( 4 النساء / 40 ) . ويشهد على آثامهم ( 24 النور / 24 ). وهذا اللسان هو الذي , بواسطة داوود وعيسى , ينطق باللعنة الإلهية ( 5 المائدة / 78 ) . أو بالكلمات المنزلة . وهذا اللسان على وجه الخصوص هو الذي ينبغي له أن يستخدم في قراءة القرآن : فالقراءة السيئة في السورة 3 , آل عمران , آية 78 , مدانة , وينصح في السورة 75 , القيامة , آية 16 ألا تعجل بقراءة القرآن وأنت تحرك به لسانك .
    وهذا السياق من التنزيل الذي يندرج فيه استعمال ( لفظة لسان ) , المفهوم بمعنى العضو , أكثر بروزاً أيضاً عندما يدلّ على اللغة . وسيكون استخدام هذه اللفظة عندئذ موضوعاً في ظل الآية المزدوجة للتنزيل العربي . وهذا التوضيح يتدون في إطار تنوع الألسنة المعترف به صراحة أنه آية من آيات الله , على خلاف التقديم التوراتي : ففي السورة 30, الروم , آية 17 , نقرأ : ((فسبحان الله ( ..... ) , في الآية 18 , ولله الحمد في السموات والأرض ( ....... ) , وفي الآية 20 , ومن آيته ( ...... ) وفي الآية 22 , ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ( ..... ) .
    ولسان التنزيل يمكنه , من جراء هذا الاختلاف , ألايكون اللسان العربي من حيث أن التنزيل يمكنه أن يكون له عندئذ تاريخ , وبداية , ووسط ونهاية . وإذا كان التنزيل يمثل بلسان أجنبي , فذلك يمكنه أن يكون دون ريب لأن المقصود به تنزيل زائف , كما في السورة 16 , النحل , آية 103 عندما يرجع معارضو محمد الى تنزيل غير مقبول : (( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر )) . ولكن من يفكرون به يتكلم لساناً (( أعجمياً )) . ويظل حقيقة مع ذلك أن النبي يتكلم في الحالة العامة لسان شعبه : (( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فضل الله )) ( 14 ابراهيم / 4 ) . وذلك يتأكد فيما يخص محمداً بمناسبتين , ففي السورة 19 , مريم , آية 98 نقرأ : " فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به ", وفي السورة 44 , الدخان , أية 58 المشابهة للسابقة تقريباً في التعبير : (( فإنما يسّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون )) .
    وهذان الإسنادان الأخيران يحيلاننا الى اللسان العربي دون أن يعيناه . وذلك سيقال على نحو صريح في ثلاث آيات . وسنميل الى القول في ثلاث آيات فقط , بحيث أننا , من ثم , سنحيل على الغالب الى هذه الآيات لنتكلم على العربي بصفته لسان القرآن . ففي السورة 46 , الأحقاف , آية 12 , ليس تعبير (( لسان عربي )) مرفقاً بأي صفة : (( ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدق , لساناً عربياً , لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين )) . وليس إلا في السورة 16 , النحل , آية 103 , وفي السورة 26 , الشورى , آية 195 , إنما نجد تعبير (( لسان عربي مبين )) لوصف التنزيل القرآني , وباللجوء الى الجذر ( ب ي ن ) نجد أنه يحيل الى الشرح والتوضيح .
    ما دلالة اقتران هذه الصفة باللسان العربي ؟ هل لنا الحق أن نستنتج من ذلك أنه كان يمكنه أن يكون غير ( مبين ) , غير واضح أو غير جلي ؟ يكمن الفرض الأول , في هذه الحال , في أن نقول إن اللسان العربي كان متعدد الأشكال وأن بعض أشكاله كانت أيسر على الفهم المشترك من أشكال أخرى . ويكمن الفرض الثاني في القول إن استعمال اللسان العربي , استعماله ذاته , كان يمكنه أن يفسح المجال لتغيرات كبيرة الى حد يكفي لجعل الفهم أكثر أو أقل صعوبة على السامعين , ومهما يكن من أمر , فالمسألة مطروحة . وهذا الوصف , وصف اللسان العربي , ينبغي وضعه في علاقة مع الآية 98 من السورة 19 , مريم , والآية 58 من السورة 44 , الدخان , حيث يسر الله لشعبه سبيل الوصول الى التنزيل بنزول القرآن بالعربي ( 19 مريم / 98 ) " فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً" و( الدخان / 44 ) " فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون " .
    وبوسعنا أن نستنتج من كل ماتقدم أن السياق الألسني الذي عاش فيه محمد سياق لم يكن يجهل ضرباً معيناً من صورة التعددية في الألسن لأن معارضة , كما رأينا , للتبشير المحمدي بألسنة غير اللسان العربي كانت موجودة ( 16 النحل / 103 ) .
    ولكننا إذا استقينا معلوماتنا على هذا النحو بصورة غير مباشرة عن الوضع الألسني قبل الإسلام , فنحن ملزمون بأن نؤكد أن المعلومات الوحيدة , الواضحة الصريحة , ذات علاقة بالعربي و بالعربي في علاقته بالتنزيل والقرآن . فعن العربية , قبل الإسلام والقرآن , المعلومة الوحيدة التي يمكننا أن نستمدها بصورة خاصة باللسان ذات علاقة بمحمد : قيل لنا إنه لسانه , وقيل , بصورة غير مباشرة , إنه ليس لسان الأنبياء الآخرين , لأن داوود وعيسى تكلما , كلاهما , لسانه ( 5 المائدة / 78 ) . وأن كل نبي كان يتكلم لسان شعبه ( 14 ابراهيم / 4 ) والاستخدام الذي استعمله القرآن لكلمتي ( عربي وأعجمي ) يتيح لنا أن نكمل هذه المعلومات عن الوضع عندما تدخلت نبوة محمد : الكلمة ( أعجمي ) , أجنبي , غير عربي , تدل مرة واحدة فقط على الشخص الأجنبي (" وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين . بلسان عربي مبين . وإنه لفي زبر الأولين . ألم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني اسرائيل . ولو نزلناه على بعض الأعجمين . فقرأه عليهم ماكانوا به مؤمنين . " 26 الشعراء/ 192 – 199 ) . , وثلاث مرات على اللسان الأجنبي ( 16 النحل / 103 ) . وعلينا أن نلاحظ , في الحالات الثلاث التي أشير فيها الى لسان أجنبي , أن هذا اللسان غير موضح من جهة , وأن هذا اللسان (( الأجنبي )) مقابل للسان العربي الذي يتحدد تحديداً تاماً , من جهة ثانية . وإذا أضفنا الى هذه الملاحظات أن الإحالة الى أعجمي لاتوضح كثيراً أي أعجمي هو المقصود في السورة 26 , الآية 19 , ولكنها تعارض التنزيل المفترض الموجه اليه بتنزيل حقيقي باللسان العربي المبين ( 26 الشعراء / 195 ) . , فإنه ينجم عن ذلك أن الأعجمي السابق على الإسلام أو المعاصر له , ليس له , سواء أكان بشراً أم لساناً , قوام خاص ولا واقع آخر سوى كونه غير عربي : إنه نفي العربي أو صورته السلبية , غير العربي .
    ولكن هؤلاء العرب من هم عندئذ , هؤلاء العرب الذين يحتل لسانهم مثل هذا المكان بحيث يحجب الألسنة الأخرى الى هذا الحد ؟ إذا استثنينا حالة خاصة يدل فيها الجذر ( ع ر ب ) على النساء العرب ( المتحببات الى أزواجهن عشقاً لهم ) اللواتي هن " الحور " ( 56 الواقعة / 37 ) . , فإن الجذر المذكور ( ع ر ب ) يتكرر إحدى وعشرين مرة في القرآن , إحدى عشرة مرة للفظة ( عربي ) وعشر مرات للفظة ( العرب ) . وفيما يخص لفظة ( عربي ) , فإنها تتدخل كل مرة في سياق التنزيل : تصف القران ست مرات ( 12 يوسف / 2, 20 طه / 113 , 39 الزمر / 28 , 41 فصلت / 3 , 42 الشورى / 7 , 43 الزخرف / 3 .) , وتصف اللسان نفسه ثلاث مرات ( 16 النحل / 3 , 26 الشورى /195 , 46 الأحقاف / 2 . ) , ومرة واحدة يوصف التنزيل بأنه حكم عربي ( " كذلك أنزلناه حكماً عربياً " 13 الرعد / 89 . ) . والمقصود , في هذه الحالات جميعها , هوالتنزيل الحادث باللسان العربي . وللفظة تضمين إيجابي لايطرح سؤالاً .
    وليست الحال هي نفسها بالنسبة لاستخدام الجذر , الاستخدام الآخر على صورة ( الأعراب ) . ستة استخدامات من عشرة موجودة في السورة 9 , التوبة , ومعنية بخصومات محمد مع البدوالذين اهتدوا الى الإسلام هداية متبانية . والاستخدامات الأخرى معنية بالبدوأولو الهداية الضعيفة أو غير المخلصين . وهؤلاء البدو ذكروا لأنهم يطرحون مشكلاً على المتحد الناشيء لسبب مفاده أن هدايتهم ليست متينة الى حد كاف , أو لأنهم مراؤون , أوأنهم يسعون للإفلات من المعركة الناشبة في سبيل الدفاع عن المتحد أو من المصروفات المشتركة .
    وبوسعنا أن نلاحظ , هنا أيضاً , أن البدو يتدخلون في سياق من التنزيل , تبعاً للعلاقة التي يقيمونها مع هذا التنزيل . وموقعهم , في نهاية المطاف , يتحدد بالنسبة لهذا التنزيل باللسان العربي , المصنوع لعرب المدينة . ونحن ملزمون أن نؤكد أننا لن نتعلم شيئاً عن هذا الوسط قبل الإسلام أوفي الفترة الزمنية لظهوره , والنثر العربي المديني وحده له لسان ( لسان عربي ) محدد كل التحديد ذلك أنه هو الذي استخدمه التنزيل وهو الذي ينقله التنزيل إلينا .
    فنحن إذن لانستمد من القرآن بوضوح معلومات عن اللسان العربي قبل التنزيل ولكن بوسعنا مع ذلك أن نستنتج , في حدود ما تقدم قوله , مايلي :
    - فيما يخص الألسنة الأخرى غيراللسان العربي :
    - ( كل لسان ) يمكنه أن يكون ( لسان تنزيل ) , ذلك أن النبي يتكلم لسان شعبه .
    - حال ( اللسان الجليل واللسان الذي يعبر عن الحقيقة ) ليست وقفاً على اللسان العربي لأ ن الله منح إسحاق ويعقوب " لسان صدق علياً " (19 مريم / 50 ) .
    - ( التعددية الألسنية ) يعترف بها القرآن , وقد بينا ذلك آنفاً , في عصر نبوة محمد .
    - فيما يخص اللسان العربي :
    - لايخبرنا القرآن شيئاً عن اللسان العربي قبل ظهور الإسلام ,
    - ربما يمكننا أن نستنتج من تعبير ( لسان عربي مبين ) , كما أوحينا بذلك فيما تقدم , أن اللسان العربي كان متعدد الأشكال في عصر محمد, أو أن استخدامه يمكنه أن يفسح المجال لتفسيرات شتى ,
    - ينبغي رفض كل إمكان ل( تنزيل باللسان العربي ) قبل التنزيل الذي نفذه جبريل على محمد , ذلك أن أي ذكر لم يرد لمثل هذا التنزيل ,
    - إن ( التنزيل و القرآن ) هما اللذان منحا اللسان العربي نظامه الأساسي المستقل بين الألسنة الأخرى من حيث أنه معروف لدينا انطلاقاً من القرآن وبه , وأن كل ما يقوله القرآن تمجيد للسان العربي , وأن القرآن لايقول لنا شيئاً عن الألسنة الأخرى , ماعدا أنها غير عربية ,
    - وينجم عن ذلك أن أي ( تأليف أدبي ) جدير بهذا الاسم لايستحق ذكره ( باللسان العربي قبل القرآن ) من حيث أن القرآن لم يذكره ( 19 مريم / 50 ) .
    - والعربي , أخيراً , ( لسان قوم ) , قوم محمد ( 19 مريم / 98 ) " فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لداً " .




    القرآن المكي والقران المدني



    هذا والقرآن قرآنان : قرآن مكي وقرآن مدني ولايختلف القرآن المدني عن القرآن المكي الا بانه اغنى واكثر تنوعا ومضمونا وذلك تبعا لاختلاف المرحلتين المكية والمدنية . فالمرحلة المكية هي مرحلة تأسيس العقيدة في ارض وعرة لم تقبل هذه العقيدة الا بعد ان اصبحت امرا واقعا . لقد تمردت وتمردت حتى لم يبق في القوس منزع . ان قريشا لم تعارض الاسلام لاستحكام عقيدة الشرك فيها ودفاعاً عن اصنام تعرف أنها لاتضر ولا تنفع , إنما فعلت ذلك دفاعاً عن مصالح ومنافع جعلها الاسلام في مهب الرياح . فلم تكن الأصنام بالنسبة الى قريش الشيء المقدس الذي تتمسك به وتستشهد في سبيله . كلا , فإن أصنام قريش وآلهتها كانت قبل كل شيء مصدراً للثروة وأساسا للاقتصاد . فالهجوم على الأصنام لامعنى له الا المسُ بعائدات الحج ومايقترن به من مكاسب التجارة . ذلك ان مكة الى جانب كونها أكبر مركز في شبه الجزيرة لآلهة القبائل العربية وأصنامها تحج اليها وتقيم الأسواق والمواسم من حولها , كانت أيضا مركزاً تجارياَ للعرب جميعاَ, كما كانت في الوقت نفسه محطة هامة في طرق التجارة الدولية بين الشمال والجنوب والشرق والغرب .
    [ لقد راموا كيد الاسلام بالمحاربة والمناجزة خوفاَ على امتيازاتهم التي أخذت تتعرض للخطر بمجيء الاسلام , الاسلام الذي بدأ يطيح بالملأ من قريش وبالرموز التي كانوا يجتمعون عليها .]
    ولقد أشار القرآن الى ذلك وسجل كلامهم بنصه قائلاَ على لسانهم : { وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا } . فهم لايدعون أن دينهم هو الحق , بل كانوا يعترفون ان ما جاء به محمد هو الهدى , ولكن امتيازاتهم ومصالحهم أهم من المدى . ومعنى قولهم " نتخطف من أرضنا " ان العرب يطردوننا من مكة بكل سهولة لأنها مستقر آلهتهم , فنصبح بذلك مشردين فاقدين مصادر رزقنا . ويعبر عن ذلك أصدق تعبير كلمة الحكم بن هشام ( أبو جهل ) عندما سأله بعضهم : أترى محمداً يكذب ؟ فقال : كيف يكذب على الله وقد كنا نسميه ( الأمين ) لأنه ما كذب قط , ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف ( آل محمد ) السقاية والرفادة . والمشورة ثم تكون فيهم النبوة , فأي شيء يبقى لنا ؟ "
    فالقرآن المكي جاء لتغيير هذا الوضع وأوضاع أخرى مشابهة , جاء لاحلال العقيدة محل الغنيمة وضوابط الشريعة محل عصبية القبيلة , وعبادة الإله الواحد بدلا من الآلهة المتعددين . لقد كان القوم لايؤمنون بالغيب وينكرون البعث والجزاء والعقاب ويقولون بالدهر. لقد كانوا ماديين في حياتهم وتفكيرهم ومعاملاتهم وجميع شؤونهم , وانتشر فيهم بعض العادات القبيحة التي نشأت عن تردي الحالة الاقتصادية في اوساط الكثيرين منهم , كالسلب والنهب والغزو ووأد البنات وما الى ذلك . غير أن ذلك لاينفي شيوع الكثير من الفضائل بينهم كالكرم والشجاعة والنجدة واغاثة الملهوف والامتناع عن القتال في الأشهر الحرم .. على هذا المجتمع العجيب تدور موضوعات القرآن المكي الذي جاء لتقويم المعوج واصلاح المختل واقرار المحمود المستقيم وتصحيح بعض القيم الأساسية المتعلقة بموضوعات العقيدة الرئيسة , وبيان ان الإيمان والعمل الصالح _ لا الأموال والأولاد _ هما قوام الحكم والجزاء عند الله , وانه ما من قوة تعصم من بطش الله , وما من شفاعة عنده الا بإذنه وان الله هو المالك لكل شيء ولا مالك سواه , وان علمه محيط بكل شيء لايعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض ولا أدنى من ذلك ولا أكبر . وتتكرر مشاهد القيامة في القرآن المكي كثيراٌ وما فيها من تأنيب للمكذبين بها ومن صور العذاب الذي كانوا يكذبون به . وفي هذا القرآن أيضا دعوة للنبي الى الصبر على قومه وترك أذاهم والتوكل على الله , والاعتبار بالأنبياء السابقين الذين خلوا من قبله وكذبهم قومهم كما كذبت قريش محمداً , فما وهنوا وما استكانوا وما ضعفوا , بل كافحوا وناضلوا لإعلاء كلمة الله لايخشون فيه لومة لائم ! وفي هذا القرآن انذار لقريش وتهديد لها بسوء المنقلب اذا هي استمرت في تكذيب الرسول , وترهيب لها مما حصل للاقوام والأمم السابقة الذين استكبروا وعتوا في الأرض فاخذهم الله أخذ عزيز مقتدر ... ولاننسى ما في القرآن المكي من دعوة الى ذكر الله والتدبر في خلق السموات والارض , وتوكيد للمسؤولية الشخصية , والاعتماد على الذات في تقرير شؤون العقيدة , وإعمال العقل فيها , وعدم تقليد الاباء والاجداد بلا هدى ولا كتاب منير . فإن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لايعقلون شيئاٌ ولايهتدون .
    وعلى الجملة ان موضوعات القرآن المكي هي موضوعات العقيدة الرئيسة من الإيمان بالله الواحد, وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله تعالى , واحاطة علم الله بكل شيء وشموله ودقته ولطفه . التوحيد ونبذ الشرك والإيمان بالغيب أصول لايكمل ايمان المسلم الا بها . اما أركان الاسلام من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان فقد اقتصر القرآن المكي فيها على الصلاة دون سائر الاركان الاخرى , فالمهم تثبيت العقيدة قبل تثبيت الشعائر , وارساء قاعدة صلبة لأعمال القلب يسهل بعدها القيام بأعمال الجوارح , وهذا ما سيتحقق في قرآن المدينة .
    هذا هو القرآن المكي , واما القرآن المدني فقد انتقل الى مرحلة جديدة من حياة الجماعة الاسلامية ثبتت فيها العقيدة ووقرت في النفوس أو كادت . ففي القرآن المدني ما في القرآن المكي وزيادة . انه أكثر ثراءً وتنوعاً واحتداماً بالقياس الى قرآن رتيب له موضوع واحد أو عدة موضوعات قليلة. فيه بيان للفرائض والتكاليف والواجبات ونظم الحياة للامة الجديدة واحكام شريعتها فيما بينها وشريعتها مع غيرها من الامم . احكام تتعلق بالتصور والاعتقاد , واحكام تتعلق بالشعائر التعبدية , وأخرى تتعلق بالقتال والجهاد وسياسة الحرب والسلم , وفيه أسئلة عن الانفاق : مواضعه ومقاديره ونوع المال الذي تكون النفقة فيه , عن الشهر الحرام , عن الخمر والميسر والمحيض واليتامى والانفال والاهلة وذي القرنين , وفيه اجوبة عن ذلك كله . وفيه استفتاء عن النساء وعن الكلالة وفتواهما . وفي القرآن المدني أيضاً بيان لاحكام الطلاق والنكاح والحمل والرضاعة والوصية والبيع والشهادة والربا والزنى والمداينة والشورى وأحكام الميراث وتفصيل أركان الإيمان والاسلام وشعائر الحج والعمرة . وينطوي هذا القرآن أيضاً على مناشدة لأهل الكتاب التروي في الحكم على الدين الجديد ودعوة الى دين ابراهيم والحنيفية البيضاء التي طرأ عليها بمضي الزمن التحريف والتشويه . ويكرر القرآن هجومه على اليهود ويعلن الحرب عليهم للؤمهم وخداعهم ونكثهم بالعهود والمواثيق . كما يدعو النصارى الى عقيدة التوحيد في صفائها الأول ونبذ التثليت . وهو ينكر الوهية المسيح وصلبه . كما ان نظرة القرآن والنصارى واحدة الى مريم أم المسيح , بقدر ما هي بعيدة عن نظرة اليهود الذين يتهمهم القرآن بالكفر وقول الزور ( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ) . والحق ان مريم تحتل في القرآن مقاماً لم تحتله أنثى في العالم . بل هي الأنثى الوحيدة التي ورد اسمها في القرآن . والمسيح ينسب اليها دائماً فيقول " عيسى بن مريم " ولاينسب الى أبيه كما جرت عادة السامين , إذ لا أب له في عقيدة القرآن . ويرد اسمها في القرآن منفردة عشر مرات , ومقرونة الى ابنها أربعا وعشرين مرة . ويصفها بأنها " صديقة " وهذا مالم تحظ به أي زوج من أزواج النبي , بل لم يرد في القرآن أي إشارة الى خديجة , زوج النبي الأولى التي كان يكن لها أخلص الود والعرفان , وكان لسانه يلهج دائما بذكرها والثناء عليها . ان نسوة النبي لا يقتصر أمرهن على أن القرآن لايشيد بهن كما أشاد بمريم , بل إن ذكرهن فيه لم يرد الإ في معرض اللوم والتقريع . وقد كشف كيدهن وهددهن بالطلاق وسوء العقبى لتعلقهن بالحياة الدنيا وزينتها , وكان لايكف عن تحذيرهن من التبرج واتيان الفاحشة , ويهيب بهن الى التستر والحشمة والقرار في بيوتهن ...



    الدلالة الهامشية في المَثَل القرآني

    وهي أوسع الدلالات مجالاً، لأنها تعتمد على تعدد التخصص في الاستنتاج، فهي تبع لنوعية ثقافة المفسر، ودقة نظره، وزاوية إفادته، على مختلف الاتجاهات والثقافات عند المفسرين، فقد تجد في سياق العبارات من الألفاظ أثراً للمطابقة والمقابلة في مجانسة الأضداد والجمع بين المتقالين، والتفريق بين المتجانسين مما يلحظه البلاغي بحسب ذائقته الفنية، بينما يلحظ فيها النحوي مجالاً آخر في الاستفادة من تخريج اللفظ على الوجه النحوي في الاستعمال القياسي أو السماعي، حتى لا يهم اللغوي منه هذا الفهم أو ذاك بل يبحث عن ضالته في تكثيف معجمه اللغوي بما يفيده هذا اللفظ أو ذاك.
    وهكذا نجد الدلالة الهامشية مجالاً خصباً لمختلف الاجتهادات، إلا أننا نجدها هنا أكثر تحكماً من قبل البلاغي، لاستخراجه لها من عدة وجوه واحتمالات، أي أنه ـ نتيجة لعلاقة تحمسه بالألفاظ أقدره من غيره على توجيه هذه الدلالة تجاه مساره البلاغي.
    وسنلقي ضوءاً ـ فيما يلي ـ على الفهم المتفاوت لنصوص الألفاظ، بحسب تخصص المتلقي على الوجه التالي:
    أ ـ اللغوي لا يرى بأساً بأن يجد بألفاظ أية واحدة من آيات المثل القرآني حروف المعجم العربي قاطبة، فيحقق بذلك بغيته في التأكيد على هذا الجانب من الألفاظ، والآية هي: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) الفتح/ 29.
    فهو ينظر إلى هذا النص نظرة جانبية، ويدور معه حول هامشه غير ناظر إلا لحروف الألفاظ، وكيف قد كونت حروف الهجاء.
    ب ـ والنحوي ينظر إلى اللفظ من زاويته الخاصة، فاستعمال (الذي) بدل (الذين) في قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) البقرة/ 17، يقوم بتوجيه الفراء نحوياً فيقول: (إنما ضرب المثل للفعل، لا لأعيان القوم، وإنما هو مثل للنفاق، فقال: مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً، ولم يقل: الذين استوقدوا) فالفراء قد أفاد من اللفظ ما يفيده النحوي في التخريجات ووجه علة تصحيح النصوص أداء، فحمل صيغة العدول عن الجمع إلى المفرد، على العدول من أعيان المنافقين وهم جمع، إلى النفاق وهو مفرد، لأن الحديث منصب على النفاق لا الأشخاص، أما حينما أراد المثل الحديث عن المنافقين بالذات وهم جمع أشار إليهم بالجمع، فقال: (ذهب الله بنورهم) البقرة/ 17.
    ج ـ والمنطقي كسابقيه اللغوي والنحوي، إنما ينظر إلى اللفظ من وجهة نظره المحدد بين التصور والتصديق، فيستفيد من كلمة (حبة) مضمومة إلى كيفيتها في الإنبات بقوله تعالى: (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة..) البقرة/ 261، بأنه (لا يلزم أن توجد حبة بهذه الصفة. إنما المقصود تصوير زيادة الأجر لا غير، فإن وجدت صورة توافق المذكور في أكثر الخصوصيات أو كلها كان من قبيل لزوم ما لا يلزم) وقد عقب الطبرسي على السنبلة من نفس الآية، وعلل تصورها بالفهم نفسه، فقال: (متى قيل: هل رؤي في سنبلة مئة حبة حتى يضرب المثل بها، فجوابه أن ذلك متصور وإن لم يرَ، كقول امرئ القيس: ومسنونة زرق كأنياب أغوال. وقوله تعالى: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين) الصافات/ 65).
    د ـ والبلاغي حينما ينظر إلى اللفظ يستطيع بشكل وآخر أن يؤول هذا اللفظ بعدة اعتبارات يغوص بعضها في الأعماق ويطفو بعضها على السطح، وزيادة على تمرسه باستخراج الصور البلاغية الأصيلة كالمجاز والتشبيه والاستعارة، فإن فهمه الخاص يقوده إلى استنباط جمال اللفظ بوجوه مختلفة، نجمل بعضها بما يلي:
    أ ـ الآيتان (إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون) البقرة/ 26-27.
    استخرج منها السيوطي عدة مقابلات في الألفاظ، أجملها بأن الله تعالى قد (قابل بين (بعوضة فما فوقها)، وبين (فأما الذين آمنوا) و(أما الذين كفروا)، وبين (يضل) و(يهدي)، وبين (ينقضون) و(ميثاقه) وبين (يقطعون) و(أن يوصل) ).
    وما أفاده السيوطي واستخرجه من مقابلة هذه الألفاظ عبارة عن منحنى جانبي يتعلق بالألفاظ، هذا المنحنى الجانبي هو المعبر عنه بالدلالة الهامشية، لأنه بحث موقع لفظ من لفظ.
    ب ـ قوله تعالى: (كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا) البقرة/ 20، فإن هذا الجزء من الآية لعجيب حقاً في مقابلاته، فهو مركب من تسع كلمات تقابلت كلها باستثناء (فيه): (كلما ـ إذا) و(أذاء ـ أظلم) و(لهم ـ عليهم) و(مشوا ـ قاموا)، وأن تأتي هذه المقابلة متجانسة وضعاً وتسلسلاً وصياغة وقد عرض لجزء من فنون هذا الجزء الزمخشري بتعليقه:
    فإن قلت كيف قيل مع الإضاءة (كلما) ومع (الإظلام (إذا).
    قلت: لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من امكان المشي وتأتيه فكلما صادفوا منه فرص انتهزوها، وليس كذلك التوقف والتحبس بينما لم يشر إلى ملاءمة أضاء لأظلم، ولهم لعليهم، ومشوا لقاموا فيما تعطي من جودة التركيب وعظيم الدلالة.
    ج ـ (وقد يجيء نظم الكلام على غير صورة المقابلة في الظاهر، إذا تؤمل كان من أكمل المقابلات) ونموذج هذا الرأي قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع..) هود/ 24، (فإنه يتبادر فيه سؤال، وهو لم لا قيل: مثل الفريقين كالأعمى والبصير، والأصم والسميع، لتكون المقابلة في لفظ الأعمى وضده بالبصير، وفي لفظ الأصم وضده بالسمع).
    د ـ ومن المقابلات ذات الدلالة الهامشية قوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع مَن يشاء وما أنت بمسمع مَن في القبور) فاطر/ 19-22، فجعل الأعمى في مقابل البصير وهو الأمر الطبيعي في مقابلة الأضداد، وكذلك جعل الظلمات في مقابل النور، والظل إزاء الحرور، والأحياء قبل الأموات، وإن الله يسمع مَن يشاء مقابل وما أنت بمسمع مَن في القبور.
    وقد اعتبر ابن الزملكاني الجزء الأخير منه في الإفراط في التنزيل والغاية في التحقير.
    ثانياً: في استعمال اللفظ للتعريض وفي الكناية خرج البلاغي دلالة هامشية بمثل هذه التخريجات:
    أ ـ الكلمة (قرية) في قوله تعالى: (وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة..) النحل/ 112، وقد استعمل فيها اللحن وهو (التعريض بالشيء من غير تصريح، أو الكناية عنه بغيره). فقد عرض الله بأهل مكة وما يصيبهم من العذاب شأن الأمم السابقة، ولم يصرح بذلك كما هي عادته في هذا المجال، وإنما يشير إلى ذلك لحناً صوراً وبالرمز صور أخر، كما عرض بالمنافقين وذكر أوصافهم في ألفاظ مخصوصة بهم، ولكنه أمسك عن ذكر أسمائهم إبقاء عليهم وتألفاً لقلوبهم.
    ب ـ وفي استعمال الكلمة (امرأة) بالنسبة لامرأة نوح وامرأة لوط في قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط..) التحريم/ 10، دلالة هامشية حملها الزمخشري على التعريض بقوله: (وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمي المؤمنين المذكورتين في أول السورة (عائشة وحفصة) وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله (ص) بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده.. وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله، فإن ذلك الفضل لا ينقصهما إلا مع كونهما مخلصتين. وأسرار التنزيل ورموزه في كل باب بالغة من اللطف الخفاء حداً يدق عن تفطن العالم ويزل عن تبصره).
    ج ـ والكلمتان (يخرج) و(خبث) في قوله تعالى: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً) الأعراف/ 58، فيهما دلالة هامشية يعتمدها البلاغي بالكناية: على أن المؤمن يؤمل منه الخير، ويؤثر عنه الهدى، ويرجى فيه الصلاح، وأن الكافر لا يؤمل خيره، ولا يحتمل نفعه، ولا يؤتمن شره.
    د ـ الكلمة (ثابت) في قوله تعالى: (أصلها ثابت وفرعها في السماء..) إبراهيم/ 24، فيها دلالة هامشية بالكناية عن علو الشجرة ورفعتها وسموها، وتأكيد لرسوخ الأصل، لأن الأصل إذا رسخ ارتفع الفرع.
    هـ ـ وكلمة (الكفار) في قوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته..) الحديد/ 20، فيها اشارة دقيقة تصور لنا الكافر متعلقاً ومعجباً بالحياة الدنيا، وإن هذا الإعجاب شديد.
    ثالثاً: في مجال الظهور والغبانة يؤول البلاغي اللفظ بحسب ذائقته على الوجه التالي:
    أ ـ الكلمة (انسلخ) من قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها..) الأعراف/ 175، تحقق لنا في مقام الإبانة عن الجانب الآخر للفظ: شدة النزع وعظم الانسلاخ تدريجياً دون مطاوعة واتساق فيما يبدو لنا من الظهور العرفي لمفهوم سلخ الشاة وإضرابها.
    ب ـ الكلمة (عبادنا) في قوله تعالى: (كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) التحريم/ 10.
    أفاد منها الزمخشري دلالة هامشية تعني بحقيقة الصلاح بصفة العبد، والتي تنظر ـ وحدها ـ من قبل الله تعالى.
    قال الزمخشري: (فإن قلت: ما فائدة قوله (من عبادنا)؟ قلت: لما كان مبنى التمثيل على وجود الصلاح في الانسان كائناً من كان، وأنه وحده هو الذي يبلغ به الفوز وينال ما عند الله. قال: عبدين من عبادنا صالحين، فذكر النبيين المشهورين العلمين بأنهما (عبدان) لم يكونا كسائر عبادنا، من غير تفاوت بينهما وبينهم إلا بالصلاح لا غيرن وإن ما سواه مما يرجع به الناس ليس بسبب للرجحان عنده).
    ج ـ والكلمة (تسعى) في قوله تعالى: (وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى..) يس/ 20.
    فيها رصد هامشي لبعد السعي في دلالته على الجدية والحث والمواظبة لا المشي والسير بسرعة فحسب، بل هو اشتراك فعال في حسم النزاع، وفض الخصومة، والدعوة إلى الإصلاح، بجنان ثابت، متواصل، وجهد ملموس، حتى عد الرجل ساعياً، لتحقق الدلالة في أنه (يسعى).
    ويبدو مما تقدم أن دلالة الألفاظ في مجالاتها المتنوعة الفسيحة قد أضفت برداً فضفاضاً من الأحاسيس التي يتأملها الانسان فيقف خاشعاً متطلعاً إلى فلسفة هذا الاختيار في لفظ دون لفظ، وكلمة بدل كلمة، مما يحقق في جزء كبير منه معنى الإعجاز، حتى في حدود الكلمة المفردةن وإلا فلا أقل من تحقيق جزء من عناصر الصورة الفنية.



    المفهوم القرآني للتأريخ





    التأريخ ـ هذه اللفظة التي تعنينا كثيراً، لم تكن أبداً مجردة عن مدلولاتها ومعانيها التي تشكل مجموعة من العلاقات المعرفية، مرتبطةً بعدد من المفاهيم، متحركةً ومتفاعلةً مع سواها من أجل فهم أفضل لجوانب مهمة من حركة الوجود وتفاعل أكبر مع هذه الحركة ـ هذه المجموعة من العلاقات المعرفية التي أصبحت فيما بعد تدعى بنظريات تفسير التأريخ أثبتت تارةً نجاحها في الكشف عن أسرار ما حدث وأخفقت تارةً في الكشف عن أسرار أخرى. فما الذي نعنيه أولاً بلفظة «تأريخ».
    إن أول ما يتبادر إلى الذهن من سماعنا لكلمة تأريخ، هو صورة الحوادث التي جرت والتي أثّرت في مسار الحياة، وخصوصاً حياة الأبطال والعظماء والانجازات العظيمة للشعوب. وربما لا يلوح لأذهان الكثيرين إن هناك مدلولاً آخر لهذه الكلمة. إلا إذا كان السامع من أصحاب التخصص، والذي يعلم على وجه الدقة ان هذا المعنى ليس دقيقاً، حتى ولو كان قريباً جداً من المعنى الأكاديمي، فالتأريخ إذا كان يعني تدوين وضبط الظواهر والحوادث التي وقعت في حياة الانسان، فإنه ـ إذن ـ لا ينحصر بالمهم أو المؤثر من الحوادث بل ربما يعني بضبط كل الوقائع بلا استثناء، سواء كانت مهمة، أم أنها غير متصفة بهذه الصفة، كل الوقائع تستحق أن تدوّن، رغم أن هذه العملية ستبدو غير ممكنة، لأن حياة المجتمع ليست سوى حياة عشرات ومئات وآلاف وربما ملايين من البشر، وكل واحد من هؤلاء معني بصنع الوقائع والحوادث، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق مساهمة الفرد بدفع الواقع باتجاه معين من غير اكتراث، أي إن عدم الاكتراث والسلبية هو أيضاً طريقة من طرق صنع الحدث أو المساهمة في صنعه، وربما كان هذا موازياً لمواقف بعض الأفراد الذين يقومون بتوجيه الأحداث وجهات محددة، أعني بذلك الأبطال والعظماء وقادة الثورات وحركات التغيير الاجتماعية.
    وهذا الأمر بحد ذاته، من مواطن الخلاف بين المهتمين بالتأريخ. وأولئك الذين يحاولون الخروج بقواعد وتعميمات، إذ يحاول بعضهم اعطاء الأولوية للأفراد، ويحاول آخرون أن تكون للجماعات الأولوية في صناعة الأحداث.
    وهكذا يواجهنا موقفان من كلمة «تأريخ» أو فهمان لها. الأول: هو الذي يعني بالقواعد والتعميمات. والثاني: الذي يرى الحوادث مجردة، أي أن هناك في التأريخ مفهومين: موضوع التأريخ وعلم التأريخ، اشتركا بلفظ واحد لبيان مدلولاتهما.
    إن موضوع علم التأريخ يطلق على مجموعة الظواهر والحقائق (العلاقات) الأفعال، والانفعالات، الولادات والوفيات من جراء الحوادث. نشوء الطبقات، ظهور واضمحلال الحضارات والمجتمعات. جميع الظواهر والحوادث التي تخص الانسان وعلاقته بالطبيعة، وبالآخرين، ومنذ العصور الغابرة وحتى يومنا الحاضر.
    ويتناول الأمر الثاني، علمنا واطلاعنا وإيماننا بالعلاقة بين هذه الظواهر، كما يشمل هذا الأمر إيماننا بالطريق الذي سلكته البشرية على مر العصور والقوانين التي يتحرك ضمن اطارها الانسان وتجعله يزاول نشاطاته الحياتية المتكاملة، وهذا التعريف ينطبق على «علم التأريخ، والذي يسمى بدوره تأريخاً».
    غير أن التمييز ليس مستعصياً. وخصوصاً في الفترة التي بات فيها الاهتمام بالتعميمات معروفاً، وأخذت حيزها في عالم اليوم، في ما عرف بـ«فلسفة التأريخ» أو محاولات الكشف عن عوامل حركة التأريخ واتجاه سيره وما إلى ذلك مما يدخل في هذا الاطار، الذي عرف بأنه «علم صيرورة الانسان» والذي قال عنه الشيخ محمد مهدي شمس الدين ـ في معرض تعريفه للتأريخ ـ بأنه: «حركة الشيء في محيطه خلال الزمن، وبعبارة أخرى، عملية التحول والتغير والانتقال «الصيرورة» من حالة إلى حالة، التي ينجزها خلال علاقته بعناصر محيطة عبر الزمن».
    وكما يلوح أن التأريخ بالمعنى الأول، أي موضوع علم التأريخ سيشكل اهتمامنا به من هذه الزاوية، أي انه هو الذي يوفر المادة العلمية التي تمكننا من الوصول إلى تعميمات، بينما يبقى الجانب الآخر مهماً، لأنه يتكفل بالإجابة على أسئلة غاية في الحيوية، ويساهم في بناء رؤانا الشاملة للكون والحياة.
    ولهذا جعلنا المعنى الثاني مدار اهتمامنا، لأسباب، منها: انه يمكن أن لا تأتي نتائجه واحدة، وثانياً: لأنه يرتبط بأدق خصوصيات الانسان وعقائده.
    ونعني بالأول، إن هناك فلسفات للتأريخ، ونعني بالثاني، ان هذه الفلسفات ترتبط بالنظرة الكلية للكون والحياة.
    فالفلسفة، أو قوانين الصيرورة التأريخية للانسان تعنينا من حيث أنها ترتبط بعقائدنا، ولهذا سعى العلماء للحديث عنها والبحث فيها. وما سنحاوله الآن هو الخروج بتعريف للتأريخ نستلّه من الرؤية القرآنية له، أي إننا سنسعى لتوضيح المقابل القرآني لما أطلق عليه تسمية تأريخ.
    إذا تتبعنا النصوص القرآنية، فقد لا نجد استخداماً لكلمة تأريخ ضمن هذه النصوص، ولهذا، فإننا سنقصر سعينا للبحث في المضامين، إذ أن القرآن تطرق إلى الحديث عن التأريخ بصورة واسعة، وأعطاه مساحة مهمة في بنائه النظري. ولهذا، فإننا نتوقع العثور على مقابل مفردة تأريخ من هذا الباب.
    فالقرآن دأب على سرد الوقائع التأريخية والأحداث، ثم انتقل إلى الخروج بتعميمات بصورة مباشرة، أو اكتفى ـ أحياناً ـ بدعوتنا إلى استنتاجها والانتفاع من هذه الحقائق للاعتبار. وللدلالة على هذا، نورد النصوص الآتية: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم..) غافر/ 82.
    (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض..) آل عمران/ 137.
    (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمّر الله عليهم) محمد/ 10.
    (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين) الأنعام/ 11.
    وتطالعنا آيات أخرى تدعو لاستخراج التعميم من خلال الواقعة التأريخية: (فتلك بيوتهم خاويةً بما ظلموا..) النمل/ 52.
    (فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً..) القصص/ 58.
    فهذه الأمثلة، والدعوة إلى الاعتبار لبعض المشاهد، تأتي لدعم التعميم القرآني.
    من جهة أخرى، أشار الله تعالى إلى كتابه والتي سماها ذكراً (.. قل سأتلوا عليكم منه ذكراً) الكهف/ 83.
    فتكون الخلاصة، هي أن القرآن سمى الحوادث بالذكر، لأنها تأتي من خلال التذكر، لوقوعها ماضية مما يجعلها صالحة لأن تكون مقابلاً لكلمة تأريخ، التي تعني تدوين حوادث الماضي، كما أشار إلى علاقات وتعميمات يمكن التوصل إليها من خلال الواقعة التأريخية والتي ذكرها أحياناً بصراحة من خلال حديثه عن السنن، مميزاً لها عن الزمن الذي سماه بالأجل، والذي نراه ممتزجاً بكلمة التأريخ، لتمنح المفهوم القرآني للتأريخ ميزة خاصة به، ألا وهي عدم تضمنه للزمن، بل إن الزمن قضية مستقلة لها اطارها الخاص، الذي سنبحثه بصورة مستقلة.
    ويظهر أن سورة الكهف اختصت بنقل تفصيلي لبعض الوقائع التأريخية التي تعلق غرض القرآن ببيانها من قبيل حادثة أهل الكهف، وحادثة لقاء موسى بالخضر (ع)، وجانب من حياة ذي القرنين، وقال عنه (سأتلوا عليكم منه ذكراً). فعبّر عن نقل الوقائع السالفة والتي نسميها نحن بالتأريخ بالذكر، وقد قال صاحب (مجمع البيان) في معرض تفسيره للآية: «أي خبره وقصته»، ثم قال: «معناه، قل يا محمد سأقرأ عليكم خبراً وقصة».
    وبعد هذا سنبدأ ببحث مفهوم الأجل من زاوية تعلقه بقضية فلسفة التأريخ لنخرج بالمفهوم القرآني له.
    ـ ما هو الأجل؟
    وردت كلمة «أجل» في ما يقرب من خمسين آية للدلالة على زمن معين محدد، وقد شمل البعد الزمني للحياة الانسانية في جزء كبير من تلك الآيات، وفي البعض الآخر، دلت لفظة الأجل على بعد زمني للكون بمعناه الواسع.
    وقد فسّر صاحب «الميزان»، الأجل في معرض تفسيره للآية الثانية من سورة الأنعام (هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون) بقوله: «يشير إلى خلقه للعالم الانساني بعد الاشارة إلى خلق العالم الكبير فيبيّن أن الله سبحانه هو الذي خلق الانسان ودبره بضرب الأجل لبقائه الدنيوي ظاهراً، فهو محدود الوجود بين الطين الذي بدأ منه خلق نوعه، وإن كان بقاء نسله جارياً على سنّة الزواج والوقاع».
    وفي الصفحة نفسها قال: «ومن الممكن أن يراد بالأجل ما تقارن الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى..» وقد أبهم الأجل بإتيانه منكراً في قوله: (ثم قضى أجلاً) للدلالة على كونه مجهولاً للانسان لا سبيل له إلى المعرفة به بالتوسل إلى العلوم العادية.
    وقوله: (أجل مسمى عنده) تسمية الأجل تعيينه، فإن العادة في العهود والديون ونحو ذلك، يذكر الأجل، وهو المدة المضروبة.
    ثم يقول: «إن المراد بالأجل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني بين الموت والبعث ذكره عدد من الأقدمين، وربما روي عن ابن عباس، وقد أورده ضمن التفسيرات الغريبة».
    وقد أشار لدى تصديه للآية السابعة من سورة الروم: (ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى..) بقوله: «إن الله سبحانه ما خلق هذا العالم كلاً ولا بعضاً إلا خلق ملابساً للحق أو مصاحباً، أي لغاية حقيقية، لا عبث بلا غاية له وإلى أجل معين فلا يبقى شيء منها إلى ما لا نهاية له بل يغنى وينقطع».
    وهكذا يحدد معنى كلمة «أجل» بمعنى الزمن المحدد الذي يتحرك فيه الانسان، وكذلك الكون نحو غايته، وهذا أهم ما يميز كلمة الأجل عن كلمة التأريخ; فالأجل وقت معين، تنتهي حياة الانسان عنده كجماعة، على العكس من كلمة تأريخ التي لا تنطوي على دلالة من هذا النوع.
    ومن خلال هذا نكشف أن المفهوم القرآني للتأريخ يرتبط بقوة بالحدود، فالانسان فرداً أو جماعة يعيش فترة محددة لا يتعداها، كما دلّ على ذلك بعض الآيات التي أكدت هذا المفهوم، إذ قالت: (إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعةً..) يونس/ 83.
    إذن، المفهوم الاسلامى للتأريخ تضمن تحديد فترة زمنية يعيشها الانسان، وهذا يقتضي وجود بداية ونهاية، وإن القرآن بهذا التحديد لا يترك مجالاً للتخرص والظن بل يحدد تلك البداية بوضوح وقاطعية، ومنذ السورة الأولى (البقرة) ويظل يؤكد المضمون نفسه في بقية السور بنفس درجة التأكيد والقاطعية. كما انه لا يفتأ يذكر بنهاية الانسان بالموت ونهاية الحياة البشرية بفناء مشابه، يسميه يوم القيامة، والذي يعبّر عن انقضاء أجل الحياة البشرية. بل يعمد القرآن إلى مهاجمة الآراء والفرضيات التي تقول باستمرار الحياة وديمومتها. وبعد هذا سيكون الأجل (هو الزمن الذي يتحرك خلاله الانسان منذ بداية وجوده ككائن وحتى نهاية هذا الوجود).
    مع ما يترافق مع هذه الحركة من تطورات وخبرات وانتكاسات. وسيكون الفرق في هذا المفهوم عما سواه، بكونه يرتبط ببداية ونهاية، ويشترك مع ما سواه بكونه صيرورة الانسان، مضافاً إلى ما أشار إليه القرآن من التداخل في الآجال. فهناك أجل كلي للجماعة وأجل خاص بالفرد.
    كما إن المفهوم ينطوي على علاقة خاصة قائمة بين مؤجل ومؤجل له ونفس الأجل. وهذا فضلاً عن نفي العبثية والاقرار بوجود هدف يسعى إليه الوجود. وهكذا نكتشف جملة من خصائص المفهوم الاسلامي للتأريخ، وهي:
    1 ـ انّه صيرورة محددة بزمن.
    2 ـ انّه الزمن محدد ومتداخل (الأجل).
    3 ـ انّه ينطوي على علاقة بين مؤجل ومؤجل له.
    4 ـ نفي العبثية وتأكيد الهدفية.
    ليكون التعريف الاسلامي للتأريخ هو: «الأجل الذي تحدث خلاله صيرورة الانسان وصولاً إلى الهدف الكوني الكبير».
    وهذا التعريف يتضمن الإقرار بوجود معنى وفلسفة للتأريخ ثم وجود روابط وعلاقات لابد من اكتشافها وتحديدها، استكمالاً للتعريف.



    منهج القرآن لإحداث التغيير

    * د. محمد عبدالرحمن مرحبا
    إن الفقهاء وأصحاب كتب الشريعة عند حديثهم عن القواعد الأصولية تتبعوا منهج القرآن في التربية والتعليم لإحداث التغيير المطلوب. فهناك تدرج في التشريع يريد أن يساير الفطرة البشرية وطبيعة الإنسان التي تأبى التحول الفجائي، والمثل على ذلك تحريم الخمر، إذ لم يكن التحريم عملاً فجائياً بل لقد حدث على خطوات ومراحل متدرجة في اليسر والصعوبة. ويعبر عن ذلك قصة عمر بن عبدالعزيز مع ابنه الذي أنكر على أبيه عدم إزالة بقايا الانحراف والمظالم التي ارتكبها مَن سبقه من خلفاء بني أمية، فقال عمر قولته المشهورة: (لا تُعجِّل يا بني فقد ذم الله الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وإني لا أريد أن أحمل الناس على الحق جملةً فيكون من ذا فتنة). لقد كان شعار القوم آنذاك: (يسروا ولا تُعسروا) فلابد من تيسير سبل التحريم حتى تنضج ظروفه ومبرراته لاتخاذ الخطوة الحاسمة. وبهذا استطاع القرآن القضاء على عادة شرب الخمر بين المسلمين، وإن كنت لا أشك في أنه بقيت في الساحة قلة ضئيلة لم تستطع التخلص من هذه العادة فتجاوز عنها القرآن لأنه إنما يرسم ويخطط للأجيال المقبلة. فإذا عجزت هذه القلة عن التخلص من هذه العادة فقد خرج من أصلابها سلالات نظيفة لم تقرب الخمر طوال حياتها. لقد كانت الواقعية رائد محمد والقرآن، ولا عليه بعد ذلك أن يحدث تجاوز من هنا وتقصير من هنا ليَسلم الإنسان!
    وقد نتج عن ذلك ما يسمى بالناسخ والمنسوخ. إن التدرج في التشريع غرضه القضاء على عادات راسخة في المجتمع الجاهلي واستئصال شأفتها كما ذكرنا. كان شرب الخمر أمراً مباحاً لا حرج منه حتى في أوقات الصلاة. فكان يصح للمسلم أن يصلي وهو سكران، لكنه في خطوة تالية مُنع من الصلاة إذا بلغ به السكر حداً أفقده الوعي، فإذا كان السكر دون ذلك فالصلاة صحيحة لا غبار عليها: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) النساء/ 43، ثم نُسخت هذه الآية بآية أخرى نزلت) فيما بعد أتمت عملية التحريم نهائياً: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) المائدة/ 90، فالآية السابقة يقال لها منسوخة، وقد نسختها الآية الأخيرة. هذه الآية نسخت تلك، وكلتاهما من القرآن، لكن إحداهما منسوخة تُقرأ ولا يُحتج بها، وبالتالي لا يجوز العمل بها، والأخرى ناسخة، يجب الالتزام بها وعدم تأويلها. بصرفها عن ظاهر معناها. وهكذا فالنسخ مبدأ أساسي في الاسلام، إنه يريد أن يعالج أمراً واقعاً يعيشه المجتمع كل يوم ويعاني من همومه. ولئن دل ذلك على شيء فإنما يدل على مدى واقعية القرآن وعنايته بمشكلات الحياة وهمومها. إنه الآلية القادرة على إزالة التناقض بين المطلق والنسبي، بين الثابت والمتحرك، بين الموت والحياة. هي الواقعية عصب كل تحرك وتحريك، كل تفقه وتفقيه، بل كل تفكر وتفكير، وكل تأصيل وتشريع في نطاق الاسلام السني، دع عنك الاسلام المنحرف.
    إن ظاهرة النسخ هذه تُبرز واقعية القرآن كما رأينا وبالتالي تبرز طابعه التاريخي. فالنسخ لا معنى له في الاسلام إلا تطور التشريع بتطور الواقع الاجتماعي. وهناك ظاهرة أخرى تبرز الطابع التاريخي للقرآن أيضاً وهي ظاهرة تنجيم القرآن. فالخطاب القرآني لم (ينزل) جملةً واحدة، بل لقد نزل (نجوماً) استجابة لأحداث ووقائع تمر بها حياة المؤمنين وتأتي كل يوم بجديد. ومعنى ذلك أنه (نزل منجماً) بحسب التعبير الاسلامي ـ على امتداد 23 سنة ـ ، تبعاً لما يطرأ على هذا المجتمع من معضلات أو مشاكل، أو يثار فيه من أسئلة تُطرح على النبي من قبيل (يسألك) و(يسألونك) و(سأل) و(سألك) وأمثالها، ولابد أن (ينزل) القرآن مجيباً عن هذه الأسئلة بكلمة (قل). وبذلك يتبين الموقف الاسلامي من القضايا المطروحة التي يدور عليها السؤال والتسآل. فنتج عن ذلك كله نظام شامل للحياة والمجتمع هو وليد واقع الحياة والمجتمع وتفاعلات الحياة والمجتمع.
    والقرآن مع حرصه الشديد على الإجابة عن الأسئلة التي تُطرح على الساحة، فقد كان حريصاً أيضاً على أن يحدَّ بقدر الإمكان من كثرة السؤال والتسآل وألاّ يُطلق للمؤمنين العنان ليسألوا عن كل شيء يقفز إلى أذهانهم، كيلا يغرقهم في نصوص لا تنتهي تشل فاعلية الفكر وتوقف تحركه. إنه لا يريد أن يلزمهم بقوالب جامدة لا تدع لهم فسحة أو رخصة، لاسيما وأن هذه الأسئلة كان أكثرها يدور على الحلال والحرام. ولذلك نهاهم عن الإكثار من الأسئلة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين يُنزَّل القرآن تُبدَ لكم، عفا الله عنها، والله غفور رحيم * قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين) المائدة/ 101 و102. فالسؤال ملزم لصاحبه، فإن لم يتقيّد بالجواب الذي (ينزل) به القرآن فقد وقع في الحرام. فما عفا الله عنه هو ما تُرك للعقل البشري ليجتهد فيه.
    والاجتهاد قاعدة أساسية من قواعد التشريع الاسلامي. فالنصوص لم تتناول كل شيء بالتفصيل. فقد بين الله حكمه في أشياء وسكت عن أشياء، وهذا السكوت تفويض إلينا بالاجتهاد. ومن الاجتهاد ما يعتمد على القياس ومنه ما يعتمد على المصلحة.
    قال الشاطبي (المتوفى سنة 590هـ) في كتاب الاعتصام: (فلم يبق للدين قاعدة يُحتاج إليها في الضروريات والخاصيات أو التكميلات إلا وقد بينت غاية البيان. نعم يبقى تنزيل الجزئيات على الكليات موكولاً إلى نظر المجتهد. فإن قاعدة الاجتهاد نصاً ثابتة في الكتاب والسنة، فلابد من إعمالها ولا يسع تركها، وإذا ثبتت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالاً للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه. ولو كان المراد بالآية الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها فلا تنحصر بمرسوم. وقد نصّ العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد بحسب ما يحتاج إليه من القواعد الكلية التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل).
    وهكذا، ففي الشريعة أصول عامة استوفت أمور الدين. لكن تفصيلها تُرك للنظر الاجتهادي، لأن النصوص المتناهية كما هو معلوم لا تستوعب الوقائع غير المتناهية. فاستنباط أحكام الوقائع المتجددة من الوقائع الكلية لابد منه لفهم الشريعة. وقد حدث ذلك في وقت مبكر جداً، بل لقد كان أسبق أنواع النظر العقلي عند المسلمين وأسرعها إلى الظهور.
    وعلى كل حال، إن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يكون المنع بالنص. فانتهزوا أيها المؤمنون فرصة عدم ورود النص رفعاً للحرج ففي ذلك رخصة لكم. واعلموا أن الله لم ينس شيئاً وأن النص على كل شيء فيه تضييق، وفيه تشديد، وفيه حرج، وفيه أيضاً عدم مراعاة لأحوال الزمان والمكان، فلا تتدخلوا بعد اليوم فيما لا يعنيكم، فالله أعلم بمصالحكم. إن الناس يختارون ما يحقق المصلحة ولا مصلحة لكم في التزام نصوص جامدة لا تحقق أي مصلحة فيضيقون بها ولا يعملون بمضمونها فيهلكون.
    وهكذا نرى كيف أن القرآن لم يكن فقط عمدة المسلمين الأساسية في رصد حياة نبيهم بتقلباتها المتموجة ولحظاتها الخفاقة منذ بلوغه سن الأربعين حتى وفاته، بل كان أيضاً عمدتهم في رصد حياة شريعتهم وسجلاً أميناً لحوادث وقعت ومواقف اتخذت وحركة تاريخية لم تتوقف إلا بتوقف أنفاس مثيراه ومشعل فتيلها.
    المشاكل عربية إسلامية، والهموم عربية إسلامية، والحلول عربية إسلامية، والأسئلة والأجوبة عربية إسلامية، في بيئة كل نسمة هواء فيها وكل حبة رمل عربية إسلامية. وكل أولئك يؤكد تاريخية القرآن وتمخضه بحركة التاريخ. فكل آية في القرآن هي تاريخ وكل آية تنبض بدفق التاريخ، وما أكثر الآيات التي غيرت في تلك البقعة على الأقل وجه التاريخ، خلال ثلاثة وعشرين عاماً من الكفاح والنضال والعذاب والآلام التي قذفت بأصحابها إلى سدة التاريخ، وجعلتهم صناعاً للتاريخ.
    وهكذا فكلما كان الاسلام ينتشر في ربى الحجاز ونجد، كان الوحي (ينزل) ـ بحسب التعبير القرآني ـ بالتوجه والتعليم وبالدرس الضروري في المثابرة والصبر والإقدام والإخلاص والبشارة والأمل والتشجيع والترهيب والتغريب.. يتلقاه أولئك الأبطال الأسطوريون، أبطال الملحمة الخارقة.



    استحالة تحريف القرآن الكريم


    * درس الكاتب فيما سبق من دراسته مسألة تحريف القرآن وأدلة الرأي الشاذ القائل به، وقد ناقشها مناقشة وافية بعد أن بيّن معنى التحريف وأقسامه في علوم القرآن.
    وفي هذا القسم يواصل الكاتب بحثه، فيذكر الأدلة على سلامة القرآن من التحريف، بل استحالة تحريفه، مؤكداً إجماع علماء الإمامية على ذلك في الجملة.
    - خصائص المصحف الإمام:
    السيد علي كمال الدزفولي محقق القرآن المعاصر، يذكر عشر خصائص للجمع العثماني، من جملتها:
    1 ـ أمر عثمان بأن يأتي كل شخص بكل ما سمعه عن النبي(ص) ليساهم في هذا المشروع، لئلا يغيب عن هذا الجمع أي شيء، حتى لا يراود الشك أحداً في محتوى هذا المصحف، وليتيقن الجميع بأنه قد تم جمعه على مرأى ومسمع مشاهير الصحابة.
    2 ـ الاعتماد على المرحلة الأولى من الجمع البكري (نسبة إلى أبي بكر).
    3 ـ كل ما استعصى حلّه فيما يتعلق بالاختلافات المسموعة (اللفظية) تنتخب منها لهجة قريش.
    4 ـ تجنباً للشبهة وتطرق الفساد، فقد امتنعوا عن تدوين الموارد التالية: منسوخ التلاوة (باعتباره عنواناً مبتدعاً)، ما لم يكن موجوداً في الفترة الأخيرة (على عهد النبي-ص-)، ما لم تثبت قراءته، القراءات الشاذة، قراءات الآحاد والالحاقات (الحواشي) التفسيرية.
    5 ـ تم ترتيب آيات كل سورة طبقاً للتوقيف المستند إلى النبي(ص) في الفترة الأخيرة.
    نال الجمع العثماني منذ لحظاته الأولى وبعد التغلب على النعرات العاطفية والجاهلية قبول كبار الصحابة، على رأسهم الإمام علي(ع) حيث وردت روايات متعددة وبتعابير شتى عن تأييده لعمل عثمان وحصيلة جهود اللجنة المعينة لمهمة تدوين المصحف الإمام.
    ولو خالط الشك صحة صدور هذه الروايات، فحسبنا سيرة الإمام علي(ع) الحاكية تأييده لعمل عثمان أو تقريره (السكوت الناشئ عن الرضا والقبول) له على أقل تقدير. يقول السيد الخوئي في معرض تأييد عمل عثمان: (أما ان عثمان جمع المسلمين على قراءة واحدة، وهي القراءة التي كانت متعارفة بين المسلمين، والتي تلقوها بالتواتر عن النبي (ص) وانه منع عن القراءات الأخرى المبتنية على أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، والتي تقدم توضيح بطلانها، أما هذا العمل من عثمان فلم ينتقده عليه أحد من المسلمين؛ وذلك لأن الاختلاف في القراءة كان يؤدي إلى الاختلاف بين المسلمين، وتمزيق صفوفهم، وتفريق وحدتهم، بل كان يؤدي إلى تكفير بعضهم بعضاً. وقد مرّ ـ فيما تقدم ـ بعض الروايات الدالة على أن النبي(ص) منع عن الاختلاف في القرآن. ولكن الأمر الذي انتقد عليه، هو إحراقه لبقية المصاحف، وأمره أهالي الأمصار بإحراق ما عندهم من المصاحف، وقد اعترض على عثمان في ذلك جماعة من المسلمين، حتى سمّوه بحرّاق المصاحف).
    أما ما ذهب إليه بعضهم من وجوب المحافظة على هذه الكتابات المتناثرة الموجودة على الجلود والأحجار وجرائد النخيل، فهو فكرة حديثة ومقبولة في هذا العصر؛ حيث ان حفظ المستندات والتحفيات القديمة أمر ممكن ومطلوب. ولو قام عثمان بمثل هذا العمل، لنقض غرضه في نفي الاختلاف. ففي الوقت الذي نجد مصاحف عثمان الستة أو السبعة ـ وعلى الرغم من كل تلك الدقة في المحافظة عليها ـ قد ضاعت كلها أو جلها، أو على أقل تقدير لا نعرف شيئاً عن مصيرها، فكيف يعقل امكانية المحافظة على العظام والأحجار والجلود المبعثرة والبالية، ليعلم أيمكن أن يستفيد منها الباحثون في العصر الحاضر وفي المستقبل، أم لا؟
    - أدلة القائلين بعدم التحريف:
    1 ـ القرآن:
    أشهر الآيات القرآنية والوعود الإلهية المصرحة بحفظ القرآن هي ثلاث آيات:
    أ‌) آية الحفظ: (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر/ 9. والمراد من (الذكر) القرآن، كما في الآية السابقة على آية الحفظ في هذه الصورة نفسها: (وقالوا يا أيها الذي نزّل عليه الذكر إنك لمجنون) الحجر/ 6.
    هذه الآية وسائر الآيات القرآنية التي سوف نذكرها، تُعدُّ حجةً على القائلين بالتحريف بالنقيصة فقط من الفريقين؛ لأن هؤلاء يقولون بحذف وإسقاط آيات أو سور من القرآن، مع إقرارهم بكون القرآن الموجود صحيحاً وقطعي الصدور. ومن هنا نراهم قد أجازوا صحة الاستدلال بالآيات الموجودة.
    هناك شبهات، تحوم حول هذه الآية، وقد أجيب عنها في الكتب المطولة، من جملتها ان الضمير في (له لحافظون) يعود على النبي(ص)؛ ولكن مع وجود المرجع الحاضر، إرجاع الضمير إلى المرجع الغائب يحتاج إلى قرينة.
    ب‌) آية عدم إتيان الباطل: (وإنه لكتاب عزيز، لا يتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفِهِ، تنزيل من حكيم حميد) فصلت/ 41-42. واضح أن التحريف أظهر مصاديق (إتيان الباطل)، الذي نزّه الله ساحة القرآن عنه.
    ج) (إن علينا جمعه وقرآنه) القيامة/ 17.
    2 ـ الأحاديث:
    أ‌) حديث الثقلين المشهور الذي بلغ حد الاستفاضة من طرق الفريقين: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، نهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). والقول بالتحريف يقتضي سقوط الكتاب الذي هو الثقل الأكبر عن الحجية.
    ب‌) أحاديث وجوب عرض الحديث على القرآن.
    ج) الأحاديث الدالة على ثواب قراءة السور في الصلاة وغيرها؛ حيث لو لم تكن سور القرآن مجموعة ومدونة بالكامل ومحفوظة عند المسلمين، لما كان لهذا الأمر من معنى.
    د) الأحاديث الواردة عن الأئمة (ع) في باب أن ما في أيدي الناس هو القرآن النازل من عند الله تعالى نفسه.
    3 ـ الدليل الثالث على عدم تحريف القرآن إجماع الفريقين، وكذلك إجماع الإمامية منذ عصر الأئمة(ع) وإلى اليوم؛ فأعلام الإمامية من الصدوق (القرن الرابع) إلى الإمام الخميني وآية الله الخوئي وسائر المجتهدين والمراجع العظام، هم من القائلين باستحالة تحريف القرآن. وسنذكر رأي بعضهم مع أسمائهم.
    4 ـ الدليل الرابع إعجاز القرآن؛ باعتبار منافاة التحريف مع كون القرآن معجزة؛ لبداهة ضياع معاني القرآن بالتحريف، في حين ان أساس الإعجاز هنا هو الفصاحة والبلاغة اللتان تدوران مدار المعنى واللفظ. إنما يصحّ إعجاز القرآن ـ الذي تحدى الله به الآخرين، والذي مني فيه المعارضون والمخالفون بالهزيمة النكراء ـ بشرط المحافظة عليه من ألفه إلى يائه، وصحة استناده جميعاً إلى الله تعالى. إن كون القرآن معجزة إلهية ونبوية خالدة من عقائد المسلمين.
    5 ـ الدليل الخامس صلاة الإمامية لأن الأئمة الأطهار(ع) وفقهاء الإمامية، يقولون بوجوب قراءة سورة تامة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفريضة، وهذا يحكي اعتقاد الإمامية بعدم سقوط شيء من القرآن. وبعبارة أوضح: إن القائلين بالتحريف لا يمكنهم اعتبار قراءة سورة محتملة التحريف جائزةً ومجزيةً؛ لأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني. إذن، هذا الترخيص من الأئمة (ع) بقراءة هذه السور في الصلاة ـ في نفسه ـ دليل على عدم وقوع التحريف في القرآن؛ وإلا، لكان مستلزماً لتفويت الصلاة الواجبة على كل مكلف.
    6 ـ الدليل السادس بداهة تواتر القرآن؛ حيث إن قضية التواتر في نقل وقراءة مجموع القرآن، وكل أجزائه، وسوره، وآياته، منذ عهد الرسالة وعلى مر الأعصار والقرون بين جميع طبقات المسلمين، من ضرورات الدين. وادعاء المدّعين بقرآنية بعض العبارات أو تحريف القرآن ـ بشكل عام ـ إنما هو من باب خبر الواحد (غير المتواتر).
    7 و8 ـ الاهتمام الاستثنائي للنبي(ص) والصحابة بحفظ وجمع القرآن، وكذلك كونه مجموعاً في عهد النبي(ص) ـ ولو لم يكن مدوناً بين الدفتين ـ اللذان لهما واقع تاريخي؛ يعدّان في نظر بعض المحققين من بين الأدلة على عدم تحريف القرآن.
    9 ـ الدليل التاسع هو الدليل العقلي؛ الذي عرضه العلامة الطباطبائي (رض) بأفضل بيان، وقد نقلناه بدورنا قبل البدء بهذه الفقرة (أدلة القائلين بعدم التحريف) مباشرة.
    10 ـ الدليل العاشر هو الدليل العقلي- التأريخي؛ أي: لو كان القرآن الإمام (المصحف العثماني) ـ الذي تمت تهيئته في خلافة عثمان والذي هو في متناول أيدينا اليوم ـ محرفاً، لوجب على الإمام علي(ع) أن يعترض ويضع تصحيح القرآن في صدر برنامج حكومته؛ أي بالضبط مثل تصديه في بداية الإعلان عن برنامج حكومته للتغييرات التي أدخلها عثمان على السنة النبوية ـ والتي تقل خطورة عن مسألة تحريف القرآن ـ حيث قال (ع) بأنه سيسترجع الأموال التي وزّعها عثمان على حاشيته، حتى ولو اشتروا بها الغلمان أو جعلوها مهوراً للنساء. (وقد ذكرنا الأحاديث الحاكية بصراحة إمضاء الإمام علي(ع) لعمل عثمان فيما يتعلق بصحة المصحف العثماني).
    11 ـ الدليل أو القرينة الأخرى هي أن لجنة تهيئة وتدوين المصحف الإمام (العثماني)، قد كتبت الكثير من الكلمات القرآنية ـ والتي يتجاوز عددها مئة كلمة ـ على خلاف قواعد الإملاء العربي الصحيح، وبتعبير جريء ولكنه صحيح: ارتكبت (أغلاطاً إملائية). وهذه الاختلافات في الكتابة أو (الأغلاط الإملائية) ـ كما في (يبسط) التي كتبت مرة بـ(السين) وأخرى بـ(الصاد)، و(مسيطر) التي كتبت بـ(الصاد): بـ(مصيطر) ـ قد وردت في الرسم العثماني وهي باقية إلى اليوم على حالها الأول. وكذلك (بسم الله الرحمن الرحيم) التي كتبت في بداية (113) سورة من بين (114) سورة قرآنية، ولم تكتب في أول سورة التوبة؛ بحق وامتثالاً للوحي، وقد ذكر المفسرون أسباب ذلك. أو الحروف المقطعة (فواتح السور)؛ أي الحروف القرنية المرموزة مثل (الر) أو (كهيعص)، التي لم تكشف أسرارها لمحققي القرآن ومفسريه والعارفين بالاسلام من المسلمين وغير المسلمين، ولم تطرح إلى اليوم نظرية مقنعة في تفسيرها. نرى اللجنة قد كتبتها بعينها ولم تجز أي إصلاح قياسي أو اجتهاد أو تصرف فيها. كما ان بعض الفقهاء الأعلام، ومنهم مالك وأحمد بن حنبل قد أفتوا بعد ذلك بوجوب الحفاظ على الرسم؛ أي رسم الخط العثماني. ومعلوم أن هذا الاهتمام الزائد والحرص الشديد على حفظ الغرائب والاشتباهات أو الأغلاط الإملائية يحكي ـ بكل صراحة ـ صحة جمع وتدوين القرآن وصيانته من أي تغيير طارئ عليه أو زيادة أو نقصان.
    - آراء أعلام الإمامية في استحالة تحريف القرآن:
    لطول البحث وعجز المقالة عن استيعاب نقل آراء أعلام الإمامية من القرن الثالث والرابع وإلى اليوم؛ نكتفي بالاشارة إلى أسماء بعضهم ومصادر أقوالهم وفي الختام نورد بعض الفتاوى والآراء لكبار المجتهدين المعاصرين التي يندر ذكرها في المقالات والكتب الأخرى:
    1 ـ أول ما تم التصريح به في باب صيانة القرآن من التحريف كان للشيخ الصدوق (توفي 381هـ).
    2 ـ الشيخ المفيد (توفي 413هـ).
    3 ـ الشريف المرتضى علم الهدى (توفي 436هـ).
    4 ـ الشيخ الطوسي (توفي 460هـ).
    5 ـ الشيخ الطبرسي (توفي 548هـ).
    6 ـ السيد ابن طاووس (توفي 664هـ).
    7 ـ العلامة الحلي (توفي 726هـ).
    8 ـ المحقق الأردبيلي (توفي 993هـ).
    9 ـ القاضي نور الله الشوشتري (توفي 1019هـ).
    10 ـ الشيخ البهائي (توفي 1031هـ).
    11 ـ الملا محسن الفيض الكاشاني (توفي 1090هـ).
    12 ـ الشيخ الحر العاملي (توفي 1104هـ).
    13 ـ الشيخ جعفر آل كاشف الغطاء (1228هـ).
    14 ـ الحجة محمد جواد البلاغي (توفي 1352هـ).
    15 ـ السيد محسن الأمين العاملي (توفي 1371هـ).
    16 ـ الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (توفي 1373هـ).
    17 ـ السيد شرف الدين العاملي (توفي 1381هـ).
    18 ـ آية الله أبو الحسن الشعراني (توفي 1393هـ).
    19 ـ العلامة الطباطبائي (توفي 1402هـ).
    20 ـ آية الله البروجردي (توفي 1382هـ).
    21 ـ آية الله الحكيم (توفي 1390هـ) الذي أصدر فتوى في هذا الخصوص.
    22 ـ آية الله السيد محمد هادي الميلاني (توفي 1395هـ) الذي أصدر فتوى بهذا الخصوص.
    23 ـ الإمام الخميني (توفي 1409هـ).
    24 ـ آية الله الخوئي (توفي 1413هـ)، الذي كتب واحدة من أ فضل وأشمل الرسائل في رد التحريف واثبات صيانة القرآن تحت عنوان (صيانة القرآن من التحريف)، كما ان له فتوى بهذا الخصوص.
    25 ـ آية الله الكلبايكاني (توفي 1414هـ).
    وما ذكرناه وأشرنا إليه هو أسماء عدد من أعلام الإمامية. وقد تضمنت الكتب الثلاثة القيّمة: (صيانة القرآن من التحريف) تأليف الشيخ محمد هادي معرفة، و(التحقيق في نفي التحريف على القرآن الشريف) تأليف السيد علي الحسيني الميلاني، و(أكذوبة تحريف القرآن) تأليف رسول جعفريان (الأصل الفارسي يحمل عنوان: أسطورة تحريف القرآن)، تضمنت بمجموعها أسماء وآراء أكثر من خمسين علماً من أعلام الإمامية القائلين صراحة باستحالة تحريف القرآن.
    وأخيراً، ومن باب مسك الختام، ننقل رأي الإمام الخميني(رض) في هذا الموضوع:
    (هذا الكتاب السماوي- الإلهي، الذي يمثل صورة حية موضوعية ومدونة بجميع الأسماء والصفات والآيات والبينات، الذي تقصر يدنا عن بلوغ مقاماته الغيبية، ويعجز البشر عن كشف أسراره، باستثناء الوجود المقدس الجامع لـ(مَن خوطب به) والذي تلقنه خُلَّصُ الأولياء العظام ببركة وتعليم تلك الذات المقدسة، واغترف من بحر إشراقه خلص العرفاء، ببركة المجاهدات والرياضات القلبية على قدر الاستعداد ومراتب السير والسلوك والذي وصلتنا صورته الخطية بدون تحريف أو زيادة أو نقصان ـ ولو حرف واحد ـ على لسان الوحي بعد اجتيازه للمراحل والمراتب، من الظلم أن يترك -هذا الكتاب- مهجوراً لا سمح الله).




    الدلالة الصوتية في النص القرآني


    لا شك أن استقلال أية كلمة بحروف معينة بكسبها ذائقة سمعية قد تختلف عن سواها من الكلمات التي تؤدي نفس المعنى بما يجعل كلمة دون كلمة ـ وإن اتحدا معنى ـ مؤثرة في النفس، أما بتكثيف المعنى، وإما بإقبال العاطفة، وإما بزيادة التوقع.
    فهي حيناً تصك السمع، وحيناً تهيئ النفس وحيناً آخر تضفي صيغة التأثر: فزعاً من شيء أو توجهاً لشيء، أو رغبة في شيء .. هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية، ونماذجها في المقل القرآني تتجلى مختارة منه، وحروف صاحبت بعض الكلمات، فعاد لهما الوقع الخاص من النفس، بما لا تعطيه كلمة أخرى، مقاربة للمعنى، أو لا تفرغه صيغة مماثلة من التركيب.
    وهذا باب متسع بحدود في دلالة ألفاظ المثل الصوتية، وأثرها في السمع وجلجلتها في الحس، هدوءاً وإثارة، وقد يستوعب جملة من ألفاظه في الجرس والنغمة والصدى والإيقاع، بيد أنني سأحاول عرض أظهرها دلالة من خلال بعض الأمثلة:
    أولاً ـ الكلمة (متشاكسون) في قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون..) الزمر/ 29.
    تعتبر لغة عن المخاصمة والعناد والجدل في أخذ ورد لا يستقران، وقد تعطي بعض معناها الكلمة (متخاصمون) ولكن المثل لم يستعملها حفاظاً على الدلالة الصوتية التي جمعت في الكلمة حروف الأسنان والشفة في التاء والشين والسين تعاقبان، تتخللها الكاف، فأعطت هذه الحروف مجتمعة نغماً موسيقياً خاصاً حملها أكثر من معنى الخصوصية والجدل والنقاش بما أكسبها من أزيز في الأذن يبلغ السامع إلى أن الخصام قد بلغ درجة الفورة والعنف من جهة، كما أحاطه بجرس مهموس خاص يؤثر في الحس والوجدان من جهة أخرى.
    ثانياً ـ الكلمة (أوهن) من قوله تعالى: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت..) العنكبوت/ 41.
    تعطي معنى الضعف، وقد تحقق هذا المعنى كلمة (أوهى) ولكن المثل استعملها دون سواها لما يعطيه ضم حروف الحلق وأقصى الحلق إلى النون من التصاق وانطباق وغنة لا تتأتى بضم الألف المقصورة إليها، حينئذ تصل الكلمة إلى السمع وهي تحمل لوناً باهتاً مؤكداً بضم هذه النون إلى تلك الحروف لتحدث وقعاً يشعر بالضعف المتناهي لا مجرد الضعف وحده.
    ثالثاً ـ الكلمة (كل) من قوله تعالى: (وهو كل على مولاه..) النحل/ 76.
    فإنها توحي عادة بمعنى العالة، ولكن المثل استعملها دون سواها لإضاءة المعنى بما فيها من غلظة وشدة وثقل، لهذا الصدى الخاص المتولد بإطباق اللسان على اللهاة في ضم الكاف إلى الكلام المشددة. وما ينجم عن ذلك من رنة في النفس، ووقع على السمع، من وراء ذلك بأن هذا العبد شؤم لا خير معه وبهيمة لا أمل بإصلاحه، فهو عالة عادة بل هو (كل) وكفى.
    رابعاً ـ الكلمة (صر) في قوله تعالى: (كمثل ريح فيها صرٌّ..) آل عمران/ 117.
    إنها كلمة لا يسد غيرها مسدها في المعجم بهذه الدلالة الصوتية الخاصة لما تحمله من وقع تصطك به الأسنان، ويشتد معه اللسان، فالصاد الصارخة مع الراء المضعفة قد ولدتا جرساً يضفي صيغة الفزع، وصورة الرهبة، فلا الدفء يستنزل، ولا الوقاية تتجمع، بما يزلزل وقعه كيان الانسان.
    خامساً ـ (تمسه) في قوله تعالى: (ولو لم تمسسه نار..) النور/ 35.
    لها أزيزها الحالم، وصوتها المهموس، ونغمها الرقيق، نتيجة لالتقاء حرفي السين متجاورين بما لا تحققه كلمة أخرى تؤدي نفس المعنى، ولكنها لا تؤدي هذه الدلالة الصوتية التي وفرتها هذه الكلمة برقة وبساطة.
    وكما دلت الألفاظ دلالة صوتية معينة في الاستعمال المثلي في القرآن فكذلك لمسنا لبعض الحروف دلالة صوتية معينة يتعاقبها في سلك بعض الألفاظ حتى عادت ذات وقع خاص على السمع، وطبيعة مؤاتية في الحس من خلال ترادفها وتناظرها واحتشادها، وسنختار منها (الفاء) العاطفة، نظراً لاختيار المثل لها دون سواها في دلالته الصوتية كما يلي:
    أولاً ـ الفاء في كل من (اختلط) و(أصبح) في قوله تعالى: (فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً..) الكهف/ 45.
    فيها ترتيب وتعقيب يصك السمع في دلالة وقع الأمر دون حائل وبلا فاصل تعبيراً عن الخسران النهائي، والحرمان المتواصل دفعة واحدة، وهنا تلتقي الدلالة الصوتية بالدلالة الاجتماعية بما يستفاد من معنى لغوي.
    ثانياً ـ ويتمثل هذا التوالي عطفاً بالفاء دالاً على سرعة الإيقاع، وعدم الإمهال، بما يوحيه للسمع وللذهن كلاً غير منفصل بقوله تعالى: (فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت..) البقرة/ 66.
    فلا حائل ولا زمن بين الإصابة والاحتراق، إذ تختفي الحدود الزمنية فما هي إلا لحظات حتى تعود الجنة رميماً بمفاجأة الإصابة وشدة الاحتراق ونفاذ الأمر.
    ثالثاً ـ وما يقال آنفاً يجري تطبيقه على كلٍ من قوله تعالى: (فأصابه وابل فتركه صلداً..) البقرة/ 264.
    وقوله تعالى: (فإن لم يصبها وابل فطل..) البقرة/ 265.
    فوجود الفاء مكرورة على هذا النمط سواء أكان الحرف عاطفاً أم رابطاً فإن له دخلاً كبيراً في الوقع الموسيقي على الأذن.
    رابعاً ـ ويبلغ هذا الترتيب في التعاقب دورته بقوله تعالى: (فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه) الفتح/ 29.
    فالتوالي هنا زيادة على جرسه السمعي ليوحي إلى النفس نقطة الانتهاء من حقيقة الأمر حتى عاد واقعاً دون شك مقترناً بالدلالة الإيحائية في كشف تماسك هذه الجماعة وترابطها، وكذا الزرع في شدة أسره، وقوة تشابكه.



    الالتفات وتنوع الكلام في القرآن

    مما أخذ على القرآن: عدم نسجه على منوالٍ واحد، فهناك ظاهرة الالتفات وتنوع الخطاب والانتقال والرجوع والقطع والوصل.. وإلى أمثال ذلك من التنقل الكلامي. زعموا أنه قد يشوش على القارئ فهم المعاني!
    لكنه جهل بأساليب البديع من كلام العرب، وما ذاك الالتفات وهذا التنقل في الخطاب إلا تطرية في الكلام تزيد في نشاط السامعين وتسترعي انتباههم لفهم مناحي الكلام أكثر وأنشط.
    والشيء الذي أغفلوه أنهم حسبوا من صياغة القرآن أنها صياغة كتاب، في حين أنها صياغة خطاب.
    إن لصياغة الكتاب مميزات تختلف عن مميزات صياغة الخطاب. فقضية الجري على منوالٍ واحد هي خاصة بصياغة الكتاب. أما التنوع والتنقل والالتفات فهي من خاصة صياغة الخطاب سواء أكان نظماً أم نثراً، فلا يتقيد الناطق بالاطّراد في سياقٍ واحد، بل له الانتقال والتحول أثناء الكلام حسبما ساقته دلائل المقام.
    فهذا عزيز مصر ـ ينقل كلامه القرآن حينما واجه امرأته ويوسف على حالة استنكرها ـ يقول: (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين) يوسف/ 29. فيخاطب يوسف أولاً، ثم يلتفت إلى امرأته يوبخها.
    وكلا الخطابين منساق في نسق واحد ولكن في واجهتين، وقد نقله القرآن على شاكلته الأولى. والقرآن كله من هذا القبيل، لأنه كلام الله واجه به عباده في صياغة خطاب ولم ينزل في صياغة كتاب. ومن ثَمّ كانت فيه هذه الكثرة من الالتفات والتنقل في الكلام. الأمر الذي زاد في طراوته وزان في طلاوته.
    يقول تعالى: (إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) الفتح/ 8 و9.
    يبتدئ الكلام بالخطاب مع الرسول ويتحول من فوره إلى مواجهة المؤمنين.
    ثم الضماير المتتابعة الثلاثة (وتعزروه وتوقروه وتسبحوه) يعود الأوّلان منها إلى النبي والثالث إلى الله! وهذا من مداورة الكلام من وجهة إلى وجهة، ويعد من ألطف صنع البديع.
    ولا يخفى أن مثل هذا لا يدخل في متشابه الكلام بعد معروفية مراجع الضمائر لدى المخاطبين النابهين. وهو من حُسن الوجازة وظريف البيان (في ظاهر إبهام وواقع إحكام) سهلاً ممتنعاً يكسو الكلام حلاوةً ممتعة.
    فبدلاً من أن يكون الكلام مشوهاً مضطرب المفاد ـ حسبما راقه المتعرب المتكلف ـ أصبح حلواً سائغاً يستلذه المستمع النبيه.
    ومثله في القرآن كثير ويكون من لطيف صنع البديع.
    وبديعة الالتفات كانت غرّة البدائع التي ازدان بها كلام رب العالمين وقد بحثنا عنها وعن أنواع ظرائفها عند البحث عن روائع فنون بدائع كلامه تعالى (في المجلد الخامس من التمهيد). ونبهنا هناك على أنه لابد في كل التفاتة من فائدة رائعة وراء تطرية الكلام والتفنن فيه لتزيده رونقاً فوق روعته، وأتينا بأمثلة لذلك.
    وهنا ـ في الآية التي تمثل بها المتكلف من سورة يونس ـ نقول: إنه يزيد مبالغة في الاستنكار:
    قال تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا..) يونس/ 21.
    يعني: أن أولئك الكفرة الجحود إذا كشف الله عنهم ضرهم، فبدلاً من أن يشكروا تراهم يكفرون نعمة الله ويحاولون تغطيتها بأنواع الملتبسات..
    فيمثل لذلك ركوبهم البحر ومواجهة الطوفان: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم..) يونس/ 22-23.
    فبدأ يواجههم في الخطاب، لكنه في الأثناء يغير وجهة الكلام إلى التكلم عن غائبين، ليحول وجهة السامعين من كونهم مخاطبين إلى كونهم ناظرين مستمعين. وذلك للتمكن في نفوسهم من استقباح ما يشهدونه من فضيع الحال وشنيع المآل، فيلمسوا قباحة العمل وهم يرونه من كثب، فيكونوا هم الحاكمين على فعالهم بالتقبيح.
    قال الزمخشري: ما فائدة صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة؟
    قال: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.
    وذلك لأن القبيح من الغير يبدو أقبح مما لو ذكر عن النفس.
    وهكذا التنقل من شأن إلى شأن كان من خاصية الكلام إذا كان خاطباً لا كتاباً. يتنقل فيه المتكلم من حالٍ إلى حال، وربما من موضوع إلى موضوع آخر، ثم يعود إلى موضوعه الأول حسبما يقتضيه الحال والمقام. والتنقل ظاهرة قرآنية شاملة ولا سيما في السوَر الطوال.
    مثلاً نراه يتعرض لمسألة الطلاق والعدد في آيات (البقرة: 228-237) وينتقل إلى الترغيب في المحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى (الآية: 238) وصلاة الخوف (الآية 239) ويذكر المتوفى عنها زوجها (الآية: 240) ثم يعود إلى ذكر المطلقات (الآية: 241) الأمر الذي لم يكن متناسباً لو كان الكلام كتاباً، ويجوز في الخطاب. وهذا أيضاً في القرآن كثير.
    إذن، فلا موضع لسفاسف الأباعد من عدم الالتئام في نظم القرآن.
    قال هاشم العربي ـ بشأن آية الكرسي بعد ما وصفها بفخامة اللفظ والمحتوى بحيث لا يوجد لها نظير في جميع القرآن ـ : إنها بين جارتيها (الآية السابقة عليها واللاحقة لها) كقطعة ديباج رقّع بها ثوب كرباس. قال: واكثر القرآن على هذه الصفة من عدم القران بين آياته، والانتقال توّاً من الأوج إلى الحضيض ومن ذكر الجنة والمغفرة إلى ذكر المحيض.
    *شبهات وردود حول القران الكريم




    الدلالة الاجتماعية في المثل القرآني



    تتوافر دلالة الألفاظ الاجتماعية في استعمالها اللغوي في عدة مجالات من المثل القرآني، ومرجع هذه الدلالة هو التبادر العام في العرف العربي بما يعطي للكلمة من دلالة خاصة بها، ومراعاة هذا العرف ذو أثر مهم في الدلالة المعينة للكلمة ولهذا اعتبر الخطابي (ت 383-388هـ) إن الكلام إنما يقوم بأشياء ثلاثة (لفظ حاصل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ افصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه).
    وقد جرى المثل القرآني وهو جزء من القرآن على هذا المجرى فأعطاه أهميته في تخير ألفاظه للدلالة على المعنى المراد، وسنختار بعض المفردات منه منفردة بنفسها، أو مضمومة لغيرها، من أجل تحقيق الفكرة بأصولها.
    أولاً: الكلمة (صفوان) من قوله تعالى: (كمثل صفوان عليه تراب) البقرة/ 264.
    وتعطي صورة الحجر المتكلس الذي يجتمع من ذرات غير قابلة للانفصال يتماسك ويتوافر بعد أن يخالطه التراب المهيل من هنا وهناك، فبعبارة تقاطر المطر وتدافع السيول، بدلاً من أن يهش ويلين ويتفتت وإذا به يعود كتلة حجرية واحدة، صلباً لا ينفذ، ومتحجراً لا ينفذ، فإذا طالعتنا اللغة بأنه: (الحجر الأملس) اتضح مدلول الكلمة في عمقها عدم ثبات شيء عليها.
    ثانياً: والكلمة (وابل) من الآية نفسها (فأصابه وابلٌ..) البقرة/ 264.
    تدل لغوياً، على الغيث المنهمر، والمطر المتدافع، وتلمح مجازاً إلى الجود المتناهي في العطاء فهل يا ترى أن سيؤدي معناها بضم هذه الصفات جميعاً لفظ سواها، قد يؤدي معناها بعدة كلمات وإذا تم هذا فهو يعني الخروج عن الإيجاز المتوافر في وابل إلى الأطناب الذي لا مسوغ له في عدة ألفاظ أخر.
    ثالثاً: والكلمة (لا يقدرون).
    بضمها إلى (ما كسبوا) في قوله تعالى: (لا يقدرون على شيء مما كسبوا) البقرة/ 264، فيها من الدلالة على ما يلي:
    تصوير لحالة الحرمان، وإيذان بحلول الفقر، فلا المال المجموع بنافع، ولا الآمال الموهومة بمتحققة، يأس وادقاع مادي من تلك الأموال، وفقر معنوي من تلك الآمال سواء في الجزاء أو في الثواب الذين توهموا حصولهما، وعي متواصل يصلب القدرة والكسب معاً، وهذا إنما يتأتى فهمه بحسب العرف العام في تبادره لفهم معاني الألفاظ عند اطلاقها.
    رابعاً: والكلمة (مشكاة) في قوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح..) النور/ 35.
    ذات دلالة اجتماعية خاصة، وإن تداولتها عدة لغات، واتفقت استعمالاً بين لسانين عند جيلين من البشر، لأن المشكاة عند العرب: (الكوة التي لا منفذ لها .. وقيل هي في لسان الحبشة: الكوة).
    قيل: كيف جاز أن تخاطب العرب بذلك مع قوله تبارك وتعالى: (عربي مبين)؟ فالجواب: أنه جائز اتفاق الاسم الواحد في لغتين لا ينكر مثل ذلك فيما يقع من الوفاق، ومثل الوفاق بين أهل اللسانين.
    ويجوز أن تكون المشكاة من جملة ما أعربته العرب من اللغات فغيرته ونطقت به فصار كلغتها.
    والحق أن العربية قد أعطت هذه الكلمة غرضاً لغوياً خاصاً بها.
    لذا وجدنا أن الكوة لا تعطي دقائق معنى المشكاة بما فيها من بهاء وجمال، وتبادر ذهني عام إلى المدلول منها في كل الوجوه المحتملة.
    خامساً: والكلمة (الظمآن) في قوله تعالى: (يحسبه الظمآن ماء..) النور/ 39، ذات دلالة لغوية خاصة بها، لا تمثلها كلمة الرائي مثلاً، ولو استعملها المثل لأصاب المعنى في جزء منه، ولكنها لا تقع موقع الظمآن، فلو قال، يحسب الرائي ماء لم يقع موقع قوله (الظمآن) لأن الظمآن أشد فاقة إليه، وأعظم حرصاً عليه.
    سادساً: والكلمة (لجي) في قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي..) تشعرك مركزياً بتدافع الأمواج، وتتابع الأمداد فأنت أمام فيض من السيول، وكثافة من الأزباد، ومهما أجال اللغوي فكره في معجمه فإنه لن يصل إلى كلمة تسد مسدها في الدلالة على صورة المعاني النابعة منها.
    وفي هذا الضوء فإنني أميل إلى ما ذهب إليه زميلنا الدكتور العزاوي بقوله: (إن في استقرار اللغة، وثبات صيغتها، قيمة عظمى، ونفعاً محموداً، وذلك في أكثر من وجه. فبعض الصيغ الموروثة، والتراكيب المتداولة، تؤدي المراد منها بدقة لأنها اكتسبت دلالة خاصة تعارف عليها الناس وأصبح من العسير أن تقوم مقامها أو تؤدي مؤداها عبارات أخرى قد يبتدعها أهل اللغة، ويحلونها محل تلك العبارات.
    والدليل على صحة هذه الدعوى ما لمسناه من استعمال المثل القرآني للألفاظ المتقدمة: صفوان، وابل، مشكاة، الظمآن، لجي.
    سابعاً: وفي (لم يكد يراها) من قوله تعالى: (إذا أخرج يده لم يكد يراها) النور/ 40، دلالة لغوية على إرادة عدم الرؤية الحقيقية ونفيها اطلاقاً، بما أثبته النقاد اللغويون، وتخطئة لابن شبرمة وتصحيحاً لقول ذي الرمة، حين بلغ هذا البيت:
    إذا غير النأي المحبين لم يكد
    رسيس الهوى من حب مية يبرح
    فقال له ابن شبرمة: يا ذا الرمة أراه قد برح، ففكر ساعة ثم قال:
    إذا غير النأي المحبين لم أجد
    رسيس الهوى من حب مية برح
    قال الراوي: فرجعت إلى أبي الحكم بن البحتري فأخبرته الخبر، فقال: أخطأ ابن شبرمة حيث أنكر عليه، وأخطأ ذو الرمة حيث رجع إلى قوله، إنما هذا كقول الله عزوجل: (أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها من نور..) النور/ 40، أي لم يرها ولم يكد.
    وأيّد ذلك السيد المرتضى (ت: 436هـ) وأزاد من تفصيل الدلالة الاجتماعية فيه، وعرض لجملة من الآراء في التأكيد على نوعية الظلمات وتدافعها بما استخرجه من (لم يكد يراها) قال المرتضى: (أي لم يرها أصلاً. لأنه عزوجل قال: (أو كظلمات في بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض) النور/ 40، كان بعض هذه الظلمات يحول بين العين وبين النظر إلى اليد وسائر المناظر فـ(يكد) على هذا التأويل زيدت للتوكيد، والمعنى إذا أخرج يده لم يرها.
    وقال قوم: معنى الآية: إذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وعسر لتكاثف الظلمة، وترادف الموانع من الرؤية.
    وقال آخرون: معنى الآية إذا أخرج يده لم يرد أن يراها، لأن الذين شاهد من تكاثف الظلمات بأسه من تأمل يده، وقرر في نفسه أنه لا يدركها ببصره.
    وأياً كان التفسير فدلالة الكلمة المركزية ظاهرة لدى التحقيق، إلا أن هناك شبهة في هذا الفهم المتقابل للكلمة مصدره العرف العام، وقد أوضح سبب هذه الشبهة ابن الزملكاني (ت: 651هـ) بقوله: (وما سبب هذه الشبهة إلا أنه قد جرى في العرف أن يقال: (ما كاد يفعل) و(لم يكد يفعل) في فعل قد فعل على معنى أنه لم يفعل إلا بعد جهد. فمن هنا وهم ابن شبرمة في زعمه أن الهوى قد برح، وظن ذو الرمة مثل ذلك، وإنما هو في الحقيقة على نفي المقاربة فإن (كاد) موضوعة للدلالة على قرب الوجود بمحال أن يكون نفيها موجباً وجود الفعل).
    ثامناً: وفي كل كلمتي ذهب) و(بنورهم) من قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) البقرة/ 17، دلالة مركزية في انسحاب أثر نفي العام على نفي الخاص، ولم يستعمل المثل: (الضوء) بدل (النور) ولا (اذهب) (ذهب) إلا مراعاة لذلك بما أشار إليه الزركشي (ت: 794هـ) بقوله: ولم يقل: (بضوئهم) بعد قوله (أضاءت) لأن النور أهم من الضوء، إذ يقال على القليل والكثير، وإنما يقال الضوء على الكثير، ولذلك قال تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً) يونس/ 5، ففي الضوء دلالة على الزيادة، فهو أخص من النور، وعدمه لا يوجب عدم الضوء، لاستلزم عدم العام عدم الخاص، فهو أبلغ من الأول، والغرض إزالة النور عنهم أصلاً، ألا ترى ذكره بعده (تركهم في ظلمات) وهنا دقيقة، وهي أنه قال: (ذهب الله بنورهم) ولم يقل (أذهب نورهم) لأن الإذهاب بالشيء إشعار له يمنع عودته، بخلاف الذهاب، إذ يفهم من الكثير استصحابه في الذهاب، ومقتضى من الرجوع).
    تاسعاً: والكلمة (عبدا) بتقييدها (مملوكاً) في (ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً..) النحل/ 75 قد يتبادر لأول وهلة في الذهن أن العبد دون تقييد فيه دلالة على عدم الحرية فلماذا هذا التقييد إذن، ولكن الفهم الدقيق يقتضي التقييد، لأن الحر والعبد سواء أمام الله تعالى، فهما عبدان له، اتصاف بالحرية أو العبودية، فأراد الاحتراز من هذه الناحية بأنه عبد مملوك وليس بحرّ مقيد.
    عاشراً: واستعمال كلمة (امرأة) بدل (زوج) بالنسبة لامرأة نوح ولوط، وهما زوجتان لهما، وبالنسبة لامرأة فرعون، وهي زوجته دون ريب في كل من (امرأة نوح وامرأة لوط..) التحريم/ 10، وقوله: (امرأة فرعون) التحريم/ 11، هذا الاستعمال الدقيق ذو دلالة اجتماعية رائعة، توضحها الدكتورة عائشة عبدالرحمن بقولها: ونتدبر استعمال القرآن للكلمتين، فيهدينا إلى سر الدلالة، كلمة زوج تأتي حيث تكون الزوجية هي مناط الموقف: حكمة وآية، أو تشريعاً وحكماً (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) الروم/ 21، فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقيدة فامرأة لا زوج.
    وهذا بيّن بامرأتي نوح ولوط، ففي الخيانة الدينية التي أحدثاها انفصلت عرى الزوجية، وعاد كل زوج منهما امرأة فحسب، وفي امرأة فرعون تعطلت آية الزوجية بكفره وإيمانها، فعادا حقيقتين مختلفتين، لا تربطهما رابطة من سكن، ولا صلة من مودة، فعادت زوجته امرأة.
    وزيادة على ما سبق بيانه، فإن الدلالة الاجتماعية تكشف بعمق ما يحيط بمؤدى اللفظ من إبهام وغموض ليعود جلياً مشرقاً، ففي قوله تعالى: (يا أيها النسا ضرب مثل فاستعموا له..) الحج/ 73 تبدو كلمة (مثل) موهمة بأن لا ثمل في العبارات التالية للمادة، حتى قال الأخفش: إن قيل أين المثل؟ فالجواب أنه ليس هاهنا مثل، وإنما المعنى: يا أيها الناس ضرب لي مثل: أي شبهت بي الأوثان فاستمعوا لهذا المثل.
    ولكن الدلالة الاجتماعية تؤكد وجود المثل بمدلوله اللغوي أو بنقله الاستعاري بما عبر عنه الزمخشري بقوله: (فإن قلت الذي جاء به ليس بمثل، فكيف سماه مثلاً؟ قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائعة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب: مثلاً).
    فأرجع الفصل بالموضوع إلى اللغة لتنفي الشبهة والإشكال.
    ويبدو مما سلف أن الدلالة الاجتماعية في حدود ما عرضنا له من ألفاظ المثل القرآني قد روعي فيها الفهم المتبادر عند الهيئة الاجتماعية في تحديد معنى اللفظ، وضبط مدلوله، فهي وسيلة مهمة لكشف الغموض والإبهام عن الألفاظ، وإليها يرجع في معرفة النص من خلال المعجم اللغوي




    بين القرآن والعلم


    1 ـ موقف القرآن من العلم:
    دعا القرآن في كثير من الآيات إلى التزود بالعلم وأثنى على العلماء وذمّ الجهل والجاهلين، وهذا لا شك فيه لمن يلقي نظرة ـ ولو سطحية ـ على الآيات القرآنية.
    لكن يبقى هناك تساؤل عن طبيعة العلم أو العلوم التي دعا إليها القرآن ومدح أصحابها وأثنى عليهم، فهل حث القرآن على كل العلوم، المادية وغيرها أو كان نظر القرآن إلى خصوص بعض العلوم دون البعض الآخر؟
    فبينما نجد بعض المفسرين والباحثين يحاولون إثبات دعوة القرآن إلى تعلم كل العلوم النافعة، نرى آخرين يصرون على أن نظر القرآن إلى خصوص العلوم الانسانية وما يرتبط بسعادة الانسان في الدارة الآخرة، مثل العقائد\ والفقه والتربية ونحوها…
    ولأجل أن يتضح الموقف القرآني من العلوم نقول: ان ملاحظة الآيات التي تتحدث عن العلم والجهل وما يحكي عنهما من المفردات تشهد أنها تصب في اتجاه استقامة الانسان وهدايته ووعيه لطبيعة الحياة الدنيا، فهي لا تعدو هذه الأمور ونحوها مما يرتبط ارتباطاً مباشراً بالعلوم والمعارف الدينية والتربوية، دون العلوم المادية ونحوها مما يحتاجها الانسان في حياته اليومية. فمن هذه الآيات قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) الجمعة/ 2.
    (قال الذين أوتوا العلم ان الخزي اليوم والسوء على الكافرين) النحل/ 27.
    (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه وقل رب زدني علماً * ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً) طه/ 114-115.
    وغيرها كثير من الآيات.. حيث نلاحظ أن هذه الآيات القرآنية الكريمة بعيدة عن إرادة العلوم المادية وما يشبهها مما هو ضمن اهتمام الانسان ومرتبط بجهده واحتياجاته، وأما تفسير العلم في هذه الآيات بما يشمل كل العلوم النافعة فهو تفسير متكلّف فيه.
    نعم يمكن اهتمام القرآن بمختلف العلوم النافعة من خلال ما يلي:
    أ ـ اهتمام القرآن بعزة الاسلام والمسلمين، فتدخل ضمن هذه الزاوية كل العلوم التي تساهم في تقدم المجتمع واستقراره ورخائه الاقتصادي وكل ما يُنأى بالمسلمين عن الذل والدونية في مقابل الأمم الأخرى.
    ب ـ دعوة القرآن لإحياء الأرض، أو استثمارها ـ باعتبارها قد جُعلت وأبيحت للانسان ـ والذي قد يفهم منه الكناية عن الحث على استكشاف أسرار وخزائن هذا الكون الذي يتوقف على نموّ العلوم المادية وتطورها. (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها) الملك/ 15.
    ج ـ دعوة القرآن المسلمين للدفاع عن أنفسهم وعن دينهم والاستعداد التام لمواجهة خطط الأعداء وكيدهم.. فإنه يستبطن الدعوة للتزود بكل العلوم المساهمة في الوصول إلى هذه الحالة بكل جوانبها العسكرية والاقتصادية وغيرهما. (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة) الأنفال/ 60.
    2 ـ العلوم التي اكن القرآن عاملاً في ظهورها:
    هذه العلوم على صنفين:
    الصنف الأول: هي العلوم التي تضمنها القرآن الكريم سواء تلك التي كان هو مصدرها الأساس أم التي ساهم القرآن الكريم في تطويرها، مثل مباحث التوحيد والنبوة والمعاد والفقه والتربية الاسلامية والأخلاق ونحوها.
    الصنف الثاني: العلوم التي ساهم القرآن في تطورها واستمرارها من دون أن يتضمنها، مثل علوم النحو والبلاغة واللغة وفقه اللغة، حيث عكف المسلمون على دراسة اللغة العربية وأسرارها وأحكامها ليحافظوا على القرآن الكريم ويفهموا معانيه، فكان للقرآن الفضل في نشوء هذه العلوم وتطورها واهتمام المسلمين بها.
    بالاضافة إلى دوره في حفظ اللغة العربية من الذوبان والتهجين.
    3 ـ العلوم الخاصة بالقرآن والباحثة عنه:
    وهي مجموعة علوم القرآن التي ندرسها تحت عنوان (علوم القرآن) مثل مباحث علم التفسير، ونزول الآيات، والوحي، وإعجاز القرآن، وغيرها من العلوم الباحثة عن القرآن الكريم نفسه، وخصائصه.
    4 ـ العلوم الضرورية لفهم القرآن الكريم:
    يحتاج الدارس للقرآن الكريم – بالاضافة لفهم اللغة العربية والإحاطة بها – إلى مجموعة من العلوم التي تساهم في فهم الكتاب العزيز، وهي:
    أ) علوم العربية المختلفة مثل علم اللغة وفقه اللغة، وعلوم النحو والصرف والبلاغة.
    ب) العلوم العقلية المختلفة مثل المنطق والعقائد وبعض البحوث الفلسفية وغيرها.
    ج) مجموعة علوم القرآن مثل نزول الآيات وتاريخه ليمكنه تفسير آية بأخرى، وتمييز المدني من المكي مثلاً وأسباب النزول وغير ذلك.
    د) التزود بالعلوم التي تتحدث عنها بعض الآيات مباشرة مثل الفقه والعقائد وقصص الأنبياء وبعض أحداث التاريخ الاسلامي وغيرها.
    هـ) علما الدراية والرجال، لتمييز النصوص التفسيرية الصحيحة عن غيرها، وتقديم المتعارضات ونحو ذلك.
    هذا إذا كان هدف المفسّر التفسير المحيط والجامع لكل القرآن، أما إذا اقتصر على جوانب معينة منه أو آيات أو سور خاصة منه فقد لا يحتاج إلى بعض هذه العلوم المتقدمة. ويختلف ذلك بحسب طبيعة الجانب الذي يتناوله المفسّر ومتطلباته.
    ونضيف – إلى جانب التزود بالعلوم المتقدمة – شرطين رئيسيين يفترض توفرهما في المفسّر للقرآن الكريم وهما:
    الأول: أن يعي المفسّر تعاليم الاسلام من مصادرها الأصلية ولا يبتعد عن الذهنية الاسلامية الأصيلة، إذ لا يمكن التفكيك بين فهم الاسلام وفهم كتابه. ومن هنا نعرف عاملاً رئيسياً في أخطاء المستشرقين وغيرهم البعيدين عن فهم روح الاسلام الأصيل عند دراستهم وتفسيرهم للقرآن الكريم.
    الثاني: أن يكون المفسّر مسترشداً بالقرآن الكريم وتابعاً له من دون أن يجعل من نفسه متبوعاً وموجّهاً للنص القرآني، فيجتنب تفسيره على ضوء قناعته المسبقة وتوجهاته الذاتية البعيدة عن القرآن وباقيَ المصادر الاسلامية التي يفسّر بعضها البعض الآخر، ولذا نلاحظ أخطاء فظيعة وقع فيها أصحاب العقائد والنظريات المنحرفة والباطلة عندما صاروا يحمّلون القرآن أفكارهم الخاطئة محاولةً منهم في تفسير آياته بما ينسجم معها.



    الزمن النفسي في القرآن


    أول ما يلاحظ في تسمية هذا النوع من الزمن هو إضافته إلى (النفس)، ونقصد بالنفس ذلك الجوهر اللطيف (الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية).
    وبعيداً عن التعقيدات التعريفية، وتشعب التعاريف بين الفنون، نستعمل الاضافة إلى النفس في بحثنا هذا للدلالة على ذلك الإحساس الذاتي والشعور بمرور الزمن أو بعدم مروره، مع تقدير قدره انطلاقاً من هذا الإحساس.
    فإذا عُدنا إلى عناصر الظاهرة الزمنية، فإننا نجد أن هذا الإحساس والتقدير ما هو إلا من خواصّ الانسان، فالزمن النفسي يكون إذن زمناً إنسانياً محضاً، خلافاً للزمن المبارك الذي هو زمن متعلق أساساً بتقييم الله تعالى له حسب مشيئته وفضله، فلا يضاف الزمن النفسي إلى غير الانسان، كما لا يضاف الزمن المبارك إلى غير الله.
    وقد حاولنا أن نجمع نماذج للآيات التي تدخل فيها النفس الانسانية، تقديراً للزمن، وشعوراً وإحساساً به. فاخترنا من بينها الآيات الآتية:
    1 ـ (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * فاصبر صبراً جميلاً * إنهم يرونه بعيداً * ونراه قريباً) المعارج/ 4-7.
    2 ـ (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً) الانسان/ 27.
    3 ـ (ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة) الأعراف/ 187.
    4 ـ ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) يونس/ 45.
    5 ـ (يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً) الإسراء/ 52.
    6 ـ ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون * وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) الروم/ 55-56.
    7 ـ كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ) الأحقاف/ 35.
    8 ـ (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) النازعات/ 46.
    9 ـ (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فسئل العادين * قال إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون) المؤمنون/ 112-114.
    إذا حاولنا أن نرجع إلى الخصائص المشتركة بين هذه الظواهر الزمنية، بالنظر إلى عناصر كل ظاهرة، فإننا نلاحظ ما يلي:
    الجدول المقارَن للعناصر الزمنية:
    العنصر وجوده في هذه الآيات
    الشيء المتزمن الكفار في عموم الآيات
    المقدار الزمني مقداران: زمن حقيقي (عمر الكافر)، ومن مقدّر
    الوحدة اليوم، السنة، الساعة، العشي، الضحى
    المجال أو (السلَّم) الزمن الأرضي
    الحركة اللبث في الدنيا
    فالأمر المختلف فيه هو المقدار الزمني، وسبب اختلافه هو تقدير الانسان لحجمه تقديراً نفسياً لا حقيقياً.
    ومجمل الآيات تسعفنا في تحديد مفهوم الزمن النفسي، وتفصيلها كالآتي:
    1 ـ يوماً ثقيلاً: موضوع الآيات الأولى هو يوم الحساب، فطول هذا اليوم مقارناً بالزمن الأرضي هو خمسون ألف سنة، فالمدة التي يقضيها المؤمن والكافر في هذا اليوم العصيب هي نفس المدة، ولكن الإحساس بها، وتقدير طولها وقصرها يختلف بينهما اختلافاً شديداً.
    فالمؤمن يراه يوماً قريباً قصير المدة، أما الكافر فيثقل عليه ثقلاً شديداً، فهو يستطيل (ذلك اليوم لشدته) وهوله.
    ويفسر هذا المعنى حديث رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري قال: قيل لرسول الله (ص): يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله (ص): (والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا).
    وإمعاناً في الدلالة على طول هذا اليوم على الكافر، وفي التعبير على شدته عليه استعمل القرآن الكريم لفظ (الثقل)، مع أن العادة أن يقال: زمن طويل أو قصير، لا ثقيل أو خفيف.
    والحق أن القرآن في قوله تعالى: (إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً) الانسان/ 27، قد استعار الثقل لشدة اليوم وهوله، ولعظم وقعه على نفس الكافر، فهو ثقيل ثقلاً معنوياً على نفسه، لا ثقلاً حسياً على جسده.
    وقد وصف الزمن ـ كذلك ـ بالثقل في قوله تعالى: (ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة) الأعراف/ 187، وهذا الثقل في (الساعة) إنما هو لفقد العلم بها: (فإن المجهول ثقيل على النفس، ولا سيما إذا كان عظيماً).
    وقد أثبتت أحدث الدراسات الزمنية أن الوقت لا يمر عندما نكون قلقين، ويمر بسرعة هائلة في ساعات الفرح والسرور والنعيم، وهذا المعنى يعرفه الناس بالمراس والإحساس، ونقرأه في مصادر الأدب منذ القديم، ومن ذلك قول الشاعر:
    أعوام وصلٍ كان يُنسى طولها
    ذكرى النوى فكأنها أيام
    ثم انبرت أيام هجرٍ أردفت
    جوي أسى فكأنها أعوام
    ثم انقضت تلك السنون وأهلها
    فكأنها وكأنهم أحلام
    والذي أضافته هذه الدراسات هو أن الثقل يسببه معامل بيوكميائي (Facteur biochimique) يؤثر في الإحساس، إذ إن الإحباط يفرز مواد تحدث خللاً في التوازن الكيمائي للجسد، فيشعر بالتالي بثقل الوقت عليه.
    وهذا ـ بالطبع ـ لا يعني إنكار الجانب النفسي في الانسان، وأنه يقدّر الأشياء، ويميل إليها أو ينكرها، تبعاً للشعور النفسي.
    وأضاف المتخصص المعاصر في الدراسات الزمنية إدوارد هول (Hall) في تفسير هذه الظاهرة: ان الساعة الخارجية والساعة الداخلية ـ البيولوجية ـ للانسان تسيران في إيقاع متزن، وفي حالة القلق يختل الإيقاع فيشعر الانسان أن الوقت لا يمرُّ، وأنه ثقيل ومملّ.
    وفي هذا المعنى تذكر دراسة حول الزمن والبرمجة أنه: (كلما أسرعت كلما تقلص الزمن. وإذا كنت خائفاً أو حزيناً فإن الزمن يمتد؛ أما إذا كنت فرحاً مسروراً فإنني أنسى الزمن).
    وأي وقت أكثر ضيقاً وقلقاً وحسرة على الانسان الكافر من يوم الحساب، وهكذا لن يكون في الزمن أثقل على الانسان من هذا اليوم العصيب: (المُلك يومئذ الحق للرحمن وكان يوماً على الكافرين عسيراً) الفرقان/ 26.
    إذن هذا هو النوع الأول من أنواع الزمن النفسي، وفيه يحس الكافر بثقل الزمن، ويكون خفيفاً على المؤمن؛ أما النوع الثاني فهو خلاف الأول:
    2 ـ ساعة من نهار: في مجمل الآيات الماضية من 4 إلى 9 نرى أن الكافرين يسألون أو يُسألون عن مدة لبثهم في الدنيا، فلا يقدرون حقيقتها، أما الذين يعلمون حقيقة هذه المدة فهم الذين أوتوا العلم من المؤمنين: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) الروم/ 56.
    فالكفار يظنون أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا (ساعة من نهار)، أو (قليلاً) من الوقت، أو (بعض يومٍ)، أو (عشية)، أو (ضحوة)، أو على أكثر التقديرات (يوماً) كاملاً من أيام الدنيا.
    وهذا التقدير الخاطئ ما هو إلا ظن: (وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً)، فهو تقدير غير صائب، منشؤه الإحساس النفسي بالمرور السريع للأيام والليالي، والسنين والقرون والأعمار والآماد.
    والذي جعل هذه الأزمنة تسرع كل هذا الإسراع هو كونهم كانوا في لهو ولعب: (ولئن سألتهم ليقولن إنما) بالحصر (كنا نخوض ونلعب) التوبة/ 65؛ (الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا) الأعراف/ 51، (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران/ 185.
    وقد أثبتت دراسات ميدانية أن الغرائز والمشاعر الجنسية (Emotions) عندما تثار، فإنها تكون سبباً لتسارع زمني مهول، وقد أعطيت لهذا التسارع تفسيرات نفسانية وفزيولوجية وعصبية، ومهما يكن فإن الذين يقضي حياته كلها في بحر من الغرائز يحدث خللاً فاحشاً في تقدير الزمن، وهذا ما يفسر هروب الشباب والأحداث من وطأة المشاكل باللجوء إلى شتى أنواع الغرائز، حتى أكثرها حيوانية، والله تعالى يقول عن هؤلاء: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل) الفرقان/ 44، (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهب أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون) الأعراف/ 175-176.
    ومن مظاهر اللهو والعب: الضحكُ، الذي اتخذ علاجاً للقلق، إذ يعطي للمرء إحساساً بالسعادة، وبالتالي يخفف من وطأة الوقت الثقيل عليه، حتى يتسارع ويخفّ ويمرّ دون أثر يذكر. فلذلك كان قليله مطلوباً، وكثيره حراماً.
    وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): (لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب). وما موت القلب إلا جهل بمرور الوقت وبقيمته وقدره، وهروب من تبعات الحياة وآمالها وآلامها.
    ولعل ما يقع في العالم اليوم من غزو وسائل الترفيه واللعب والمتعة المفرطة على حسب الجد والعلم والتحصيل، هو من قبيل هذا النوع من وسائل قتل الوقت، فهي تجعل من زمن الانسان هباء منثوراً، ثم تورثه يوم القيامة حسرة وثبورا.
    وفي اللغة المستعملة ـ عند عامة الناس ـ دليل صريح على ذلك، فأنت عندما تسأل انساناً جالساً في ملهى أو مقهى: ماذا تفعل هنا؟ فإنه يجيبك: أنا أقتل وقتي.
    إذن مجمل ما في هذا النوع من الزمن النفسي: أن الكافر لا يقدِّر عمره في الدنيا حق قدره، فالكفار وإن عاشوا مائة عام، أو حتى ألف عام فإنهم (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها).
    3 ـ تقلص الزمن: المظهر الثالث من مظاهر الزمن النفسي في القرآن الكريم هو تقلص الزمن في حالة الخطر، وبالضبط في حالة توقع الموت، وهذا التقلص كان مثار انتباه الباحثين في الدراسات الزمنية، حتى إنهم أثبتوا أن الموت عندما يحيط بانسان يجعله يستعرض شريط زمنه كاملاً في ثوان معدودة.
    فبين القدر الحقيقي للزمن الذي عاشه في هذه الحادثة: بضع ثوان، والزمن الذي استعرضه: أعوام عديدة، ليس هناك أي تناسب رياضي، ومن ثم لا يمكن أن يعتبر هذا النوع من الزمن زمناً نسبياً بالمفهوم الفزيائي، بل هو نسبي بالمفهوم النفسي وفي مستوى الإحساس والشعور لا غير.
    وفي القرآن الكريم آية تدعم هذا الحكم، وهي تصف لنا إحساس المشرك بالزمن حين حضور الوفاة، فهو يرى عمره كاملاً كأنه ساعة: (ويوم تقوم الساعة) وقد تكون ساعة خاصة أو ساعة عامة (يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة).
    وفي آية سورة النازعات إضافة تتمثل في الفعل: 0يرى)، الذي يفيد تحقق الموت والهلاك: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها).
    إذن هذه هي مواصفات الزمن النفسي، هو كما يلاحظ غير الزمن المبارك، ويختلف عن الزمن النسبي كذلك بكونه زمناً ذاتياً، علاقته كاملة مع الإحساس والشعور والنفس والمجالات الذاتية، وليس مع المقاييس، والأحداث الكونية، والمجالات الموضوعية.
    وفرق آخر بين الزمن النفسي والزمنين الآخرين هو أن الأول يوصف بالصدق والكذب، وبالخطأ والصواب، فيقال: صدق فلان في تقدير الفترة الفلانية، أو لم يصدق؛ ويقال: أخطأ أو أصاب. أما الزمن المبارك والزمن النسبي فلا يوصفان بالكذب، إذ هما زمنان حقيقيان ثابتان لا شك فيهما.



    شبهات حول المتشابه في القرآن، وتفنيدها

    - الشبهة الأولى:

    إن القول بأن الله لا جهة له، وأنه ليس فوقاً، ولا تحتاً، ولا يميناً ولا شمالاً يستلزم أن الله غير معبود؛ لأن هذه من صفات المعدوم؛ وإن التجرد من الإتصاف بهذه المتقابلات جملة أمر لا يوسم به إلا المعدوم، ومَن لم يتشرف بشرف الوجود.

    تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً: من الخطأ الفادح أن يشبّه الله بمخلوقاته، وأن يوضع موضع المخلوق من حيث النسبة. فالله تعالى لا يشبه خلقه حتى نحكم عليه بما نحكم على مخلوقاته في وجوب أن تكون له جهات ما دام موجوداً. فوجود الله غير وجود المخلوق. فالله ليس مجسماً، وليس مادياً. ومن الخطأ أن يقاس المجرد عن المادة بما هو مادي.
    فالمادي هو الذي يجب أن يتصف بشيء من هذه المتقابلات بأن تكون له جهات ست أو جهة منها. أما غير المادي فترتفع عنه مثل هذه الصفات، ولا يمكن أن تكون له جهة من هذه الجهات. فالخالق لا يستوي أبداً مع خلقه في جريان أحكام الخلق على الخالق.
    ونظير ذلك يمكننا القول: إذا صح، واتصف إنسان بأنه عالم أو جاهل، فإن الجماد كالجبل مثلاً لا يصح أن يتصف بالعلم أو الجهل، وهما مرتفعان عنه، بل وممتنعان عليه؛ لأن طبيعته تختلف عن طبيعة الإنسان. وكذلك لا يصح وصف الأرض بأنها بكر، أو متزوجة، أو أرملة؛ وكذلك لا يصح وصف السماء بأنها سميعة أو بصيرة، أو خرساء؛ وكذلك لا يصح وصف البحر بأنه بالغ أو راشد، أو محلاف. وهكذا تنتفي المتقابلات كلها بانتفاء قابلية المحل لها أياً كانت هذه المتقابلات. وهكذا فإن لكل محل، ولكل مخلوق طبيعة خاصة به تتصف بصفات خاصة، ولائقة بها. وهذه مخلوقة، ومادية فما بالك لو كان الأمر يتعلق بما هو خالق، وغير مخلوق، وغير مادي، وهو الله تعالى، فقياس الغائب على الشاهد فاسد، ومغلوط.
    ثانياً: إذا كان أنصار هذه الشبهة يقررون ضرورة أن يكون لله جهات حتى يكون معبوداً، فإن السؤال الذي يطرح ذاته هذا: أين كان الله قبل أن يخلق العرش، والكرسي، والسماء، والأرض، وقبل أن يخلق الزمان، والمكان، وقبل أن تكون هناك جهات؟. فإن قالوا: لم يكن له جهة، ولا مكان، فقد اعترفوا بخطأ ادعائهم، وناقضوا أنفسهم، واعترفوا بحقيقة أن الله لا تحده جهة، ولا مكان، ولا زمان، وهو حي باق موجود يدبر أمور الحياة في السماء، والأرض. وإن قالوا: إن العالم قديم بقدم الله تعالى، فقد ناقضوا أنفسهم، واستجاروا من الرمضاء بالنار، وهنا يقتضي الحال الانتقال بهم إلى إثبات حدوث العالم.
    ثالثاً: لا يجوز الأخذ بظواهر النصوص على حقيقتها كما يبدو عند أنصار هذه الشبهة مما أوقعهم في لبس، تناقض غريب. فهم لا يستطيعون أن يوفقوا بين قوله تعالى: (أأمنتم مَن في السماء) مع قوله: (وهو الله في السموات وفي الأرض). فهل هو في السماء حقيقة، أم في الأرض حقيقة، أم فيهما معاً حقيقة؟!. فإن قالوا: إنه في الأرض وحدها حقيقة، فكيف تكون له جهة فوق؟! وإذا كان في السماء وحدها حقيقة، فكيف تكون له جهة تحت؟! وإن قالوا: إنه في السماء، والأرض معاً حقيقة، فلماذا يقال: إن له جهة فوق، ولا يقال له جهة تهت؟! ولماذا يشار إليه فوق، ولا يشار إليه تحت؟!
    ناهيك عن التذكير بأن الجهات أمور نسبية، فما هو فوق بالنسبة إلينا قد يكون تحت بالنسبة لغيرنا.
    رابعاً: إن الأخذ بظواهر النصوص على حقيقتها أعجز أنصار هذه الشبهة عن تفسير كثير من التساؤلات. فإذا كان الله تعالى يقول: (يد الله فوق أيديهم) بإفرادها، ويقول: (لما خلقت بيدي) بتثنيتها، ويقول: (والسماء بنيناها بأييد) بجمعها، فهم يعجزون عن الإجابة على ما يوجه إليهم من التساؤلات، والتي منها: هل له يد واحدة بناءً على الآية الأولى؟! أم له يدان اثنتان بناء على الآية الثانية؟! أم له أيد كثيرة بناء على الآية الثالثة؟!
    خامساً: إن الأخذ بظواهر النصوص على حقيقتها أعجز أنصار هذه الشبهة عن تفسير كثير من الوقائع، والظواهر، وأدى بهم إلى شواهد البلبلة، والتناقض.
    فقد روى البخاري، ومسلم، وغيرهما أن رسول الله (ص) قال: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني؟ فأستجيب له؟ مَن يسألني، فأعطيه؟ مَن يستغفرني، فأغفر له؟)).
    فكيف يؤخذ بظاهر هذا الخبر مع أن الليل مختلف في البلاد باختلاف المشارق، والمغارب؟! وإذا كان الله ينزل لأهل كل أفق نزولاً حقيقياً في ثلث ليلهم الأخير فمتى يستوي على عرشه حقيقة كما يقولون؟! ومتى يكون في السماء حقيقة كما يقولون؟! مع أن الأرض لا تخلو من الليل في وقت من الأوقات، ولا ساعة من الساعات كما هو ثابت، وأكيد.
    سادساً: يرد على أنصار هذه الشبهة بما قاله حجة الاسلام أبو حامد الغزالي: ((نقول للمتشبث بظواهر الألفاظ: إن كان نزوله من السماء الدنيا ليسمعنا نداءه، فأي فائدة في نزوله؟! ولقد كان يمكنه أن ينادينا كذلك، وهو على العرش أو على السماء العليا. فلابد أن يكون ظاهر النزول غير مراد، وأن المراد به شيء آخر غير ظاهره. وهل هذا إلا مثل مَن يريد، وهو بالمشرق، إسماع شخص في المغرب، فتقدم إلى المغرب بخطوات معدودة، وأخذ يناديه، وهو يعلم أنه لا يسمع نداءه، فيكون نقله الأقدام عملاً باطلاً، وسعيه نحو المغرب عبثاً صرفاً فلا فائدة فيه، وكيف يستقر مثل هذا في قلب عاقل)).

    - الشبهة الثانية:


    إن القول بالمتشابه يؤدي إلى الترجيح بين الآيات القرآنية ترجيحاً مذهبياً يشوبه التعصب، وينتابه الضعف، والخفاء.
    نقل السيوطي عن الإمام فخر الدين الرازي أنه قال: ((من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات))، وقال: إنكم تقولون: إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به صاحب كل مذهب على مذهبه. فالجبري متمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى: (إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً) الكهف/ 57.
    والقدري يقول: هذا مذهب الكفار بدليل أنه تعالى حكى عنهم ذلك في معرض الذم في قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر).
    وفي موضع آخر: (وقالوا قلوبنا غلف) البقرة/ 88. ومنكر الرؤية متمسك بقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) الأنعام/ 103. ومثبت الجهة متمسك بقوله تعالى: (يخافون ربهم من فوقهم) النحل/ 50. (الرحمن على العرش استوى) طه/ 5. والثاني متمسك بقوله تعالى: (ليس كمثله شيء) الشورى/ 11. ثم يسمي كل واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، والآيات المخالفة متشابهة، وإنما آل في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى يوم القيامة هكذا؟!.
    تفنيد هذه الشبهة:
    إن نسبة بعض أفعال الجوارح لله تعالى كالبصر، والإدراك، والاستواء، والرؤية، لا تعني تشبيه الله الخالق بمخلوقاته أو تجسيمه وإنما الغرض من ذلك التقريب للأفهام، والتنبيه للعقول، والتأنيس للقلوب.
    ويمكن تفنيد هذه الشبهة بالقول: بأن لوقوع المتشابه فوائد، منها: أنه يوجب مزيداً من المشقة في الوصول إلى المراد، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب.
    ويمكن تفنيد هذه الشبهة بما ذكره ابن اللبان في مقدمة كتابه: ((رد الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات))، إذ قال ما خلاصته: ((ليس في الوجود فاعل إلا الله وأفعال العباد منسوبة الوجود إليه تعالى بلا شريك، ولا معين؛ فهي في الحقيقة فعله، وله بها عليهم الحجة مصداق قوله تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). ومن المعلوم أن أفعال العباد لابد فيها من توسط الجوارح مع أنها منسوبة إليه تعالى، وبذلك يعلم أن لصفاته تعالى في تجلياتها مظهرين: مظهر عبادي منسوب لعباده، وهو الصور، والجوارح الجثمانية. ومظهر حقيقي منسوب إليه، وقد أجرى عليه أسماء المظاهر العبادية المنسوبة لعباده. على سبيل التقريب لأفهامهم، والتأنيس لقلوبهم. ولقد نبه في كتابه تعالى على القسمين، وأنه منزه عن الجوارح في الحالين، فنبه على الأول بقوله: (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم). فهذا يفيد أن كل ما يظهر على أيدي العباد، فهو منسوب إلى الله تعالى. ونبه على الثاني بقوله فيما أخبر عنه نبيه (ص) في صحيح مسلم: ((لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه؛ فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)).
    وقد حقق الله ذلك لنبيه بقوله: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله)، وبقوله: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).
    وبهذا يفهم ما جاء من الجوارح منسوباً إليه تعالى، فلا يفهم من نسبتها إليه تشبيه، ولا تجسيم؛ ولكن الغرض من ذلك التقرب للأفهام، والتأنيس للقلوب. والواجب سلوكه إنما هو رد المتشابه إلى المحكم على القواعد اللغوية، وعلى مواضعات العرب، وعلى ما كان يفهمه الصحابة، والتابعون من الكتاب والسنة.

    - الشبهة الثالثة:



    إن القول بالمتشابه يؤدي إلى التساؤل عن ماهية الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان، والهدى؟!

    تفنيد هذه الشبهة:


    إن الحكمة من القول بالمتشابه موجودة قطعاً. وهنا يفرّق بين المتشابه الذي يمكن علمه، والمتشابه الذي لا يمكن علمه. فالمتشابه الذي يمكن علمه، فالحكمة من وجوده يتمثل في حفزه العلماء، والفقهاء والدارسين على التبحر في العلم، والوقوف على موضوعاته، وجزئياته، والغوص في دقائقه، والإحاطة بخواصه.
    وتتمثل حكمة المتشابه أيضاً في إظهار منازل الناس، وتكريس شواهد التفاضل، وتبيين درجات التفاوت منهم؛ نظراً لأنه لو كان القرآن كلّه محكماً، لما احتاج إلى التأويل، والبحث، ومن ثم لاستوت منازل الناس، ودرجاتهم، ومن ثم لم يظهر فضل العالم الباحث المفسر المؤول عن غيره من العوام. أما المتشابه الذي لا يمكن علمه أي الذي استأثره الله بعلمه، فحكمته تتجلى في ابتلاء العباد بالاستسلام لله، والأخذ به، والتفويض، والتوقف فيه لله تعالى، ومن ثم التعبد به تلاوة كالمنسوخ حكماً دون التلاوة؛ فقد بقي قرآناً يتعبد به تلاوة نثاب عليها، وبالتالي فإن حكمة هذا المتشابه تتمثل في أمر آخر هو إثبات إعجاز القرآن البياني حيث إنه أعجز من نزل القرآن بلغتهم، وبيانهم، ومع ذلك أفحمهم، فعجزوا عن فهم معناه، والوقوف على حقيقته، مما يؤصل بالتالي حقيقة الألوهية للقرآن، وأنه كلاما لله العربي المعجز، وفي أقصر سورة منه.

    - الشبهة الرابعة:


    إن القول بالمتشابه يقود إلى السؤال التالي: (هل للمحكم مزية على المتشابه أولاً؟! فإن قلتم بالثاني، فهو خلاف الإجماع، وإلا فقد نقضتم أصلكم في أن جميع كلامه سبحانه سواء، وأنه منزل بالحكمة).
    تفنيد هذه الشبهة:
    وقد أجاب أبو عبدالله النكربازي على هذه الشبهة بقوله: بأن المحكم كالمتشابه من وجه، ويخالفه من وجه، فيتفقان في أن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بعد معرفة حكمة الواضع، وأنه لا يختار القبيح.
    ويختلفان في أن المحكم بوضع اللغة لا يحتمل إلا الوجه الواحد، فمن سمعه، أمكنه أن يستدل به في الحال. والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ليحمله على الوجه المطابق؛ ولأن المحكم أصل، والعلم بالأصل أسبق؛ ولأن المحكم يعلم مفصلاً، والمتشابه لا يعلم إلا مجملاً.
    وقد ردّ الشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني على هذه الشبهة بقوله: ويمكن دفع هذه الشبهة بوجه أقرب: وهو أن المحكم له مزية على المتشابه؛ لأنه بنص القرآن هو أم الكتاب؛ والاعتراض بأن هذا ينقض الأصل المجمع عليه، وهو أن جميع كلامه سبحانه سواء، وأنه منزل بالحكمة: الاعتراض بهذا ساقط من أساسه؛ لأن المساواة بين كلام الله إنما في خصائص القرآن العامة: ككونه منزلاً على النبي (ص) بالحق وبالحكمة، وكونه متعبداً بتلاوته، ومتحدياً بأقصر سورة منه، ومكتوباً في المصاحف، ومنقولاً بالتواتر، ومحرماً حمله، ومسّه على الجنب، ونحو ذلك. والمساواة في هذه الخصائص لا تنافي ذلك الامتياز الذي امتازت به المحكمات. وكيف يتصور التنافي على حين أن كلاً من المحكم والمتشابه له حكمه، وله مزاياه؟! فمزية المحكم أنه أم الكتاب إليه ترد المتشابهات، ومزية المتشابه أنه محك الاختبار، والابتلاء، ومجال التسابق والاجتهاد، إلى غير ذلك من الفوائد الأخرى.
    ثم كيف يتصور هذا التنافي، والقرآن كله مختلف باختلاف موضوعاته وأحواله، فمنه: عقائد، وأحكام، وأوامر، ونواهي، وعبادات، وقصص، وتنبؤات، ووعد، ووعيد، وناسخ، ومنسوخ. ولا ريب أن كل نوع من هذه الأنواع له مزيته، أو خاصته التي غاير بها الآخر، وإن اشترك الجميع بعد ذلك في أنها كلها أجزاء للقرآن، متساوية في القرنية، وخصائصها العامة.
    وخلاصة الجواب: ((أن امتياز المحكم على المتشابه في أمور، ومساواته إياه في أمور أخرى، فلا تعارضن ولا تناقض، كما أن كل عضو من أعضاء جسم الانسان له مزيته، وخاصته التي صار بها عضواً، والكل بعد ذلك يساوي الآخر في أنه جزء للانسان في خصائصه العامة من حسن، وحياة)).

    - ا لشبهة الخامسة:


    إن القول بالمتشابه يؤدي إلى التأويل، وهو اتباع المتشابهات بالتأويل. فإن الناظر في موقف السلف، والخلف من المتشابه، يجزم بأنهم جميعاً مؤولون لأنهم صرفوا ألفاظ المتشابهات عن ظواهرها؛ وصرفها عن ظواهرها تأويل لها. وبذلك فإنهم مؤولون وقعوا جميعاً فيما نهى الله عنه، وهو اتباع المتشابهات بالتأويل، حيث وصفهم الله تعالى بأن في قلوبهم زيغاً، فقال تعالى في الآية السابقة: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) آل عمران/ 7.
    تفنيد هذه الشبهة:
    وننقل هنا ما قاله الشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني في الرد على أصحاب هذه الشبهة.
    أولاً: إن القول بكون السلف، والخلف مجمعين على تأويل المتشابه قول له وجه من الصحة لكن بحسب المعنى اللغوي، أو ما يقرب من المعنى اللغوي. أما بحسب الاصطلاح السائد فلا؛ لأن السلف، وإن وافقوا الخلف في التأويل، فقد خالفوهم في تعيين المعنى المراد باللفظ بعد صرفه عن ظاهره، وذهبوا إلى التفويض المحض بالنسبة إلى هذا التعيين. أما الخلف فركبوا متن التأويل إلى هذا التعيين.
    ثانياً: إن القول بأن السلف، والخلف جميعاً وقعوا بتصرفهم السابق فيما نهى الله عنه قول خاطئ، واستدلالهم عليه بالآية المذكورة استدلال فاسد؛ لأن النهي فيها إنما هو عن التأويل الآثم الناشئ عن الزيغ، واتباع الهوى بقرينة قوله سبحانه: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي ميل عن الاستقامة، والجهة إلى الهوى، والشهوة. أما التأويل القائم على تحكيم البراهين القاطعة، واتباع الهداية الراشدة، فليس من هذا القبيل الذي حظره الله تعالى، وحرمه. وكيف ينهانا عنه، وقد أمرنا به ضمناً بايجاب ردّ المتشابهات إلى المحكمات؛ إذ جعل هذه المحكمات هي أم الكتاب على ما سبق بيانه، ثم كيف يكون مثل هذا التأويل الراشد محرماً، وقد دعا به الرسول (ص)، فقال في الحديث المشهور: (اللهم فقهه في الدين، وعلّمه التأويل).
    وخلاصة هذا: أن الله أرشدنا في الآية إلى نوع من التأويل، وهو ما يكون به ردّ المتشابهات إلى المحكمات، ثم نهانا عن نوع آخر منه، وهو ما كان ناشئاً عن الهوى، والشهوة لا على البرهان، والحجة قصداً إلى الضلال والفتنة، وهما لونان مختلفان، وضربان بعيدان بينهما برزخ لا يبغيان.
    إذن، فمن لم يصرف لفظ المتشابه عن ظاهره الموهم للتشبيه أو المحال، فقد ضلّ كالظاهرية، والمشبهة. ومَن فسّر لفظ المتشابه تفسيراً بعيداً عن الحجة، والبرهان قائماً على الزيغ، والبهتان، فقد ضلّ أيضاً: كالباطنية، والإسماعيلية، وكلّ هؤلاء يقال فيهم: إنهم متبعون للمتشابه، ابتغاء الفتنة. أما مَن يؤول المتشابه أي يصرفه عن ظاهره بالحجة القاطعة لا طلباً للفتنة؛ ولكن منعاً لها، وتثبيتاً للناس على المعروف من دينهم ورداً لهم إلى محكمات الكتاب القائمة، وأعلامه الواضحة، فأولئك هم الهادون المهديون حقاً. وعلى ذلك درج سلف الأمة، وخلفها، وأئمتها، وعلماؤها.
    روى البخاري عن سعيد بن جبير أن رجلاً قال لابن عباس: ((إنني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ. قال: ما هو؟ قال: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون)، وقال: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)، وقال: (ولا يكتمون الله حديثاً)، وقال: (قالوا والله ربنا ما كنا مشركين).
    قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى، ولا يتساءلون. ثم في النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون.. فأما قوله: (والله ربنا ما كنا مشركين) فإن الله يغفر لأهل الإخلاص من ذنوبهم، فيقول المشركون: تعالوا نقول ما كنا مشركين. فيختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك لا يكتمون الله حديثاً. إلى آخر الحديث)).


    اللهم انفعنا بما علمتنا واهدنا الى صراتك المستقم يا ارحم الراحمين

    تـــا بعــــونـــا مــــع البقيـــــة ان شــــــاء اللــــــــه


    جزاكم الله كل الخير











    [/IMG]



    هــذا التوقيـــع اهــــــداء مــن الاخــت الحبيبه الغاليه \ عبيـــر محمــــود

    نسال الله ان يبارك فيها وان يمن عليها بمحبته ورضاه


  2. #2
    Banned أبوعمر will become famous soon enough
    تاريخ التسجيل
    24-12-2006
    المشاركات
    3,885
    معدل تقييم المستوى: 0

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    آخذ نفسى الأول وبعدين أقول لك جزاك الله خيرا فالموضوع قيم جدا وطويل جداجدا ومفيد جدا جدا جدا ولذلك سأحتفظ به لأنى إن قلت لك أننى قرأته كله أكون قد كذبت ولكن مررت عليه سريعا حتى أقف على مدى إستفادتى منه والحقيقه هو يعتبر مرجع لكثير من الأمور سأرجع له إن شاء الله وأسأل الله أن يجعله فى ميزان حسناتك




  3. #3
    عضو rozaia is on a distinguished road الصورة الرمزية rozaia
    تاريخ التسجيل
    08-09-2006
    المشاركات
    70
    معدل تقييم المستوى: 93

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    جزيتي كل الخير

    وفي انتظار البقية

    وهل لي ان اقوم بتخزين نسخة مما كتبت على جهازي؟؟بعد اذنك



    من مواضيع العضو
    ترتيب القرآن
    الختان



  4. #4
    مشرف منتدى الأخبار ومنتدى الطب محمد مختار will become famous soon enough
    تاريخ التسجيل
    27-07-2006
    المشاركات
    19,764
    معدل تقييم المستوى: 293

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    رائعه من روائعك ابنتنا الفاضله
    ومجهود رائع
    بارك الله فيكى









    محمد مختار


  5. #5


  6. #6
    مشرفة سابقة mariem is on a distinguished road الصورة الرمزية mariem
    تاريخ التسجيل
    07-12-2006
    المشاركات
    3,965
    معدل تقييم المستوى: 129

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    اخى او اختى جزاكم الله كل الخير وهلا بتشريفكم الكريم وردكم الطيب

    وهذا شرف لى ان تضم احد مواضيعى والاحتفاظ به عندكم فلا مانع فى هذا لاننا كلنا فى خذمة كتاب الله وسنة نبيه الكريم عليه افضل الصلاة والسلام

    جزاك الله كل الخير

    تحياتى لك تجية طيبة من عند الله تبارك وتعالى




  7. #7
    مشرفة سابقة mariem is on a distinguished road الصورة الرمزية mariem
    تاريخ التسجيل
    07-12-2006
    المشاركات
    3,965
    معدل تقييم المستوى: 129

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    والدنا الكريم الفاضل\ محمد

    جزاك الله كل الخير على تشريفك ومرورك العطر وردكم الطيب

    تحياتى لك تية عامرة بذكر الله




  8. #8
    عضو ماسي الزرانى is on a distinguished road الصورة الرمزية الزرانى
    تاريخ التسجيل
    14-03-2007
    المشاركات
    1,724
    معدل تقييم المستوى: 104

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    بسم الله ما شا ء الله
    ..................................... بارك الله فيكى وجزاكى الله الجنة موضوع دسم وكبير بس مفيد جعلة الله فى ميزان حسناتك امين





  9. #9
    مشرفة سابقة mariem is on a distinguished road الصورة الرمزية mariem
    تاريخ التسجيل
    07-12-2006
    المشاركات
    3,965
    معدل تقييم المستوى: 129

    Post رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    الســـــــــــــلام عليكــــــــــــم ورحمــــــــــة اللــــــــه وبركاتــــــــــــه

    اليكـــــــــــم احبتـــــى فـــــى اللـــــه متـــــابعــــــة علـــــوم القـــــــران

    تابعــــــوا معــــــى.....


    القوى الغيبية في القصة القرآنية

    الأحداث التي تعرضها علينا القصة القرآنية هي من نوع الأحداث التي تسير وفقاً للتدبير الرباني والإشراف الإلهي المباشرين نحو غاية معينة، ولذلك فلا عجب أن يتدخل الإمداد الغيبي واللطف الإلهي في تسيير الكثير من حوادثها وسوقها باتجاه معين يخدم الرسالة والدعوة الإلهية.
    وعلى هذا الأساس يمكننا القول أن (العنصر أو العامل الغيبي) في القصة القرآنية يلعب دوراً مصيرياً حاسماً في تشكيل الأحداث وتغييرها وأحياناً قلبها رأساً على عقب، وعادة ما يكون هذا (العامل الغيبي) مصحوباً بعنصر المفاجأة سواء كان متمثلاً في عذاب أو إمداد ولطف أو معجزة خارقة، وهذا الطابع الفجائي يكاد يكون ملاصقاً للعامل الغيبي غير منفك عنه، فالعذاب لا يحدث إلا بغتة ـ كما صرحت بذلك الآيات القرآنية ـ كقوله تعالى: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) الأنعام/ 44، وقوله: (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مسَّ آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون) الأعراف/ 95، واللطف الإلهي المنقذ لأنبيائه وأتباعهم لا ينزل هو الآخر إلا عندما تبلغ القلوب الحناجر، وعندما يوشك المؤمنون على الاستيئاس، كما تصرح بذلك الآيتان القرآنيتان التاليتان: (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي مَن نشاء) يوسف/ 110، (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) البقرة/ 214.
    ونريد بالطابع الفجائي للعامل الغيبي، دلالة الظروف والملابسات المادية الظاهرية كلها على نتيجة معينة لابد ـ حسب المعادلات المادية ـ من أن تنتهي إليها وفي غمرة هذه التوقعات بالضبط يتدخل العامل الغيبي ليقلب مجرى الأحداث قلباً جذرياً أو ليغير اتجاهها، تأملوا معي هذا المقطع من قصة موسى (ع) الذي يتجسد فيه هذا العامل بتلك المواصفات: (فأتبعوهم مشرقين. فلما ترءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم) الشعراء/ 60 ـ 63.
    المعادلات المادية ترسمها لنا عبارة (إنا لمدركون)، والعامل الغيبي غير المتوقع يتمثل في نزول الوحي الإلهي بغتة بالنسبة لبني إسرائيل على موسى في تلك الظروف العصيبة حاملاً البشرى بالخلاص (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر).
    وهكذا تتغير مجريات الأحداث بتدخل هذا العامل الغيبي بل تسير في اتجاه معكوس فالشواهد المادية تقتضي أن يُدرك موسى وأتباعه، ومعنى تصفيتهم تصفية كاملة وانتصار فرعون وجنوده، ولكن العامل الغيبي جاء ليقلب هذه النتيجة في اتجاه معاكس تماماً.
    هذا فيما يتعلق بالإمداد الغيبي، أما فيما يتعلق بالعذاب فالأمثلة والشواهد كثيرة، ويمكن أن تكون معظم العذابات التي نزلت على الأمم التي كذبت الرسل وآذتهم شاهداً على عنصر المفاجأة في العامل الغيبي (بالنسبة للإنسان الكافر نفسه بالطبع)، ولكنا ـ مع ذلك ـ نريد أن نتوقف قليلاً عند أحد هذه الشواهد لبروز عنصر المفاجأة في قبال الحسابات المادية بروزاً أشارت إليه الآيات القرآنية إشارات صريحة واضحة.
    هذا الشاهد يتمثل في قصة صاحب الجنتين التي جاءت في سورة الكهف: (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً. كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجّرنا خلالهما نهراً. وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً. ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً. وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً. لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً. ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً. فعسى ربي أن يؤتين خيراً من جنتك ويرسل عليها حسباناً من السماء فتصبح صعيداً زلقاً. أو يصبح ماؤها غوراً فلن تستطيع له طلباً) الكهف/ 32 ـ 41.
    القصة ـ إذا نظرنا إليها من منظار مادي لا يدخل في حساباته العوامل الغيبية ـ لابد وأن تنتهي بإثراء صاحب الجنتين إثراءً مفحشاً بعد أن أنتجت الجنتان ذلك المحصول الوافر الذي بلغ من الضخامة حداً دفع صاحبه إلى أن يستشعر في نفسه الغرور والاستغناء عن الله تعالى، ولكن العامل الغيبي يأتي ـ كالعادة ـ ليقلب مجرى الأحداث وليوصلها إلى نتيجة مباغتة عكسية؛ إنها الفقر المدقع، والشعور القاتل بالندم: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها) الكهف/ 42.
    ولعل هذا العنصر الغيبي المفاجئ الذي تتميز به القصة القرآنية هو من أكثر العناصر جذباً للقارئ وشداً لانتباهه، فالقارئ عندما يتلو مثل هذه الآيات القرآنية التي تفجأه بدخول العامل الغيبي إلى ساحة الأحداث يستيقظ في نفسه ذلك الشعور الذي يلازمه دائماً وهو يتابع القصص القرني ألا وهو اليقين من واقعية الأحداث وصدقها ووقوعها فعلاً، مثل هذا الشعور من شأنه أن يجذب القارئ إلى أحداث القصة إلى أبعد الحدود، كما ومن شأنه أيضاً أن يمنح الأحداث حركة عنيفة، ويملؤها بالصراع والتحركات التي تخرج الأحداث من حالة الرتابة والروتينية.
    والحقيقة أن هذه الميزة التي تنفرد بها القصة القرآنية ـ دونما منازع ـ تعد من آيات إعجاز القرآن التعبيري، فهو تجمع بين الواقعية والإثارة، ومثل هذه الميزة لا يمكن أن يؤمنها أي قاص دون أن يضطر إلى اضافة بعض المبالغات و(التكتيكات) إلى أحداث عمله القصصي.
    أما القصة القرآنية فقد جمعت بإعجاز وبراعة بين الواقعية المحضة وبين عامل الشد والإثارة، ومثل هذا الجمع هو من شأن الإعجاز البلاغي القرآني وحسب.
    وقد يسأل سائل في هذا المجال: أليس من المفارقات أن تقلب مسيرة الأحداث بهذا الشكل بغير المتوقع، وألا يحدث هذا القلب رد فعل سلبياً في نفس القارئ قد يصرفه عن متابعة القصة حتى النهاية محملاً بنوع من الاستنكار والاستهجان وهو يجحد نفسه أمام نتيجة لم يكن يتوقعها؟
    وجواباً على هذا التساؤل نقول: إن مثل هذه المفارقات التي تترك ـ عادة ـ أثراً سلبياً في نفس القارئ، قد تصدق على (القصة البشرية) نتيجة لذلك الشعور الذي يلازم قارئها وهو يتنقل بين صفحاتها، ألا وهو الإحساس بأن القصة ليست واقعية تماماً وأن بعض أحداثها من نسج خيال الكاتب ومن ضمنها العناصر الفجائية القالبة لمجرى الأحداث، ولذلك فإن على الكاتب أن يكون حذراً جداً في اختيار نوعية تلك العناصر وإلا حدثت تلك المفارقات التي من الممكن أن تؤدي إلى فشل عمله القصصي، أما بالنسبة إلى (القصة القرآنية) فإن مثل هذا التساؤل لا يمكن أن يصدق مطلقاً، لأن المفارقات معدودة أصلاً فيها لما ذكرناه سابقاً من أنها تمثل قصصاً حقيقية حدثت بالفعل، ولذلك فإنها لا تتضمن أية مفارقة أساساً لأن المفارقة هي وليدة الاختلاق والافتعال.
    النوع الآخر من العناصر الغيبية التي تنفرد بها القصة القرآنية هو عنصر المعاجز والآيات؛ وقبل أن ندخل في الحديث عن تفاصيل هذا العنصر نذكر أننا لا نقصد من هذا الحديث أن هذا العنصر مقصود بحد ذاته للإثارة والجذب لأنه ـ حاله كحال سائر العناصر ـ عنصر واقعي حدث فعلاً وأبرزته القصة القرآنية لعرض الواقع ولخدمة أهداف الدعوى الإلهية، ولكننا نريد من ذلك أن هذا العنصر جاء ليؤدي ـ في إطار المحاولة الإلهية المتكاملة ـ هدفاً آخر هو إضفاء الحركة اللازمة على الأحداث وتلوينها.
    ولعل أفضل مثال يمكن أن نضر به في هذا المجال هو تلك المنازلة التي حدثت بين موسى (ع) وبين سحرة مصر، والتي جرت أمام فرعون وأمام تلك الجموع الغفيرة من الناس، الأمر الذي يزيد من تواجد عنصر الإثارة والتشويق والشد فيها.
    والملاحظ على الآيات التي تصور لنا هذا الحدث أنها تهيئ نفس القارئ منذ البدء إلى الانشداد للقصة ومتابعة أحداثها من خلال ذلك التحدي الذي يجابه به فرعون موسى بعد أن يريه الأخير الآيات التي بعث بها، ومن خلال تعيين موسى لزمان ومكان المنازلة وتأكيده على أن تكون هذه المنازلة على رؤوس الأشهاد، فلنتابع هذا الحدث على لسان القرآن الكريم: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى. فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعداً لا نخلفه نحن ولا أنت مكاناً سوى. قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى) طه/ 57 ـ 59.
    هذه الآيات هي بمثابة الحلقة الأولى من الحدث، الحلقة المنتهية عند نقطة تهيئ الأجواء للحلقة التالية وتثير عوامل التطلع الممزوج بالشوق والرغبة الشديدة إلى ما سيحدث فيها، ولا يلبث التصوير القرآني أن ينقلنا إلى ساحة الحدث في الوقت المناسب عندما تكون العيون متطلعة، والأذهان مشدودة، والنفوس ملؤها الترقب والتطلع إلى ما سيحدث من تلك الأعمال الخارقة في تلك الساحة المطوقة بمئات العيون المحملقة في فضول: (قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول مَن ألقى. قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) طه/ 65 ـ 66.
    اللقطة الأولى من المباراة؛ الحبال والعصي تتحول في لمحة بصر إلى ثعابين تملأ المكان رعبا وذعراً، وتملأ قلوب الإسرائيليين إشفاقاً على موسى من هذا السحر العظيم: (قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم) الأعراف/ 116.
    وحتى موسى نفسه يستولي عليه الإشفاق، ويتسرب إلى قلبه الشك في قدرة عصاه (المستمدة من القدرة الإلهية) على إبطال كل ذلك السحر الذي وصفه القرآن بأنه عظيم: (فأوجس في نفسه خيفة موسى) طه/ 67.
    وفي هذه اللحظة بالذات يتدخل بطل الحدث (العامل الغيبي) ليقلب ـ كما في كل مرة ـ مجرى الأحداث، وليصرفها عن المسار الذي تتوقع الأذهان في تلك اللحظات التي كانت الظروف فيها في غير صالح موسى، أن تتحرك فيه: (قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى) طه/ 68 ـ 69، (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون) الأعراف/ 117.
    وهكذا يسدل الستار على هذا الحدث الرهيب المثير الذي انتهى بانتصار العامل الغيبي الذي يجسد بشكل معجزة أسهمت ـ بالاضافة إلى إثبات صدق الدعوة الإلهية ـ في بعث الحركة والحياة إلى الحدث.
    وهكذا نرى أن العامل الغيبي يضع القصة القرآنية في مكان متميز متفرد، فهي واقعية لا تنفك هذه الواقعية عنها (إن هذا لهو القصص الحق) آل عمران/ 62، في نفس الوقت الذي تتضمن فيه القوى والعوامل الغيبية، وتتجسد فيه هذه القوى والعوامل ألطاف أو معاجز أو آيات أو عذابات، خلافاً للقصص البشرية التي تدخل في تركيبتها وتوظف هذا النوع من العناصر، فإننا ننظر إليها دائماً بعين الريبة والشك، ولا تكاد فكرة (الأساطير) و(المبالغات) و(الخرافات) تفارقنا ونحن نتابع أحداثها، بل إن مثل هذا التوظيف الذي هو بأمس الحاجة إلى ذكاء ومهارة وبراعة لا يمكن أن يتوفر إلا في البلاغة القرآنية، قد ينقلب وبالاً على العمل القصصي فيكون أشبه شيء بخدع سينمائية يسخر الانسان منها في داخله بدلاً من أن يكون عملاً أدبياً راقياً يؤدي دوره في عالم الأدب والفن.


    استخدام شعائري للكلمة المقدسة (القرآن)

    القرآن غير شبيه بأي كتاب مقدس من كتب الموروث اليهودي المسيحي: فنحن لا نجد فيه القصص التاريخية الطويلة المؤلفة والمنظمة التي تغطي مرحلة بكاملها، والسورة الطويلة 12 تكوّن استثناء بارزاً مع قصة يوسف. ولا نجد فيه أيضاً ضروباً طويلة من السرد الحقوقي، التي يقدمها لنا كتاب ككتاب (اللاويين): فالأوامر التشريعية التي يحتويها القرآن معروضة بأسلوب أكثر حياة بكثير وأقل تزمتاً، مع شاغل الاستجابة لأوضاع خاصة ومتتالية بدلاً من معالجة مسألة وفق مخطط موضوع مسبقاً. وليس ثمة كذلك أبداً عروض للأسفار الجامعة والأمثال كما في (الأمثال) أو (السفر الجامع).
    والقرآن ذكر بالحري ـ ذكر الله وعظمته، ذكر الدار الآخرة، والمكافآت والعقوبات، ذكر متكرر لشخصيات مختلفة وأحداث من تاريخ الناس. إنه أيضاً تبشير يتوجه فيه الله باستمرار إلى الناس ليهديهم ويساعدهم، ويشجعهم أو يهددهم؛ وهذا التبشير تعليم، نبأ عظيم، ولكنه هو أيضاً إنذار وتذكير.
    وليس القرآن نصاً متتالياً ينبغي قراءته، ولكنه نص يُصلّى. وتتيح لنا سمات شتى للقرآن أن نعتبره وكأنه نص شعائري، إذا كان بمقدورنا أن نجرؤ على طرح هذه الصفة.
    وثمة مسألة أولى ينبغي أن نلفت النظر إليها في هذا الاتجاه هي الأسلوب الأدبي للتكرار: يعود القرآن، شأنه شأن كل كلام حي، عدة مرات إلى التأكيدات نفسها، والأحداث ذاتها، والشخصيات عينها، ويكرر عدة آيات. إنه تكرار ذو علاقة ولا ريب بالشاغل البيداغوجي، ولكن على وفاق تام مع ممارسة شعائرية. وهذا التكرار يتخذ في بعض الأحيان شكلاً منظماً ومؤلفاً، بعناية. هكذا تكرار بداية السورة، البداية نفسها، كما في السورة 81، التكوير، التي تبدأ آياتها من 1 ـ 13 بـ إذا، ((عندما)).
    ويتخذ التكرار، في حالات أخرى، شكل لازمة، شكل قول يتكرر، كالآية التالية:
    (ولقد يسّرنا القرآن
    للذكر
    فهل من مدّكر؟).
    التي تعود أربع مرات في السورة 54، القمر. ونجد على النحو نفسه أقوالاً تتكرر خمس مرات، عشر بل ثلاثين مرة، كما في السورة المدينية الرحمن، المقطعة على نحو تفريعي تقريباً بهذه الكلمات: (فبأي آلاء ربكما تكذّبان؟) الرحمن/ 55. وتندرج كل هذه الأمثلة، وكثير غيرها، اندراجاً كاملاً في إطار تلاوة طقسية، في إطار عمل من النموذج الشعائري.
    وكنا قد قلنا إن كثيراً من أقوال القرآن تصلح للتلاوة. وسنكتفي هنا بأن نستشهد بتوصية من القرآن صريحة على نحو خاص عن هذه المسألة، تؤكد مظهره الشعائري. وهكذا جاء في القرآن، في سياق الحض على الصلاة، مع اللجوء إلى التكرار، تكرار ذي لازمة، لدعوة هي ((هدف)) هذا المقطع:
    ((إن ربك يعلم
    أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه
    وطائفة من الذين معك
    ـ والله يقدِّر الليل والنهار.
    علم أن لن تحصوه فتاب عليكم.
    فاقرأوا ما تيسر من القرآن.
    ـ علم أن سيكون منكم مرضى.
    وآخرون يضربون في الأرض.
    يبتغون من فضل الله.
    وآخرون يقاتلون في سبيل الله.
    فاقرأوا ما تيسر منه
    وأقيموا الصلاة ... )) المزمل/ 20.
    فثمة هنا، في نهاية السورة، صدى لما كان موصىً به في بدايتها:
    ((يا أيها المزمل!
    قم الليل إلا قليلاً،
    نصفه
    أو انقص منه قليلاً
    أو زد عليه
    ورتّل القرآن ترتيلاً)) الآيات: 1 ـ 4.
    وإذ دفع بلاشير تحليله إلى حدّ بعيد جداً، فإنه يتكلم على تلاوة مشتركة لمقاطع من القرآن: ((لابدّ، كما يبدو، لجزء من هذا التنزيل أن يكون قد استُخدم، في وقت مبكر جداً مع ذلك، في (التلاوة المشتركة). ونحن في أكمل الارتياب الخاص بالنحو الذي تلا المؤمنون عليه هذه النصوص. وربما كان الأمر أمر إنشاد.
    ومهما يكن من أمر، بوسعنا أن نعتبر أن هذه التلاوة كانت ذات تأثير كبير على مَن كان يسمعها. وظروف هداية عمر، خليفة المستقبل، يمكنها، بصدد هذه المسألة، أن تُذكر، يُقال إن هذه الشخصية، المعادية بعنف للدين الجديد في بداية الأمر، عمر، دخل يوماً من الأيام بيت أخته المهتدية سابقاً، التي كانت عندئذ، برفقة زوجها، (تتلو بصوت عال) جزءاً من القرآن. وكان ذلك، بالنسبة لعمر، شعاع النور. وإذ أثاره جمال بعض الجمل التي سمعها، فإنه طلب إعادة المقطع كله فانفعل انفعالاً قوياً حتى انهمرت دموعه)). ويروي البخاري مع ذلك في اتجاه هذه التلاوة العامة دائماً، (حديثاً) يصرّح فيه محمد أنه يحب سماع شخص آخر يقرأ القرآن.
    وليس هدفنا من كل ذلك أن نصف على نحو واضح كيف كان القرآن يُتلى في زمن محمد، بل هدفنا أن نلفت النظر إلى الخصائص والجوانب التي تجعل منه نصاً ملائماً على وجه الخصوص لتلاوة من النموذج الشعائري.
    وثمة ملاحظتان أخيرتان لنتابع في الاتجاه نفسه. الأولى من النسق الأسلوبي وخاصة بـ السجع (النثر المقفّى) الذي لن نتوسع فيه، ذلك أنه كان قد دُرس دراسة كافية: فلنقتصر على أن نقول إن (السجع) يساعد مساعدة رائعة في إمكان استخدام القرآن استخداماً شعائرياً. والملاحظة الثانية سنقدمها خلاصة لهذا الفصل، إذ نذكر بآيات التسبيح الإلهي الغزير في القرآن الكريم، ونذكر بأمر مفاده أن لفظة (سبحان) محمولة على الله على صورة صلاة تمجيد. إن النص نفسه هو إذن كلام شعائري.
    وليس ثمة شيء كان يمكنه أن يلفت الانتباه إلى أهمية اللسان في القرآن أفضل من هذه الإضاءة الشعائرية. وقبل أن نقارب المسألة التالية من هذا التفكر، مسألة ستنصبّ على ((قول)) آخر مرتبط بمحمد والقرآن، (الحديث)، بوسعنا أن نحاول رؤية ما تتيحه لنا عروضنا السابقة أن نجيب عن السؤال الذي كنا قد طرحناه في بداية هذا الفصل: لماذا لا يمكننا أن نجهل القرآن في دراسة تاريخ اللسان العربي السابق عليه؟ ربما يمكننا أن نتبين سببين يبرزان: الأول أن اللسان العربي مع القرآن أصبح لسان الله وسيكون له، بفعل ذلك، ميل إلى أن يحجب أو يدين كل ((قول)) ليس إلهياً. وبالنظر إلى أن الظروف اللاحقة شهدت استيلاء العرب المسلمين على السلطة، استيلاء تلته فتوحات إقليمية، فإن الحيّز الذي كان ممكناً أن تتحرك فيه وتنمو المؤلفات الأدبية العربية السابقة على القرآن تقلّص تدريجياً لمصلحة نشر الإسلام الفاتح.
    ويمضي ما قلناه عن العلاقات بين الكتابة والمشافهة وغلبة المشافهة في الاتجاه نفسه أيضاً. وأياً كان حال المكتوب وحال اللسان العربي قبل الإسلام، فإن ثمة نصاً واحداً، بعد مجيء محمد ونزول القرآن الذي يبشر به، سيكون من الآن فصاعداً ذا الأهمية وينبغي إعلانه. ولن يكون المكتوب سوى حامل هذا التبشير: إنه لن يكون سوى علامات مدونة صائرة إلى أن تساعد ((القارئ)) لا أن تعلمه أي شيء كان.
    ويرى المرء بصعوبة، في هذه الشروط، كيف كان المتحد يمكنه أن يُعنى بكتابات أخرى إذا صودف أنها كانت موجودة. والحيز الديني والأدبي كله، هنا أيضاً، يشغله القرآن
    بالتدريج، وينبغي انتظار اهتمامات أخرى حتى يمكن أن تنبعث مجدداً آثار الفاعلية الأدبية والشعرية السابقة.


    رؤية الإسلام للتأريخ


    [COLOR="Indigo"]إن ظهور الإسلام يمثل ثورة عالمية عقيدية واقتصادية واجتماعية وفكرية أيضاً. وبديهي أن يأتي بتصور للتاريخ البشري في ماضيه وحاضره ومستقبله. وبمعنى آخر اكتسب الوجود الإنساني قيمة أفضل مما انطوت عليه اليهودية بنزعتها العنصرية الضيقة، والمسيحية التي ترى في الحياة الدنيوية قنطرة عبور للآخرة ليس إلا.
    وليس أدل على تبجيل الإسلام للواقع الإنساني المعيش، من اعتبار السلوك البشري إبان الحياة الدنيا هو المدخل الأساسي للحياة الأخروية، قال تعالى: ((ومَن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومَن يعمل مثقال ذرة شراً يره)). كذا دعوته الصريحة لإعمال العقل في تدبير شئون الخلق دونما حدود، قال تعالى: ((قل سيروا في الأرض فانظرا كيف بدأ الخلق)). هذا فضلاً عن تحديد مسئولية البشر وحرية إرادتهم فيما يصنعون، بحيث يصبح التاريخ الإنساني من صنع الإنسان، وبالتالي إبراز قدرة الإنسان على صنع مصيره دون أن يتعارض ذلك مع قدرة الله على الخلق. وما دام الإنسان يصنع تاريخه فالأولى به أن يعي هذا التاريخ ويحاول تدبر علل ظواهره، لأن البحث والنظر في هذه العلل طريق إلى المعرفة الحقة بالعلة الأولى، فالعقل يعمق الإيمان، والحكمة لا تتعارض مع الشرع، قال تعالى: ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)).
    والواقع الإنساني ـ الذي هو التاريخ بعينه ـ لا يجري حسب رؤية الإسلام اعتباطاً، وحركة تطوره ليست عشوائية، وأحداثه لا تقع حسبما اتفق، بل كل ذلك محكوم بقوانين وسنن حسب اعتراف ولفرد كانتل.
    تلك السنن التي تبدأ ((منذ بدأ الخلق)) وحتى القيامة، بمعنى أن الإسلام طرح فكرة الزمان المستمر المتطور بدلاً من فكرة الدورية التي كانت سائدة قبلاً. كما أن السنن المسيّرة لحركة التاريخ لا تقتصر على شعب دون شعب، ولا على إقليم دون آخر، لأن الإسلام أنزل للناس كافة، قال تعالى: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)).
    وطرح الإسلام فكرة احترام الماضي باعترافه بنبوة الأنبياء. وكون محمد (ص) خاتم الأنبياء، لا يعني أن الإسلام يجبّ ما قبله، فيضع ستاراً يحول بين الماضي وبين الواقع الجديد كما تصور مرجوليوث. بل رمز إلى استمرارية الماضي في الحاضر بحيث يصبح جزءاً جوهرياً من مكوناته، وفي ذلك تأكيد على مبدأ ((الاستمرارية)) الحياتية.
    كما طرح فكرة التطلع للمستقبل، وربط بين طبيعة تصوره وبين أفعال الإنسان في الحاضر، بما يؤكد شمولية تلك الاستمرارية، بحيث تحتوي وتربط بين خيوط الماضي والحاضر والمستقبل في وحدة عضوية لا تقبل التجزئة. ولا يقلل من قيمة تلك الوحدة ارتباطها بالدين ـ كما ذهب روزنتال ـ ، فالثابت أن دعوة الإسلام دين ودنيا في وقت واحد، وذلك من عوامل حيويتها وثرائها. فالدين لم يقصد به الدعوة للتوحيد وحسب، ((فالله غني عن العالمين))، إنما أنزل الدين ((رحمة للعالمين)).
    والقرآن الكريم ـ فضلاً عن ذلك ـ انطوى على عديد من الحقائق العلمية في حقل التاريخ التي اصطلح على تسميتها بالسنن حين عرض لتواريخ الأمم السابقة المعروفة ((بأساطير الأولين))، ((للعبرة والموعظة الحسنة)). وتلك السنن هي التي نسميها بلغة العلم ((قوانين))، ومنها قانون ((الحتمية)) و ((الضرورة)) فضلاً عن قانون ((الصراع الطبقي))، وهي أمور يمكن أن يستشفها الباحث المدقق حين يستكنه المغزى التعليمي الأخلاقي للتاريخ في القرآن.
    وقد سبق أن قدمنا اجتهاداً في هذا الصدد لا ضير من إيراده تدليلاً على انطواء القرآن على رؤية علمية للتاريخ ذات طابع سوسيولوجي، نوجزها في النقاط التالية:
    أولاً: عالمية الدعوة الإسلامية تمثل نظرة شاملة متكاملة للوجود الإنساني ((منذ بدأ الخلق)) وإلى ((البعث والحساب))، وفي ذلك إحاطة تامة برحلة البشرية عبر الزمان والمكان، وهما بعدا حركة التاريخ كوحدة لا تقبل التجزئة.
    ثانياً: هذه الحركة ((ليست عشوائية)) وإنما محكومة ((بسنن حتمية))، ((سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر الله قدراً مقدوراً)).
    ثالثاً: هذه السنن أو القوانين يمكن الوقوف عليها من خلال ((الصراع))، ((ولولا دفع الله الناس بعضهم لبعض لفسدتِ الأرض)).
    رابعاً: والصراع نتيجة لما جُبِل عليه الخلق من شهوة التملك، ونزعة الأثرة والأنانية، فالإنسان ((إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً)).
    خامساً: وإطلاق العنان لهذه الشهوات والنزعات الأنانية ينتهي بالبشر إلى التسلط والطغيان، ((إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)).
    سادساً: والتسلط والطغيان مسئولية الإنسان وليسا من صنع الله، فالله هو العدل سبحانه، وذاته منزهة عن الظلم، ((إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون)).
    سابعاً: والظلم يترتب عليه نتائج اجتماعية وبيلة تنتهي إلى خراب العمران بالضرورة، ((ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا)).
    ثامناً: فالظلم يؤدي إلى خلخلة البناء الاجتماعي، بظهور الطبقات وتسلط بعضها على البعض الآخر، وعدم ارتداع الطبقات المتسلطة بالحسنى (( .. وجاءتهم رسلهم بالبينات ما كانوا ليؤمنوا)).
    تاسعاً: ويترتب على ذلك احتدام الصراع بين المظلومين والظلمة، لتشبث الظلمة بامتيازاتهم، باعتبارها شيئاً موروثاً، وكفرهم بالدعوات الإصلاحية، ((وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون)).
    عاشراً: إذن فلا ردع إلا بالعنف والقهر، بحيث يُحسم الصراع بالضرورة بسحق الظلمة وانتصار المستضعفين، ((ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة، ونجعلهم الوارثين)).
    هكذا انطوى القرآن الكريم على خيوط المادية التاريخية كافة أكثر النظريات المستحدثة علمية في تفسير التاريخ حسبما نعتقد.
    وإذا طفر القرآن الكريم بالفكر التاريخي طفرة كبرى، فإن الرسول (ص) في سننه وأحاديثه نحا المنحى نفسه، برغم ما زعمه بعض الدارسين من تسفيه الرسول للشعر والشعراء، تحريم رواية القصص، والاستخفاف بالنسب .. إلخ. فالواقع أن هؤلاء الدارسين لم يفطنوا إلى مغزى مواقف الرسول في هذا الصدد، فقد استجاز الرسول (ص) قول الشعر ـ وكان حسان بن ثابت شاعره ـ لكنه رفض أن يقال في الأغراض البذيئة التي كان يتباري فيها الشعراء كالمجون والهجاء والفخر والمباهاة ... إلخ، وكان القصص السائد في عصره ينطوي على المعاني نفسها كتقديس ا لملوك والأبطال والتعصب القومي والشعوبي .. إلخ، والشيء نفسه يقال عن الأنساب بما انطوت عليه من روح العنجهية القبلية وإثارة الفِرقة، بما يتنافى ودعوة الإسلام لإقرار مجتمع الأخوة على صعيد العالم أجمع، هذا فضلاً عن المبالغات والأساطير والخرافات وغيرها من المثالب التي شابت الشعر والقصص وأقوال النسابة.
    بل نجد الرسول على الصعيد العملي يحض على طلب العلم والمعارف بغض النظر عن مصادرها، قال (ع): ((اطلبوا العلم ولو في الصين))، وأتاح روح التسامح في الجدل والحوار، واستخدم المنطق في حواره مع اليهود كما هو معروف، وأجلّ العلم والعلماء، وأخذ برأي المستنيرين دون تعصب أو جمود.
    كل ذلك ـ وغيره ـ يؤكد أن الإسلام جاء برؤية علمية للتاريخ، فضلاً عما تضمنه من أصول وقواعد منهجية لدرسه، بالإضافة إلى مادة تاريخية أصبحت عماد الدراسات التاريخية فيما بعد، وبالذات فيما يتعلق بالسيرة النبوية والمغازي وتاريخ الدعوة الإسلامية، وبعض أخبار الماضيين والمعاصرين للدعوة من الأمم الأخرى.
    والأخطر من ذلك كله ما جاء به من تشريع لتنظيم العلاقات الإنسانية وفق معايير أخلاقية تعد كسباً حقيقياً للبشرية
    .



    لماذا الأسلوب القصصي في القرآن؟[/COLOR]

    يسترعي انتباهنا ونحن نتعامل مع القرآن الكريم هذا الاستعمال المكثف الواسع للأسلوب القصصي في أرجاء هذا الكتاب الكريم، فلا تكاد تخلو سورة منه من إشارة أو تفصيل لقصة نبي من الأنبياء، أو أمة من الأمم الغابرة، بل حتى المجالات الأخرى من الأبواب التي تطرق إليها القرآن الكريم (كمشاهد يوم القيامة، ومواقف النعيم والعذاب، والأخبار الغيبية، وبيان الآيات الكونية والطبيعية ... الخ)، فضّل القرآن الكريم أن يعرضها علينا بأسلوب تصويري هو أقرب ما يكون إلى الأسلوب القصصي، فلماذا كل هذا التأكيد على هذا الأسلوب، ولماذا كل هذا الحرص على التزامه في أغلب المجالات التي يقف التاريخ في مقدمتها؟.
    إذا أدركنا أن هدف الله تعالى من إنزال القرآن الكريم هو هدف هدائي وتربوي محض، فإن تلك التساؤلات سرعان ما ستزول من أذهاننا، فالأسلوب القصصي يشكل الدعامة الأساسية للعملية التربوية والتعليمية، وبدونه تبقى هذه العملية مبتورة ناقصة يعوزها التطبيق العملي وعرض النماذج والشخوص الواقعية الحية التي تكتمل بترسيخ المفاهيم التربوية في الأذهان، وتأمين الضمانة التطبيقية والتنفيذية لها، فالنظرية تبقى نظرية وإن كانت متمتعة بمستوى عال من السلامة والصحة، ويبقى الحافز إلى تطبيقها والعمل بها كامناً في النفس ما لم يظهر النموذج العملي الداعي إلى الأخذ بها والمحرض على تحويلها إلى واقع عملي في السلوك.
    وإذن فإن أسلوب دعم العملية التربوية بذكر القصص وضرب الأمثال الحقيقية التي لا يشك الإنسان في صحتها وترتفع إلى مستوى مسلماته وبدهياته يعتبر من أنجع وأنجح الأساليب التربوية على مر التاريخ، وقد فطن الإنسان وهو يشعر بمسئوليته التربوية الجسيمة إزاء الأجيال القادمة، إلى أهمية وخطورة هذا الأسلوب فأخذ به وأولاه أكبر وأشد اهتمامه، والكتب التربوية التي أنتجها الفكر الإنساني على مر العصور مشحونة بالتطبيقات المختلفة لهذا الأسلوب، بل إن القصة هي ـ بحد ذاتها ـ أسلوب من أساليب التربية وشكل من أشكال تعديل السلوك الإنساني وسوقه باتجاه معين.
    ولذلك فلا غرابة أن يعتمد القرآن الكريم (القصة) أسلوباً ستراتيجياً ثابتاً من أساليبه التربوية، ولا عجب أن تحتل (القصص) مساحة شاسعة من هذا الكتاب العظيم.
    عرفنا ـ لحد الآن ـ أن الهدف المحوري الرئيسي من تبني الأسلوب القصصي في القرآن الكريم هو تربية البشرية على ضوء النهج الإلهي وهدايتها باتجاه طريق الفطرة المنتهي إلى الإيمان الأكيد بالله تعالى، أما ما سنذكره من أهداف وأغراض أخرى فهي أهداف وأغراض فرعية ثانوية تصب في النهاية في الهدف الرئيسي الذي ذكرناه، وتعمل على تحقيقه والوصول إليه، وعلى هذا فإننا سوف لا نذكرها على أساس أنها أهداف مستقلة عن الهدف الرئيسي، كما أن ذكرنا لها هو من باب المثال لا الحصر، وإلا فإن أغراض القصة لا يمكن أن تحدد برقم معين ما دام السلوك الإنساني نفسه متشعباً إلى درجة عدم استطاعة الإنسان الإحاطة به.
    يمكننا ـ بصورة عامة ـ تقسيم أغراض القصة القرآنية إلى مجموعتين رئيستين تنضوي تحتها الأغراض الفرعية الأخرى، هما:
    أ ـ الأغراض الموضوعية:
    ونقصد بها الأغراض المتعلقة بالرسالة والدعوة الإلهية من قبيل إثبات صدق الدعوة الإلهية، وإثبات كون القرآن منزلاً من قبل الله تعالى، وما إلى ذلك من أغراض نذكر بعضاً منها فيما يلي:
    1 ـ إثبات إلهية القرآن ـ إن صحّ التعبير ـ أي كون القرآن وحياً إلهياً ليس للبشر ـ ومن ضمنهم النبي (ص) ـ أي دخل في وضعه، وقد تكفلت القصص القرآنية بإثبات ذلك عن طريق النباء والأخبار التي جاءت فيها حول الأنبياء (ع) والأمم الماضية، وقد كانت هذه الأخبار التي جاءت فيها حول الأنبياء (ع) والأمم الماضية، وقد كانت هذه الأخبار من الدقة والتفصيلية بحيث يستبعد الإنسان العاقل استبعاداً كاملاً أن يكون النبي (ص) أو أي أحد من معاصريه قد جاء بالقرآن من تلقاء نفسه، خصوصاً وإنه (ص) قد عاش في بيئة تجهل جهلاً تاماً أو شبه تام الأخبار المتعلقة بالأنبياء والأمم السابقة، وحتى لو كانوا يمتلكون قدراً من المعلومات فإنها كانت شوهاء محرفة ناقصة لبعد عهدهم عن أولئك الأنبياء وتلك الأمم.
    وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الغرض إشارة صريحة في بعض الآيات نذكر منها:
    (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) آل عمران/ 44، (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتين) هود/ 49.
    2 ـ التأكيد على وحدة العقيدة التي بعث الأنبياء من أجل نشرها ودعوة الناس إلى اعتناقها، ونحن نستطيع أن نستنتج هذا الهدف بسهولة من خلال تأمل الآيات التي تتحدث عن دعوة الأنبياء (ع) لقمهم، حتى أن البعض من هذه الآيات جاء مكروراً وبأفاظ متماثلة زيادة في التأكيد على هذا الجانب، لاحظ ـ مثلاً ـ الآيات التالية:
    (لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) الأعراف/ 59، (وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) الأعراف/ 65، (وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) الأعراف/ 73.
    فمثل هذا التماثل الملفت للنظر في هذه الآيات وغيرها لم يأت من قبيل المصادفة وإنما جاء لتأكيد حقيقة أن الدعوات الإلهية كلها تستقي من نور واحد، وأنها جميعها مشتركة في الأصول، وأنها بمجموعها تشكل دعوة إلهية واحدة، وأن هذه الدعوات جاءت ليكمل بعضها البعض الآخر، ابتداء من أول نبي بعث إلى قومه، وانتهاءً بدعوة النبي (ص) التي هي خاتمة هذه الدعوات ومكمتلها.
    3 ـ بيان بعض السنن والقوانين الإلهية والتاريخية الثابتة من خلال تقديم نماذج عملية ومصاديق حية لتلك السنن والقوانين، منها ـ على سبيل المثال ـ حقيقة كون المتبعين للحق أقلية على مر العصور، والمواقف المتشابهة ـ في التمرد على الحق والإعراض عنه ـ للأمم على مر العصور وباختلاف الأمكنة وقلة المؤمنين الحقيقيين بدعوات الأنبياء (ع). وقلما نجد آيات تتحدث عن قصة نبي مع قومه إلا وفيها تأكيد على هذه السنة التاريخية، حتى أن القرآن الكريم عمم هذه السنة على جميع الأمم الغابرة، بل وحتى أمة نبينا (ص) من خلال قوله تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون. أتواصوا به بل هم قوم طاغون) الذاريات/ 52، 53. وقوله تعالى طبقاً لبعض الروايات: (والقمر إذا اتسق. لتركبنَّ طبقاً عن طبق) الانشقاق: 18، 19. أي لتحذون ذو الأمم السالفة التي أعرضت عن دعوات أنبيائها، وأنزل عليها العذاب الإلهي نتيجة لهذا الإعراض.
    ومن السنن الثابتة الأخرى التي كشف القرآن النقاب عنها من خلال قصصه، انتصار الحق في نهاية المطاف، وغلبة دعوات الأنبياء رغم التكذيب والاضطهاد اللذين تتعرض لهما في بداية الأمر.
    وهذه الظاهرة تشكل قانوناً تاريخياً ثابتاً لأن الحق يحمل في داخله عوامل دوامه وبقائه وانتصاره، والباطل يحمل ـ في المقابل ـ بذور زواله وفنائه رغم سيادته وانتصاره في بادئ الأمر، وجميع قصص الأنبياء تؤكد على هذه السنة من خلال تلك النهايات التي ترسمها لنا، النهايات التي تصور لنا نزول العذاب الإلهي على الكفرة والمتمردين، ونجاة الأنبياء وأتباعهم وظهور من يؤمن بدعواتهم.
    وقد يسأل سائل في هذا المجال: إن مطالعة القصص القرآنية تثبت لنا أن ذلك الاتنصار وقتي إذ سرعان ما يعود الانحراف عن الدعوة الإلهية بمجرد موت النبي (ص)، وسرعان ما يسود الباطل مرة أخرى، فكيف تنسجم هذه الظاهرة التي أكدت عليها الآيات القرآنية مع ما قررناه مسبقاً من أن الانتصار للحق في نهاية المطاف؟.
    ونحن ـ جواباً على هذا التساؤل ـ نؤكد صحة هذه الظاهرة ونسلم بها، ومع ذلك فإن التأكيد عليها والتسليم بها لا يتنافيان مطلقاً مع حقيقة تلك السنة، فرغم تلك العودات المجددة إلى الباطل، واستئناف الانحراف عن العقيدة الإلهية، إلا أن الانتصار سيكون من نصيب الحق في النهاية.
    قال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) التوبة/ 33، (ونريد أن نمنَّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) القصص/ 5.
    هذا بالإضافة إلى سنن وقوانين أخرى يمكن للمتأمل في القصص القرآنية أن يستنتجها، وقد ذكرنا السنتين السابقتين كنموذج لهذا الغرض القرآني.
    ب ـ الأغراض التربوية:
    ونقصد بهذا النوع من الأغراض ذلك الذي يستهدف تربية الإنسان على المنهج الإلهي، وتقويم سلوكه على الصعيد الأخلاقي الشخصي والعام، وجميع القصص القرآنية تعج بمثل هذه المفردات التربوية اعتباراً من علاقة الإنسان بنفسه، ومروراً بعلاقته مع المجتمع، وانتهاءً بارتباطه مع الخالق ـ تعالى ـ ، وعلى سبيل المثال نذكر فيما يلي بعضاً من هذه الأغراض:
    1 ـ تحذير الإنسان من غواية الشيطان ووساوسه من خلال عرض نماذج حية لأشخاص وقعوا في حبائل الشيطان فكانت النتيجة الندم أو الانحراف في تيار الانحرافات، والقصص من هذا النوع أكثر من أن تحصى، بل أن جميع القصص القرآنية يمكن اعتبارها ـ بالنتيجة ـ من هذا النوع لأن أصل الانحراف هو الشيطان، تعينه في ذلك الإرادة الضعيفة للإنسان، وغفلته عن ذكر الله تعالى. ولعل قصة آدم (ع) وإخراجه من الجنة، وتناوله من الشجرة التي حرمها الله تعالى عليه، وجعل عدم الاقتراب منها شرطاً لبقائه في الجنة وراحته من عناء الدنيا، لعل هذه القصة تعتبر النموذج الأفضل الذي يمكن أن يذكر في هذا المجال كمصداق لهذا الغرض، وقد أشار تعالى إلى هذا الغرض من ذكر قصة آدم وزوجه في قوله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) الأعراف/ 27.
    2 ـ تثبيت النبي (ص) والمؤمنين وحضهم على الاستمرار في طريقهم الذي رسمه الله تعالى لهم من خلال عرض صور من صمود ومقاومة الأنبياء (ع) تجاه المحاولات التي كانت تستهدف تقويض الرسالة واحتواء الدعوة الإلهية، وإلى هذا الغرض أشارت آيات من قبيل: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أوّاب) ص/ 17، (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) الأحقاف/ 35، (وكلاّ نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) هود/ 120.
    3 ـ تحذير الإنسان من عاقبة الشعور بالاستغناء عن الله تعالى والتكبر والغرور، كقصة قارون التي ذكرت أساساً لهذا الغرض حيث يقول ـ تعالى ـ معقباً عليها: (تلك الدار الآخرة تجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) القصص/ 83. وكقصة أصحاب الجنة الذين خسروا كل شيء في لمحة بصر بسبب غفلتهم عن ذكر الله تعالى، واستيلاء الإحساس بالاستغناء عنه على نفوسهم، وكقصة صاحب الجنة الذي قال عنه تعالى مشيراً إلى الغرض من سوق قصته: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً) الكهف/ 35. وعشرات القصص الأخرى التي لا يتسع المقام لذكرها.
    كانت تلك بعضاً من أغراض القصة القرآنية ذكرناها تفسيراً لظاهرة الاستخدام الواسع الملفت للنظر للأسلوب القصصي، واعتماد القرآن الكريم عليه محوراً لتحقيق هدفه الأكبر، ألا وهو هداية البشرية وتربيتها على ضوء النهج الرباني.



    شبهات حول ترجمة القرآن، وتفنيدها


    ـ الشبهة الأولى:[COLOR="DarkRed"

    ]إن ترجمة القرآن ترجمة حرفية ومن لغته العربية إلى لغة أخرى جائزة، وغير متعذرة. وهم يقصدون بترجمة القرآن التعبير عن معاني ألفاظه العربية، ومقاصدها بألفاظ غير عربية مع الوفاء بجميع هذه المعاني والمقاصد.
    ودليلهم: أن القرآن الكريم لم ينزل للعرب وحدهم فقط، ولذا يجب تبليغه للأم الأخرى الإسلامية عن طريق ترجمته إلى لغاتهم. وتبليغ الإسلام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.

    تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً: إن ترجمة القرآن ترجمة حرفية مستحيلة. فإنه يستحيل أن يترجم القرآن بألفاظ أخرى غير عربية تقوم مقام ألفاظه، وتعبر عن نفس معانيه ومقاصده. وبذلك فكل ترجمة من هذا القبيل لا تسمى قرآناً، وإلا كان محرفاً، ولا يستقيم التعبد به، والصلاة به ويكون في هذه الحالة ترجمة تفسير أو معاني، ولا يكون بل لا يسمى قرآناً.
    ثانياً: إن تبليغ القرآن يمكن أن يتم من خلال ترجمة معانيه، وهو تفسيره بغير لغته. فينقل إلى الشعوب الإسلامية غير العربية، وبلغاتهم، فيفهمون علومه، وتكاليفه، وأحكامه، وعقائده، وشرائعه .. إلخ.
    ثالثاً: إن الرسول (ص) لم يترجم القرآن، ولم يأمر بترجمته إلى لغة أخرى حتى وفي دعوته للأمراء، والملوك، والشعوب غير العربية، وإنما كان يدعوهم إلى اعتناق الإسلام بتوضيحه لهم عقائده، وعلومه وأحكامه.
    رابعاً: وكذلك الصحابة (رضوان الله عليهم) لم يقوموا بترجمة القرآن حرفياً، وهم الحريصون على تبليغ الإسلام، والقرآن، والسنة النبوية للآخرين، وهم الذين قال فيهم الرسول (ص): ((أيهم اقتديتم، اهتديتم)).

    ـ الشبهة الثانية

    :
    إن ترجمة القرآن حرفياً واجبة، وأمر مفروض. ودليلهم: أن حماية القرآن من التحريف تقتضي ذلك، وأن الواجب يقتضي ألا تترك ترجمة القرآن إلى غير العرب حتى تبقى ترجمتنا هي الأصل الصحيح، والمعتمد عليه كقرآن مترجم.

    تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً: إن القضية بالنسبة لموضوع الترجمة لا تكمن في مَن هو الذي يقوم بالترجمة. فالقضية هنا: أن الترجمة مستحيلة سواء قمنا نحن بها، أو قام غيرنا، لأنه يستحيل أن يعبر عن معاني القرآن بألفاظ غير عربية، وغير ألفاظه. فلا توجد هناك بين لغات العالم لغة تشبه مفرداتها وألفاظها، وتراكيبها نظيرتها في اللغة العربية، أو يمكن أن تعبر عن معاني ومقاصد القرآن الكريم نفسها. ولتكن الترجمة إذن ترجمة تفسير للمعاني القرآنية، وهذه لا تسمى قرآناً. ولذلك فمهما أوتينا من حرص في ترجمة القرآن، والتعبير عن معانيه بألفاظ، ومفردات، وتراكيب تأتي بها لغات أخرى، فإننا لا نستطيع أن نحقق المراد المقصود من الترجمة، وأن نأتي بقرآن ألفاظه، ومفرداته، وتراكيبه غير عربية.
    ثانياً: إن العناية الإلهية اقتضت أن يكون هذا القرآن، وأن يبقى عربياً لحكمة عدم إمكانية ترجمته أو لحكم أخرى لا يعلمها إلا الله. فقد تظهر لنا بعض حكم القرآن، وقد يخفى علينا الكثير منها. حتى الذي يظهر لنا من الحكم قد لا يكون هو المقصود. وكما قال الإمام السيوطي في الإتقان: ((إن تحت كل حرف من حروف القرآن الكريم معان لا يعلمها إلا الله تعالى)).
    وغني عن البيان القول: إن الله تعالى لم ينزل القرآن،و لم يجعله عربياً إلا لحكمة هو ارتضاها، وإذا قال هو عربي، سيظل عربياً، وعلينا، ولعلنا نعقل ما فيه، ولما نزل لأجله. قال تعالى: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) يوسف/ 2.
    وقال تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) الزخرف/ 3.

    ـ الشبهة الثالثة:

    إن ترجمة القرآن حرفياً إلى لغة أخرى اقتضتها السنة النبوية. ودليلهم: قال (الشربنلالي) في كتابه (النفحة القدسية): ((روي أن أهل فارس كتبوا إلى سلمان الفارسي أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية، فكتب لهم: (بسم الله الرحمن الرحيم ـ بنام يزدان بخشايند) فكانوا يقرأون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم. وبعد ما كتب عرضه على النبي (ص) كذا في المبسوط. قال في النهاية، والدراية)).

    تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً:
    إن هذا الحديث خبر مجهول الأصل، وفي متنه، وسنده، ولذا لا يجوز الاعتداد به. ولو كان صحيحاً لتواتر، لأهميته.
    ثانياً:[/COLOR

    ] إن هذا الخبر يحمل في طياته علامات نقضه. لأنه لو صح، فإن المعلوم أن سلمان الفارسي لم يجبهم إلى طلبهم، وأنه لم يترجم لهم الفاتحة، وإنما ترجم البسملة فقط كما هو مستفاد من الحديث نفسه. زد على ذلك أن ترجمة البسملة أيضاً لم تأت كاملة. وإنما نقصت ترجمة (الرحمن).
    ثالثاً: إن الاختلاف في روايات هذا الحديث بالزيادة، والنقصان في لفظه يقتضي الحكم برده، وعدم الأخذ به. فالإمام النووي مثلاً نقله في المجموع شرح المهذب بلفظ آخر نصه: ((إن قوماً من أهل فارس طلبوا من سلمان أن يكتب لهم شيئاً من القرآن، فكتب لهم الفاتحة بالفارسية)). فهذه الرواية تذكر الفاتحة، والأولى تذكر البسملة، وهذا اضطراب يوهن الحديث ويضعفه.
    رابعاً: يترتب على ما سبق عدم ثبوت صحة هذا الحديث. وكذلك تناقضه. وحتى على فرض صحته، فالظاهر، بل والثابت أنه يعارض الأدلة الأكيدة، والمتفق عليها من قبل العلماء على عدم جواز وصحة ترجمة القرآن ترجمة حرفية، وأنه قد يكون المقصود في حديث سلمان الفارسي هو الترجمة اللغوية التفسيرية ليس إلا. والله أعلى، وأعلم.



    السقوط الحضاري للماركسية في ضوء السنن التاريخية في القرآن الكريم


    القرآن الكريم يعتبر اول كتاب كشف عن القوانين التاريخية وأكد عليها. وقاوم النظرة العفوية أو النظرة الغيبية المجردة لتفسير الاحداث، حيث قاوم تفسير الإنسان للاحداث على اساس الصدفة والقضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى خارج دائرة الاسباب والمسببات. ولذلك نبّه العقل البشري إلى ان هذه الساحة لها سنن وقوانين، وانّه لكي تستطيع ان تكون انساناً فاعلاً ومؤثراً لابد لك ان تكتشف هذه القوانين ولابد ان تتعرف على هذه القوانين لكي تستطيع ان تتحكم فيها وإلاّ تحكمت هي فيك وانت مغمض العينين، افتح عينيك على هذه القوانين لكي تكون انت المتحكم لا كي تكون هي المتحكمة فيك. من كل هذا نستنتج ان النظام الدولي الجديد هو حدث تاريخي فلا يمكننا ادراك حقيقته بصورة دقيقة وكذلك التحكم فيه وكيفية مجابهته إلاّ من خلال فهمنا وادراكنا للقوانين التاريخية والتي كشف القرآن الكريم عنها وبصورة دقيقة. وكما ان علمنا بأن الماء يغلي حسب قوانين الثرموداينمك في درجة حرارية معينة إذا تعرض لضغط معين، فكذلك الحدث التاريخي تتحكم به القوانين التاريخية وبذلك نستطيع توفير الظروف المناسبة حتى يتحكم القانون التاريخي بالظاهرة التاريخية كالنظام الدولي الجديد مثلاً وكما نريد، فمثلاً يمكننا ان نغلي الماء بدرجة عشرين مئوية ولكن في ضغط معين نهيئه لهذا الغرض.
    وفي هذا البحث اخترت موضوع تطبيق القوانين التاريخية والمذكورة في القرآن الكريم على التجربة الماركسية لسببين: الاول ان النظام الدولي الجديد هو نتيجة لسقوط التجربة الماركسية، ولا يمكننا فهم وادراك الحدث الجديد إلاّ بمعرفة وماهية اسباب سقوط النظام السابق. وثانياً ان كل قانون من قوانين التاريخ وكما يعرفها الشهيد الصدر كلمة من الله تبارك وتعالى، تخضع لها الظواهر التاريخية بدون استثناء، والفكر الماركسي اخترته لكي يكون نموذج لهذه الظواهر التاريخية.
    فقد طالعنا العقد الاخير من القرن العشرين بتطور مهم على الساحة التاريخية ألا وهو السقوط الماركسي حضارياً وذلك على ايد الشعوب التي كانت نفسها وقوداً احرق في سبيل اخراج هذه التجربة التاريخية إلى حيز الوجود. والسؤال الذي يطرح نفسه هل ان هذا السقوط الحضاري كان صدفة ام ان هنالك سنناً أو قوانين تاريخية تحكمت بصورة دقيقة في هذه الظاهرة التاريخية؟ للاجابة على هذا السؤال لابد من الاشارة إلى خصائص القوانين التاريخية، فالسنن التاريخية في ضوء القرآن الكريم وكما عرفها الامام الشهيد السيد الصدر: «القوانين التاريخية هي التي تتحكم في مسيرة وحركة وتطور التاريخ، فالساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الاخرى، وهذا المفهوم التاريخي يعتبر فتحاً عظيماً للقرآن الكريم، لأننا في حدود ما نعلم، القرآن أول كتاب عرفه الإنسان اكد على هذا المفهوم، وكشف عنه وأصر عليه وقاوم بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم، قاوم النظرة العفوية أو النظرية الغيبية الاستسلامية بتفسير الاحداث».
    فالقانون التاريخي هو قانون علمي كبقية القوانين العلمية الكونية الاخرى والتي امتاز بالتتابع وعدم التخلف (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) «الاحزاب 62»، (ولا تجد لسنتنا تحويلاً) «الاسراء 77» والخاصية الاخرى للسنة التاريخية هي عدم خروج هذه السنن عن قدرة الله عز وجل بل هي تعبير وتجسيد لقدرة الله. فهي كلماته وسننه وارادته وحكمته في الكون لكي يبقى الإنسان دائماً مسؤولاً من الباري عز وجل، فالخالق سبحانه وتعالى يمارس قدرته من خلال هذه السنن. اما الحقيقة الثالثة التي تمتاز بها القوانين التاريخية فهي ان ارادة واختيار الإنسان تشكل احد طرفي المعادلة العلمية للقوانين التاريخية. فأختيار وارادة الإنسان هي المحور في تسلسل الاحداث والظواهر التي تتحكم فيها القوانين التاريخية.
    والآن نعود إلى الموضوع الاصلي وهو السقوط الماركسي. هذه الظاهرة التاريخية لكي تتحكم بها السنن التاريخية لابد ان تحمل ثلاث علاقات. فالعلاقة السببية اي وجود اسباب لحصول هذه الظاهرة التاريخية تعتبر احدى هذه العلاقات. ومن هذه الاسباب دكتاتورية الدولة ودكتاتورية الحزب الواحد وخنقها لحرية الفرد وخصوصاً تحديدها لملكية الإنسان باتجاه عدم التملك، والتخلف الاقتصادي للفرد، وظهور طبقة مترفة فالدولة تعيش على حساب الفرد وهذا ما يناقض الفكر المادي التاريخي الماركسي الذي يؤمن بأن ازالة التناقض الطبقي يؤدي إلى توحيد المجتمع في طبقة واحدة.
    العلاقة الثانية التي تحملها هذه الظاهرة التاريخية هي وجود هدف وغاية لهذه الظاهرة. فسقوط حائط برلين والتحرك الجماهيري الساخط لشعوب اوروبا الشرقية واصلاحات البيروسترويكا كلها تحمل هدف ألا وهو اكتساح الفكر الماركسي عن الطريق وايجاد بديل آخر يعالج المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. الخ. وهذا يفسر لنا لماذا حُذف درس الفكر الماركسي من المنهاج المدرسي بعدما كان الدرس الاساسي في المدارس السوفياتية، وبعد ما كان الحزب الشيوعي يعتبر المنهاج الذي تعقد عليه الآمال، تشمئز الجماهير الآن من ذكر كلمة الشيوعية، وبعد ما كان الهدف في الفكر الماركسي محو الملكية الخاصة، تدعو الدولة في الاتحاد السوفيتي افراد الشعب للمساهمة في ملكية القطاع العام. هذه الغاية من التحرك الجماهيري أو العلة الغائية بتعبير الفلاسفة تتميز بها الظاهرة التاريخية عن الظواهر العلمية الاخرى.
    اما العلاقة الثالثة التي تحملها الظاهرة التاريخية وتميزها عن الظواهر الكونية الاخرى، فهي ان المجتمع يعتبر ارضية لهذه الظاهرة. فالسقوط الماركسي ذو ارضية اوسع من حدود الفرد وذو موج اتخذ من المجتمع سبب مادي له. فتحرك الجماهير الواسع في رومانيا والمانيا الشرقية وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا.. الخ وكذلك اصلاحات البيروسترويكا تعدّت الهدف أو المصلحة الفردية، وانما يعتبر هذا التحرك عملاً للامة والمجتمع.
    من كل هذا نستنتج ان السقوط الحضاري الماركسي يعتبر ظاهرة تاريخية تتحكم بها القوانين التاريخية.
    والآن نسلط الضوء على هذا الحدث التاريخي من خلال تحكم السنن التاريخية والتي اكتشفها القرآن الكريم فيه، فالقرآن الكريم يؤمن بأن التغيير الظاهري للامة يتحقق بوجود شرط، ألا وهو تغيير المحتوى الداخلي للانسان: (ان الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم).
    فالمستوى الداخلي للانسان هو القاعدة والاساس للبناء العلوي للحركة التاريخية فسقوط الظواهر الخارجية للامة، الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، الخ، ينتج التغيير ايمان الاُمّة ككل بالايديولوجية التي تؤدي إلى حصول هذه الظواهر الخارجية. الماركسية عندما تسقط كوجود ظاهري، كبناء علوي، كوضع خارجي، اي كتغيير سياسي، اقتصادي، اجتماعي ينتج ذلك عن تغيير لايمان الاُمّة ككل بالفكر الماركسي. وهذه الحقيقة تعتبر كبديهة ثابتة اشار اليها المفكر الشهيد الامام الصدر. ألا وهي ان الفكر الماركسي يعارض فكرة الإنسان فحب التملك هو نتيجة الدافع الذاتي لغريزة حب الذات، والفكر الماركسي سلب حتى التملك من الفرد، مما ادى ذلك إلى اعراض الإنسان لهذا الفكر. فالدافع الذاتي للفرد مرتبط بالملكية الخاصة، واعتبار حب الذات، كنتيجة للملكية الخاصة وليس كغريزة فطرية في الإنسان، ادى إلى عدم تغيير المحتوى الداخلي للانسان أو ما نسميه بتغيير النفس، وبالتالي إلى هدم البناء الخارجي للامة.
    بالاضافة إلى فشل الفكر الماركسي بتغيير المحتوى الداخلي للانسان، فقد فشل باعطاء المثل الاعلى الذي يكون كهدف لعملية هذا البناء. فالهدف أو المثل الاعلى أو المحور الذي يستقطب تغيير البناء الداخلي للانسان في نظر الفكر الماركسي هو المجتمع. فالهدف هو محو الدولة من المجتمع وايجاد العقلية الجماعية لكل البشر فلا يفكر الجميع إلاّ في المصلحة المادية في المجموع. أي الحكم على الشخصية الفردية بالاضمحلال والفناء. هذا النوع من التفكير ادى إلى القضاء على حريات الافراد وحقوقهم الطبيعية في الاختيار والتفكير. وبما ان الإنسان بطبيعته يفكر تفكيراً ذاتياً، ويحسب مصالحه من منظاره الفردي المحدود، لذلك لابد من قوّة حديدية تحبس كل صوت وتخنق كل نفس للقضاء على أي تفكير أو دوافع ذاتية. كل هذا ادى إلى وجود الحكومات الدكتاتورية الرهيبة والتي كانت نهايتها في المعسكر الشرقي على يد الشعوب فيه.
    لقد كان الهدف في الفكر الماركسي مشتقاً من التطلع إلى المستقبل والطموح نحو الابداع والتطوير. لكن المشكلة هي ان هذا التطلع والطموح محدود لانه نتج عن عقل وتصور الإنسان المحدود. لذلك عمل على اعطاء نوع من النشاط والتحرك في بادىء الامر ولكن سرعان ما استنفد الهدف طاقاته وفقد فاعليته وقدرته على العطاء حيث اصبح نسخة من الواقع، بعد ان اصبح امراً مفروضاً ومحسوساً وملموساً، كذلك اصبح غير قادر على تطوير البشرية وتصعيدها في مسارها الطويل (من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً) «الاسراء: 18». فالمكاسب التي اعطاها الهدف الماركسي كانت محدودة وعاجلة اعقبتها جهنم وكما صرح السيد الشهيد الصدر، جهنم في الدنيا وجهنم في الآخرة. وفي النتيجة فقد المجتمع الشيوعي ولائه لهذا الهدف حيث تمزقت القاعدة الجماهيرة الواسعة في هذه الاُمّة حيث تمزقت وحدتها لان وحدة الاُمّة انما هي بالهدف الواحد، فاذا ضاع الهدف ضاعت القاعدة. وبذلك رأينا كيف تمزق الاتحاد السوفيتي، وتشتت وتبعثر واشتعلت الحروب بين جمهورياته ولا ننسى الصراع على السلطة في روسيا حيث الضعف والتمزق (بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) «الحشر 14»، لان التناقضات بدأت داخل الاُمّة بعد سقوط الهدف الماركسي، فأصبحت شبح امة، حيث القلوب المتفرقة والاهواء المتشتتة.
    والسنة التاريخية الاخرى التي خضعت لها التجربة الماركسية هي متجسدة في الآية الكريمة (ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون) «الاعراف 96». حيث تتحدث الآية الكريمة عن علاقة عدالة التوزيع ووفرة الانتاج، فالقرآن الكريم يؤكد ان المجتمع الذي تسوده العدالة في التوزيع لا يمكن ان يقع في ضيق من ناحية الثروة المنتجة وفي فقر بل في ثراء وازدياد الخيرات والبركات.
    فالاقتصاد الشيوعي ارتكز على الغاء الملكية الخاصة ومحوها محواً تاماً من المجتمع وتمليك الثروة كلها للمجموع وتسليمها للدولة، باعتبارها الوكيل الشرعي عن المجتمع. لكن المشكلة ان هذا الخط العريض في الاقتصاد الشيوعي اصطدم بواقع الطبيعة الإنسانيّة وبغريزة حب الذات. وبذلك اخذ الافراد يتقاعسون عن القيام بوظائفهم والنشاط في عملهم ويتهربون من واجباتهم الاجتماعية، لان المفروض وحسب قاعدة (من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته) والتي ارتكز كذلك عليها الاقتصاد الماركسي، تأمين النظام لمعيشتهم وسد حاجاتهم، فلماذا يجهد الفرد ويكدح ويجد، ما دامت النتيجة في حسابه هي نفس النتيجة في حالة الخمول والنشاط؟ ولماذا يندفع إلى توفير السعادة لغيره وشراء راحة الآخرين بعرقه ودموعه وعصارة حياته وطاقاته، مادام لا يؤمن بقيمة من قيم الحياة إلاّ القيمة المادية الخالصة؟ ولتحقيق هذا النظام الذي يذوب فيه الافراد مع وجود الإنسان المادي الذي لا يؤمن إلاّ بحياة محدودة يحتاج إلى معجزة، وكما قال الشهيد الصدر ولو تحققت هذه المعجزة فلنا معهم حينئذ كلام. وليت السيد الصدر كان حياً معنا، ورأى كيف اصبحت معجزة الجنة التي وعدونا بها اصحبت جهنم، وكيف اصبحت هذه الشعوب تعاني الفقر والبؤس والضياع والتشتت، وبذلك تتحقق نتيجة السنة التاريخية (وأنّ لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا) «الجن 16» (ولو انهم اقاموا التوارة والانجيل وما أنزل اليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) «المائدة 66».
    والسنة التاريخية الاخرى والتي خضعت لها التجربة الماركسية هي كما تتحدث عنها الآية الكريمة (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن اكثر الناس لا يعلمون) «الروم 30».
    فالدين هنا فطرة للناس، أي وكما لا نستطيع ان ننتزع من الإنسان اي جزء من اجزاءه التي تقوّمه كذلك لا يمكننا ان ننتزع من الإنسان دينه، فليس الدين عبارة عن مقولة حضارية يمكننا انتزاعها أو ابقاءها، فالدين سنة الله قائمة في كل زمان والتي يخالفها يأخذ العقاب من السنّة نفسها، حيث تفرض العقاب على كل امة تريد ان تبدّل خلق الله سبحانه وتعالى، ولا تبديل لخلق الله.
    فلقد حارب النظام الماركسي الدين محاربة بلا هوادة، حارب المسجد وحارب الكنيسة وحارب كل ما له علاقة بالقيم والاخلاق والغيب، ولكن بعد حوالي سبعين عاماً من الحرب الشعواء على الدين واتباعه وقيمه، وبعد سقوط النظام نتيجة لمحاولة تبديل خلق الله، ولكن لا تبديل لخلق الله فسقط النظام، واتجه الناس لبناء المساجد والكنائس وبنيت الالاف مما يذكر فيها الله سبحانه وتعالى حتى نفدت نسخ القرآن الكريم في سورية واذربيجان مما ارسله المسلمون لهم في الايام الاولى القليلة منذ سقوط النظام الماركسي فيها. فماذا نفسر ذلك؟
    لكن الفترة الزمنية التي يمكن بها تحدي القانون التاريخي تتناسب مع السرعة التاريخية وليست مع السرعة الاعتيادية للانسان. فيمكن اعتبار هذه الفترة طويلة بالمقاييس الفردية الاعتبارية ولكنها بالحقيقة قصيرة بالمقاييس التاريخية (ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وأن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) «الحج 47».
    من كل ماتقدم نستنتج بأن السقوط الحضاري التاريخي الماركسي لم يكن وليد الصدفة وانما تحكمت فيه السنن أو القوانين التاريخية والتي كشفها لنا القرآن الكريم. وعلى هذا الاساس يمكننا فهم وادراك النظام الدولي الجديد وكذلك يجب على المتصدين لبناء الدولة الإسلامية بناء هذه الدولة على اساس السنن التاريخية حتى يكون بناؤها راسخاً متماسكاً متصلاً بالبناء الاسلامي العالمي المنتظر، والذي سيتم بحول الله تعالى وقوته على يدي صاحب العصر الامام المنتظر الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف.



    السحر في القرآن

    * طارق حميدة
    لعل أول ما يلاحظه قارئ القرآن الكريم، هو ذلك الارتباط الوثيق بين السحر والفرعون، بل واجتماعهما معاً في حرب الدين، وهو ما يؤكده السحرة أنفسهم عندما واجهوا فرعون بالقول إنه قد ( أكرههم) على السحر منذ زمن بعيد سابق ليوم المبارزة مع موسىعليه السلام : ( إنا آمنا بربنا ليغفر خطاينا وما أكرهتنا عليه من السحر.)إذ يبدو أن الفرعون كان ينتقي الفتيان الأذكياء ويأخذهم من أهاليهم ويدفعهم إلى من يعلمهم السحر... ثم يفرقهم في المدائن ليقوموا بما "يلزم" لتثبيت حكمه...
    وقد لاحظنا كيف أشار الملأ على فرعون أن يبعث في " المدائن " حاشرين ليأتوه بكل سحار عليم...
    وكذلك فقد رأينا في الحديث الصحيح الذي يروي قصة أصحاب الأخدود، التلازم الوثيق بين السحر والملك، وكيف أن الملك حين احتاج إلى ساحر فانه ينتقي من رعيته من يشاء ليعلمه المهنة، يقول عليه السلام : ( كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليَ غلاما اعلمه السحر).
    وإذا استعرضنا أنشطة وأعمال السحرة في تثبيت حكم الفرعون وحرب الدين فسنلاحظ الأمور الآتية:
    أولاً : الإلهاء والتخدير :
    ذلك أن حكم الفرعون يتسبب في ظلم الناس وهضم حقوقهم وانتهاك كرامتهم... ومهمة السحرة أن يشغلوا الناس عن التفكير في واقعهم الأليم، ويجعلوهم يعيشون في غيبوبة تنسيهم ألامهم وتقعدهم عن العمل للتغيير، بما يقومون به من أعمال عجيبة وحركات غريبة.
    ثانياً : الخداع وقلب الحقائق :
    إن السحرة في الواقع لا يغيرون حقائق الأشياء، وإنما هم يخيلون للناس أنها تغيرت، وهو ما عبر عن القرآن الكريم في قوله تعالى : ( فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)، وقوله أيضا ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس).
    إن اقرب تشبيه لدور السحرة في واقعنا المعاصر، هو ما تقوم به الكثير من وسائل الإعلام في قلب الحقائق وتزييفيها، وإظهار الحق باطلاً والباطل حقاً، والهزائم انتصارات، والظلم عدلاً، والاستعمار تحريراً، والدين تطرفاًَ وإرهاباً، والمجون فناً، والإلحاد فكراً.
    ثالثاً : تخويف الجماهير :
    إن حبل الكذب قصير، ومهما نشط السحرة القدماء أو المعاصرون، في تزييف الحقائق، فإن الواقع أنصع حجة وأقوى بياناً، وإن عمق الجراحات، البدنية والنفسية والاقتصادية والسياسية، لأقوى من كل عمليات التخدير والإشغال والإلهاء.
    ولذلك يقرر الفراعنة أن من لم يقنعه الزيف، ولم تسكته جرعات المورفين، يحتاج إلى الإرهاب والتخويف كيلا تسول له نفسه القيام بأي عمل ضدهم... ويتحدث القرآن الكريم أن السحرة قاموا بإرهاب وتخويف الحاضرين حيث يقول تعالى : ( فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم ) أي استدعوا مشاعر الرهبة والخوف عندهم، حتى إن موسى عليه السلام قد تأثر- هو الآخر- بهذا المشهد : ( فأوجس في نفسه خيفة موسى)
    رابعاً : تفتيت الأسرة :
    جاء في سورة البقرة أن السحرة يتعلمون ( ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) و الحقيقة أن ذكر هذا الأمر، دون سواه، يبرز خطورته الشديدة، حتى لكأنه ينبه إلى أن باقي الأمور التي يتعلمها السحرة بالمقارنة مع التفريق بين المرء وزوجه لا شيء.
    وقد جاء في الحديث الشريف أن إبليس يبعث سراياه من الشياطين ليضلوا بني آدم، ثم يعودون إليه ليفتخروا أمامه كل بما صنع، فلا يرى لأحدهم إنجازاً - على الرغم من كبر إفسادهم وإجرامهم - حتى يأتيه من يقول إنه فرق بين زوجين، فيقول له : ( نعم أنت، ويدنيه ) !!.
    وإذا ما جرى التفريق بين الزوجين فقد تفتت الأسرة، وما دامت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع فان تفككها يعني بالضرورة تفكك هذا المجتمع وتفتته... وهذا ما يسعى إليه الفرعون الذي يريد المجتمع مفتتاً ليسهل عليه قياده، وشعار الفراعنة، أجنبيهم ووطنيهم - هو ( فرق تسد ). وقد حكى القرآن عن فرعون أنه ( علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً)
    وما تقوم به الكثير من المؤسسات والدوائر في أيامنا هذه لتفتيت الأسرة أوضح من أن يشار إليه.
    خامساً : الإخراج من الأرض :
    مما يستدعي الدهشة ويسترعي الانتباه تكرير السحرة وآل فرعون الاتهام لموسى وأخيه، عليهما السلام، بأنهما يريدان : إخراجهم من الأرض بسحرهما ( إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما)، ( أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى).
    فمن جهة يتبين القلق الشديد الذي يساور الفراعنة من أن الدعوة جاءت لتزلزل أركانهم وتقلب سلطانهم وتجعل الأرض تميد من تحتهم. ومن جهة أخرى فإنها تعكس ما يقوم به الفراعنة والسحرة من أعمال ومكائد ثم هم يلصقونها بموسى وهارون _عليهما السلام _ إنهم يتهموهما بالجريمة التي هم أنفسهم - الفراعنة والسحرة - متلبسون بها. وذلك كما يقول المثل العربي : رمتني بدائها وانسلت.
    إن الفراعنة سواء كانوا محليين أو أجانب يقومون بسياسات تستهدف تفريغ الأرض من ساكنيها... أو تفريغها من أصحاب الفكر والعلم فيما يسمى بتهجير الأدمغة، كيلا يبقى في البلاد عقول تفكر بتغيير الواقع السيئ، ولا شباب لديهم الهمة والعزيمة للتحرك في مواجهته
    .




    تطور العلوم النقلية إبّان عصر الازدهار


    ـ علم القراءات:
    موضوع هذا العلم يتمثل في وضع الضوابط والمعايير لكيفية قراءة القرآن الكريم قراءة صحيحة، نظراً لاختلاف اللهجات في نطق الألفاظ العربية باختلاف القبائل. وقد ازدادت الحاجة لتلك الضوابط بعد أن شاع اللحن في القراءة بين الموالي، أي المسلمين من غير العرب.
    وغني عن القول أن الصحابة أنفسهم تعددت قراءاتهم قبل جمع القرآن واعتماد مصحف عثمان بن عفان. لذلك كله جرى وضع ضوابط لتبيان وتحديد القراءات الصحيحة والمعتمدة.
    وقد تأثرت تلك الضوابط والمعايير بمعطيات سوسيولوجية. وحسبنا أن ظهور هذا العلم ارتهن بالصحوة البورجوازية الأولى التي أفرزت ظاهرة تأسيس وتصنيف وتدوين العلوم. كما اكتملت علميته في عصر الصحوة البورجوازية الثانية على يد ابن مجاهد حوالي عام 300هـ.
    يظهر التأثير السوسيولوجي كذلك في فرز القراءات المختلفة واعتماد الصحيح منها. فالاتجاه النصي قصر الصحيح على سبع قراءات فقط، بينما زادها أصحاب الاتجاه العقلي إلى عشر قراءات، ووصل البعض بها إلى خمس وعشرين قراءة.
    أما قراءة القرآن باللحن فقد رفضت من قبل المذاهب النصية، كالمذهب المالكي، بينما جوزها المذهب الشافعي في صيغته المتطورة نحو الأخذ بالرأي ـ كما أوضحنا سلفاً ـ فضلاً عن المعتزلة.
    من تأثيرات السوسيولوجيا أيضاً تبادل الاتهام بين السنة والشيعة بالخروج عن تعاليم الإسلام واتباع أهواء الحكام. فبينما اتهم الشيعة قراء السنة ((بالطمع وسوء السمعة)) لمحافظتهم ووضع ضوابط القراءة استناداً إلى اللغة العربية في أحوالها الأولى وتجاهل ما لحقها من تطوير على يد الموالي، استجاش قراء السنة الخلفاء العباسيين ـ في عصر الإقطاعية ـ للتنكيل بقراء الشيعة. يستفاد ذلك من واقعة ضرب الوزير ابن مقلة القارئ ابن شنبوذ (ت 328هـ ) بالسياط لأن قراءته كانت مخالفة لمصحف عثمان، على الرغم من أن هذه القراءة لم تكن شاذة. والراجح أنه أقدم على فعلته لكونه صاحب مدرسة في الرأي تعول على الاجتهاد ورفض التقليد.
    من تلاميذ هذه المدرسة محمد بن أحمد بن إبراهيم (ت 388هـ ) الذي راجت آراؤه في عصر الصحوة البورجوازية الثانية، وأبو بكر العطار (ت 354هـ ) الذي قرأ القرآن بطريقة مبتكرة ويرهن على صحتها باستخراج وجوه من اللغة، وذلك في كتابه ((الاحتجاج للقراء)). ولا غرابة في سيادة الاتجاه العقلاني في هذا العصر، حتى أن قراء الشيعة والمعتزلة صنفوا كتباً تعول على القياس في زيادة عدد القراءات الصحيحة.
    حدث هذا في الشرق الإسلامي. وبديهي أن تمتد الأصداء إلى الغرب الإسلامي، خصوصاً فيما جرى من صراع بين القراء السنيين وقراء الشيعة. ففي عصر ((الإقطاعية)) اتبع قراء الأندلس من المالكية ما أتبعه إخوانهم في الشرق. وفي عصر ((الصحوة)) بدأت تتكون مدرسة مستقلة في القراءات من أعلامها عثمان بن سعيد بن عثمان الداني (ت 444هـ ) الذي تعددت تواليفه في علم القراءات وراجت رواجاً كبيراً حتى عدل الناس عن غيرها. وليس أدل على انفتاح مذهبه في القراءات من عنوان كتابه المعروف بكتاب ((التيسير)). من أعلام هذه المدرسة أيضاً مكي بن أبي طالب القرطبي (ت 437هـ ) الذي كرس إجادته العربية في ابتكار قراءات جديدة، كما أفاد من تبحره في علم التفسير في تجويد تلك القراءات معولاً على فهمه الحصيف لمعاني القرآن الكريم.
    هكذا تطور علم القراءات في هذا العصر متأثراً بمعطيات سوسيو ـ سياسية.
    * سوسيولوجيا الفكر الاسلامي




    شبهة الوحي النفسي

    إنّ الرسول (ص) كان يتمتع بوحي نفسي، وما القرآن إلا من استنباطه العقلي، وإدراكه الوجداني عبّر عنه محمد بأسلوبه، وبيانه، ولغته، ومكنه من ذلك ذكاؤه، وفراسته، وقوة فطنته، وعمق تأملاته، ورفاهة أحاسيسه استخدمها كلها في تلفيق الأخبار، وسرد الغيبيات، وتبيان الحقائق العلمية.

    ـ تفنيد هذه الشبهة:


    يمكننا تفنيد هذه الشبهة بعدة أمور هي:
    أولاً: إن الرسول (ص) لم يعرف عنه أنه كان يتمتع بالوحي النفسي، وقومه يعرفونه حق المعرفة، والقرآن الكريم يتعدى، ويتجاوز كل ما نسبوه إلى الرسول (ص) من صفات، وخوارق، بل يتعدى كل استنباط عقلي، أو إدراك وجداني.
    وكذلك لم يعرف عن النبي (ص) قبل البعثة أنه أُوتي خوارق الأخبار، والغيبيات، والعلوم، كما أنه لم يحدث عن أساطير الأولين، وهو المشهور بصدق الحديث الصادق الأمين.
    ثانياً: فبالنسبة لأخبار الأمم، وقصص الأنبياء مع أقوامهم، فإن ما جاء به القرآن فوق طاقة العقل البشري، ومهما أوتي من ذكاء، أو فطنة، أو فراسة، مما يثبت أن تلك الأخبار، والقصص إنما وردت، وبكل يقين للنبي (ص) عن طريق التلقي، والتلقين، والإيحاء ممن يعلم الغيب. وهذا مصداق قوله تعالى: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إنّ العاقبة للمتقين) سورة هود آية 49.
    وقد ربط الله تعالى بين التنزيل القرآني، وسرد القصص على مسامع النبي (ص) مصداق قوله تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) سورة يوسف آية 3.
    وقد تناول القرآن قصص الأنبياء، والرسل، وأخبار الماضين بتفصيل لحقائقها، وتبيين لوقائعها بشكل واضح تعجز عنه العقول، والتنبؤات، وبشكل يخرص الألسنة، ويسكت الأقلام، ويفند الافتراءات، فالقرآن يضرب فى أغوار التواريخ، ويخبر عن أقدم الأخبار في خلق الأمم مما يتجاوز حدود إعمال الفكر بحيث يستحيل على النبي (ص) أو غيره أن يعرفها، أو يطلع على أخبارها. والقرآن نفى ذلك عن الرسول (ص).
    فهذه آيات قرآنية تفصل أحوال موسى، وفي أخباره مع أهل مدين. قال تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) سورة القصص آية 44 ـ 45.
    وهذه آيات قرآنية تخبر عن كفالة زكريا لمريم، وولادة المسيح منها كلمة من الله تعالى. قال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون * إذ قالت الملائكة يا مريم إنّ الله يُبشِّرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين) سورة آل عمران آيات 44 ـ 45.
    وهذه آيات قرآنية تسهب في سرد قصة يوسف مع إخوته. قال تعالى: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) سورة يوسف آية 102.
    وقد تناولت الحكمة الربانية في سرد القصص، ورواية الأخبار بين جميع الأنبياء، والرسل أيضاً. قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى) سورة يوسف آية 109. وقد أصل القرآن الكريم عظمة الاعتبار من سرد القصص، وشواهد تثبيت معالم الألوهية لهذا القرآن. قال تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) سورة يوسف آية 111.
    وقد تناول الإعجاز الإلهي في سرده للقصص أرقاماً حسابية وحقائق عددية تثبت ألوهية هذا القرآن، وتنفي عنه صفة الوحي النفسي البشري.
    القرآن يذكر مدة مكث نوح (ع) في قومه، وهي: ألف سنة إلا خمسية عاماً.
    قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسية عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون) سورة العنكبوت آية 14.
    والقرآن يذكر مدة لبث أصحاب الكهف في كهفهم، وهي: ثلاث مائة وتسع سنوات. قال تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً) سورة الكهف آية 25.
    ثالثاً: وبالنسبة للغيبيات المستقبلية: فقد أعجزهم القرآن، وأثبت أن ذلك ليس في مقدور البشر حتى والأنبياء منهم، فقد أخبر القرآن غيبيات كثير من الأمور، والحوادث التي ستقع مستقبلاً، ومنها:
    أ ـ انهزام المشركين في غزوة بدر، مصداق قوله تعالى: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) سورة القمر آية 45. فسورة القمر مكية، وانهزام المشركين حصل في بدر في المدينة بعد هجرة النبي (ص) إليها بسنتين.
    ب ـ غيبية انتصار الروم على الفرس في بضع سنين مصداق قوله تعالى: (الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون) سورة الروم آيات 1 ـ 4.
    ج ـ غيبية أداء عُمرة القضاء، ودخول المسجد الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين مصداق قوله تعالى في سورة الفتح: (لقد صدق الله رسوله الرياء بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) سورة الفتح آية 27.
    د ـ غيبية انشقاق القمر: مصداق قوله تعالى في سورة القمر: (اقتربت الساعة وانشقَّ القمر * وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) الآية 1 ـ 2.
    رابعاً: وبالنسبة للحقائق العلمية فما ورد في القرآن يؤكد ألوهية التنزيل القرآني. والجميع على علم بأمية محمد (ص)، ولا شأن له بحقائق العلم الغيبية، والتي أوردها القرآن، والتي لا يزال العلم يكتشفها، ويؤكد حقيقتها كآيات ربانية تنفي عن النبي (ص) قرآنية الاستحداث الغيبي، أو الافتراء العلمي، أو الإيحاء النفسي كما يزعمون
    .
    ـ أمثلة على هذه الحقائق:

    الأولى: حقيقة خلق الإنسان من طين. مصداق قوله تعالى فى سورة ص: (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين) الآية 71.

    الثانية: حقيقة خلق الإنسان أطواراً، مصداق قوله تعالى في سورة المؤمنون: (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة خلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأته خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين) الآيتان 13 ـ 14. ومصداق قوله تعالى في سورة نوح: (وقد خلقكم أطواراً) الآية 14.
    الثالثة: حقيقة خلق كل شيء من ماء، مصداق قوله تعالى في سورة الأنبياء: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) الآية 30.

    الرابعة: حقيقة دوران النجوم، والكواكب في أفلاكها. مصداق قوله تعالى في سورة يس: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) الآية 40.
    ولنا القول: بأن شبهة تمتع الرسول (ص) بالوحي النفسي لا تقوم على دليل، وتفقد كل مسوغ. بل هي في حد ذاتها من قبيل الهذيان النفسي الذي انتاب نفراً من الضعفاء الحاقدين من أهل الكفر الذين لم يستطيعوا بأي حال من الأحوال أن ينكروا نبوة محمد (ص)، أو الوحي الإلهي بالقرآن له مصداق قوله تعالى في سورة الأعراف: (وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إليَّ من ربي) الآية 203. والرسول (ص) بشر من الناس اختصه الله بالنبوة، فلم العجب، والأنبياء والرسل كلهم من البشر!! قال تعالى في سورة الكهف: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) الآية 110. وإنه (ص) بشر لا يملك لنفسه نفعاً، ولا ضراً، ولا يعلم الغيب إلا بإيحاء من الله تعالى مصداق قوله تعالى في سورة الأعراف: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير) الآية 188.
    وإنه (ص) يشهد على نفسه بالبشرية مصداق ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن: «سمع رسول الله (ص) خصومة بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك، فمنن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها، أو يتركها».
    ولعل من المفيد أن نختم الرد على هذه الشبهة بما قاله المفكر المسلم محمد عبدالله دراز في كتابه «النبأ العظيم» حيث يقول: «هذا الرأي هو الذي يروجه الملحدون اليوم باسم (الوحي النفسي) زاعمين أنهم بهذه التسمية قد جاؤونا برأي علمي جديد، وما هو بجديد، وإنما هو الجاهلي القديم، لا يختلف عنه في جملته، ولا في تفصيله، فقد صوروا النبي (ص) رجلاً ذا خيال واسع، وإحساس عميق، فهو إذن شاعر، ثم زادوا، فجعلوا وجدانه يطغى كثيراً على حواسه، حيث يخيل إليه أنه يرى ويسمع شخصاً يكلمه. وما ذاك الذي يراه ويسمعه إلا صورة خيلته ووجدانه، فهو إذن الجنون أو أضغاث الأحلام. على أنهم لم يطيقوا الثبات طويلاً على هذه التعليلات، فقد اضطروا أن يهجروا كلمة الوحي النفسي حينما بدا لهم في القرآن جانب الأخبار الماضية والمستقبلية، فقالوا لعله تلقفها من أفواه العلماء في أسفاره للتجارة، فهو إذن قد علمه بشر. فأي جديد ترى في هذا كله؟!! أليس كله حديثاً معاداً يضاهون به قول جهال قريش!! وهكذا كان الإلحاد في ثوبه الجديد صورة متسخة، بل ممسوخة منه في أقدم أثوابه، وكان غذاء هذه الأفكار المتحضرة في العصر الحديث مستمداً من فتات الموائد التي تركتها تلك القلوب المتحجرة في عصور الجاهلية الأولى مصداق قوله تعالى في سورة البقرة: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم) الآية 118. وإن تعجب فعجب قولهم مع هذا كله إنه كان صادقاً أميناً، وإنه كان معذوراً في نسبة رؤاه إلى الوحي الإلهي، لأن أحلامه القوية صورتها له وحياً إلهياً، فما شهد إلا بما علم، وهكذا حكى الله لنا عن أسلافهم، حيث يقول في سورة الأنعام: (فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) الآية 33. فإن كان هذا عذره في تصويره رؤاه وسماعه، فما عذره في دعواه أنه لم يكن يعلم تلك الأنباء لا هو ولا قومه من قبل هذا، بينما هو سمعها بزعمهم من قبل. فليقولوا إذن: إنه افتراه، ليتم لهم بذلك محاكاة كل الأقاويل. وهم يدعون التعقل، ألا فقد قالوها من حيث لا يشعرون».




    شبهات حول المكي والمدني من القرآن وتفنيدها

    شبهة الاشتمال على اللغو
    إن القرآن المكي اشتمل على لغو من الكلام في كثير من فواتح السور مثل: ألم وألر، والمر، والمص، وكهيعص، وطه، ويس، وص، وق، ون، وحم، وبذلك فإن القرآن لا يصلح أن يكون هدى وبياناً، ورحمة للناس، لأن اللغو لا يمكن أن يكون هدى، وبياناً.
    ودليل شبهتهم: أن معاني أحرف التهجي هذه لا يفهم معناها حتى من قبل الراسخين في العلم. فالتلفظ بها، والخطاب بها، والبدء بها في بداية السور القرآنية لا معنى له، وهي تحصيل حاصل، وهي كعدمها من حيث معناها، ومفهومها. وأيضاً يزعم أصحاب هذه الشبهة كدليل لها: أن مثل هذه الألفاظ، والتعابير، والأحرف هي من اليهود، أخذها محمد (ص) من كتبتهم الذين كانوا يكتبون له القرآن ليستدل بها على انقطاع الكلام، واستئناف آخر. ويفسرون معناها: بأنه أوعز إليّ محمد، أو أمرني محمد. وهم يشيرون بذلك إلى براءتهم من الإيمان بها، والاعتقاد والتصديق بما يأمرهم محمد بكتابته .. أي يكتبون له هذه الأحرف، ويتبرأون من الإيمان، أو تصديقها. ويبررون تفاسيرهم لأحرف التهجي هذه بقول بعضهم: إن الحروف العربية المفتتح بها أوائل بعض السور إما أن يكون قصد منها التعمية، أو التحويل، أو إظهار القرآن في مظهر عميق مخيف، أو هي رمز للتمييز بين المصاحف المختلفة ثم ألحقها بمرور الزمن بالقرآن فصارت قرآناً.

    تفنيد هذه الشبهة:

    إن خير رد على هذه الشبهة هو ما قام به أستاذنا، وشيخنا العلامة المرحوم محمد عبدالعظيم الزرقاني حيث أفاض وأجاد رداً، وتفنيداً وبالأدلة المستفيضة، والمقنعة نستعين بها، وننقلها كما وردت في كتابه: ((مناهل العرفان في علوم القرآن)) ـ الجزء الأول من ص 226 ـ 236، فبدأ بقوله:
    ((وننقض هذه الشبهة بأمور: (أولها) أنه لم يكن للرسول (ص) كَتَبة من اليهود أبداً. وها هو التاريخ حاكم عدل لا يرحم، ولا يحابي. فليسألوه إن كانوا صادقين. (ثانيها) أنه لا دليل لهم أيضاً على أن فواتح هذه السور تستعمل في تلك المعاني التي زعموها، وهي (أوعَزَ إليَّ محمد) أو (أمرني محمد)، لا عند اليهود، ولا عند غيرهم في أية لغة من لغات البشر. (ثالثها) أن اليهود لم يعرف عنهم الطعن في القرآن بمثل هذا. ولو كان هذا مطعناً عندهم لكانوا أول الناس جهراً به، وتوجيهاً له، لأنهم كانوا أشد الناس عداوة للنبي (ص)، والمسلمين، يتمنون أن يجدوا في القرآن مغمزاً من أي نوع يكون، ليهدموا به دعوة الإسلام. كيف، وهم يكفرون به حسداً من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق؟! (رابعها) أن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس، وهدى، ورحمة، فإن هذه الأوصاف يكفي في تحققها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته، ومجموعه، لا باعتبار تفصيله، وعمومه الشامل لكل لفظ فيه. ولا ريب أن الكثرة الغامرة في القرآن كلها بيان للتعاليم الإلهية، وهداية للخلق إلى الحق، ورحمة للعالم من وراء تقرير أصول السعادة في الدنيا والآخرة.
    وهذا الجواب مبني على أحد رأيين للعلماء في فواتح تلك السور، وهو أن المعنى المقصود غير معلوم لنا، بل هو من الأسرار التي استأثر الله بعلمها، ولم يطلع عليها أحد من خلقه. وذلك لحكمة من حكمه تعالى السامية، وهي ابتلاؤه سبحانه، وتمحيصه لعباده، حتى يميز الخبيث من الطيب، وصادق الإيمان من المنافق، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه، ودلائل هدايته، وشواهد رحمته، في غير تلك الفواتح من كتابه، بين آيات، وسور كثيرة، لا تعتبر الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر، أو غيضاً من فيض.
    فأما الذين آمنوا فيعلمون أن هذه الفواتح حق من عند ربهم، ولو لم يفهموا معناها، ولم يدركوا مغزاها، ثقة منهم بأنها صادرة من لدن حكيم عليم، عمَت حكمته ما خفي، وما ظهر من معاني كتابه، ووسع علمه كل شيء عرفه الخلق أو لم يعرفوه من أسرار تنزيله. (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) سورة البقرة/ آية 255.
    (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله) سورة آل عمران/ آية 7.
    ونظير ذلك: أن تكون أستاذاً معلماً، وتريد أن تقف على مدى انتباه تلاميذك، ومبلغ ثقتهم فيك، وفي علمك بعد أن زودتهم منك بدراسات واسعة، وتعاليم واضحة، فإنك تختبرهم في بعض الأوقات بكلمات فيها شيء من الألغاز، والخفاء، ليظهر الذكي من الغبي، والواثق بك الوامق لك، من المتشكك فيك المتردد في علمك، وفضلك.
    فأما الواثق فيك فيعرف أن تلك الألغاز، والمعميات، صدرت عن علم منك بها، وإن لم يعلم هو تفسيرها، ويعرف أن لك حكمة في إيرادها على هذه الصورة من الخفاء، وهي الاختبار، والابتلاء. وأما المتشكك فيك، فيقول: ماذا أراد بهذا؟ وكيف ساغ له أن يورده، وما مبلغ العلم الذي فيه؟ ثم ينسى تلك المعارف الواسعة الواضحة التي زودته بها من قبل ذلك، وكلها من أعلام العلم، وآيات الفضل.
    ولا يفوتنك في هذا المقام أن تعرف أن ابتلاء الله لعباده ليس المراد منه أن يعلم سبحانه ما كان جاهلاً منهم ((حاشاه حاشاه)). فقد وسعَ كل شيء علماً. إنما المقصود منه إظهار مكنونات الخلق، وإقامة الحجج عليهم من أنفسهم، فلا يتهمون الله في عدله، وجزائه، إذا جعل من الناس أهلاً لثوابه، وآخرين لعقابه. (ولا يظلم ربك أحداً) سورة الكهف/ آية 49.
    (الرأي الثاني في فواتح السور) أن لها معنى مقصوداً معلوماً. قالوا: لأن القرآن كتاب هداية، والهداية لا تتحقق إلا بفهم المعنى، خصوصاً أننا أُمرنا بتدبر القرآن، والاستنباط منه، وهذا لا يكون إلا إذا فهم المعنى أيضاً.
    غير أن أصحاب هذا الرأي تشعبت أقوالهم في بيان هذا المعنى المقصود بفواتح تلك السور. فذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها، واستدلوا بآثار تفيد ذلك، منها ما روي عن النبي (ص) أنه قال: ((يس قلب القرآن)) وقوله: ((مَن قرأ السجدة، حفظ إلى أن يصبح)). ومنها اشتهار بعض السور بالتسمية بها. ثم إن ورودها في فواتح سور مختلفة بلفظ واحد، ينافي كونها أسماء للسور. بل شأنها في ذلك شأن الأعلام المشتركة اشتراكاً لفظياً كلفظ محمد المسمى به أشخاص كثيرون. فيضم إلى اسم كل منهم ما يميز مسماه عن غيره، فيقال: محمد المصري، ومحمد الشامي مثلاً. وكذلك فواتح السور يقال فيها: ((الم البقرة، وآلم آل عمران، وحم السجدة)) وهلم جرا.
    وبعضهم ذهب إلى أنها أسماء للحروف الهجائية التي وضعت بإزائها. وهؤلاء منهم من قال: إن المقصود من ذلك هو إفهام المخاطبين أن الذي سيتلى عليهم من الكلام الذي عجزوا عن معارضته، والإتيان بمثله، إنما تركب من مثل هذه الحروف التي في الفواتح، وهي معروفة لهم، يتخاطبون بما يدور عليها، ولا يخرج عنها.
    ومنهم مَن قال: إن المقصود منها هو الدلالة على انتهاء سورة، والشروع في أخرى.
    ومنهم مَن قال: إن المقصود منها القسم بها لإظهار شرفها وفضلها، إذ هي مبنى كتبه المنزلة.
    ومنهم مَن قال: إن المقصود منها بيان نبوة محمد (ص) من ناحية أنه ينطق بأسامي الحروف مع أنه أمي لم يقرأ، ولم يكتب. والمعروف أن النطق بأسامي الحروف من شأن القارئ وحده، لا سبيل للأمي إلى معرفتها، ولا النطق بها، فإتيانه بها، وترديده لها، دليل مادي أمامهم على أنه لا يأتي بهذا القرآن من تلقاء نفسه، إنما يتلقاهُ من لدن حكيم عليم.
    ومنهم مَن قال: إن المقصود منها هو تنبيه السامعين، وإيقاظهم، وذلك أن قرع السمع في أول الكلام بما يعني النفوس فهمه أو بالأمر الغريب، دافع لها أن تصغي، وتتيقظ، وتتأمل، وتزداد إقبالاً: فهي كوسائل التشويق التي تعرض في مقدمة الدرس على منهج التربية الحديثة في التعليم.
    ومنهم مَن قال: إن المقصود منها سياسة النفوس المعرضة عن القرآن. واستدراجها إلى الاستماع إليه. والمعروف أن أعداء الإسلام في صدر الدعوة كان يقول بعضهم لبعض: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون). فلما أُنزلت السور المبدوءة بحروف الهجاء، وقرع أسماعهم ما لم يألفوا، التفتوا، وإذا هم أمامَ آيات بينات استهوت قلوبهم، واستمالت عقولهم، فآمن مَن أراد الله هدايته، وشارفَ الإيمانَ مَن شاء الله تأخيره، وقامت الحجة في وجه الطغاة المكابرين، وأخذت عليه الطرقُ فلا عذر لهم في الدنيا، ولا يوم الدين.
    وقال العلامة المرحوم الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره لسورة آل عمران ما نصه:
    ((إعلم أن القرآن كتاب سماوي. والكتب السماوية تصرح تارةً، وترمزُ أخرى. والرمز، والإشارة من المقاصد السامية، والمعاني، والمغازي الشريفة. وقديماً كان ذلك في أهل الديانات، ألم تر إلى اليهود الذين كانوا منتشرين في المدينة، وفي بلاد الشرق أيام النبوة كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجمل المعروفة اليوم في الحروف العربية؟ فيجعلون الألف بواحد، والباء بإثنين، والجيم بثلاثة، والدال بأربعة، وهكذا مارين على الحروف الأبجدية، إلى الياء بعشرة، والكاف بعشرين، وهكذا إلى القاف بمائة، والراء بمائتين، وهكذا إلى الغين بألف، كما ستراه في هذا المقام.
    كذلك ترى أن النصارى في إسكندرية، ومصر، وبلاد الروم، وفي سوريا، قد اتخذوا الحروف رموزاً دينية معروفة فيما بينهم أيام نزول القرآن. وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية في مصر. وكانوا يرمزون بلفظ ((إكسيس)) لهذه الجملة: ((يسوغ المسيح بن الله الملخص)) فالألف من إكسيس هي الحرف الأول من لفظ ((إيسوس)) يسوغ. والكاف منها هي الحرف الأول من ((كرستوس)) المسيح. والسين منها هي حرف الثاء التي تبدل منها في النطق في لفظ ((ثبو)) الله. والياء منها تدل على ((إيوث)) ابن. والسين الثانية منها تشير إلى ((ثوتير)) المخلص. ومجموع هذه الكلمات: يسوع المسيح ابن الله المخلص. ولفظ ((إكسيس) اتفق أنه يدل على معنى سمكة، فأصبحت السمكة عند هؤلاء رمزاً لإلههم.
    فانظر كيف انتقلوا من الأسماء إلى الرمز بالحرف، ومن الرمز بالحرف إلى الرمز بحيوان دلَّت عليه الحروف. قال الحبر الإنجليزي ((صموئيل موننج)): ((إنه كان يوجد كثيراً في قبور رومة صور أسماك صغيرة مصنوعة من الخشب، والعظم. وكان كل مسيحي يحمل سمكة إشارة للتعارف فيما بينهم)).
    فإذا كان ذلك من طبائع الأمم التي أحاطت بالبلاد العربية، وتغلغلت فيها، ونزل القرآن لجميع الناس من عرب، وعجم، كان لابد أن يكون على منهج يلذه الأمم، ويكون فيه ما يألفون. وستجد أنه لا نسبة بين الرموز التي في أوائل السور، وبين الجمل عند اليهود، ورموز النصارى، إلا كالنسبة بين علم الرجل العاقل، والصبي، أو بين علم العلماء، وعلم العامة. وبهذا تبين لك أن اليهود، والنصارى كان لهم رموز، وكانت رموز اليهود هي حروف الجمل.
    قال ابن عباس (رض): مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله (ص)، وهو يتلو سورة البقرة: (الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) ثم أتى أخوه حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف، فسألوه عن (الم) وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله ألا هو أحق أنها أتتك من السماء؟ فقال النبي (ص): نعم. كذلك نزلت. فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين. ثم قالوا: كيف ندخل في دين رجل دلّت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى أجل أمته إحدى وسبعون سنة، فضحك النبي (ص). فقال حيي: فهل غير هذا؟ فقال: نعم (المص). فقال حيي: هذا أكثر من الأول: هذا مائة وإحدى وستون سنة. فهل غير هذا؟ قال: نعم (الر) فقال حيي: هذا أكثر من الأولى والثانية، فنحن نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة. فهل غير هذا؟ فقال: نعم (المر). قال حيي: فنحن نشهد أنا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأي أقوالك نأخذ. فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد على أن أنبياءنا قد أخبرونا عن ملك هذه الأمة، ولم يبينوا أنها كم تكون؟ فإن كان محمد صادقاً فيما يقول، إني لأراه سيجتمع له هذا كله. فقام اليهود، وقالوا اشتبه علينا أمرك كله فلا نردي أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟
    فبهذا تعرف أيها الذكيّ أن الجمل كانت للتعارف عند اليهود، وهو نوع من الرموز الحرفية، فكانت هذه الحروف لابد من نزولها في القرآن، ليأخذ الناس في فهمها كل مذهب، ويتصرف الفكر فيها.
    ولأقتصر لك مما قرأته على ثلاث طرائق فيما ترمز إليه هذه الحروف:
    (الطريقة الأولى): أن تكون هذه الحروف مقتطعات من أسماء الله، كما روي عن ابن عباس (رض) أنه قال: الألف آلاء الله، واللام لطفه، والميم ملكه. وعنه أن (الر) و (حم)، و (ن) مجموعها الرحمن. وعنه أن (الم) معناه أنا الله أعلم، ونحو ذلك في سائر الفواتح. وعنه أن الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد. أي القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد (عليهما الصلاة والسلام) أقول: إنما أراد ابن عباس بذلك أن تكون الحروف مذكرة بالله عزوجل في أكثر الأحوال، وذكر الله أجل شيء. ويرجع الأمر إلى أنها أسماء مرموز لها بالحروف كما تقدم عن الأمم السالفة من النصارى في إسكندرية، ورومة. ولكن لابد أن يكون هناك ما هو أعلى، وأجلّ.
    (الطريقة الثانية): أن هذه الحروف من أعجب المعجزات، والدلالات على صدق النبي (ص). وهذا مما ترضاه النفوس. ألا ترى أن حروف الهجاء لا ينطق بها إلا من تعلم القراءة. وهذا النبي الأمي (ص) قد نطق بها. والذي في أول السور أربعة عشر حرفاً منها، وهي كلها ثمانية وعشرون حرفاً إن لم تعد الألف حرفاً برأسه، فالأربعة عشر نصفها. وقد جاءت في تسع وعشرين سورة، وهي عدد الحروف الهجائية إذا عدت فيها الألف. وقد جاءت من الحروف المهموسة العشرة وهي: ((فحثه شخص سكت)) بنصفها، هي الحاء، والهاء، والصاد، والسين، والكاف.
    ومعلوم أن الحروف إما مهموسة ـ أي يضعف الاعتماد عليها ـ وهي ما تقدم، وإما مجهورة، وهي ثمانية عشر، نصفها ـ وهو تسعة ـ ذكرت في فواتح السور، ويجمعها ((لن يقطع أمر)).
    والحروف الشديدة ثمانية، وهي ((أجدت طبقك)) أربعة منها في الفواتح، وهي ((أقطك)).
    والحروف المطبقة أربعة: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء، وفي الفواتح نصفها: الصاد، والطاء.
    وبقية الحروف ـ وهي أربعة وعشرون حرفاً ـ تسمى منفتحة، نصفها، وهو إثنا عشر في الفواتح المذكورة.
    فانظر كيف أتى في هذه الفواتح بنصف الحروف الهجائية، إن لم تعدّ الألف، وجعلها في تسع وعشرين سورة عدد الحروف، وفيها الألف؟ وكَيف أتى بنصف المهموسة، ونصف المهجورة. ونصف الشديدة، ونصف الرخوة، ونصف المطبقة، ونصف المنفتحة؟!!
    وإني موقن أن المتعلم لو طلب منه أن يأتي بهذه الحروف منصفة على هذا الوجه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فإنه إن راعى نصف الحروف المطبقة، فكيف يراعي الحروف الشديدة؟! وكيف يراعي نصف المجهورة في نفس العدد؟!.
    إن ذلك دلائل على صدق صاحب الدعوة (ص). ففائدة هذا الوجه أهم من الوجه الأول، فالأول فائدته تذكير الإنسان بأسماء الله تعالى. وأما الوجه الثاني ففيه إعجاز للعقول، وحيرة. فيقال: كيف تنصف الحروف الهجائية، وتنصف أنواعها من مهموسة، وشديدة الخ. وهذه الأنواع لم يدرسها أحد في العالم أيام النبوة. ثم لما ظهرت تلك الدراسات، وافقت تلك الحروف بأنصافها!
    إن ذلك ليعطي العقول مثلاً من الغرابة الدالة على أن هذا لا يقدر عليه المتعلمون فإذاً هو من الوحي. وهذا الوجه على قوته يفضله ما بعده.
    (الطريقة الثالثة): أن الله تعالى خلق العالم منظماً محكماً، متناسقاً متناسباً. والكتاب السماوي إذا جاء مطابقاً لنظامه، موافقاً لإبداعه، سائراً على منهاجه، دلّ ذلك على أنه من عنده. وإذا جاء الكتاب السماوي مخالفاً لنهجه، منافراً لفعله، منحرفاً عن سننه كان ذلك الكتاب مصطنعاً، مفتعلاً، منقولاً، مكذوباً، (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) سورة النساء/ آية 82.
    والعالم المشاهد، فيه عدد الثمانية والعشرين. وذلك فيما يأتي:
    1 ـ مفاصيل اليدين في كل يد أربعة عشر.
    2 ـ خرزات عمود ظهر الإنسان منها أربع عشرة في أسفل الصلب، وأربع عشرة في أعلاه.
    3 ـ خرزات العمود التي في أصلاب الحيوانات التامة الخلقة: كالبقر، والجمال، والحمير، والسباع، وسائر الحيوانات التي تلد أولادها، منها أربع عشرة في مؤخر الصلب، وأربع عشرة في مؤخر البدن.
    4 ـ عدد الريشات التي في أجنحة الطير المعتمدة عليها في الطيران أربع عشرة ريشة ظاهرة في كل جناح.
    5 ـ عدد الخرزات التي في أذناب الحيوانات الطويلة الأذناب: كالبقر، والسباع.
    6 ـ عمود صلب الحيوانات الطويلة الخلقة: كالسمك، والحيات، وبعض الحشرات.
    7 ـ عدد الحروف التي هي في لغة العرب التي هي أتم اللغات، ثمان وعشرون حرفاً. منها أربعة عشر يدغم فيها لام التعريف، وهي: ت ث د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ل ن. وأربعة عشر لا تدغم اللام فيها، وهي: أ ب ج ح خ ع غ ف ق ك م هـ و ي.
    8 ـ والحروف التي تخط بالقلم قسمان: منها أربعة عشر معلمة بالنقط، وهي: ب ت ث ج خ د ز ش ص ظ غ ف ق ن، وأربعة عشر غير معلمة وهي: أ ح د ر س ص ط ع ك و هـ ل م لا. وهذا الحرف هو الألف التي هي من حروف العلة. أما الأولى فهي الهمزة. فهذه أربعة عشر حرفاً. وبقيت الياء، وهي تنقط في وسط الكلمة، ولا تنقط في آخرها، فأصبحت الحروف المعلمة أربعة عشر، وغير المعلمة أربعة عشر، والحرف التاسع والعشرون معلم، وغير معلم، لتكون القسمة عادلة. والفضل في هذا العدل للحكيم هو الذي يتشبه بالله بقدر الطاقة البشرية. وهذا جعل ثمانية وعشرين حرفاً مقسمة قسمين، كل منها أربعة عشر كما في مفاصل اليدين، وفقرات بعض الحيوانات.
    9 ـ منازل القمر ثمان وعشرون منزلة، في البروج الشمالية أربع عشرة وفي الجنوبية أربع عشرة. فهذا يفيد أن الموجودات التي عددها ثمانية وعشرون تكون قسمين كل منهما أربعة عشر. فهكذا هنا في القرآن جاءت الحروف العربية مقسمة قسمين، قسم منهما أربعة عشر منطوق به في أوائل السور، وقسم منهما أربعة عشر غير منطوق به في أوائلها. وكأنه تعالى يقول: أي عبادي، إن منازل القمر ثمان وعشرون، وهي قسمان، ومفاصل الكف ثمانية وعشرون وهي قسمان، وهكذا. والحروف التي تدغم في حرف التعريف، والتي هي معلمة كل منها أربعة عشر. وضدها أربعة عشر، فلتعلموا أن هذا القرآن هو تنزيل مني، لأني نظمت حروفه على هذا النمط الذي اخترته في صنع المنازل، والأجسام الإنسانية، والأجسام الحيوانية، ونظام الحروف الهجائية، فمن أين لبشر كمحمد أو غيره أن ينظم هذا النظام، ويجعل هذه الأعداد موافقة للنظام الذي وضعته، والسنن الذي رسمته، والنهج الذي سلكته؟ إن القرآن تنزيل مني. وقد وضعت هذه الحروف في أوائل السور لتستخرجوا منها ذلك، فتعلموا أني ما خلقت السموات، والأرض وما بينهما باطلاً، بل جعلت النظام في العالم، وفي الوحي متناسباً. وهذا الكتاب سيبقى إلى آخر الزمان. ولغته ستبقى معه إلى آخر الأجيال. إن اللغات متغيرة، وليس في العالم لغة تبقى غير متغيرة إلا التي حافظ عليها دين. وهل غير اللغة العربية حافظ عليها دين؟)).
    هذا ـ ولا يخفى عليك أن ذاك الرأي الثاني في فواتح السور أبلغ في نقض الشبهة من الرأي الأول، لأنه ينفي ما زعموه من أساس الاتهام، وهو أنه ليس لهذه الفواتح معنى مفهوم، ويقرر أن معانيها مفهومة على ما تبين في تلك الوجوه السابقة. وإذا كان بعض الناس لا يفهم تلك المعاني، فليس ذلك عيباً في القرآن إنما هو عيب في استعداد بعض أفراد الإنسان. وكتاب الله خوطب به الخواص كما خوطب به العام، فلا بد أن يكون فيه ألفاظ لا يفهمها إلا الخاصة دون العامة.
    وعلى كلا هذين الرأيين يتضح لك أن اشتمال القرآن على هذه الألفاظ، ليس من قبيل اشتماله على لغو الكلام، أو إظهار القرآن بمظهر عميق مخيف، ولا يفهم منه أنها رموز للمصاحف ألحقها مرور الزمن بالقرآن، إلى غير ذلك من الهذيان. بل ثبوت هذه الفواتح لا يقدح في كون القرآن من عند الله، سواء أفادت معنى ظاهراً أم لم تفد على ما بيّناه من حكمة الله البالغة في إيرادها. والله هو الحكيم العليم
    .



    شبهات حول جمع القرآن، وتفنيدها


    1 ـ شبهة الزيادة في بعض سور القرآن:
    إن في المصحف ما ليس بقرآن. ويمثلون على ذلك بفاتحة الكتاب والمعوذتين، وحجتهم في ذلك أن الصحابي عبدالله بن مسعود أسقطها من مصحفه، ومن ثم أنكرها كقرآن.

    تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً:
    عدم صحة النقل. فإن ما نسب إلى ابن مسعود غير صحيح، بل ومخالف لإجماع الأمة. ولا يعقل، بل يستحيل أن يحصل إنكار مثل هذا من صحابي جليل كعبدالله بن مسعود صاحب رسول الله (ص) الذي كان لا يفارقه، وشهد كثيراً من نزول الوحي، وهو الذي عاصر نزول الوحي في معظمه، وهو الأعلم من غيره بما هو قرآن، وما هو ليس بقرآن. وهو الصحابي الجليل الذي عرف عنه تقواه، وشدة غيرته على دينه، وعلى قرآنه، وبذلك فالعقلانية السليمة تقتضي بطلان ما نقل عن ابن مسعود في هذا الشأن.
    قال الإمام النووي في ((شرح المهذب)): ((أجمع المسلمون على أن المعوذتين، والفاتحة من القرآن، وأن مَن جحد شيئاً منها كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح)).
    وقال الإمام ابن حزم في كتاب ((القدح المعلى)): ((هذا كذب عن ابن مسعود، وموضوع)).
    وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر: ((أنه (ص) قرأهما في الصلاة)).
    وأخرج ابن حبان من وجه آخر عن عقبة بن عامر أيضاً: ((فإن استطعت ألا تفوتك قراءتهما في صلاة، فافعل)).
    وأخرج أحمد بن حنبل من طريق أبي العلاء بن الشخير عن رجل من الصحابة: ((بأن النبي (ص) أقرأنا المعوذتين، وقال له: إذا أنت صليت، فأقرأ بهما)).
    وقد صحّ عند العلماء عن ابن مسعود نفسه قراءة عاصم، وفيها المعوذتان والفاتحة. وكذلك قرأ المعوذتين حمزة، والكسائي، وجميع القراء السبعة والعشرة، وغيرهم.
    ثانياً: احتمال أن إنكار ابن مسعود كان قبل علمه بأنهما من القرآن. وبعد أن علم أنهما من القرآن آمن بهما، وأخذ بهما، وتمسك بهما. قال بعض العلماء: ((يحتمل أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي (ص). ولم تتواتر عنده، فتوقف في أمرهما، وإنما لم ينكر ذلك عليه، لأنه بصدد البحث، والنظر، والواجب عليه التثبت في هذا الأمر)).
    ثالثاً: عدم صحة النقل عن ابن مسعود بأنه أنكر قرآنية الفاتحة. وحاشا أن تكون الفاتحة قد خفيت عليه، وهي أم القرآن، والسبع المثاني، ومثلها مستحيل أن يخفى على ابن مسعود. وكذلك لو صح أنه أسقطها من مصحفه، فلا يعني هذا أنه ينكرها.
    قال ابن قتيبة ما نصه: ((وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه، فليس لظنه أنها ليست من القرآن (معاذ الله)، ولكنه ذهب إلى أن القرآن إنما كتب، وجمع بين اللوحين، مخافة الشك، والنسيان، والزيادة، والنقصان)).
    رابعاً: إن إنكار ابن مسعود لقرآنية الفاتحة، والمعوذتين، لو صح، فإن هذا لا ينقض قرآنيتهما، وتواترهما، ولا يرفع العلم اليقيني بقرآنية ما صح قرآنيته، وليس من شروط تواتر القرآن، والعلم اليقيني بثبوته ألا يخالفه مخالف حتى ولو كان من الصحابة، وإلا لأمكن هدم كل تواتر، وإبطال كل علم يقيني قام عليه.
    قال ابن قتيبة في ((مشكل القرآن)): ((ظن ابن مسعود أن المعوذتين ليستا من القرآن، لأنه رأى النبي (ص) يعوذ بهما الحسن، والحسين، فأقام على ظنه، ولا نقول إنه أصاب في ذلك، وأخطأ المهاجرون، والأنصار)).

    2 ـ شبهة تأليف آية من كلام أبي بكر:

    إن في المصحف آية هي من تأليف، وكلام أبي بكر، وهي قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومَن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً) سورة آل عمران/ آية 144. وحجتهم في ذلك: أنه عندما توفي الرسول (ص) قال عمر بن الخطاب: ((إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله (ص) توفي، وإن رسول الله (ص) ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: مات. والله ليرجعن رسول الله (ص) كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال، وأرجلهم، زعموا أن رسول الله (ص) مات)). قالوا: فقام أبو بكر، ورد على عمر. فقال: على رسلك يا عمر، أنصت. فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: ((أيها الناس، مَن كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات ومَن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت، ثم تلا الآية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل غفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومَن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً) سورة آل عمران/ آية 144 وزعموا أنها من كلام أبي بكر رد بها على عمر عندما أنكر وفاة الرسول (ص).

    تفنيد هذه الشبهة:


    إن مجرد تلاوة أبي بكر لهذه الآية في رده على عمر، وتهدئة الناس لا يعني مطلقاً، وبهذه السذاجة، أنها من كلام أبي بكر تفوه بها، أو قالها، وذلك من جهتين:
    الأولى: إن جميع الصحابة، ومنهم أبو بكر يحفظونها، ويعلمون أنها من القرآن، وأنها كلام الله تعالى، وترتيبها في سورة آل عمران، ونزلت قبل وفاة الرسول (ص) ببضع سنين.
    الثانية: أن الكثير الكثير من الصحابة يعلمون سبب نزولها، ومكان، وتاريخ نزولها. وقد ورد في الروايات الصحيحة أن الآية: (وما محمد إلا رسول) قد نزلت في غزوة أحد، عتاباً من الله تعالى على الصحابة، لفرارهم من القتال. حيث إنه عندما أصيب المسلمون في غزوة أُحُد، وكسرت رباعية الرسول (ص)، وشج وجهه، وجحثث ركبته، وشاع بين المقاتلة، أن رسول الله (ص) قد قتل، هنالك قال بعض المسلمين: ليت لنا رسول إلى عبدالله بن أبي بن سلول، فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان. وبعضهم جلسوا. وألقوا بأيديهم، وقال أناس من المنافقين: إن كان محمد قتل قتل، فالحقوا بدينكم الأول. فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: إن كان محمد قتل، فإن رب محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله (ص)، فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: ((أللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك مما قال هؤلاء ـ يعني المنافقين ـ ثم شد بسيفه، فقاتل حتى قتل. وروي أن أول مَن عرف رسول الله (ص) هو: كعب بن مالك فقد ورد أنه قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله (ص)، فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه ينافحون عنه. ثم لام النبي (ص) أصحابه على الفرار، فقالوا: يا رسول الله، فديناك بآبائنا، وأبنائنا، أتانا الخبر أنك قتلت، فرعبت قلوبنا، فولّينا مدبرين. فأنزل الله تعالى هذه الآية: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) إلى آخر الآية.

    3 ـ شبهة تأليف آية من كلام عمر:


    إن في المصحف آية هي من تأليف وكلام عمر بن الخطاب، وهذه الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى). وحجتهم في ذلك: أن هذه من كلام عمر بن الخطاب خاطب بها الرسول (ص)، وعرض عليه أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.

    تفنيد هذه الشبهة:

    إن هذه الشبهة لا دليل لها، ولا سند إليها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فالمسلمون وخاصة الصحابة يعلمون أنها من كلام الله، ويعرفون سبب نزولها، ومكان، وتاريخ نزولها، حيث قال عمر للنبي (ص): ((لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى)) فنزلت الآية، قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) سورة البقرة/ آية 125. والفرق واضح بين لفظ عمر، ولفظ الآية. فالآية الكريمة جاءت بلفظ الأمر، وعلى سبيل الوجوب، أما كلام عمر فجاء بصيغة الماضي مقروناً بالتمني، والذي عبر عنه بالحرف لو.

    4 ـ شبهة تغيير الخلفاء الثلاثة (أبو بكر، عمر، عثمان) لبعض القرآن
    :

    إن الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبو بكر، وعمر، وعثمان حرّفوا القرآن وغيروا، وبدلوا فيه، وأسقطوا كثيراً من آياته وسوره، وزعم بهذه الشبهة غلاة الشيعة، وقد استشهدوا في تأييد اتهاماتهم بأمور كثيرة منها:
    1 ـ ما رووه عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله: ((إن القرآن الذي جاء به جبريل إلى ممد (ص) كان سبع عشرة ألف آية)).
    2 ـ ما رووه، وما رواه محمد بن نصر عن هشام بن سالم عن أبي عبدالله: (أنه كان في سورة ((لم يكن)) اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم، وأسماء آبائهم)).
    3 ـ ما رواه محمد بن جهم الهلالي وغيره عن أبي عبدالله أن لفظ: ((أمّة هي أربى من أمة)) في سورة النحل ليس كلام الله، بل هو محرف عن موضعه، وحقيقة المنزل: ((أئمة هي أزكى من أئمتكم)).
    4 ـ روى بعض غلاة الشيعة أن هناك سورة تسمى سورة الولاية كانت في القرآن ثم أسقطت بتمامها.
    5 ـ روي بعضهم: أن سورة الأحزاب كانت أكثر، ومعظمها سقط إذ كانت طويلة على مثل سورة الأنعام، وأسقطوا منها فضائل أهل البيت.
    6 ـ ادعى بعضهم أيضاً أن الصحابة اسقطوا لفظ ((ويلك)) من قبل، وأول آية: (لا تحزن إن الله معنا).
    7 ـ ادعى بعضهم أيضاً أن الصحابة أسقطوا لفظ ((عن ولاية علي)) من بعد الآية: (وقفوهم إنهم مسئولون).
    8 ـ ادعى بعضهم أيضاً أن الصحابة أسقطوا لفظ ((بعلي بن أبي طالب)) من بعد (وكفى الله المؤمنين القتال).
    9 ـ ادعى بعضهم أيضاً أن الصحابة أسقطوا لفظ آل محمد من بعد: (وسيعلم الذين ظلموا).

    تفنيد هذه الشبهة:
    يمكننا نقض هذه الشبهة من خمسة وجوه:

    الأول: إن هذه اتهامات لا دليل لها، ولا سند إليها، اتهم بها الصحابة (رضوان الله عليهم) زوراً وبهتاناً، وما تنمّ عنه إلا أن تكون مجرد حقد، وضغينة، ودسائس، قصدوا بها تشويه أخلاقية، وسيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وسنتهم، والتي قال فيها الرسول (ص): ((عضّوا عليها بالنواجذ)).
    الثاني: إن بعض علماء الشيعة أنفسهم تبرأوا من هذه الاتهامات.
    قال الطبرسي، وهو من علماء الشيعة المفسرين، والمرموقين في كتابه ((مجمع البيان)) ما نصه: ((أما الزيادة فيه ـ أي في القرآن ـ فجمع على بطلانها، وأما النقصان فقد روي عن قوم من أصحابنا، وقوم من الحشوية، والصحيح خلافه. وهو الذي نصره المرتضى، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء)).
    وقال الطبرسي أيضاً في تفسيره ((مجمع البيان)): ((أما زيادة في القرآن، فمجمع على بطلانها، وأما النقصان فهو أشد استحالة. وإن العلم بصحة نقل القرآن، كالعلم بالبلدان، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة. فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله، وحراسته، وبلغت إلى حد لم يبلغه شيء فيما ذكرناه، لأن القرآن مفخرة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية، والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه، وحمايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء اختلف فيه من إعرابه، وقراءته، وحروفه، وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيراً، أو منقوصاً مع العناية الصادقة، والضبط الشديد)).
    الثالث: إن التواتر قد قام، والإجماع قد انعقد على أن الموجود بين دفتي المصحف هو كلام الله، هو القرآن من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تغيير، ولا تبديل. والإجماع سبيل من سبل الحق قويم: (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
    الرابع: إن الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ وهو الذي يزعمون أنهم يتشيعون له صح النقل عنه أنه حبذ جمع القرآن، بل وأثنى على جامعيه: أبي بكر، وعثمان، فد قال علي عن أبي بكر: ((أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول مَن جمع كتاب الله)). وقال عن عثمان ما نصه: ((يا معشر الناس، اتقوا الله، وإياكم والغلو في عثمان، وقولكم: حرّاق المصاحف، فوالله، ما حرّقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله (ص) )). وقوله أيضاً: ((لو كنتن الوالي وقت عثمان، لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان)).
    الخامس: لو كانت ادعاءاتهم صحيحة، لقام علي بن أبي طالب بعد أن استلم الخلافة، وصحح ما حرفه الخلفاء من قبله، ولكن هل فعل شيئاً من هذا؟ هل اتهم أحداً منهم أنه حرف، أو غير، أو أسقط شيئاً من القرآن؟ أبداً أبداً.
    (سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على المرسلين * والحمد لله رب العالمين) سورة الصافات/ آيات 180 ـ 182.

    5 ـ شبهة سقوط قرآناً من المصحف:

    ويمثلون على ذلك بكلمة ((متتابعات)) الواردة في مصحفي عبدالله بن مسعود، وأبي بن كعب (رضوان الله عليهما).
    أ ـ ففي مصحف ابن مسعود وردت كلمة متتابعات في آخر آية اليمين، وهي قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) سورة المائدة/ آية 89. وفي مصحف ابن مسعود بزيادة: ((متتابعات)).
    ب ـ وفي مصحف أبي بن كعب وردت هذه الكلمة متتابعات في آية الصوم، وهي قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) سورة البقرة/ آية 184. وفي مصحف أبي بن كعب بزيادة: ((متتابعات)).
    تفنيد هذه الشبهات:
    أولاً: إن هذا مخالف لما ثبت نقله بالتواتر من القرآن، فإن ورود كلمة متتابعات في مصحف ابن مسعود غير متواتر، ومنقول بالشهرة. وإن ما نقل عن مصحف أبي بن كعب منقول بخبر الآحاد، وليس بالتواتر.
    ثانياً: عن ورود كلمة متتابعات في مصحفي ابن مسعود، وأبي بن كعب هي من قبيل التفسير، والإيضاح، والشرح، والتفصيل للجمل باتفاق جميع العلماء.
    ثالثاً: عدم صحة الروايات المنسوبة إلى الصحابيين الجليلين. فلم يرد أبداً أنهما ادعيا أن كلمة متتابعات الموجودة في مصحفيهما هي قرآن، ولم يثبت أنهما قصدا بنيتهما أن هذه الكلمة من القرآن.
    رابعاً: إن الادعاء بأن كلمة متتابعات من القرآن هو في حد ذاته مخالف لإجماع الأمة. ولا يعقل أبداً أن ينفرد هذان الصحابيان بقرآن مثل هذا يدعيانه خروجاً على إجماع الأمة والصحابة.
    6 ـ شبهة إسقاط أبي بن كعب دعاءً كان يُتلى:
    إن الصحابي أبي بن كعب أسقط من المصحف دعاءً كان يُتلى. وكان يتلوه، وكان يسميه سورة الخلع والحفد، وهو: ((أللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، أللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق))
    .
    تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً
    : عدم صحة ما نقل عن أبي بن كعب أنه أثبت هذا الدعاء في مصحفه على أنه قرآن. وكونه أنه أثبته في مصحفه لا يعني أنه اعتبره قرآناً، ولم تقم الحجة عليه أنه قرآن، ولو كان ذلك لكان أبي بن كعب أعلم به من غيره.
    قال صاحب ((الانتصار)) ما نصه: ((إن كلام القنوت المروي عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه. ولم تقم الحجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآناً لنقل إلينا نقل القرآن، وحصل العلم بصحته)).
    ثانياً: من المحتمل أن يكون دعاء القنوت كلاماً من القرآن منزلاً، ثم نسخ، وأبيح الدعاء به، وخلط بما ليس بقرآن. أما ما روي أنه أثبته في مصحفه كقرآن، فهذا لا دليل له.
    قال صاحب ((الانتصار)) ما نصه: ((ويمكن أن يكون منه كلام كان قرآناً منزلاً، ثم نسخ، وأبيح الدعاء به، وخلط بما ليس بقرآن، ولم يصح ذلك عنه، إن ما روي عنه أنه أثبته في مصحفه)).
    ثالثاً: إن الادعاء بأن أبي بن كعب أثبت دعاء القنوت في مصحفه على أنه قرآن ادعاء باطل يعوزه الدليل، وتنقصه الحجة، ويفتقد إلى السند، فالصحابة (رضوان الله عليهم) أعلم من غيرهم بالقرآن، وما أثبتوه أجمعوا عليه حفظاً، وتلاوة، وكتابة، وتواتراً فليس من العقلانية السليمة بشيء الاعتقاد أن صحابياً مثل أبي بن كعب قد خرج عن هذا، وانفرد دون الصحابة بالادعاء بأن دعاء القنوت قرآن، وحاشا أن يفعل ذلك صحابي جليل هو أبي بن كعب.





    شبهات حول المكي والمدني من القرآن وتفنيدها


    ـ الشبهة الأولى: تعارض الأساليب

    إنّ أسلوبي القرآن المكي، والمدني متعارضان. فالأسلوب القرآني المكي يتسم بالعنف، والتشدد، والحدة، والقسوة، والغضب، والوعد، والوعيد، والتهديد، والترهيب، بينما يتسم الأسلوب القرآني المدني بالليونة، والصفح، والسماحة، والعفو، والفضل، والاستنارة.

    تفنيد هذه الشبهة:

    إن نظرة عقلانية فاحصة في أسلوبي القرآن المكي، والمدني تفند هذه الشبهة، وتدخض افتراءات التعارض بينهما. فالقرآن الكريم بقسميه المكي، والمدني يشمل على الشدة، والعنف، والليونة، والصفح، وهو في دعوته إلى الحق، والفضيلة، والاقتناع، والإفحام، والشرح، والتوضيح، يستخدم شواهد الحكمة والتشدد، والعقلانية، والتسامح في قسميه، وهو يستخدم أسلوب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والشدة والتسامح في مكيه، ومدنيه.
    أولاً: فالعنف، والشدة، والحدة، والقسوة ليس قصراً على القرآن المكي. فالقرآن المدني يتسم في كثير من آياته بمثل هذه الصفات والشواهد.
    فقد قال تعالى في سورة البقرة، وهي مدنية: (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون. وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) آية 13 ـ 15.
    وقال تعالى في سورة آل عمران، وهي مدنية (إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً وأولئك هم وقود النار. كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب. قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد) آية 10 ـ 12.
    وقال تعالى في سورة النساء، وهي مدنية: (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالاً بعيداً. إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً. إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً وكان ذلك على الله يسيراً) آية 167 ـ 169.
    ثانياً: وكذلك فإن الليونة، والتسامح، والصفح ليس قصراً على القرآن المدني. فالقرآن المكي تفيض آياته في الكثير من سوره بمثل هذه الصفات، والشواهد. فقد قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: (وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم) آية 54.
    وقال تعالى في سورة الأعراف، وهي مكية: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) آية 46.
    وقال تعالى في سورة يونس، وهي مكية: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم) آية 62 ـ 64.
    ـ الشبهة الثانية: (انقطاع الصلة)
    إن القسمين المكي، والمدني منقطعا الصلة.
    فالقرآن المكي تتسم سوره، وآياته بالقصر، أما المدني فتتسم سوره وآياته بالطول.

    تفنيد هذه الشبهة:

    يمكننا تفنيد هذه الشبهة بأمرين إثنين.

    المكي، والمدني استناداً إلى شواهد الطول، والقصر أمر تنقصه الدقة، ويحتاج إلى دليل. ونحن نسأل: متى كان الطول والقصر معياراً صحيحاً في الحكم على نظم أعظم كتاب، وأعجز فرقان، إلا أن يكون السوء ي النية، والتطاول في الكفر، والتمادي في الباطل؟!!.
    ومع الإقرار بصفة القصر للمكي، والطول للمدني، فإننا لا نشعر بأي تفاوت أو انقطاع بينهما بل بكمال الصلة، والتناسق، وجمال الانسجام، وانتظام الأحكام.
    ولو كان الأمر كما يدعون، لما غاب ذلك عن أئمة الفصاحة والبيان من العرب، والذي نزل فيهم، وتحداهم فلم يجرؤوا ـ وعلى تماديهم في التحدي ـ على القول بانقطاع الصلة بين قسميه المكي والمدني. وعلى العكس من ذلك، فقد شهدوا له بسميه المكي، والمدني بمراعاة قانون التحكم في قواعد البلاغة، والتناسق في السرد، والتلاوة، والانتظام في النظم، والأسلوب، وهو ينتقل من المكي إلى المدني بالنسبة للسور، ومن الآيات المكية في السور المدنية، والآيات المدنية في السور المكية بالنسبة للآيات.
    وما القصر للمكي، والطول للمدني إلا شاهد بياني، وبلاغي في أسلوب المخاطبة, والتناسب مع الأحوال. فأهل مكة اتسموا بالتمتع، والتشدد، والغلظة، والصلافة، فكان أسلوب الزجر المتسم بشواهد القصر مناسباً لهم. وعلى العكس من ذلك فأهل المدينة اتسموا باللين، والسماحة، والقبول، فكان أسلوب الإطناب، والإسهاب المتصف بشواهد الطول مناسباً لهم. وعلى العكس من ذلك فأهل المدينة اتسموا باللين، والسماحة، والقبول، فكان أسلوب الإطناب، والإسهاب المتصف بشواهد الطول مناسباً لهم. وهذه غاية التناسق، والتناسب في التخاطب. وهكذا اقتضت شواهد التناسب في المخاطبة مع الأحوال أن يأتي القرآن المكي في معظمه موجزاً قصيراً، والمدني في معظمه طويلاً مطنباً.
    الثاني: إن القول بقصر المكي، وطول المدني ليس مقبولاً على إطلاقه بل هو على الغالب، ولذا فقد احتوى القسم المكي على سور طويلة كسورة الأنعام، وقد احتوى القسم المدني على سور قصيرة كسورة النصر. ولو كان القول بقصر المكي، وطول المدني على الأكثر والأغلب، لكان صحيحاً، ونحن نسلم به. أما القول بذلك على الإطلاق، فلا يمكن قبوله، وخاصة أن هذا مصحوب بسوء النية، والافتراء على القرآن، والكافر لا يعدم الوسيلة، ولو اتصفت بالتفاهة، والسفاهة للنيل من قرآن ربنا، قرآننا.

    ـ الشبهة الثالثة: (التأثر بالبيئة)

    إن القرآن المكي تأثر بالبيئة. ودليل ذلك القَسَمُ فيه بالكثير من المحسوسات كالليل، والنهار، والضحى، والشمس، والقمر، والتين، والزيتون، وطور سنين، والرياح، والخيل. وهذا عكس القرآن المدني حيث خلا من كل ذلك.

    تفنيد هذه الشبهة:

    يمكننا تفنيد هذه الشبهة من خلال أمرين إثنين:


    أولاً: إن القَسَم بالأمور الحسية إنما هو من قبيل رعاية مقتضى الحال. والقرآن المكي ـ وهو يخاطب صناديد قريش، وأئمة الشرك، وجبابرة العناد ـ أجاد في طرح دلائل الألوهية، وتفنن في عرض أساليب الإفحام بالقسم بالأمور الحسية، والتذكير بشواهد الخلق، والنعم المحيطة بأهل مكة، نبذاً لعقائد الشرك من عقولهم، وطرحاً لشواهد الجحود من أذهانهم سيما وأنهم يؤمنون بتوحيد الربوبية، وهي نسبة أفعال الله إليه تعالى: كالخلق، والرزق، والحياة، والممات، والشفاء، والمرض، وكل ذلك حتى يلفت أذهانهم إلى حقيقة الألوهية، وأنها الخالقة لكل، ولمثل هذه المخلوقات، والنعم، والأمور الحسية التي أقسم الله بها.
    وكما يقول أستاذنا المرحوم محمد عبدالعظيم الزرقاني: بأن المصاب بداء الشرك لا سبيل لإنقاذه منه إلا بمثل الطريقة المثلى التي سلكها القرآن بعرض دلائل التوحيد من آيات الله في الآفاق على أنظار المشركين. وهذا سبيل متعين في خطاب كل مشرك، ولو كان واحد الفلاسفة، ووحيد العباقرة، وأستاذ المثقفين، والمستنيرين. فحلف القرآن بأمثال هاتيك المخلوقات والحسيات، ليس سبيلاً إلى الطعن في القرآن.
    ثانياً: إن القسم بالأمور الحسية يوحي، وينبئ بوجود أسرار عظيمة أودعها الله تلك المخلوقات الحسية، والتي أقسم بها. وغني عن البيان: أن هذه الأسرار لا يدركها، ولا يستشفها إلا أولو الألباب من الناس أصحاب العقول الكبيرة حيث إنها لم تُشرح، ولم تفسر في القرآن الكريم. فالله تعالى عندما أقسم بالتين، والزيتون، وطور سنين، وهذا البلد الأمين، فهو يذكرنا بعظم الأسرار، والحوادث، والآثار المحيطة، والنازلة ببني البشر. قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده في تفسيره لسورة التين: ((وقد يرجح أنها (أي التين، والزيتون) النوعان من الشجر. ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا، بل لما يذكران به الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر. فالله تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسان الطويل، فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين. وعندما بدت له، ولزوجته سوآتهما، طفقا يخصفان عليهما من ورق التين. والزيتون: إشارة إلى عهد نوح (ع) وذريته. وذلك أنه بعد أن فسد البشر، وأهلك من أهلك منه بالطوفان، ونجي نوح في سفينته، واستقرت السفينة نظر نوح إلى ما حوله، فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض، فأرسل بعض الطيور لعله يأتي غليه بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض، فغاب، ولم يأت بخبر. فأرسل طيراً ىخر، فرجع إليه يحمل ورقة من شجر الزيتون، فاستبشر، وسر، وعرف أن غضب الله قد سكن، وقد أذن للأرض أن تعمر، ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي أمحى عمرانها، فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون. والإقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة، وهي من أكبر ما يذكر من الحوادث)).
    وطور سنين: ((إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية، وظهور نور التوحيد في العالم بعدما تدنست جوانب الأرض بالوثنية، وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى (ع) جاء مخلصاً لروحها مما عرض عليه من البدع. ثم طال الأمد على قومه، فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين، وحجب نوره بالبدع، وإخطاء معناه بالتأويل، وإحداث ما ليس منه بسبيل. فمنّ الله على البشر ببداية تاريخ بنسخ جميع تلك التواريخ. ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية، وبين ما يلحق، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة. وإليه أشار بذكر البلد الأمين. وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه يتناسب القسم والمقسم عليه)) *




    تعدد واحدات الوصف والتسمية


    لو نظرنا إلى أي نص من نصوص القرآن الكريم، لرأينا أنه يتألف من مجموعة من الكلمات المختلفة، وأن كل كلمة ترتبط مع نظيراتها ارتباطاً تاماً، ومطابقاً تماماً لحقيقة وجودها، وأن ذلك ينعكس في مجموع ورود هذه الكلمات في القرآن الكريم.
    لو نظرنا الآن إلى هذا النص، من زاوية مجموع تعداد هذه الكلمات المختلفة التي يتألف منها. ضمن هذه الرؤية، سنجد أننا أمام بعد جديد آخر من أبعاد هذه المعجزة، فمجموع كلمات أي نص، يرتبط ارتباطاً تاماً مع حقيقة وجوهر المسألة، التي يصفها ويصورها هذا النص. إن العدد الدال على مجموع هذه الكلمات، هو العدد نفسه الدال على مجموع الواحدات الأساسية التي تخص وتميز المسألة التي يصفها ويصورها هذا النص. وبحيث تكون كل واحدة وصف وتسمية من واحدات وصف وتسمية هذا النص، مقابلة تماماً لواحدة من واحدات المسألة التي يصفها هذا النص.
    إن النص القرآني الذي يصف مسألة ما، يرتبط بجانب من جوانب هذه المسألة، ويأتي مجموع الكلمات (واحدات الوصف والتسمية) لهذا النص مطابقاً لجوهر وسر جانب هذه المسألة، وإن عدم إدراكنا لماهية وجوهر هذا الجانب، هو سبب عدم إدراكنا لسر مجمع كلمات النص التي تصف هذه المسألة من هذا الجانب.
    وسنتعرض لبعض النصوص القرآنية الكريمة التي تصف وتسمي مسائل من جانب ارتباطها بمجموع واحدات الزمن التي تخص هذه المسائل. وسبب اختيار ذلك هو علمنا المسبق بمجموع واحدات الزمن التي تخص هذا الجانب.
    لقد تم اختيار مسائل ذات جانب مرتبط بأعمار المرسلين (ع)، تلك الأعمار التي نعرفها، وهذا لا يعني أن كل نص يتحدث عن المرسلين (ع)، يحمل صورة جانب واحد هو الارتباط بمجموع واحدات الفترة الزمنية التي عاشها المرسلون (ع). إن هناك جوانب وأسراراً كثيرة تصفها وتصورها النصوص القرآنية التي تتحدث عن المرسلين، ولكن عدم علمنا بجوهر وأسرار هذه الجوانب، هو الذي جعلنا نختار المسائل المرتبطة مع الجانب الزمني المعروف مسبقاً.
    وكل نص قرآني يصف مسألة ما، مهما كانت هذه المسألة، يرتبط مجموع كلماته بجانب من الجوانب التي يصفها ويصورها هذا النص. وإن عدم إدراكنا لمجموع الواحدات الأساسية التي يصفها جانب هذه المسألة عبر النص القرآني الكريم، يحول بيننا وبين إدراك سر مجموع واحدات الوصف والتسمية (الكلمات) التي يتكون منها هذا النص.
    ولنأخذ أمثلة على ذلك:
    نحن نعلم أن مجموع سني حياة عيسى (ع) قبل أن يرفع إلى السماء هو (33) سنة، ونعلم أن عيسي (ع) ولد بمعجزة، لذلك فإن مجيئه إلى الدنيا بهذه الخصوصية، أثار آنذاك مسألةً في المحيط الذي حدثت فيه هذه المعجزة.
    (فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً * يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم مَن كان في المهد صبياً * قال) 19/ 27 ـ 29.
    ويأتي النص الذي يصف ويصور ما قاله عيسى (ع)، وهو في المهد، وتأتي كلمات هذا النص بشكل يحمل معه دليل صدق هذه المسألة، التي يصفها ويصورها القرآن الكريم.
    (إني عبد الله أتاني الكتاب وجعلني نبياً * وجعلني مباركاً أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً * وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً * والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً) 19/ 30 ـ 33.
    (33)
    إن مجموع الكلمات التي قالها (ع) هو (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع). وهكذا نرى كيف أن مجموع كلمات النص مطابق تماماً لمجموع الواحدات الزمنية لماهية المسألة التي يصفها هذا النص.
    وتأتي الكلمات التي تلي هذه الكلمات مباشرة، لتكون نصاً يصف المسألة نفسها، وبواحدات وصف وتسمية مرتبطة تماماً مع عمره (ع).
    (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربي وربكم فاعبدوه وهذا صراط مستقيم) 19/ 34 ـ 36.
    (33)
    إن مجموع كلمات هذا النص هو (33) كلمة، وهكذا نراها ترتبط ارتباطاً تاماً مع ماهية المسألة التي يصفها هذا النص.
    وهذا نص آخر يصف ويصور الافتراء الذي لحق بهذه المسألة.
    (33)
    (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه مَن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) 5 ـ 72.
    (33)
    ونجد أيضاً أن مجموع كلمات هذا النص هو (33) كلمة، بحيث يرتبط ارتباطاً تاماً مع حياته (ع).
    وتأتي الكلمات التي تلي هذه الكلمات مباشرة، لتكون نصاً يصف ويصور المسألة نفسها، وبواحدات وصف وتسمية مرتبطة مع عمره (ع).
    (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) 5/ 73 ـ 74.
    (33)
    (33) كلمة كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع) قبل رفعه إلى السماء.
    وهذا نص يصف ويصور مسألة عيسى (ع):
    (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون * وقالوا أألهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون * إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) 43/ 57 ـ 59.
    وأيضاً (33) كلمة تقابل (33) سنةن هي حياة عيسى (ع).
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة عيسى (ع)، عبر خطاب من الله سبحانه وتعالى إلى هؤلاء الذين افتروا على الله جل وعلا، بأنه اتخذ عيسى (ع) ولداً.
    (لقد جئتم شيئاً إداً * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً * أن دعوا للرحمن ولداً * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً * إن كل من في السموات والأرض إلا أتى الرحمن عبداً) 19/ 89 ـ 93.
    (33)
    ونرى أيضاً أن مجموع كلمات هذا النص هو (33) كلمة.
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة عيسى (ع)، من خلال رد الله سبحانه وتعالى على قولهم وافترائهم بأنهم قتلوه وصلبوه.
    (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقيناً * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً) 4/ 157 ـ 158.
    (33)
    وأيضاً (33) كلمة، بحيث يرتبط مجموع كلمات هذا النص ارتباطاً تاماً مع مجموع سني حياته (ع).
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة عيسى (ع)، عبر حديث يبين لنا مهمة القرآن الكريم، فمن مهمات القرآن الكريم، إنذار أولئك الذين قالوا اتخذ الله ولداً.
    (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً * ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً * فلعلك باخع نفسك على أثرهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) 18/ 4 ـ 6.
    (33)
    وأيضاً (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من حياته (ع).
    وهذا نص آخر يصور ويصف مسألة أخرى، ترتبط ارتباطاً تاماً بحياة الرسول (ص) وعبر حديث يبين للمؤمنين كيفية مخاطبته ومعاملته (ص).
    (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم * يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) 49/ 1 ـ 4.
    (63)
    إن مجموع كلمات هذا النص وهو (63) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياة الرسول (ص)، وهكذا نرى كيف أن مجموع كلمات النص يرتبط ارتباطاً تاماً بماهية المسألة التي يصفها هذا النص.
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة أخرى، ترتبط ارتباطاً تاماً بحياة يحيى (ع)، وذلك عبر حديث يبين دعاء زكريا (ع) واستجابة الله سبحانه وتعالى لهذا الدعاء، بأن وهبه يحيى (ع).
    (وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيي وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين) 21/ 89 ـ 90.
    (30)
    وهكذا نرى أن مجموع كلمات هذا النص هو (30) كلمة، حيث يرتبط ارتباطاً تاماً مع ماهية المسألة التي يصفها ويصورها هذا النص.
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة أخرى، ترتبط ارتباطاً تاماً بحياة سليمان (ع).
    (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مئاب) 38/ 34 ـ 40.
    (53)
    إن مجموع كلمات هذا النص هو (53) كلمة، تقابل الـ (53) سنة التي عاشها (ع). وهكذا نرى كيف أن كل واحدة وصف وتسمية، تقابل واحدة من واحدات الزمن التي يصفها هذا النص.
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة أخرى، مرتبطة ارتباطاً تاماً بحياة صالح (ع)، وذلك عبر كلمات يوجهها صالح إلى قومه، يدعوهم فيها إلى تقوى الله سبحانه وتعالى.
    (كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتتركون في ما ههنا آمنين * في جنات وعين * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) 26/ 141 ـ 152.
    (58)
    إن مجموع كلمات هذا النص هو (58) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياة صالح (ع). وبحيث يكون مجموع كلمات هذا النص مطابقاً تماماً لمجموع سني حياته (ع).
    وهذا نص آخر يصف ويصور مسألة موسى (ع) والسبعين رجلاً الذين اختارهم.
    (واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها مَن تشاء وتهدي مَن تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به مَن أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) 7/ 155 ـ 156.
    (71)
    إن موسى (ع) كان يتحدث باسم نفسه والسبعين رجلاً الذين اختارهم، أي أنه كان يتحدث باسم (71) رجلاً، فعناصر هذه المسألة هي (71) عنصراً، لذلك نرى أن مجموع كلمات هذا النص التي تصف هذه المسألة يطابق تماماً مجموع عناصرها.
    وهكذا رأينا من خلال النصوص القرآنية السابقة، كيف أن مجموع كلمات النص، تصف وتصور المسألة تصويراً مطلقاً، بحيث يرتبط مجموع واحدات الوصف والتسمية، ارتباطاً تاماً مع مجموع الواحدات الزمنية لماهية المسألة التي يصفها ويصورها هذا النص.
    * * *
    إن العبارة الكلامية المصورة لمسألة ما، هي الشاشة التي تظهر ساحة شعور المتكلم، وتبين تصوره ومفهومه بالنسبة لهذه المسألة.
    عندما يوجد بداخلنا صورة ما لمسألة ما، ونريد إخراج هذه الصورة ـ عبر الكلام ـ من داخلنا إلى الخارج، فإننا نحتاج إلى عبارة تنضح من داخلنا هذه الصورة. وتكون الصورة الظاهرة التي ترسمها هذه العبارة، قريبة أو بعيدة من الصورة الحقيقية الموجودة بداخلنا ـ في ساحة شعورنا في زمان محدد ومكان محدد ـ بمقدار ما نملك من قدرة التعبير عن ذلك.
    وأثناء حديثنا لا يمكننا أن نتصور أن كلمات العبارة التي نتحدث بها، تظهر أكثر من صورة واحدة، وأن تنضح من داخلنا أكثر من مفهوم واحد في الوقت نفسه. قد يفهمها الآخرون غير ذلك، وقد تحمل هذه العبارة عدة صور ومفاهيم، ولكننا أثناء النطق بها، لا يمكننا تصور صورتين مستقلتين زماناً ومكاناً في الوقت نفسه، لأننا أردنا ـ أثناء النطق بهذه العبارة ـ تصوير مفهوم ما، يحده زمان محدد، ومكان محدد، ولا يمكننا تجريد هذا المفهوم من إطار المكان والزمان الذي يحكمه، لأننا نحن محكومون بهذا الإطار.
    لو فرضنا جدلاً أننا نريد ـ أثناء النطق بهذه العبارة ـ تصور أكثر من مفهوم واحد في الوقت نفسه، فإن ذلك يحتاج إلى أن نفلت من إطار المكان والزمان الذي يحكمنا، لكي نجرد كل صورة ـ من الصور التي يفترض أن تحملها هذه العبارة ـ من زمانها ومكانها الخاص بها، ودمجها مع بقية الصور الأخرى، والتي جردت جميعها من هذا الإطار (إطار المكان والزمان)، وبعد ذلك ندخل نحن وعبارتنا هذه إلى إطار المكان والزمان، لنجدها تحمل في كل مرة ننطق بها، صورة محدددة بمكان وزمان مستقلين عن بقية الصور التي حملتها هذه العبارة. وبما أننا نحن محكومون بإطار المكان والزمان، لا يمكننا في تلاوة واحدة لهذه العبارة تصور أكثر من صورة واحدة، ومفهوم واحد، من الصور والمفاهيم التي حملتها هذه العبارة، أثناء تجريدنا إياها من إطار المكان والزمان. وإذا أردنا رؤية صورة أخرى، من الصور التي حملتها هذه العبارة، علينا تلاوتها من جديد بتصور آخر.
    إن تكوين عبارة تحمل هذه الصفة هو من المستحيل على البشر، لأنه يستحيل عليهم الإفلات من إطار المكان والزمان، وأن يعيشوا في لحظة واحدة زمنين مستقلين.
    إن الأعظم من ذلك أن نتصور أن هذه العبارة المصورة لمسألة ما، قد اجتزئ منها جزء يصور مسألة أخرى مستقلة زماناً ومكاناً عن المسألة الأولى، وأن لكل من العبارتين ـ العبارة الكلية والعبارة الجزئية ـ استقلاليتها الخاصة بها زماناً ومكاناً.
    والأعظم من ذلك أن نتصور أن كل صورة من هاتين الصورتين ـ الصورة الكلية والصورة المجتزأة منها ـ ترتبط بجوهر وروح المسألة التي تصفها وتصورها، وبحيث يكون مجمع واحدات الوصف والتسمية ((وواحدات التصوير)) لكل من الصورتين الكلية والجزئية، مطابقاً تماماً لمجموع الواحدات الأساسية المقابلة لكل حالة.
    قد يتصور بعض الناس أن من الممكن تكوين مثل هذه العبارة التي تحمل صورة مسألة كاملة، وبحيث يكون مجموع واحداتها مطابقاً تماماً لمجموع واحدات المسألة المقابلة، وفي الوقت نفسه يمكن اجتزاء جزء منها، وبحيث يكون مجموع واحدات هذا الجزء مطابقاً تماماً لمجموع واحدات المسألة التي يصفها ويصورها. قد يتصور هؤلاء البعض أنه من الممكن تكوين مثل هذه العبارة. ولكن لو علم من تصور ذلك، أن هذه العبارة الكلية، وعباراتها الجزئية، وكلماتها، وحروفها ـ إذا قورنت بالعبارة القرآنية ـ لكل ارتباطاته الكثيرة التي لا يعلم حدودها إلا الله تعالى، لعلم، على قدر علمه، كم هو مستحيل على البشر تكوين مثل هذه العبارة.
    لذلك في كلام البشر، لا يمكن اجتزاء جزء من الكلمات التي تصور مفهوماً ما، لتصوير مفهوم آخر مستقل عن المفهوم الذي تصوره الكلمات مجتمعة، وبحيث يكون لكل من المفهومين استقلاليته الخاصة به، وانعكاس ذلك في مجموع الكلمات التي تصف كل مفهوم والتي تطابق بشكل مطلق جوهر هذا المفهوم.
    أما في القرآن الكريم ـ المتعلق بصفات الله تعالى ـ نجد أن اجتزاء جزء من العبارة القرآنية ـ شريطة اكتمال الصورة التي يصفها ويصورها هذا الجزء ـ يحمل صورة أخرى، مستقلة عن الصورة التي تحملها هذه العبارة كاملة. والإعجاز الإلهي وعظمة التصوير الإلهي تحيط بذلك، لذلك نرى أن مجموع واحدات كل من الصورتين ـ الصورة التي تحملها العبارة كاملة والصورة التي يحملها الجزء المجتزأ منها ـ يأتي مطابقاً تماماً لماهية الشيء الذي تحمله العبارتان في كل حالة. وهذه الصفة هي واحدة من مجموعة الصفات التي لا تنتهي والتي تميز كلام الله تعالى ـ القرآن الكريم ـ عن كلام البشر.
    لننظر إلى الصورتين التاليتين، الصورة الكلية التي يحملها الجزآن معاً، والصورة الجزئية التي يحملها الجزء الأول.
    (يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه وأحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سرح مبين * ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب).
    (33)
    (وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين) 61/ 6 ـ 7.
    إن الجزأين معاً يصفان مسألة كاملة، هي الظلم في افتراء الكذب على الله تعالى، أثناء الدعوة إلى المنهج السليم الذي يريده الله تعالى لعباده، وذلك عبر خطاب من عيسى (ع) لبني إسرائيل، يبين لهم فيه هذا المنهج السليم، وكيف أنهم افتروا على الله تعالى الكذب أثناء دعوتهم إليه. فكلمة الكذب في هذه الصورة الكاملة التي تحوي الجزأين معاً، تتعلق بالافتراء على الله تعالى أثناء الدعوة إلى الإسلام. وفي هذه الصورة الكلية نرى أن الجزأين يرتبط بعضهما ببعض ارتباطاً تاماً، لإظهار الصورة التي تحملها هذه العبارة الكلية.
    ولو نظرنا إلى الصورة المجتزأة التي يصفها الجزء الأول، وبشكل مستقل عن الجزء الثاني، لرأيناها تصف مسألة مستقلة تتعلق بعيسى (ع)، فكلمة الكذب التي انتهت عندها هذه الصورة، تعود إلى قولهم هذا سحر مبين. وهذه الصورة المجتزأة التي تخص مسألة عيسى (ع)، نراها مرتبطة ارتباطاً تاماً بحياته، فهي مكونة من (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع).
    وهكذا نرى كيف أن كلمة الكذب تحمل صورتين مستقلتين، مرة جاءت متعلقة بقولهم هذا سحر مبين، بعد أن جاءهم عيسى (ع) بالبينات، لذلك رأيناها تدخل ضمن معادلة مرتبطة بحياة عيسى (ع)، ومرة جاءت متعلقة بافترائهم على الله تعالى أثناء دعوتهم إلى الإسلام، لذلك رأيناها تدخل ضمن معادلة أخرى.
    وأثناء قراءتنا لكلمة الكذب، لا يمكننا بقراءة واحدة، تصور هذين المفهومين المستقلين بآن واحد، وحتى نتصور كل مفهوم علينا بقراءة جديدة. فتصور المفهوم المرتبط بحياة عيسى (ع)، يقتضي الوقوف عند كلمة الكذب. ولتصور المفهوم الكلي علينا عدم الوقوف عند هذه الكلمة، ومتابعة قراءة باقي الكلمات. وقد رأينا كيف أنها في كل حالة تأتي موافقة للمسألة التي تنتمي إليها بشكل مطلق.
    وهذا مثال آخر.
    لننظر في الصورة المجتزأة من الآيات الكريمة، والتي تحمل صورة مستقلة مرتبطة بمسألة مستقلة تخص عيسى (ع) وقومه، رغم ارتباطها التام بالصورة الكلية التي يحملها الجزآن معاً ..
    (وقفينا على أثرهم بعيسى ابن مرسم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه).
    (33)
    (ومَن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) 5/ 46 ـ 47.
    إن الصورة كاملةً ـ الجزءان معاً ـ تصف لنا مسألة كاملة ومستقلة، هي ضرورة الحكم بما أنزل الله تعالى، وأن مَن لم يحكم بما أنزل الله تعالى فأولئك هم الفاسقون، وذلك عبر مثال يبين كيف أن الله تعالى أرسل عيسى (ع)، وأعطاه المنهج الذي يجب أن يحكم به الناس. ونرى في هذه الصورة أن الجزأين يرتبطان مع بعضهما ارتباطاً تاماً لتكوين صورة هذه المسألة.
    ولو نظرا إلى الجزء الأول، لرأيناه يرتبط ارتباطاً تاماً بعيسى (ع) وبقومه، ليصف لنا مسألة مستقلة تخص عيسى (ع). لذلك نرى أن عظمة الوصف الإلهي تتجلى في ذلك، فمجموع كلمات هذا الجزء هو (33) كلمة، كل كلمة تقابل سنة من سني حياته (ع).
    ولو نظرنا إلى الجزء الثاني بشكل مستقل، لرأيناه يصف مسألة عامة، تخص جميع مَن لم يحكم بما أنزل الله تعالى، سواء أهل الإنجيل أم غيرهم. لذلك نرى أن كلمات هذا الجزء لم تدخل في المعادلة المطلقة التي تصف لنا حياة عيسى (ع) وقومه، والمرتبطة بمجموع السنين التي عاشها قبل رفعه إلى السماء. رغم ارتباط هذا الجزء مع الجزء الأول في مسألة واحدة.
    وهذا مثال آخر ..
    (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين * قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر).
    (33)
    (قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) 3/ 45 ـ 47.
    إن الصورة المجتزأة التي يحملها الجزء الأول، تخص حياة عيسى (ع) خاصة، فهي تنقل البشرى التي حملتها الملائكة إلى مريم (ع)، ورد مريم على ذلك، ذلك الرد الذي توجهت به إلى الله تعالى. ونرى أن مجموع كلمات هذه الصورة المجتزأة التي تخص مسالة عيسى (ع) بشكل خاص، أتى مرتبطاً تماماً مع عمره، فمجموع كلمات هذه الصورة هو (33) كلمة.
    ولو نظرنا إلى الجزء الثاني ـ الذي يرتبط مع الجزء الأول ارتباطاً تاماً ـ لرأيناه يصف طلاقة القدرة الإلهية في خلقه عزوجل للأشياء. وكيف أن هذه القدر لا تحتاج إلى أسباب، فمجرد وجود الإرادة الإلهية تظهر هذه الأشياء للوجود.
    صحيح أن هذا الجزء أتى جواباً على استفسار مريم (ع)، وكيف ستلد ولم يمسسها بشر، لكنه جواب عام يبين طلاقة القدرة الإلهية، فنحن البشر تعودنا على الأسباب، ويصعب علينا تصور حدوث الأشياء بعيداً عن الأسباب التي تؤدي إليها. فالحمل والولادة لابد له ـ في تصورنا ـ من اجتماع الذكورة والأنوثة والصورة التي يحملها هذا الجزء تبين أن الأسباب هي بيد الله تعالى، وأن قدرته وإرادته وخلقه للأشياء لا تحتاج إلى أسباب.
    وهكذا نرى أن هذا الجزء الذي يصف ويصور مسألة عامة، لم تدخل كلماته في مجموع الكلمات التي تصف مسألة عيسى (ع)، بشكل خاص ومرتبط به بشكل مباشر.
    وهذا مثال آخر ..
    (ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذين تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا).
    (33)
    (من عذاب يوم أليم) 43/ 63 ـ 65.
    إن الجزء الأول يصف مسألة تتعلق بحياة عيسى (ع) خاصة، وهي مسألة تامة وكاملة. لذلك نرى أن مجموع كلمات هذه الصورة هو (33) كلمة، تقابل الـ (33) سنة التي عاشها (ع) قبل رفعه إلى السماء. ونرى أن كلمة ظلموا في هذه الصورة المستقلة والمنتهية عند هذه الكلمة، تتعلق باختلافهم، بعد أن جاءهم عيسى (ع) بالبينات، فهي مرتبطة ارتباطاً تاماً بهذه المسألة التي تخص حياته (ع).
    أما الجزء الثاني (من عذاب يوم أليم)، والذي يرتبط ارتباطاً تاماً مع الجزء الأول في مسألة واحدة، نراه يتعلق بالعذاب يوم القيامة، ذلك العذاب المرتبط بالظلم. لذلك نرى أن كلمات لم تدخل في المعادلة المطلقة المرتبطة بالصورة التي يصفها الجزء الأول.
    ومن هنا ندرك أنه لا يحق لأحد أن يفرض تصوراً خاصاً على معاني العبارات القرآنية الكريمة، لأنه لا يستطيع أن يدرك من هذه المعاني سوى الشيء المحدد، والمسجون ضمن إطار المكان والزمان الذي يحدد تصوره، ولا يحق لأحد أن يفرض حدوداً على بدايات ونهايات العبارات والصور القرآنية، للسبب نفسه. إن الذي يملك القرار في تحديد بدايات ونهايات العبارات القرآنية، وما تحمله هذه العبارات من معان وصور لكل جيل، هو القرآن الكريم ذاته، وماهية الصور التي تصورها هذه العبارات، وحسب ما وصل إليه العلم، وما تحيط به الحضارة التي يملكها هذا الجيل. فلو كان القرآن الكريم يحمل معاني وصوراً محددة، لها عطاء محدد يحيط به جيل من الأجيال، لكان مماثلاً لكلام البشر، وعندها لا يترك شيئاً للأجيال اللاحقة من عطاءاته وإعجازاته، ولكان محكوماً بإطار المكان والزمان الذي يحكم البشر وكلامهم.
    فمثلاً في الآية الكريمة التالية:
    (وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماءً فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين). 15/ 22.
    اجتزأ القدماء من هذه الآية الكريمة ثلاث كلمات (وأرسلنا الريح لواقح) وفسروها تفسيراً مستقلاً عن الآية الكريمة، فعملية التلقيح حصروها في عالم النبات، وهذا التصور ليس خطأ، فالرياح تساهم في عملية تلقي أزهار النبات.
    ولكن عندما تطور العلم، اتضح أن الكلمات الأربع التي تليها (فأنزلنا من السماء ماء) ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً، فإرسال الرياح كان سبباً في نزول الماء من السماء، فهو يقوم بتلقيح الغيوم وبالتالي ينزل المطر.
    إن التصور الأول صحيح، والتصور الثاني صحيح، وهذان التصوران لا يمثلان جميع معاني هذه الكلمات، فلربما يظهر المستقبل معاني وتصورات أخرى، تحملها الكلمات نفسها التي حملت المعنيين السابقين.
    ولذلك لا يحق لأحد وضع حدود لبدايات ونهايات اكتمال الصورة القرآنية، وفرض معان خاصة على العبارة القرآنية، لأنه لا يستطيع حصر الصور القرآنية التي تصفها وتصورها هذه العبارة، فالقرآن الكريم حي، وصالح لكل مكان وزمان، ليصور وبالكلمات نفسها لكل جيل ما يناسب علمه وحضارته التي وصل إليها.
    إن أي تصور يجمد الصور التي تحملها أي عبارة قرآنية، وفق حدود المكان والزمان التي تحكم جيلاً معيناً، أو فكراً معيناً، هو تصور ميت، ينطبق على كلام البشر، ولا ينطبق أبداً على كلمات هي صفة من صفات الله تعالى، وتحمل من المعاني والصور والتفاسير ما إن أصبح البحر مداداً لهذه الكلمات فند البحر قبل نفادها.
    (قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً) 18/ 109.



    شبهة إسقاط دُعاء من القرآن


    إن الصحابي أُبي بن كعب أسقط من المصحف دعاءً كان يُتلى. وكان يتلوه، وكان يسميه سورة الخلع والحفد، وهو: «أللهم إنّا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق»
    .
    ـ تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً: عدم صحة ما نقل عن أبي بن كعب أنه أثبت هذا الدعاء في مصحفه على أنه قرآن. وكونه أنه أثبته في مصحفه لا يعني أنه اعتبره قرآناً، ولم تقم الحجة عليه أنه قرآن، ولو كان ذلك لكان أبي بن كعب أعلم به من غيره.
    قال صاحب (الانتصار) ما نصه: «إن كلام القنوت المروي عن أبي بن كعب أثبته في مصحفه، ولم تقم الحجة بأنه قرآن منزل، بل هو ضرب من الدعاء، وأنه لو كان قرآناً لنقل إلينا نقل القرآن، وحصل العلم بصحته».
    ثانياً: من المحتمل أن يكون دعاء القنوت كلاماً من القرآن منزلاً، ثم نسخ، وأبيح الدعاء به، وخلط بما ليس بقرآن. أما ما روي أنه أثبته في مصحفه كقرآن، فهذا لا دليل له.
    قال صاحب (الانتصار) ما نصه: «ويمكن أن يكون منه كلام كان قرآناً منزلاً، ثم نسخ، وأبيح الدعاء به، وخلط بما ليس بقرآن، ولم يصح ذلك عنه، إن ما روي عنه أنه أثبته في مصحفه».
    ثالثاً: إن الادعاء بأن أبي بن كعب أثبت دعاء القنوت في مصحفه على أنه قرآن ادعاء باطل يعوزه الدليل، وتنقصه الحجة، ويفتقد إلى السند، فالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أعلم من غيرهم بالقرآن، وما أثبتوه أجمعوا عليه حفظاً، وتلاوة، وكتابة، وتواتراً فليس من العقلانية السليمة بشيء الاعتقاد أن صحابياً مثل أبي بن كعب قد خرج عن هذا، وانفرد دون الصحابة بالادعاء بأن دعاء القنوت قرآن، وحاشا أن يفعل ذلك صحابي جليل هو أبي بن كعب.
    ـ شبهة إنساء الرسول (ص) آيات من القرآن:
    قالوا: إن الرسول (ص) قد أسقط عمداً، أو أنسي آيات من القرآن الكريم. وحجتهم في ذلك حديث شريف، وآية قرآنية. أما الحديث الشريف فهو ما رواه الشيخان في صحيحهما.
    أ ـ روى البخاري في صحيحه عن هشام بن عروة عن عائشة (رض) قالت: سمع النبي (ص) رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا»، وزاد في رواية أخرى، وقال: «أسقطتهن من سورة كذا وكذا».
    ب ـ روى مسلم في صحيحه عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي (ص) سمع رجلاً يقرأ من الليل، فقال: «يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطها من سورة كذا وكذا».
    وأما الآية القرنية فهي قوله تعالى: (سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله) سورة الأعلى آيات 6 ـ 7. فالاستثناء الواقع فيه يدل على أن الرسول (ص) قد أسقط عمداً، أو أنسي آيات لم يتفق له من يذكره إياها.

    ـ تفنيد هذه الشبهة:

    يمكننا معالجة هذه الشبهة من حيث تفسير الحديث والآية.


    أولاً ـ من حيث الحديث:

    أ ـ إن هذا الحديث لا يصلح حجة، ولا يستقيم سنداً في تأييد هذه الشبهة، وإنما هو حجة عليها. فإن كلمة «أسقطتهن» التي وردت في الحديث معناها الإسقاط نسياناً، وليس عمداً. وما يقوي معنى النسيان، ويؤكده هو مرادفها في نفس الحديث، وهي كلمة: «أنسيتها».
    ب ـ إن العقلانية السليمة، وشواهد الإيمان الحقة تقتضي استحالة أن يغير الرسول (ص) أو يبدل في القرآن شيئاً إلا إذا أمره الله بذلك، أو كان بإيحاء من الله تعالى كالنسخ، وغيره وإلا لما بلغ الرسول (ص) الرسالة، ولما أدى الأمانة، والله تعالى يشهد على أمانة رسوله، إذ يقول على لسانه: (قل ما يكون لي أن أُبدِّله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ) يونس آية 15.
    ج ـ إن نسيان الرسول (ص) الوارد في الحديث ليس نسيان تبليغ، وإنما هو نسيان غفلة، وغيبة، وتذكر. وهذا ما يتعرض إليه البشر عادة، والرسول (ص) من البشر ينسى، ويغفل، ويغيب عليه الأمر أحياناً. فروايات الحديث لا تعني أبداً أن الآيات القرآنية التي سمعها الرسول (ص) من الرجل الذي كان يقرأها، وهو عباد بن بشار لا تعني أنها قد انمحت من ذهن الرسول (ص) وإنما غاية ما عنته: أن تلك الآيات كانت غائبة عن الرسول (ص)، وكان لا يتذكرها في تلك اللحظة، ثم ذكرها، وافتكرها بقراءة عباد بن بشار. ومن المعلوم أن غيبة الشيء، وغفلة الذهن غير محوه. والدليل على ذلك أن الإنسان بطبعه ـ والرسول إنسان ـ قد يغيب عنه النص أحياناً إذا اشتغل الذهن بغيره، وهو يدرك في نفس الوقت أن النص مخزون في ذهنه سيستحضره إذا ما نبه إليه، وسيفتكره، وسيتذكره إذا ما ذكر إليه. أما النسيان التام المرادف لإمحاء الشيء من الذاكرة، فهذا مستحيل على الرسول (ص)، وخاصة فيما يتعلق بمهام التبليغ للرسالة، والبيان للقرآن. فنسيان الرسول (ص) لم يكن نسيان تبليغ، أو نسيان بيان للقرآن أبداً، فهو قد أبلغ ما نزل عليه من قرآن، وأطاع أمر الله في التبليغ، والله تعالى يقول: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) سورة المائدة آية 67.
    والله تعالى قد تكفل ببيانه وتبليغه للناس على لسان رسوله. فهو يقول: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه) سورة القيامة الآيات 16 ـ 19.
    وقد ذكر الشيخ محمد عبدالعظيم الزرقاني في كتابه (مناهل العرفان): «وقال الجمهور: جاز النسيان عليه فيما ليس طريقة البلاغ، والتعليم، بشرط ألا يقر عليه، لابد أن يذكره، وأما غيره فلا يجوز قبل التبليغ، وأما نسيان ما بلغه كما في الحديث فهو جائز بلا خلاف».
    د ـ إن نسيان الرسول (ص) الوارد في الحديث ليس نسيان ضياع، أو فقد، وليس إسقاطاً للقرآن الكريم. والدليل على ذلك: أن ما نسيه الرسول (ص) من آيات قرآنية كان قد حفظها، وبلغها لأصحابه، وبينها لهم، فحفظوها ووعوها، وحفظوها في صدورهم، وعقولهم، وقلوبهم، وكتبوها في سطورهم، وفي كتبهم، وفي مصاحفهم. وليس هناك ما يدل على أنهم لم يبلغوها، أو لم يحفظوها، أو نسوها حتى يخاف عليها من الضياع، والفقدان. والقرآن كله بآياته، والتي بلغت حوالي ستة آلاف ومائتي آية وأكثر، تعهدته العناية الإلهية بالحفظ من الضياع مصداق قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) سورة الحجر آية 9.
    هـ ـ إن نسيان الرسول (ص) الوارد في الحديث إنما هو بمعنى غياب التذكر، والذي ينتاب الإنسان من بعد غفلة، ولكن سرعان ما يضمحل الغياب، ويصفو التذكر. فقد روى أبو منصور الأرجاني في كتاب (فضائل القرآن) أن النبي (ص) كان يقول عند ختم القرآن: «أللهم ذكرني منه ما نسيت، وعلمني منه ما جهلت، وارزقني تلاوته آناء الليل والنهار، واجعله حجة لي يا رب العالمين».
    ولنا القول: بأن النسيان الوارد في الحديث لا يعني الإسقاط، كما لا يعني نسيان التبليغ. وإنما هو نسيان غفلة، وغيبة، وعدم تذكر من عدم حفظ، ومن بعد وعي، ومن بعد تبليغ. وهذه صفات بشرية، والرسول بشر، يصح منه النسيان، ويصح أن يغفل عما حفظ من القرآن سيتذكره فيما بعد، ولو حصل منه شيء من ذلك النسيان، أو الغفلة، فهذا لا يعني إسقاطاً، ولا امحاءً، لأن القرآن سبق أن حفظ، ودون، وجمع من قبل الرسول (ص) وصحابته.
    ثانياً: وأما بالنسبة للآية القرآنية التي استندوا إليها في تأييد شبهتهم: بأن الرسول (ص) أسقط عمداً، أو أنسي شيئاً من القرآن، فهي قوله تعالى في سورة الأعلى: (سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله) سورة الأعلى آية 6 ـ 7.
    وأصحاب هذه الشبهة يرون أن ما جاء في الآية يدل بطريق الاستثناء الواقع فيه على أن محمداً (ص) قد أسقط عمداً، أو أنسي آيات لم يتوفر له من يذكره إياها.
    ويرد عليهم: بأن الاستثناء الوارد في الآية بجملة: (إلا ما شاء الله) معناه: أن عدم نسيان الرسول (ص) هو بفضل من الله تعالى، ومشيئته، ولا يعني النسيان بذاته، قوله تعالى: (إلا ما شاء الله) يعلق وقوع النسيان على مشيئة الله إياه، والمشيئة لم تقع، والنسيان لم يقع، وبالقاعدة: فإن عدم حصول المعلق عليه، «وهو مشيئة الله» يستلزم عدم حصول المعلق، وهو النسيان. ودليل ذلك أن العناية الإلهية، والمشيئة الربانية، اقتضتا جمع القرآن، ومن ثم بيانه، وتبليغه على لسان الرسول (ص)، وهذا يتنافى مع وقوع النسيان مصداق قوله تعالى: (إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرآنه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه). ومن هنا يبقى الاستثناء الوارد في الآية استثناءً صورياً، وليس حقيقياً، فالله تعالى وعد رسوله أن يقرئه القرآن فلا ينساه، وعلى وجه التأييد.
    قال الإمام محمد عبده في تفسيره للاستثناء الوارد في الآية ما نصه: «ولما كان الوعد على وجه التأييد، واللزوم، ربما يوهم أن قدرة الله لا تسع غيره، وأن ذلك خارج عن إرادته (جل شأنه) جاء بالاستثناء في قوله: (إلا ما شاء الله)، فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئاً، لم يعجزه ذلك، فالقصد هو نفي النسيان رأساً. وقالوا: إن ذلك كما يقول الرجل لصاحبه: «أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله» لا يقصد استثناء شيء وهو من استعمال القلة في معنى النفي. وعلى ذلك جاء الاستثناء في قوله تعالى في سورة هود: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع، فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد إنما هو بكرم من الله وفضل منه لا بإيجاب وإلزام عليه، ولو أراد عكس ذلك، أي أن يأخذ ما وهب، لم يمنعه من ذلك مانع».



    شبهة تأليف القرآن

    إنّ القرآن من تأليف محمد. صاغه بأسلوبه، وعبّر عنه ببيانه، ونمّقه ببلاغته، وزخرفه بتهيؤاته، ودعمه بمعجزاته، ثم نسبه إلى خالقه، وادعى أنه وحيه، ليكسيه هالة قدسية، جذباً لاحترام، وثقة الناس فيه، ليصبو به إلى مآربه الدنيوية في التسلط، والسيادة، والحكم، والزعامة.

    ـ تفنيد هذه الشبهة:

    أولاً
    : إذا كان القرآن من تأليف محمد، فحديثه الأضعف منه بلاغة، وفصاحة، وبياناً، يكذب ذلك. ولكان الأولى ألا ينسب لنفسه حديثاً، وأن يجعل كل كلامه قرآناً فالتمايز بين القرآن، والحديث النبوي على درجة من الشدة، والوضوح، بحيث لا يخفى على أحد، وعلى الأخص على فطاحل اللغة العربية. فالقرآن في أسلوبه، ونمطه، وبيانه وتناسقه، وخصائصه الأخرى تجعله فريداً في نوعه، مميزاً عن كلام البشر، حيث جاء معجزاً، متحدى به، لم يستطع أحد أن يعارضه، أو يقلده، أو يضاهيه، أو يعيبه، أو يأتي بمثله، أو حتى يحرّفه. أما الحديث النبوي ـ وإن بلغ الذروة في فصاحته، وبيانه ـ فقد تناولته ألسنة المعارضة، والتقليد، والتحريف، فهو لم يجيء معجزاً، ولم يتحد به، ولذا فقد مسّته شواهد التحريف، فكان منه الحديث الصحيح، والحسن والضعيف، والموضوع. وأما ادعاء أعداء الإسلام أن لكلام محمد ضربين: الأول: وهو أن القرآن جاء به على انتظار، وتمهل، وترتيب، وتحضير، فأكسبه مزيداً من التهذيب، والتنميق، والتحبير. والثاني: وهو الحديث النبوي، فعبر عنه دون تريث، أو تفكير، أو تمهل، فجاء محرراً من كل تنميق، أو تخبير. ويرد عليهم: بأن هذا الادعاء يفقد كل أساس مسوغ لصحته. فالقرآن الكريم نزل معظمه مفاجأة، وعلى غير انتظار، أو تمهل، أو تريث، فجاء منمقاً، مهذباً، سامياً في لغته، وأسلوبه، وإعجازه. ونفس الشيء بالنسبة للحديث النبوي: فمنه ما جاء على انتظار، وتمهل وتريث، ومنه ما جاء على غير ذلك، ومع ذلك فكلاهما ورد بنفس الأسلوب، والنمط، والخصائص. وقلما نجد تفاوتاً بينهما، وإنما يبقى التفاوت واضحاً بين القرآن، والحديث في الأسلوب، والنمط، والبيان، والخصائص، ويبقى بينهما كالتفاوت بين مقدور الخالق، ومقدور المخلوق لا يقلل من هذا التفاوت زعم، أو باطل، أو ادعاء، وإلى قيام الساعة.
    ثانياً: إن القرآن الكريم لو كان من تأليف محمد، لكان قد نسبه إلى نفسه، ولادّعى الألوهية فضلاً على النبوة، فيحيطه بهالة أكثر قدسية، فيكسب مزيداً من ثقة الناس فيه، فتزيد قداسته فيهم، وبالتالي تتقوى زعامته فيهم، ويشتد تسلطه عليهم. فلو كان القرآن من تأليف محمد لكان الأولى ألا يفرق بينه وبين الحديث، ولا ينتظر أن ينسبه غيره إليه ولكن (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً) فالمؤكد تماماً حتى عند أدعياء الكفر أن الرسول (ص) لم يدع جاهاً، ولا زعامة، ولا دنيا، وهو الذي قال لأعرابي عندما هالته عظمة النبوة: «هوّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة». ومن الثابت أيضاً حتى بالنسبة لأدعياء الكفر أنه لم يدّع كتاباً، أو علماً من عنده، وما هذه الشبهات إلا من قبيل الكفر، والكفر عناد. والرسول (ص) هو الذي قال فيه ربه في سورة العنكبوت: (وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون) آية 48.
    ثالثاً: إن القرآن الكريم لو كان من تأليف محمد لاستطاع أئمة الفصاحة، والبلاغة، والبيان من العرب أن يكتشفوا ذلك، وكان سهلاً عليهم، فيدحضوا به زعم محمد أن القرآن يوحى إليه من عند الله من جهة، ويقلدونه ـ وهم قد عجزوا عن ذلك ـ من جهة أخرى. فالقرآن الكريم ـ وهم أهل الفصاحة، والبيان ـ أعجزهم في لغتهم، وغزاهم في عقر بلاغتهم، وتحداهم، وبأطلق لسان فيهم، وأعرب لغة بينهم، أن يجاروه، ولو بأقصر سورة منه تتكون من ثلاث آيات، وهي سورة الكوثر، ولكن هل استطاعوا؟ ... قال تعالى: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) سورة البقرة آية 23 وقال تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا مَن استطعتم من دون الله إن كنت صادقين) سورة يونس آية 38. (فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين) سورة الطور آية 34. ولكن هل استطاع هؤلاء العرب ـ وهم أصحاب الصناعة البيانية، والبلاغية الفائقة ـ أن يجاروا هذا القرآن، أو يعارضوه، أو يقلدوه؟ ... وهل قبلوا التحدي، وهم ملاك النباهة، والحسّ والذوق الأدبي الرفيع؟ الجواب على ذلك أبداً: فقد عجزت أقلامهم، وخرست ألسنتهم، وسقطت شبهاتهم، وفنّدت ادعاءاتهم، فهم المتقولون مصداق قوله تعالى: (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون) سورة الطور آية 33. وهم الخراصون، مصداق قوله تعالى: (إن هم إلا يخرصون) سورة الزخرف آية 20. وقوله تعالى: (قتل الخرّاصون) سورة الذاريات آية 10. وهم المجادلون مصداق قوله تعالى: (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق) سورة الكهف آية 56.
    رابعاً: إن القرآن الكريم لو كان من تأليف محمد، لكان أسرع الناس في الرد على مَن حاجّهُ في ادعائه، أو افترى على زعمه، أو اعتدى على حرماته. فهذه قصة الإفك التي نالت من شرف زوجته عائشة، ومن كرم نبوته، فقد تأخر نزول الوحي بالقرآن تبرئة لها حوالي الشهر ذاق هو، وزوجته الأمرين طيلة هذه المدة، فلو كان القرآن من تأليفه، فما الذي يمنعه من الرد السريع القاطع لألسنة المتقولين في شرفه؟ ... ولكن، وأنّى لرسول الله (ص) أن يتقول على الله، أو يتقول على الناس وإن فعل ـ وحاشا لله أن يفعل ـ فحكمه إلى الله مصداق قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) سورة الحاقة الآيات 44 ـ 47.
    وهذه قصة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، حيث صلّى الرسول (ص)، وصحابته حوالي ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس بقي طيلة هذه المدة يقلب وجهه في السماء راجياً من الله تعالى أن يحول القبلة إلى المسجد الحرام بمكة، فاستجاب له، مصداق قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام) سورة البقرة آية 144. فلو كان القرآن من تأليفه فما الذي منعه من تحويلها ـ أي القبلة ـ من أول الأمر!!.
    وهذه قصة أصحاب الكهف، والذين سئل عنهم رسول الله (ص)، فأبطأ عليه الوحي حوالي مدة أربعين يوماً بقي طيلتها في حرج من يهود حيث سألوه عنهم، فلو كان القرآن من عنده فما الذي يمنعه من سرعة الرد عليهم؟!!.
    خامساً: إن القرآن الكريم لو كان من تأليف محمد، فكيف نفسر عتاب الله له في القرآن، وفي أكثر من موضع؟!! فهذا عتاب الله له في قبوله لأعذار المنافقين، وإذنه لهم بالتخلف عن غزوة تبوك، مصداق قوله تعالى: (عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) سورة التوبة آية 43. فمن خلل الرأي، وفساد العزيمة، ونقص الادعاء أن يعتب مدع، أو صاحب فرية على نفسه، وبقوله الذي يدعيه. ولو صحت دعوى نسبة القرآن لنفسه، لما عاتب نفسه، ولما خطأ رأيه، لأن هذا من قبيل التناقض الذي يتحاشاه أصحاب الافتراءات، والرسول (ص) كان أحوج إلى ادعاء الصحة في أقواله وتصرفاته، جذباً للناس حوله، ولاعتناق قرآنه، وليس تنفيرهم، وليس بأن يناقض نفسه، وأن يعيب كتابه. إذن فلو كان القرآن من عنده لما كانت هناك ضرورات لأن يعاتب نفسه أكثر من مرة. وأيضاً هذا عتاب الله له في قبوله الفداء من أسرى بدر، مصداق قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) سورة الأنفال آية 67 ـ 68. فمن شطحات الأفكار، وتجنب الصواب أن يعتب صاحب فرية على نفسه في تصرف سلكه، أو في رأي أبداه، أو في حكم قرره، وأن يخطئ نفسه، وينذرها بالعذاب العظيم، ومن غيره. وأيضاً هذا عتاب الله له في تولّيه عن أعمى هو عبدالله بن أم مكتوم جاءه يسأله عن دينه، فتولى عنه اهتماماً بأكابر من قريش كان يرجو أن يهديهم الله إلى الإسلام، وهم له كارهون، مصداق قوله تعالى: (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكّى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * أما مَن استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ألا يزكى * وأما مَن جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى * كلا إنها تذكرة) سورة عبس آية 1 ـ 11.
    -----------------------------------



    مفهوم الزمن في القرآن الكريم من خلال المنهج والأسلوب

    ـ أولاً: من خلال المنهج
    يجمع القرآن الكريم ـ في عرضه لمادة الزمن ـ بين المعاني الدقيقة والأساليب الواضحة، وبين الدلالات العلمية والتعابير الأدبية، فلا يمكن ألبتة الفصل بينها.
    فالقرآن الكريم لا يفرد لموضوع الزمن سوراً ولا آيات خاصة به، فهو يخالف بالتالي منهج الدراسات المعاصرة التي تؤلف خصيصاً لهذا الموضوع أو ذاك، وتعنون أبوابها وفصولها بعناوين تحمل دلالة زمنية مجردة، تفصل في ثنايا الكتاب تفصيلاً متسلسلاً وملتزماً بصلب ذلك الموضوع.
    ولعل السرّ والحكمة في ذلك هو أن القرآن ينفرد عن جميع ما ألف في تاريخ البشرية «بأنه أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصيغة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغاً من ذوب تلك المواد كلها، وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبته هو الصورة الروحية للعالم كله».
    فالزمن يغوص في كل جزئيات الكون، ويحسه كل مخلوق، فيتأثر به ويؤثر فيه، وهو لا ينفصل عن الطبيعة، ولا الكواكب، ولا الأحجار، ولا الأشجار ... ولا عن الذرة، ولا الخلية ... وهو حاضر في كل هؤلاء حضرواً أكيداً.
    وهو من جهة أخرى يسري في جميع سور القرآن وآياته وحروفه، تتذوقه أبسط العقول فهماً، وتتملاه أكبر العقول إدراكاً، وما ذلك إلا للاتساق بين القرآن وبين الكون، شكلاً ومضموناً، فهما من تأليف مؤلف واحد هو الخالق جلَّ علاه، ومن حكمته أن سمّى كلّ واحد منهما آية: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) سورة يس: 37، (كتاب فصلت آياته) سورة فصلت: 3. فلا يعقل أن يتفقا تأليفاً، ويختلفا تركيبا (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) سورة النساء: 82، ويقول جل وعلا: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) سورة فصلت: 53.
    وإذا استعرنا من الدكتور طه جابر العلواني مصطلحاته، فإننا نقول: هما «كتابان تجب قراءتهما: كتاب منزَّل متلو معجز هو القرآن، وكتاب مخلوق مفتوح وهو هذا الخلق والكون بدءا من الانسان، ولابدّ من قراءتهما معاً لتوجد المعرفة الحضارية الكاملة، التي تمكن الانسان منا لقيام بمهام الاستخلاف، وأداء حق الأمانة، والقيام بمقتضيات العمران. والجمعُ بينهما أمر ضروري، إذ بدونه يقع الخلل» فقد انحرف عن الصواب مَن اكتفى بقراءة دون قراءة.
    ومن تمام الجمع بين الكتابين التأملُ في أسلوب التأليف المشترك بينهما، غير أنه «يشيع بين بعض الناس الذين يقرأون القرآن بعقلية نقدية تحليلية، بأن القرآن من الناحية الموضوعية لا يتبع نظاماً محدداً، فيبدو وكأنه مركب من عناصر متناثرة، ولكن لابد أن يكون مفهوماً بادئ ذي بدء أن القرآن ليس كتاباً أدبياً وإنما هو حياة ... إن التعليق الوحيد الأصيل على القرآن هو القول بأنه حياة».
    وإن الملاحظة الوحيدة الأصيلة التي تساق في التعبير عن أسلوب عرض القرآن لمادة الزمن هو القول: بأنه هو نفسه الأسلوب الذي يغمر الكون والحياة، بعيداً عن الأسلوب المقيد الجاف الذي يستبدّ بعقلية النقَّاد والفلاسفة وذوي الاختصاص.
    ثانياً ـ من خلال الأسلوب:
    أشار الخطّابي وغيره من البلاغيين القدامى إلى أن القول بإعجاز القرآن في فصاحته وبلاغته وحسن تأليف ألفاظه ... وغير ذلك من مميزات الأسلوب القرآني، لم يكن ليفترق عن القول بإعجازه في معانيه ومضامينه، ومقاصده وأغراضه.
    وينبغي أن لا يأخذنا الظن فنقصر إعجاز القرآن في بلاغته متجاهلين مضمونه، فنقع في اللفظية المفرطة التي كثيراً ما أفسدت على القرآن جلاله وجماله، وجنت على مكانته ككتاب هدائي حضاري، ولمثل مَن يقف هذا الموقف يقال: «علمك كله لفظ، وروايتك حفظ، وعملك كله رفض».
    وإنّ المتتبع لمادة الزمن في القرآن الكريم، لتبهره البلاغة المعجزة التي تعرَّض بها لهذا الموضوع، فلا تخلو المعاني الكونية في هذا المجال من محسنات لفظية، ولا أسلوبية، ولا تعدم الإيقاع الموسيقي، ولا التصوير الفني.
    وحتى يتم تصور مادة الزمن في القرآن الكريم تصوراً مؤسساً، ينبغي أن يتنبه الباحث إلى هذا الجانب، ويوليه أهمية كبرى، وإلا فنصف التصور عنده ضائع.
    ومما يلاحظ من القرآن وهو يعرض مادة الزمن توظيفه لفنون البلاغة، من ذلك: الجمع والتفريق، والتقديم والتأخير، والتخصيص والتعميم، واللفظ المشترك وغير المشترك، والتغليب، وحياة الألفاظ، والتكرار، والتشبيه، والاستعارة، والكناية، والإيجاز والإطناب، والسجع، والتصوير، والالتفات، والرمز ... وغيرها من فنون البلاغة مما أحصاه المفسرون والبلاغيون، ومما لم يحصوه بعد، ويمكن إعداد بحث مستقل مستفيض وشيِّق في هذا المجال، أما نحن فنكتفي باستعراض نماذج تقرب الفهم، وتكون سنداً لبحثنا، تاركين الغوص لأهل التخصص:
    1 ـ تحديد الألفاظ:
    يستثير المتأمل في جدول ألفاظ الزمن في القرآن الكريم، التحديد الدقيق لمكان الألفاظ وسياقها، بحيث يرى اللفظ «قاراً في موضعه، لأنه الأليق في النظم، ثم لأنه مع ذلك الأوسع في المعنى، ومع ذلك الأقوى في الدلالة ... ».
    ففي قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) سورة الحديد: 3، نجد لفظتي الأول والآخر.
    فكلمة «الأول» هكذا: معرَّفة، مذكَّرة، ومفردة ... لم ترد بهذا المعنى ـ أي اسماً من أسماء الله تعالى ـ إلا في هذه الآية، وكل من المعرفة التي تنفي النكرة والخفاء، والذكورة التي تنفي الأنوثة والضعف، والإفراد الذي ينفي التعدد والاشتراك ... كل هذا يتفق وصفات الله تعالى، حتى إنه إذا قيل «الأول» ـ في لغة القرآن هكذا مطلقاً ـ فإنه ينصرف إلى الله سبحانه وتعالى دون غيره.
    وكذلك يقال عن «الآخِر» الذي ورد بمعنى يوم القيامة، ولكنه أسند إلى «اليوم» (واليوم الآخر) سورة التوبة: 19. وأما مطلقاً فيعني اللهَ سبحانه دون غيره.
    ويعني بالآخر: «المتأخر عن غيره، لا انتهاء له ... والآخر بالأبدية» وبالأول: «الأول الذي هو بالأزلية».
    ومهما بحث الباحث عن لفظين ليضعهما في موضع هذين فإن اللغة لن تسعفه، ولن يجد أبلغ ولا أعمق ولا أدق تعبيراً، أو أحسن وزناً من هذين اللفظين «الأول» و «الآخر»، خاصة وأن الآيات بصدد التعرض لموضوع الإحياء والإماتة، وخلق السموات والأرض، فناسب أن ينبه إلى الأولية والآخرية.
    2 ـ المقابلة:
    عرَّف البلاغيون المقابلة بأنها إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ، على وجه الموافقة أو المخالفة، وبهذا المعنى استعمل القرآن الكريم المقابلة كأداة للتعبير عن الزمن في كثير من آياته.
    ومن الأمثلة قوله تعالى: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) القصص: 73، فقد جيء في صدر الآية بضدين هما: الليل والنهار، ثم قابلهما بضدين هما: السكون والحركة على الترتيب «ثم عبر عن الحركة بلفظ مرادف، فاكتسب الكلام بذلك ضرباً من المحاسن زائداً عن المقابلة، ذلك أنه عدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل، لكون الحركة تكون لمصلحة ولمفسدة، وابتغاء الفضل حركة لمصلحة دون مفسدة».
    3 ـ الطباق:
    الطباق هو الجمع بين الشيء وضده في كلام واحد، ومن أمثلته في القرآن الكريم: الليل والنهار، الأول والآخر ...
    فقد ورد لفظ «الليل» في القرآن حوالي مائة مرة، وذُكر في جل المواطن مقابلاً «للنهار»، أو أحد أجزائه مثل: «الضحى» و «الإصباح» و «الفجر» و «دلوك الشمس» ... إلا نادراً.
    4 ـ الجناس:
    من أبلغ أنواع الجناس: الجناس التام، وهو التشابه المطلق لفظاً، والاختلاف معنى، ومن أمثلته عند البلاغيين قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) الروم: 55.
    فالجناس هنا بين اسمين متماثلين هما «الساعة» و «ساعة»، أما الأول فمعناه القيامة، وأما الثاني فيعني مطلق الوقت.
    5 ـ التشبيه:
    انفرد القرآن الكريم بكثير من التشبيهات البديعة، منها قوله تعالى: (وجعلنا الليل لباساً) سورة النبأ: 10، فشبَّه الليل باللباس، لأن الليل من شأنه أن يستر الناس بعضهم عن بعض.
    6 ـ التصوير الفني:
    نحا سيد قطب في دراسته للقرآن الكريم منحى خاصاً، فلم تكن مفردات القرآن ولا تراكيبه وحدها شاغلة له بموسيقاها وتناسقها وترابطها، «وإنما كان نظره مركزاً في الأداة المفضلة للتعبير في كتاب الله، ولقد وجدها في التصوير» الفني، فألف كتاباً بعنوان: التصوير الفني في القرآن الكريم.
    ومن هذا المنطلق البلاغي المعاصر، نجد أن موضوع الزمن في القرآن قد عرض عرضاً فنياً بليغاً، وقد أورد سيد قطب عدة نماذج من هذا التصوير، وتحت عنوان «التخييل الحسِّي والتجسيم» يذكر ثلاث صور من صور التشخيص التي تأخذ باللبِّ، وتجعل الطبيعة الصامتة أبلغ ناطق، نقتبس منها مشهدين هما:
    أ) صورة الليل يسرع في طلب النهار، فلا يستطيع له دركاً ـ وكأنه شخص واع ذو إرادة وقصد ـ (يُغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً) سورة الأعراف: 54، ويدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة، التي لا نهاية لها ولا ابتداء.
    وفي هذا كله مستوى من جمال التصوير والتعبير، لا يمكن أن يرقى إليه فن بشري على الإطلاق.
    ب) صورة هذا الليل وهو يسري: (والليل إذا يسر) سورة الفجر: 4، فتحس سريانه في هذا الكون العريض، وتأنس بهذا الساري على هيِّنة واتِّئاد، فهو بالتالي مخلوق حي، وكأنه ساهر يجول في الظلام، أو مسافر يختار السري لرحلته الشاقة المضنية.



    جــــــزاكـــم اللــــــــه كــــل الخيـــــــر

    تابعـــــــوا معــــــى فــــــى علــــــــــوم القــــــران.......

    تحيـــــــاتــــى لكـــــم تحيـــــــة عامــــــرة بــــذكـــــــر اللــــــــه


    التعديل الأخير تم بواسطة mariem; 09 -04 -2007، الساعة 06:10 PM


  10. #10
    عضو rozaia is on a distinguished road الصورة الرمزية rozaia
    تاريخ التسجيل
    08-09-2006
    المشاركات
    70
    معدل تقييم المستوى: 93

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    لم اقرأ الجديد في الموضوع

    ولكن لي عودة

    جزيت خيرا



    من مواضيع العضو
    ترتيب القرآن
    الختان



  11. #11
    عضو ماسي ابوعبدالرحمن is on a distinguished road الصورة الرمزية ابوعبدالرحمن
    تاريخ التسجيل
    12-11-2006
    المشاركات
    1,554
    معدل تقييم المستوى: 106

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبوعمر مشاهدة المشاركة
    آخذ نفسى الأول وبعدين أقول لك جزاك الله خيرا فالموضوع قيم جدا وطويل جداجدا ومفيد جدا جدا جدا ولذلك سأحتفظ به لأنى إن قلت لك أننى قرأته كله أكون قد كذبت ولكن مررت عليه سريعا حتى أقف على مدى إستفادتى منه والحقيقه هو يعتبر مرجع لكثير من الأمور سأرجع له إن شاء الله وأسأل الله أن يجعله فى ميزان حسناتك
    وانا مثله ايضااااااا بارك الله فيك




  12. #12
    عضو ذهبي مستر فتحى is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    22-10-2006
    المشاركات
    1,404
    معدل تقييم المستوى: 106

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    بسم الله الرحمن الرحيم
    فية ايات محكمات هن ام الكتاب واخرى متشابهات فما الذين فى[ [قلوبهم مرض )))فيتبعون ماتشاهبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ومايعلم تأويلة الى الله والراسخون فى العلم




  13. #13
    عضو ريحانة القلوب is on a distinguished road الصورة الرمزية ريحانة القلوب
    تاريخ التسجيل
    10-04-2007
    المشاركات
    66
    معدل تقييم المستوى: 86

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    بوركت في علمك وعملك

    ما شاء الله تبارك الرحمن

    مجهود طيب يشكر عليه

    دمت بحفظ الرحمن




  14. #14
    عمدة المنتدى عماد الدين فتحي will become famous soon enough عماد الدين فتحي will become famous soon enough
    تاريخ التسجيل
    31-10-2006
    المشاركات
    9,186
    معدل تقييم المستوى: 0

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    بارك الله فيك أختنا مريم

    قرأت القليل فقط وودت المشاركة قبل اكتمال القراءة لتقديم الشكر والدعاء لك

    {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً }الكهف49




  15. #15
    مشرفة سابقة mariem is on a distinguished road الصورة الرمزية mariem
    تاريخ التسجيل
    07-12-2006
    المشاركات
    3,965
    معدل تقييم المستوى: 129

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    بارك الله لكم جميعا اخوانى الكرام

    جزاكم الله كل الخير على اتمامم ومروكم وردكم الطيب


    تقبلو خالص تحياتى وتقديرى




  16. #16
    مشرفة سابقة mariem is on a distinguished road الصورة الرمزية mariem
    تاريخ التسجيل
    07-12-2006
    المشاركات
    3,965
    معدل تقييم المستوى: 129

    Post رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    الســــــــــلام عليكــــــــــم ورحمـــــــــة اللـــــــــه وبركاتــــــــــه

    اخوانى الكرام اهلا بكم فى متابعه علوم القران.....

    أمثلة على بعض المتقوّلين على القرآن

    ـ أولاً: مسيلمة بن حبيب الكذاب:

    تنبأ باليمامة في بني حنيفة، وتقع شرق مدينة الرياض حالياً، وقد وفد على الرسول (ص) وأعلن إسلامه، وكان أليفاً مع الناس، ويجاهر بقبحه، وعندما عاد إلى اليمامة كتب إلى الرسول (ص) سنة 10 للهجرة: أمّا بعد، فإني شوركت في الأرض معك وإنما لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، لكن قريشاً قوم يعتدون. وكان الرسول (ص) قد أرسل أحد المسلمين، وهو «نهار الرَّجال» ـ وكان فقيهاً وقارئاً للقرآن ـ إلى مسيلمة ليرده عن فتنته، فارتد هو الآخر عن الإسلام، وكان أعظم فتنة من مسيلمة على بني حنيفة، إذ شهد أنه سمع الرسول (ص) يقول: إن مسيلمة قد أشرك معه، فصدقوه. وكان لا يقول شيئاً إلا تابعه مسيلمة، وكان يستعين به على التعرف على أحوال الرسول (ص). فكان الرَّجال شريكاً لمسيلمة في الارتداد عن الاسلام، وشريكاً له في النار بإذن الله ضرسه كجبل أحد في النار بل وأعظم.
    عن أبي هريرة (رض) قال: «جلست مع النبي (ص) في رهط معنا الرَّجال بن عنفوة، فقال: إن فيكم رجلاً ضرسه في النار أعظم من أُحُد، فهلك القوم، وبقيت أنا والرَّجال، فكنت متخوفاً لها حتى خرج الرَّجال مع مسيلمة، فشهد له بالنبوة». وقد قتل الرَّجال مع مسيلمة في حرب المرتدين في اليمامة.
    وقد زعم مسيلمة أنّ له قرآناً يوحى إليه عن طريق ملك يسمى رحمن. وكان قرآنه فصولاً، وجملاً يترسل به ي أمر أو حادثة تعرض له، فكان أقرب إلى سجع الكهان، وكان يقلد بكلامه أوزان، وتراكيب القرآن.
    ـ أمثلة على أقوال مسيلمة الكذاب قوله:
    «الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب ونبيل، وخرطوم طويل». وقوله: «الشاة وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون».
    وقوله: «يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء، ونصفك في الطين، لا الماء تكدّرين، ولا الشارب تمنعين».
    وقوله: «والمبذرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً ... لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المضر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه ... ».

    ـ ثانياً: سجاح بنت الحارث بنت سويد التميمية:
    كانت نصرانية من بني تغلب في شمال الجزيرة، وهم أخوالها، تنبأت في خلافة أبي بكر، وتبعها بعض رؤساء القبائل، وكانت تقول لهم: «إنما أنا امرأة من يربوع، وإن كان ملك، فالملك ملككم». وسارت بجيشها تريد قتال أبي بكر، وقد سمعت بقوة مسيلمة، فسارت إليه، وسألته عن وحيه، فقال: نعم. قالت: أسمعني، قال: أرأيت إن كنت حبلى، وفي بطنك حية تسعى، قالت: صدقت، وتزوجته. فقال مسيلمة: لنأكل بقومي، وقومها العرب. وقد ذكر ابن جرير الطبري في كتابه «تاريخ الأمم والملوك»: أنه عندما عادت إلى قبيلتها سألها قومها: هل أصدقك شيئاً؟ قالت: لا. قالوا: إرجعي إليه، فقبيح بمثلك أن ترجع بغير صداق. فرجعت، فقالت له: أصدقني صداقاً. قال: مَن مؤذنك؟ قالت: شبث بن ربعي الرياحي. قال: عليَّ به. فجاء، فقال: ناد في أصحابك، إن مسيلمة بن حبيب رسول الله ... وقد وضع عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد: صلاة العشاء الآخرة، وصلاة الفجر. وقد ذكر الكلبي أن مشيخة بني تميم حدثوهم أن عامة بني تميم لا يصلونها، وقالوا له: هذا حق لنا، ومهر كريمة منا لا نرده. وكان مسيلمة عندما سمع بقدوم سجاح إليه قد أمر بنصب سرادق كبير، وبفراش وثير مملوء بالطيب، فاستقبلها به، وحادثها بشجون الأحاديث، والشعر التي تثير غرائزها، إغراءً لها على تصديقه، ومن ثم زواجه منها. وكانت سجاح تزعم أنه يوحى إليها، وتسجع بكلامها كقولها حين توجهت إلى مسيلمة: «عليكم باليمامة، ورفوا رفيف الحمامة، فإنها غزوة ضرامة، لا يلحقكم بعدها ملامة». وكان لها قرآن قليل ذكر منه صاحب الأغاني: «يا أيها المؤمنون المتقون، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم يبغون».
    وذكرت الروايات أن سجاح رجعت إلى الإسلام، ورجع قومها معها، وحسن إسلامها، وتوفيت، ودفنت بالبصرة جنوب العراق
    .
    ـ ثالثاً: طلحة بن خويلد الأسدي:قدم على النبي (ص) سنة تسع للهجرة على رأس وفد أسد بن خزيمة، وأعلن إسلامه، وكان شجاعاً يعد بألف فارس، تنبأ بعد وفاة الرسول (ص)، وزعم أن ملكاً اسمه ذو النون يأتيه بالوحي. ولم يكن له قرآن إلا قليل جداً، ومنه كما ذكره ياقوت في معجم البلدان: «إن الله لا يصنع بتعفير وجوهكم، وقبح أدباركم شيئاً، فاذكروا الله قياماً، فإن الرغوة فوق الصريح». وقد أرسل إليه أبو بكر الصديق جيشاً بقيادة خالد بن الوليد، وعندما التقى الجمعان تزمل طلحة بكساء، انتظاراً لنزول الوحي عليه، ولما أطال سأله عيينة بن حصن ـ وكان معه في سبعمائة من بني فزارة ـ هل أتاك بعد؟!! فقال طلحة من تحت الكساء: لا والله. ما جاء بعد. فأعاد إليه مرتين، وهو يقول: لا. قال عيينة: لقد تركك أحوج ما كنت إليه. فقال طلحة: قاتلوا عن أحسابكم، فأما دين فلا دين.
    وقد ذكر ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة» أن عيينة قال له: تباً لك آخر الدهر ثم جذبه جذبة جاش منها، وقال: قبح الله هذا، ومَن تبعوه، فجلس طلحة، فقال عيينة: ما قيل لك!؟!! قال طلحة: إن لك رحى كرحاه، وأمراً لا تنساه، فقال عيينة: قد علم الله أن لك أمراً لن تنساه. يا بني فزارة، هذا كذاب ما بورك لنا وله في ما يطلب. وقد انهزم طلحة، وهرب إلى الشام، ولكنه أسلم، وحسن إسلامه، وأبلى بلاءً حسناً في القادسية
    .
    ـ رابعاً: الأسود العنسي:
    وهو عبهلة بن كعب. يلقب بذي الخمار، لأنه يدّعي أنه يأتيه ملك اسمه «ذو خمار». وكان فصيحاً بليغاً، معروف عنه بالكهانة، والسجع، والخطابة، والشعر، والنسب. تنبأ على عهد النبي (ص)، ومعاذ بن جبل والياً على اليمن، وقد قتل الوالي المسلم، وتزوج من زوجته فيروز، وكان له حمار علّمه أن يأتي بحركات غريبة حتى يوهم الناس بصدق نبوته، وكان جباراً شقياً، بسط سلطانه على اليمن، وجنوب الجزيرة إلى أن قتله عم زوجته فيروز بتدبير منها، وقتل قبل وفاة النبي (ص) بيوم وليلة، ورجع الحكم إلى الإسلام.

    شبهة لحن القرآن

    يقولون: روي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سُئِلت عائشة عن لحن القرآن، عن قوله تعالى: (إن هذان لساحران) وعن قوله تعالى: (والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة) وعن قوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون). فقالت: يابن أخي، هذا من عمل الكُتَّاب، قد أخطأوا في الكتاب.
    قال السيوطي في هذا الخبر: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ويقولون أيضاً: روي عن أبي َلَف مولى بني جُمَح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة فقال: جئت أسألكِ عن آية في كتاب الله، كيف كان رسول الله (ص) يقرؤها؟ قالت: أيّةُ آية؟ قال: (والذين يؤتون ما آتوا) أو (الذين يأتون ما آتوا). قالت: أيهما أحب إليك؟ قلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحبُّ إليَّ من الدنيا جميعاً. قالت: أيهما؟ قلت: (والذين يأتون ما آتوا) فقالت: أشهد أن رسول الله (ص) كذلك كان يقرؤها، وكذلك أُنزلت، ولكن الهجاء حرف
    .
    ـ تفنيد هذه الشبهة:
    أولاً: بأن هذه الروايات مهما يكن سندها صحيحاً، فإنها مخالفة للمتواتر القاطع، ومعارض القاطع ساقط مردود، فلا يلتفت إليها، ولا يعمل بها.
    ثانياً: أنه قد نص في كتاب «إتحاف فضلاء البشر»، على أن لفظ (هذان) قد رسم في المصحف من غير ألف ولا ياء، ليحتمل وجوه القراءات الأربع فيها، وإذن فلا يعقل أن يقال أخطأ الكاتب، فإن الكاتب لم يكتب ألفاً، ولا ياءً. ولو كان هناك خطأ تعتقده عائشة ما كانت تنسبه للكاتب، بل كانت تنسبه لمن يقرأ بتشديد (إن)، وبالألف لفظاً في (هذان). ولم ينقل عن عائشة، ولا عن غيرها تخطئة من قرأ بما ذكر، وكيف تنكر هذه القراءة وهي متواترة مجمع عليها؟، بل هي قراءة الأكثر، ولها وجه فصيح في العربية لا يخفى على مثل عائشة. ذلك هو إلزام المثنى الألف في جميع حالاته. وجاء منه قول الشاعر العربي:
    «واهاً لسلمى ثم واهاً واهاً يا ليتَ عَيناها لنا وفاها
    وموضعَ الخلخال من رجلاها بثمن يَرْضَى به أباها
    إنّ أباها وأبَا أباها قد بلغَا في المجدِ غايتاها».
    فبعيدٌ عن عائشة أن تنكر تلك القراءة، ولو جاء بها وحدها رسم المصحف.

    ثالثاً: إن ما نسب إلى عائشة (رض) من تخطئة رسم المصحف في قوله تعالى: (والمقيمين الصلاة) بالياء، مردود بما ذكره أبو حيان في البحر إذ يقول ما نصه: «وذكر عن عائشة (رض)، عن أبان بن عثمان أن كتبها بالياء من خطأ كاتب المصحف. ولا يصح ذلك عنهما، لأنها عربيان فصيحان، وقطع النعوت مشهور في لسان العرب. وهو باب واسع ذكر عليه شواهد سيبويه، وغيره. وقال الزمخشري: «لا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه خطأ في خط المصحف. وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب (يريد كتاب سيبويه) ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفي عليه أن السابقين الأولين الذين مثلهم في التوراة، ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعدَ همةً في الغيرة على الإسلام، وذب المطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثلمةً يسدها من بعدهم، وخرقاً يرفوه مَن يلحقهم».
    رابعاً: أنّ قراءة «الصابئون» بالواو، لم ينقل عن عائشة أنها خطّأتْ مَن يقرأ بها، ولم ينقل أنها كانت تقرأ بالياء دون الواو. فلا يعقل أن تكون خطأَتْ من كتب الواو.
    خامساً: أنّ كلام عائشة في قوله تعالى: (يؤتون ما آتوا) لا يفيد إنكار هذه القراءة المتواترة المجمع عليها. بل قالت للسائل: أيهما أحبُّ إليك؟ ولا تحصر المسموع عن رسول الله (ص) فيما قرأ هي به. بل قالت: إنه مسموع ومنزل فقط.
    وهذا لا ينافي أن القراءة الأخرى مسموعة، ومنزلة كتلك. خصوصاً أنها متواترة عن النبي (ص). أما قولها: ولكن الهجاء حرف: فكلمة حرف مأخوذة من الحرف بمعنى القراءة، واللغة، والمعنى أن هذه القراءة المتواترة التي رسم بها المصحف، لغة، ووجه من وجوه الأداء في القرآن الكريم. ولا يصح أن تكون كلمة حرف في حديث عائشة مأخوذة من التحريف الذي هو الخطأ، وإلا كان حديثاً معارضاً للمتواتر، ومعارض القاطع ساقط
    .
    ـ شبهة نساخ القرآن:
    يقولون: روي عن خارجة بن زيد بن ثابت أنه قال: «قالوا لزيد يا أبا سعيد «أوَهمتَ»! إنما هي «ثمانية أزواج من الضأن إثنين إثنين، ومن المعز إثنين إثنين، ومن الإبل إثنين إثنين، ومن البقر إثنين إثنين». فقال: لا. إن الله تعالى يقول: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) فهما زوجان، كل واحد منهما زوج. الذكر زوج، والأنثى زوج» ا هـ . قال أعداء الإسلام: فهذه الرواية تدل على تصرف نساخ المصحف، واختيارهم ما شاؤوا في كتابة القرآن، ورسمه.
    ـ تفنيد هذه الشبهة:
    والجواب: أن كلام زيد هذا لا يدل على ما زعموا. إنما يدل على أنه بيان لوجه ما كتبه وقرأه سماعاً، وأخذاً عن النبي (ص) لا تصرفاً، وتشهياً من تلقاء نفسه.
    وكيف يتصور هذا من الصحابة في القرآن وهم مضرب الأمثال في كمال ضبطهم وتثبتهم في الكتاب والسنة، لا سيما زيد بن ثابت، وقد عرفت مَن هو زيد في حفظه وأمانته، ودينه، وورعه؟! وعرفت دستوره الدقيق الحكيم في كتابة الصحف والمصاحف! (فأنّى يؤفكون



    سنن القرآن في سقوط الحضارات

    معنى السقوط الحضاري في القرآن:
    لعل ما يقصد بالسقوط الحضاري من خلال القرآن ليس هو دائماً زوال الأمم من الوجود وفناء أفرادها في العدم ولكن ما يغني بالسقوط الحضاري هو الانهيار الداخلي للمجتمعات وذهاب قوة الأمم وعزتها وهوانها على الأمم الأخرى، ذلك عندما تذوب في غيرها وتنمحى شخصيتها المعنوية والروحية وهذا ما هو كائن في حياة الأمم التي سقطت حضاراتها. والثابت في تاريخ الإنسانية أن الأمم التي شهدت تلك الإمبراطوريات والحضارات الغابرة لم ينقرض نجمها ويندثر كيانها البشري كلية، وإنما ضعفت واستكانت وغاب تأثيرها المباشر في مسرح الحياة الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، فاستوعبتها حضارات أمم أخرى هي أشد وأبقى حتى صارت جزءاً منها لا ينفصل، وأنشئت على أنقاض كيانها الحضاري حضارات جديدة تسلمت علم الريادة ووساد السيادة.
    ولعل أوضح مثال تطبيقي في هذه النقطة هو حضارة العرب البائدة كعاد وثمود الذين بلغوا شأناً عظيماً في التحضر حكى القرآن الكريم بعضه للاعتبار ودلت عليه بقايا الدهر وأبحاث التاريخ، والثابت أن هؤلاء العرب العاربة وغيرهم من الأمم الهالكة لم يستأصلوا استئصالاً كلياً تاماً وإنما أهلك الله الظالمين والكافرين منهم وأنجا رسلهم والذين آمنوا منهم ليستمروا في عمارة الحياة.
    وقد جرت سنة الله أن يعامل البش حسب ما عملوا، وهذا بصريح قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).
    فالله عز وجل لا يزيل ما بقوم من العافية والنعمة، والرخاء، والهناء ويبدلها بالآلام والأمراض والنوازل والفتن والأحداث وغيرها من ضروب العقاب الرباني حتى يزيلوا هم ويغيروا فيجحدون النعمة ويعلنون الكفر والمعاصي ويتمردون عن سنن الله في إسعاد البشر ويتظاهرون بالفحش والمنكر والفساد، فتكون النتيجة أن تحل بهم قوارع الدهر، وينزل بساحتهم عذاب من الله.
    وآفة الحضارات الجانحة التي نقرأ عنها في بطون التاريخ، أو نجد بقاياها وأطلالها منثورة على جنبات الأرض هي الفساد أو الإفساد في الأرض بكافة أشكاله وأنواعه فساد العقيدة ـ الشرك ـ فساد العلاقات بين أفراد الأمة بترك التوادد والتعاون، مما يؤدي الى العداء والتباغض ثم الظلم، وفساد النفوس بالغرور والتكبر والعجب وهذا هو الفساد الذي ظل القرآن الكريم يكرر الحديث عنه، ويكثر التحذير منه ويلفت نظر الإنسان إلى مغبات التورط في أسبابه وينبه إلى الرزايا والمصائب التي لابد أن يتحملها الإنسان على أعقابه وما فسدت هذه الأرض يوماً ما بعادية من عوادى الطبيعة ولا بسوء آخر ألم بها من هياج الحيوانات والوحوش، وإنما استشرى فيها الفساد وألم بها البلاء يوم تاه بنو الإنسان وخرجوا عن هواياتهم وطبيعتهم وحقيقة خصائصهم البشرية فتأله الأقوياء وذل الضعفاء، وخرج بذلك كل فريق عن حدود إنسانيته، ذلك نحو التعالى والتجبر في الأرض وذاك نحو الخنوع، فتمت بذلك قصة الفساد في الأرض وهي قصة قديمة تتكرر أسبابها أو عواملها في الإنسان ذاته.
    كيفية السقوط الحضاري في القرآن:
    أما عن كيفية سقوط الحضارات ودمار الأمم والمجتمعات فنجد أن أدق العلل وأصغرها، قد تؤدي إلى أعظم النتائج وأخطرها، ويعد عدم وجود صلة ظاهرة منظورة بين صغير العلل وعظيم النتائج من أكثر الحوادث نجاحاً في حياة الأمم وتبدل ظروفها الحضارية سياسياً واجتماعياً، ذلك أن عيون المراقبة والملاحظة عادة ما تغفل الجزئيات وتهمل صغائر الأمور وأدقها، ولعل هذا ما يمكن أن نفسر به تلك المفاجئات في التقلبات السياسية وتبديل القيادات العسكرية في الدول والحكومات، وكثير ما يدخل التاريخ من هذا الباب أناس لا حساب لهم في حس المراقبين واهتمامهم، وقد كانوا يتحركون ويعيشون في منأى عن أنظار خصومهم وفي القرآن الكريم إشارات وتنبيهات إلى هذا، قال تعالى: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم).
    وللتذكير فإن الآية نزلت في قذف عائشة، وقد حسب بعض المؤمنين ذلك هيناً وعقوبته عند الله شديدة.
    ولذا كان مبدأ العلة أو السببية من أكبر القضايا الفلسفية التي شغلت المفكرين وفلاسفة التاريخ والاجتماع، والعلة هي حادث يؤدي إلى حادث آخر أو مجموعة من الحوادث تتراكم في شبكة واحدة ذات اتجاه معين حتى تؤلف عاملاً قد يكون له دور في تغيير وجه من أوجه الحياة أو تغيير مسار التاريخ كله.
    والثابت تاريخياً انه ما انتصرت أمة أو انهزمت إلا بفعل العوامل والأسباب الداخلية. وما العوامل الخارجية إلا متممة ومكملة للداخلية، ولعل هذا ما كان يطلق عليه مالك ابن نبي ـ رحمه الله ـ القابيلة للاستعمار، ويرى أنه العامل الأكبر في هزيمة المسلمين في العصر الحديث.
    وإن كان كثير من المؤرخين والمفكرين يميلون إلى الاهتمام بدور الأسباب المباشرة والعوامل الخارجية الظاهرة في دراسة الأحداث التاريخية والتبدلات الاجتماعية والسياسية والتقلبات الحضارية.
    ومن سنة الله في البشر أن كل ما يصيبهم من بلاء وأذى في الأنفس والأبدان وشئون الملك والسلطان إنما هي آثار للأعمال ونتائج للسلوك الفاسد، مع وجود عفو الله الكثير كما قال تعالى: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير).
    ولذا نجد القرآن لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ولم يترك الله ذرة من أعمال الإنسان إلا وسجلها يوم القيامة: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً).
    وتبقى سنة الله ثابتة تعمل عملها في حركة التاريخ، والله يتخذ من الظالمين والمترفين وأهل الشرك والضلال وغيرهم من كل ذوى الفساد والانحراف أدوات ووسائل يسوق بها القرى والدول والحضارات والأمم والمجتمعات نحو الفواجع والمصائر الكالحة.
    والقرآن الكريم يطرح على الإنسانية قضية السقوط الحضاري من أوسع الأبواب وأكثرها شمولاً، بصيغ عديدة واصطلاحات كثيرة كلها تؤدي إلى حالة واحدة بالأمة وهي الهلاك والسقوط.
    فالظلم مثلا عامل من أكبر عوامل سقوط الحضارات وله مفهوم شامل وعريض يؤدي إلى فقد التوازن في كافة مجالات الحياة، وعلاقات الإنسان مع نفسه ومع الله ومع غيره، وعن هذا تنبثق حالات وظواهر نفسية واجتماعية واقتصادية مرضية وتصورات فاسدة عن الوجود كله، فيعم الفساد الحياة الإنسانية كافة، كما قال الله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين، فأقم وجهك للدين من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون).
    "ظهر الفساد في البر والبحر" نحو القحط والجدب، وقلة البركة في الزراعة والتجارة، وكثر الحرائق والغرق،" بما كسبت أيدى الناس" أي بسبب معاصيهم وذنوبهم، وأن الله أفسد بعض أسباب دنياهم ليذيقهم وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل الآخرة والحكمة "لعلهم يرجعون" بمعنى لكي يرجعون عما هم عليه وحتى ينجو من عذاب الآخرة، وهو العذاب الأكبر، ثم أمر الله الأمم أن تسير في الأرض وتنظر لترى كيف أهلك الله إمما كانت على الظلم وأذاقها سوء العاقبة بمعاصيهم. ودل قوله تعالى (كان أكثرهم مشركين) على أن الشرك لم يكن هو السبب الوحيد لتدمير القرى والأمم بل هو سبب إلى جانب أسباب أخرى.
    وتكشف الآيات عن ارتباط أحوال الحياة وأوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية عامة، بأعمال الناس وسعيهم، وأن فساد قلوب الناس وعقائدهم، وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملأها براً وبحراً به، فظهور الفساد في البلاد واستفحال شره لا يتم عبثاً، ولا يقع صدفة، وإنما يكون وفق سنة جارية وحكمة مدبرة، وهي (ليذيقهم بعض الذي عملوا) من الشر والفساد والمنكر والباطل والظلم، وما إلى ذلك، والله يذيقهم بعض أعمالهم وليس كل أعمالهم ذلك لأنه رحمن رحيم يعفو عن كثير، وها هم أهل القرى الظالمة والحضارات الفاسدة يكتوون بنار أعمالهم وتصرفاتهم ويتألمون لما يصيبهم، بما فكرت عقولهم وصنعت أيديهم و "لعلهم يرجعون" لكي يرجعوا الى الله بالعمل الصالح والتوبة، ويعزموا على مقاومة الفساد والظلم، وفي هذا تحذير لمن جاء من الأمم من بعد، وهي تعرف عاقبة السابقين وترى آثارهم وتمر بها، وفي العاقبة وآثار الباقين من الهالكين عبر وعظات تستخلص منها التجارب والدروس وتستقرأ منها السنن والقوانين التاريخية والحضارية.
    وإننا نجد صورة متكاملة لسنن الإقبال والإدبار الحاضرين في قصص الأمم في القرآن كقصة فرعون وبنى إسرائيل ذلك أن أهل مصر من آل فرعون لما وصلوا إلى الرقى والازدهار أخلدوا إلى الأرض ومارسوا الظلم والعدوان كمنهج سياسي واجتماعي وجعل فرعون يذبح أبنائهم ويستحى نسائهم، ولما بلغ ظلمه نهايته جاءت سنة الله وقضى رب الملك أن يخفض هذا الفرعون ويزول ملكه ويرفع تلك الأمة المستضعفة بني إسرائيل. وإذ أراد الله أمراً هيأ له أسباباً حيث ولد موسى عليه السلام وتربى في قصر فرعون كما تربى كثير من العظماء في قصور الطغاة وتلك سنة من أعظم سنن الله، ولما كبر عليه السلام آتاه الله الوحى والعلم والحكمة كما هو شأن كل الأنبياء.
    فنصح فرعون بلطف ولم ينتصح له كعادة الظالمين والمتجبرين في كل العصور.
    ثم جاءت النذر والإنذارات لفرعون وآله فتعاقبت عليهم المجاعات والسنون ونزل عليهم الدم وأذتهم كثرة القمل والضفادع وأكل حرثهم الجراد ومسخوا مسخاً غريباً متى كان منهم الخنازير والقردة وعبدة الطاغوت وحتى أخذهم الطوفان وأغرقوا في إليمِّ وهو مليم.
    ولما تمت الحجة ولم يبق للظالمين عند الله عذر سقطت الحضارة الفرعونية وفق نفس السنن سقطت بها غيرها من الحضارات سقوطاً لم تنهض منه إلى الأبد وهلك فرعون وآله هلاك استئصال وتلك هي عاقبة الظالمين.
    وسارت حركة التاريخ ودارت الحضارة دورتها وجاءت نوبة أو دورة بني إسرائيل وفق سنن الاستخلاف والوراثة أو التداول والاستبدال الحضاري. وبعد أن نصرهم الله على فرعون بهلاكه آتاهم الملك وأورثهم الأرض. ولكن هذه الوراثة والاستخلاف كانا منوطين بسنة الاستقامة بالاعتقاد السليم والعمل الصالح وهذه سنة وشرط للاستمرار وللاستخلاف، ليس خاص ببني إسرائيل وحدهم في التاريخ بل يجب أن تلزمه كل أمة تمنح حكومة الأرض.
    ولما كان انحراف بني إسرائيل في تاريخ الإنسانية كانحراف الفراعين أو أشد نزعت من أيديهم الوراثة، وسلبوا التمكين والملك بنفس السنن العادلة وسلطت عليهم سهام المؤمنين تارة وسهام الجبابرة أمثالهم تارات أخرى، وأخرجوا من ديارهم وشردوا في الأرض مرات ومرات في بؤس وشقاء، وضربت عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة ولن يرفعها عنهم الله إلا إذا عادوا للحق وحكموا بالعدل، وإن كانوا تمكنوا في الأرض هذه الأيام فما تلك إلا فترة استثنائية في تاريخ القوم، ومن باب وسنة تسليط الظالمين على ظالمين مثلهم أو أشد.
    صيغ السقوط الحضاري في القرآن
    إن الله تعالى ما ذكر أمة أصيبت بالدمار والهلاك، إلا وقد ذكر بجانب ذلك جريمتها وفسادها في الأرض وانحرافها وفسوقها عن أمر ربها، حتى يعلم الناس أن ما يصيبهم من حسنات وسيئات، أو فرح وقرح أو سعادة وشقاء فبما كسبت أيديهم، قال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون).
    كما أنه لا يكون باعث الدمار والهلاك فساداً فرديا بل هو الفساد الجماعي والظلم العام الذي يشمل كل العلاقات الإنسانية الشخصية والعلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى على مستوى الاعتقاد والإيمان الذي يسوده الظلم بالشرك بالله. والتناقض الداخلي بالتظاهر بالإيمان والعمل الصالح واستبطان غيره وهو النفاق. ومعنى هذا أن ظلم الإنسان لنفسه بفساده العقيدي والعملي والأخلاقي ليس مدعاة للهلاك وسبب للدمار والسقوط ما دام قاصراً على الأفراد والأمة محتفظة بكيان استمرايتها وصلاحية ديمومتها وبقائها، ولكن إذ تجاوز الظلم والفساد مستوى الأفراد الذين لا يشكلون القاعدة أو الظاهرة العامة إلى مستوى دائرة الأمة أخذت تلك الأمة في الهبوط من علياء الكرامة والعز إلى درك الذل والهوان حتى تحين ساعة الدمار والسقوط.
    ولقد بين الله في القرآن أن الأمم التي أهلكت كان أكثر أفرادها غير مؤمنين فقال الله يبين هذه السنة في قوم نوح عليه السلام (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين).
    وعن ثمود قوم صالح: (فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين).
    ولا يظن أحد أن الصيغة الوحيدة لسقوط الحضارات وهلاك الأمم هي في ذلك الأسلوب الذي تحدث عنه القرآن هو الدمار المباشر الذي حاق بعدد من القرى عبر عصور تاريخية متقدمة بسبب مواقفها الجائرة من دعوات الأنبياء والرسل، كلا إن الأمم الظالمة المنحرفة والمجتمعات الفاسدة غير الصالحة للبقاء التي أخذت الجزاء من جنس عملها، والتي ما زالت هي أمام قوتين: سخرهما مالك الملك لتحقيق أمره وتنفيذ سنته، القوة المادية المنظورة والقوة الروحية غير المنظورة، والناس في الأولى يمرون في الآثار الباقية ويقرءون في التاريخ نماذج شتى من تسخير الله للطبيعة في إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وذلك كالسيول الجارفة والرياح العاصفة والهزات العنيفة والصيحة والرجفة، والغرق، وإن اختلفت التعليلات والتصورات لأسباب حدوث هذه العوامل المدمرة بين الاتجاهات والمذاهب التفسيرية.
    أما صيغة القوة الثانية اللامرئية غير المنظورة فهي صيغة روحية معنوية أكثر شمولية وأشد خطراً، وهي التي تحتضر بها الأمة المصابة كثيراً، وسنة الله أن تنشأ أضرارها من داخل النفس الإنسانية، وهي أن كل فرد يحيد عن الاستقامة ويزيغ عن أمر ربه يصاب باليأس والإحباط والقنوط وفشل الإرادة أو بالغرور والتجبر والظلم والعدوان، وأخف الأمراض من هذه أشر من الآخر.
    وحتى لا يحسب الإنسان المعاصر نفسه أنه أصبح بمفازة ومناعة من هذه الأمراض والمهالك مع أنه يأتي أسبابها ويمارس عواملها ـ لمجرد انتمائه لعصر التكنولوجيا والازدهار الطبي وتقدم وسائل العلاج، فليقرأ عن هذه الأمراض في الحضارة الغربية المعاصرة وما تفعله في أكبر عواصمها وما يعانيه أبناؤها من دمار وانتحار، ولأمر بسيط جداً وهو أنهم زاغوا عن أمر الله فحق عليهم قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين).
    ويقيناً في عدالة الرحمن انه سيحيق بهؤلاء ما حاق بأهل تلك القرى الظالمة التي سبقتهم في التاريخ والتي قال الله في أهلها: (فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين).
    وسنة الله سائرة، ثابتة، باقية ببقاء الخلق، ومن عدل الله في الإنسانية ألا يخص الأمم بنوع واحد أو صيغة واحدة من الدمار والسقوط بل جرت سنته تعالى بتنويع العذاب وكثرة ألوانه واختلافها بطرق عديدة (وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر).
    وبحسب فساد الأمة وانحرافها كما ذكرنا يكون الهلاك والتعذيب الذي قد يجئ صاعقة، أو غرقاً، أو فيضاناً، أو ريحاً، أو خسفاً أو قحطاً، أو مجاعة وارتفاعاً في الاسعار،أو امراضاً، وأوجاعاً، أو ظلما وجوراً أو فتناً واختلافاً بين الناس، أو مسخاً في الصور والأشكال كما فعل ببني إسرائيل، أو ضعفاً في القلوب، ووهنا في النفوس كما هو حالة الأمة الإسلامية.
    فعن هلاك قوم نوح عليه السلام يقول تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فأخذهم الطوفان وهم ظالمون).
    وعن عاد قال تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون).
    وعن ثمود قال تعالى: (وأما ثمود فأهلكوا بالطاغية).
    والطاغية هي الصاعقة.
    وهكذا كل الأمم آتاها ما يناسب إجرامها، ففي الغرق يقول الله: (فأغرقناهم في اليم).
    وفي الريح يقول تعالى: (وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية).
    وفي الصاعقة يقول تعالى: (فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون).
    ويقول في الخسف (فخسفنا به وبداره الأرض)، وهو قارون.
    ويقول تعالى في القحط والمجاعات والارتفاع في الأسعار وانتشار الأمراض (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون).
    ويقول تعالى في الفتن بين الناس والتشيع للأفراد: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون).
    وقيل أن العذاب من فوق قد يكون هو القذف بالقنابل على الناس من الطائرات والعذاب من تحت قد يكون هو الألغام التي اعتاد المقاتلون استعمالها في الحروب، وقيل ليس الشيع هي كثرة الفرق والمذاهب المتناحرة والمتخاذلة.
    ويقول تعالى عن مسخ الصور: (فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب).
    وهذا المسخ حدث لبني إسرائيل، وكان مسخاً وتغييراً حقيقياً وتحويلاً من الصور الآدمية إلى صورة قردة وخنازير وهذا هو ظاهر النص القرآني.
    أما مسخ القلوب فقد حصل للكثير من ذلك قارون وابن باعوراء، الذي قال الله فيه: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وأتبع هواه فمثله كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلكم يتفكرون).
    وعن إمطار الحجارة على قوم لوط قال تعالى: (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد).
    ولقد أنذر الله الذين كذبوا برسوله (ص) من أن ينزل بهم ما نزل بتلك الأمم السابقة التي خرجت عن سنن الاستقامة وحدود الامتثال لأمر الله فقال تعالى: (... وعاد وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين. وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
    وكانت الإشارة الأخرى إلى قارون وفرعون وهامان الذين جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض، فهؤلاء وأولئك قد كانوا أصحاب قوة ومال وغلبة وسلطان، ونالوا ملكاً وجاهاً فظنوا أن تلك عوامل بقاء وخلود وأسباب حصانة ومناعة فأتاهم الله بسبب ذنوبهم من حيث لم يحتسبوا. قال تعالى: (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).
    فهذه مصارع بعض العتاة الطغاة على مدار التاريخ الذين بقوا عبرا ودروساً للإنسانية.
    أما ما عوقب به الظالمون العرب بسبب تكذيبهم برسول الله عليه الصلاة والسلام فقد كان يوم بدر الذي أخذ الله فيه رؤوس الكفر والشرك ونصر المسلمين عليهم وهم أذلة وهو نوع من أنواع عقوبات الأمم السابقة بل لعله أشد وأشقى لان تلك الأمم استؤصلت بالعذاب ثم الموت أما هم فلم يموتوا فيها كلية ولم يحيوا حياة طيبة.
    وبقت سنة الله واحدة لا تتبدل تعامل بها القرون الحاضرة بمثل ما عملت بها القرون الذاهبة الخالية.




    حقيقة الوحي


    كيف يتم إعلام الله وإيحاؤه لرسله بالكلمة الإلهية التي نسميها "وحيا"؟:إن الإبلاغ للرسل يتم بطرق متعددة:
    1_ فيكون بالإلهام للرسول بشيء ينصب في قلبه وروحه، حتى يصير متأكداً منه منساقاً إليه، فيحس أنه من الله فينفذه، ويقرب من هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم (إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)..
    2_ وقد يكون بوساطة الرؤيا الصادقة في المنام ، فيقوم الرسول بتنفيذ ما رآه كما حدث لإبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: "فَلمَّا بَلغَ مَعهُ السَّعيَ قَالَ يَا بُنيَّ إِنّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانُظرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَأبَتِ افْعلَ مَا تُؤْمرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرينَ فَلمَّا أَسْلمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَاديْنَاهُ أَن يَإبَراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المُحْسِنينَ) فقد اعتبر إبراهيم رؤياه أمراً من الله، وقام بتنفيذه، وظهر إخلاصه، فأكرمه الله وابنه: (وَفَديْنَاهُ بِذبْحٍ عَظِيمٍ).
    وروى عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أول من بدئ به النبي صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح).
    ولم يثبت ثبوتاً قاطعاً أن شيئاً من القرآن نزل عن طريق الرؤيا المنامية، وإذا كانت هناك أحاديث يفيد ظاهرها ذلك، فمردها الحقيقي إلى حالة من الحالات الروحية التي كانت تعترى الرسول عند نزول الوحي، وربما ظنه الحاضرون نائماً.
    3_ وقد يكون وصول الموحى به للرسول عن طريق كلام يسمعه، ولا يرى المتكلم، متأكداً أن هذا الكلام من الله، كما قال الله عن موسى:
    "وَكَلَّم اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً"
    وقد جاء في موضع آخر من القرآن ما يفسر ذلك مخاطباً الرسول:
    "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِىَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَأخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوَادِ المُقَدَّسِ طُوىً وَأَنا اخْتَرتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّني أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنَا فَاعْبُدنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى"
    وكما حصل لنبينا عليه الصلاة والسلام وهو في معراجه:
    "ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى".
    وكلمه الله دون أن يراه، ولكن رأى نوره، وفرض عليه الصلاة..
    4_ وقد يكون إيصال الكلمة الإلهية "الوحي" للرسول بوساطة جبريل عليه السلام، ولذلك يسمى "ملك الوحي"، لأنه حامل الوحي لرسل الله أجمعين. وقد نزل القرآن كله بوساطته على رسول الله، كما يخبر الله عن ذلك:
    "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ"
    وقوله:
    "قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ أَمَنُوا"
    والروح الأمين وروح القدس، هو جبريل عليه السلام، ملك الوحي، ورسول الله إلى رسله من عباده
    ..


    ترتيب سور القرآن العددي والمكاني والزماني


    رقم السورة اسم السورة عدد آياتها مكان النزول تأريخ النزول1 الفاتحة 7 مكية نزلت بعد المدثر1
    2 البقرة 286 مدنية أول سورة مدنية2
    3 آل عمران 200 مدنية نزلت بعد الأنفال
    4 النساء 176 مدنية نزلت بعد الممتحنة
    5 المائدة 120 مدنية نزلت بعد الفتح3
    6 الأنعام 165 مكية نزلت بعد الحجر4
    7 الأعراف 206 مكية نزلت بعد ص5
    8 الأنفال 75 مدنية نزلت بعد البقرة6
    9 التوبة 129 مدنية نزلت بعد المائدة7
    10 يونس 109 مكية نزلت بعد الإسراء8
    11 هود 123 مكية نزلت بعد يونس9
    12 يوسف 111 مكية نزلت بعد هود10
    13 الرعد 43 مدنية نزلت بعد محمد
    14 إبراهيم 52 مكية نزلت بعد يوسف11
    15 الحجر 99 مكية نزلت بعد يوسف12
    رقم السور اسم السورة عدد آياتها مكان النزول تأريخ النزول
    16 النحل 128 مكية نزلت بعد الكهف13
    17 الإسراء 111 مكية نزلت بعد القصص14
    18 الكهف 110 مكية نزلت بعد الغاشية15
    19 مريم 98 مكية نزلت بعد فاطر16
    20 طه 135 مكية نزلت بعد مريم17
    21 الأنبياء 112 مكية نزلت بعد إبراهيم
    22 الحج 78 مدنية نزلت بعد النور18
    23 المؤمنون 118 مكية نزلت بعد الأنبياء
    24 النور 64 مدنية نزلت بعد الحشر
    25 الفرقان 77 مكية نزلت بعد يس19
    26 الشعراء 227 مكية نزلت بعد الواقعة20
    27 النمل 93 مكية نزلت بعد الشعراء
    28 القصص 88 مكية نزلت بعد النمل21
    29 العنكبوت 69 مكية نزلت بعد الروم22
    30 الروم 60 مكية نزلت بعد الانشقاق23
    31 لقمان 34 مكية نزلت بعد الصافات24
    32 السجدة 30 مكية نزلت بعد المؤمنون25
    رقم السورة اسم السورة عدد آياتها مكان النزول تأريخ النزول
    33 الأحزاب 73 مدنية نزلت بعد آل عمران
    34 سبأ 54 مكية نزلت بعد لقمان26
    35 فاطر 45 مكية نزلت بعد الفرقان
    36 يس 83 مكية نزلت بعد الجن27
    37 الصافات 182 مكية نزلت بعد الأنعام
    38 ص 88 مكية نزلت بعد القمر
    39 الزمر 75 مكية نزلت بعد سبأ28
    40 المؤمن 85 مكية نزلت بعد الزمر29
    41 فصلت 54 مكية نزلت بعد غافر
    42 الشورى 53 مكية نزلت بعد فصلت30
    43 الزخرف 89 مكية نزلت بعد الشورى31
    44 الدخان 59 مكية نزلت بعد الزخرف
    45 الجاثية 37 مكية نزلت بعد الدخان32
    46 الأحقاف 35 مكية نزلت بعد الجاثية33
    47 محمد 38 مدنية نزلت بعد الحديد34
    48 الفتح 29 مدنية نزلت بعد الجمعة35
    49 الحجرات 18 مدنية نزلت بعد المجادلة
    50 ق 45 مكية نزلت بعد المرسلات36
    رقم السورة اسم السورة عدد آياتها مكان النزول تأريخ النزول
    51 الذاريات 60 مكية نزلت بعد الأحقاف
    52 الطور 49 مكية نزلت بعد السجدة
    53 النجم 62 مكية نزلت بعد الإخلاص37
    54 القمر 55 مكية نزلت بعد الطارق38
    55 الرحمن 78 مدنية نزلت بعد الرعد
    56 الواقعة 96 مكية نزلت بعد طه39
    57 الحديد 29 مدنية نزلت بعد الزلزلة
    58 المجادلة 22 مدنية نزلت بعد المنافقون
    59 الحشر 24 مدنية نزلت بعد البينة
    60 الممتحنة 13 مدنية نزلت بعد الأحزاب
    61 الصف 14 مدنية نزلت بعد التغابن
    62 الجمعة 11 مدنية نزلت بعد الصف
    63 المنافقون 11 مدنية نزلت بعد الحج
    64 التغابن 18 مدنية نزلت بعد التحريم
    65 الطلاق 12 مدنية نزلت بعد الإنسان
    66 التحريم 12 مدنية نزلت بعد الحجرات
    67 الملك 30 مكية نزلت بعد الطور
    68 القلم 52 مكية نزلت بعد العلق40
    69 الحاقة 52 مكية نزلت بعد الملك
    70 المعارج 44 مكية نزلت بعد الحاقة
    71 نوح 28 مكية نزلت بعد النحل
    72 الجن 28 مكية نزلت بعد الأعراف
    73 المزمل 20 مكية نزلت بعد القلم41
    74 المدثر 56 مكية نزلت بعد المزمل
    رقم السورة اسم السورة عدد آياتها مكان النزول تأريخ النزول
    75 القيامة 40 مكية نزلت بعد القارعة
    76 الدهر 31 مدنية نزلت بعد الرحمن
    77 المرسلات 50 مكية نزلت بعد الهمزة42
    78 النبأ 40 مكية نزلت بعد المعارج
    79 النازعات 46 مكية نزلت بعد النبأ
    80 عبس 42 مكية نزلت بعد النجم
    81 التكوير 29 مكية نزلت بعد المسد
    82 الانفطار 19 مكية نزلت بعد النازعات
    83 المطففين 36 مكية نزلت بعد العنكبوت43
    84 الانشقاق 25 مكية نزلت بعد الانفطار
    85 البروج 22 مكية نزلت بعد الشمس
    86 الطارق 17 مكية نزلت بعد البلد
    87 الأعلى 19 مكية نزلت بعد التكوير
    88 الغاشية 26 مكية نزلت بعد الذاريات
    89 الفجر 30 مكية نزلت بعد الليل
    90 البلد 20 مكية نزلت بعد ق
    91 الشمس 15 مكية نزلت بعد القدر
    92 الليل 21 مكية نزلت بعد الأعلى
    93 الضحى 11 مكية نزلت بعد الفجر
    94 الانشراح 8 مكية نزلت بعد الضحى
    95 التين 8 مكية نزلت بعد البروج
    96 العلق 19 مكية أول ما نزل من القرآن
    97 القدر 5 مكية نزلت بعد عبس
    98 البينة 8 مدنية نزلت بعد الطلاق
    99 الزلزال 8 مدنية نزلت بعد النساء
    100 العاديات 11 مكية نزلت بعد العصر
    رقم السورة اسم السورة عدد آياتها مكان النزول تأريخ النزول
    101 القارعة 11 مكية نزلت بعد قريش
    102 التكاثر 8 مكية نزلت بعد الكوثر
    103 العصر 3 مكية نزلت بعد ألم نشرح
    104 الهمزة 9 مكية نزلت بعد القيامة
    105 الفيل 5 مكية نزلت بعد الكافرون
    106 قريش 4 مكية نزلت بعد التين
    107 الماعون 7 مكية نزلت بعد التكاثر44
    108 الكوثر 3 مكية نزلت بعد العاديات
    109 الكافرون 6 مكية نزلت بعد الماعون
    110 النصر 3 مدنية آخر ما نزل من سور القرآن45
    111 المسد 5 مكية نزلت بعد الفاتحة
    112 الإخلاص 4 مكية نزلت بعد الناس
    113 الفلق 5 مكية نزلت بعد الفيل
    114 الناس 6 مكية نزلت بعد الفلق
    --------------------------------------------
    المصدر: تأريخ القرآن
    1 وقيل إنها مدنية عن مجاهد، وقيل أنزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، وكونها مكية هو الأشهر (ظ: فيما سبق، الهامش رقم: 46، من هذا الفصل).
    2 ما عدا الآية: 281، فإنها نزلت بعرفات في حجة الوداع، وهذا لا يعارض مدنيتها.
    3 ما عدا الآية: 3، فإنها نزلت في حجة الوداع، وهذا لا يعارض مدنيتها.
    4 ما عدا الآيات: 20،23،91،93،114،141،151،152،153، فإنها مدنية.
    5 ما عدا الآيات: 163،164،165،166،167،168،169،170، فإنها مدنية.
    6 ما عدا الآيات: 30،31،32،33،34،35،36، فإنها مكية.
    7 ما عدا الآيتين: 128،129، فمكيتان.
    8 ما عدا الآيات: 40،94،95،96، فإنها مدنية،
    9 ما عدا الآيات: 12،17،114، فإنها مدنية،
    10 ما عدا الآيات: 1،2،3،7، فإنها مدنية.
    11 ما عدا الآيتين: 28،29، فمدنيتان.
    12 ما عدا الآية: 87، فمدنية على رواية يضعفها الكثيرون.
    13 ما عدا الآيات: 126،127،128، فإنها مدنية.
    14 ما عدا الآيات:26،32،33،57،73،74،75،76،77،78،79،80، فإنها مدنية.
    15 ما عدا الآيات:
    28،83،84،85،86،87،88،89،90،91،92،93،94،95،96،97،98 ،99،100،101، فمدنية.
    16 عدا الآيتين: 58،71، فمدنيتان.
    17 عدا الآيتين: 130،131، فمدنيتان.
    18 ما عدا الآيات: 52،53،54،55، فنزلت بين مكة والمدينة.
    19 ما عدا الآيات: 68،69،70، فإنها مدنية.
    20 ما عدا الآيات: 197،224،225،226،227، فإنها مدنية.
    21 ما عدا الآيات: 52،53،54،55،85، فنزلت بالجحفة أثناء الهجرة.
    22 ما عدا الآيات: 1،2،3،4،5،6،7،8،9،10،11، فإنها مدنية.
    23 عدا الآية: 17، فإنها مدنية.
    24 ما عدا الآيات: 27،28،29، فإنها مدنية.
    25 ما عدا الآيات: 16،17،18،19،20، فإنها مدنية.
    26 ما عدا الآية: 6، فإنها مدنية.
    27 ما عدا الآية: 45، فإنها مدنية.
    28 ما عدا الآيات: 52،53،54، فإنها مدنية.
    29 ما عدا الآيتين: 56،57، فمدنيتان، والسورة تسمى (غافر) أيضاً.
    30 ما عدا الآيات: 23،24،25،27، فإنها مدنية.
    31 ما عدا الآية: 54، فإنها مدنية.
    32 ما عدا الآية: 14، فإنها مدنية.
    33 ما عدا الآيات: 10،15،35، فإنها مدنية.
    34 ما عدا الآية: 13، فإنها نزلت في الطريق أثناء الهجرة.
    35 نزلت هذه السورة في الطريق عند الانصراف من الحديبية.
    36 ما عدا الآية: 38، فإنها مدنية.
    37 ما عدا الآية: 32، فإنها مدنية.
    38 ما عدا الآيات: 44،45،46، فمدنية.
    39 ما عدا الآيتين: 81،82، فمدنيتان.
    40 إلا من الآية: 17 إلى غاية الآية: 33، ومن الآية: 48، إلى غاية: 50 فإنها مدنية.
    41 إلا الآيات: 10،11،20، فإنها مدنية.
    42 ما عدا الآية: 48، فإنها مدنية.
    43 هي آخر سورة نزلت بمكة.
    44 الآيات الثلاث الأولى مكيات، والبقية مدنية.
    45 وقد نزلت بمنى في حجة الوداع.


    لماذا نزل القرآن مفرقا... ولم ينزل جملة واحدة؟

    هذا السؤال أو التساؤل قديم سأله المعارضون للرسول من باب المعارضة له في شيء ما، ولو نزل جملة لقالوا لم لم ينزل مفرقا؟ ولكن سؤالهم أو اعتراضهم هذا أفادنا كثيراً في معرفة الحكمة من الله سبحانه منزل الكتاب حيث ذكر اعتراضهم ورد عليه: (وقالوا لولا نزّلَ عليه القرآنُ جملةً واحدة)؟ كما نزلت الكتب السابقة: التوراة والإنجيل حسب ما بلغهم. فرد الله عليهم في الآية نفسها (كذلك.. "أي أنزلناه مفرقا" لِنثبّتَ به فُؤادَكَ ورتَّلناهُ ترتيلا).
    ثم تأتي الآية الأخرى فتسوق لنا حكمة غير الأولى:
    (وقُرءاناً فَرَقناهُ لِتَقرأَهُ على النّاسِ على مُكثٍ ونزَّلناهُ تنزيلاً).
    ومعنى فرقناه: جعلنا نزوله مفرقا منجما وفي قراءة: فرَّقناه بتشديد الراء.
    ما الذ الرشفة بعد الرشفة يأخذها الظامئ من كوب عصير بارد ليستديم لذة هذا العصير في فمه مدة!..
    وما أطيب الأمن والراحة النفسية للإنسان. يتعهده حاميه وراعيه الفينة بعد الفينة، ويزوره المرة بعد المرة، ويزوده كلما زاره بطاقة تقوية، وتشد أزره وتحميه!..
    هذا شيء نحسه من واقع الحياة التي نعيشها والطبيعة التي تحكمنا، والقرآن هدى وشفاء، تشريع وتكليف، نزل على الرسول ليقود على هديه البشر، ويداوي به أمراضهم الاجتماعية، ويمدهم بطاقة مادية وروحية، وهو ليس بالقصير الذي يمكن قراءته في جلسة، أو حفظه في يوم، ولهذا كان من حكمة الله أن ينزل على الرسول مفرقا، حتى يتمكن (ص) وهو وصحابته من حفظه؛ لأن الرسول وإن كان قد حرص على أن يأمر بكتابته، إلا أن العرب تغلب عليهم الأمية غلبة كبيرة، صدورهم هي كتبهم أو كما قيل: "أناجيلهم صدورهم" فهم يعتمدون على الحفظ، ولذلك، برعوا فيه، ولابد أن يكون القرآن أمره كذلك، يعتمد فيه على الحفظ، حتى وإن كتب على حجارة ملساء أو عظام مفرطحة، أو غر ذلك مما يستطيعون الكتابة عليه؛ لأن الورق لم يكن متوفرا لديهم بالصورة التي نراها عندنا، أو بالصورة التي تمكنهم من كتابة القرآن كله عليه..
    فكيف إذن يمكنهم حفظه لو نزل دفعة واحدة؟ هذا أمر عسير، ومن المتعذر على الإنسان أن يجد له حلا.. والله قد أخذ عباده بالتيسير عليهم: (لا يكلفُ اللهُ نفساً إلا وُسعَها) فلم يكن مفر من نزول القرآن مفرقا: (وقرآناً فرقناهُ لتقرأه على النّاسِ على مُكثٍ) أي على مهل وتؤدة، (ونزلناه تنزيلا) متتالياً لذلك. فإذا حفظوا اليوم ما نزل، ثم حينما ينزل شيء يحفظونه، ويضمونه إلى ما حفظوه من قبل كان الحفظ سهلا عليهم كما نفعل نحن اليوم ويفعل كل الناس والطبيعة واحدة والقدرة في جملتها واحدة.
    ولو نزل القرآن جملة واحدة لنزل فيه الأمر بالعقائد والتشريعات كلها دفعة واحدة، وكان القوم سيعجزون وهم في أول أمرهم بالإسلام.. وفي حاجة إلى أخذهم بالرفق والتدريج، وقد رأينا كيف عالج القرآن أمرهم في شرب الخمر بالتدريج، ولو كانت الحكمة في غير التدريج لكان.. ولكن الله فعل ما تقتضيه حكمته القائمة على علمه بالنفوس، فهل كان يتسنى للقرآن الأخذ بهذه الحكمة، لو أنه نزل جملة واحدة؟ّ!
    حقيقة يولد الإنسان ويشب حتى يبلغ فيكلف بكل ما في القرآن، ولكنه مسلم وابن لمسلم، وشب وتربى في جو إسلامي وتعود في صغره على آداب الإسلام وتشريعاته، فلا يصعب عليه القيام بعد ذلك بتكاليفه.. فالأمر يختلف عمن ندعوه لينسلخ من شركه في بدء الدعوة لينضم لزمرة المؤمنين _والدعوة غريبة ولها أعداؤها.. فلا بد من التدرج في التكاليف بما يتناسب وحالة الداخلين الجدد في الإسلام.
    وكثيراً ما كان يسأل المؤمنون أو اليهود أو المنافقون أو المشركون، يسألون عن أشياء يريدون فهمها أو عن أشياء يريدون تعجيز الرسول وإظهاره بمظهر عدم العارف ليضعفوا من شخصيته ومهابته، وكان نزول القرآن مفرقا يتيح للرسول أن يتلقى الرد عليهم من جبريل بما يريد الله، ولذلك تجد كثيراً في القرآن (يسألونك) أو (يسألك الناس) وتجد الرد بعد ذلك:
    (يَسئَلونَكَ عَنِ الأهلَّةِ قُل هيَ مواقيتُ للنَّاسِ والحجِ...).
    (يَسئَلونكَ عن الخمرِ والميسرِ قُل فيهِما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للنّاسِ وإثمُهُما أكبرُ مِن نَّفعهما، ويسئَلونَكَ ماذا يُنفقونَ قُلِ العَفو).
    (يَسئَلُكَ النّاسُ عَنِ الساعةِ قُل إنَّما عِلمُها عِندَ اللهِ).
    وغير ذلك كثير حتى بلغ (يسألونك) نحو خمسة عشر سؤالا وجهت للرسول في أوقات متباعدة، ونزل القرآن للرد عليها، فهل كان يتسنى الرد عليها لو أن القرآن كان قد نزل قبل ذلك بسنوات دفعة واحدة؟.
    وهكذا تتجمع هذه الحكم والأسباب التي نستظهرها حسب علمنا وإدراكنا لتجعل من نزول القرآن مفرقا هو عين الحق والصواب ممن هو أدرى من الخلق جميعاً بالحق والصواب..
    ولكن مما ينبغي معرفته مع ذلك أنه ليس معنى نزوله مفرقا أن كل آية منه نزلت على دفعة، بل معنى نزوله مفرقا أن نزوله كان على دفعات وأوقات استمرت من بدء البعثة، حتى توفي الرسول عليه الصلاة والسلام أي مدة ثلاث وعشرين سنة.. فقد ينزل جبريل بآية، وقد ينزل بآيات، وقد ينزل بسورة صغيرة، وقد ينزل بسورة كبيرة كالأنعام مرة واحدة..
    ومن السور التي نزلت دفعة واحدة: الفاتحة، الإخلاص، المعوذتان، المسد (تبت يدا أبي لهب)، الكوثر، البينة، المرسلات، الصف، الأنعام..
    أما أغلبية سور القرآن فقد نزلت على دفعات.. وليس معنى ذلك أن النزول كان بالترتيب في السورة يعني تنزل الآيات الخاصة بسورة البقرة مثلاً على دفعات، ولا ينزل غيرها، ثم يبدأ الوحي في سورة أخرى فتنزل آياتها على دفعات، ثم تبدأ سورة أخرى وهكذا.. بل كانت الآيات تنزل، وجبريل يرشد الرسول الى أن هذه الآيات توضع في سورة البقرة مثلا قبل آية كذا أو بعدها.. ثم تنزل آيات أخرى بعد ذلك ويرشد جبريل إلى وضعها مثلا في سورة آل عمران وهكذا.. حتى إذا أتى رمضان من السنة نزل جبريل على الرسول يدارسه ما نزل في السنة الماضية من القرآن بالترتيب الذي أرشد إليه، ولو كان جزءاً من السورة، ثم إذا جاء رمضان آخر نزل جبريل يدارسه ما نزل من أول آية، حتى آخر ما نزل في العام للمدارسة بالترتيب، وهكذا، حتى آخر رمضان من حياة الرسول، وقد كاد القرآن يكتمل، إلا بعض آيات قليلة، فنزل جبريل يدارسه (أي يقرأ على الرسول مرة ويستمع له مرة) ما نزل من القرآن كله من أول آية: (اقرأ باسم ربك) حتى آخر آية نزلت قبل انتهاء هذه المدارسة الأخيرة، بالترتيب الذي عليه القرآن الآن، فيقرأ من سورة البقرة ما نزل ، ومن سورة آل عمران ما نزل.. الخ. وهكذا انضبط أمر القرآن تماما..



    القرآن الكريم وعلم النفس


    (.. وكان الانسان أكثر شيء جدلاً)
    لا السماء بما فيها من عوالم، ولا الفضاء بكواكبه، ونجومه؛ ومجراته، وشموسه، ولا الأرض بكنوزها، ومعادنها، وبحارها أكثر جدلا من الانسان... ولا أعقد مما يطويه في صدره، وما يسبح بين فؤاده داخل حناياه، وما يدور في تلك العظمة المجوفة التي تسمى الجمجمة.. وهكذا يؤكد القرآن الكريم ان الانسان أعقد ما دب على الارض من المخلوقات وأعظمها أيضا.. وحينما منح ذلك الحيوان المتكلم القدرة على فهم أسرار هذا الكون.. شغله الوصول إلى أسرار ما حوله عن الوصول إلى أسرار نفسه.. تلك النفس التي وضعها القرآن الكريم في كفة واحدة مع الكون كله بما فيه من عوالم.. واستحقت من المسلمين الذي قرأوا القرآن وقفة طويلة، إذ تقول الآية الكريمة (سنريكم آياتنا في الافاق وفي أنفسكم).
    الشعور بالذنب!
    وقد فرق القرآن الكريم بين الروح والجسد والنفس، وجاءت آياته تتحدث في بساطة بأدق نظريات علم النفس الحديث.. وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك التي قادها رسول الله (ص). يصف القرآن معاناة الشعور بالذنب، ويتحدث عن عذاب الضمير للثلاثة الذين تخلفوا في دقة مذهلة ومعجزة.. فلما مضت الغزوة احسوا بالاثم، وقاطعهم اهل المدينة إلى ان نزل فيهم حكم الله، والقرآن الكريم يقول في هذه الأزمة النفسية التي عصفت بالرجال.. (وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا..).
    غريزة حب البقاء!
    وفي سورة "الكهف" تصور الآية مشهد اهل الكهف، وقد تعاقبت عليهم السنون، فتحولوا إلى صورة تفزع القلب، وتروع النفس فتقول (لو اطلعت عليهم لوليت منهم رعبا)، وتجيء احدث نظريات علم النفس بعد اربعة عشر قرناً لتقول: ان الإنسان حينما يفزع من خطر.. فان غريزة حب البقاء تدفعه إلى الفرار بعيداً عن مصدر الخطر.. مجرد احساسه بالخطر يحشد فيه قوة غير عادية لا يمكن أن يحصل عليها في حالات الاطمئنان، وتجعله يأخذ نفسه بعيداً بعيداً.. كالذي يقفز من الطابق الثاني إذا ما شعر بأن بيته محاصر بالنيران.. وقد ينطلق بعد القفز فاراً مبتعداً عن مكمن الخطر.. ثم يتبين بعد ذلك انه قد اصيب أو لحق به أي أذى.. والآية تحدد بدقة حالة غريزة حب البقاء حينما تقول.. لوليت منهم فراراً مما يقع عليه بصرك من بشاعة ما فعلته الأيام بالجثث.. إذ لن تستطيع ان تحدد ان كانوا موتى أو أحياء.. فإذا فررت بعيداً.. امتلأت بالرعب بعد ذلك.
    الغضب
    وموسى عليه السلام كان ذا شخصية انفعالية سريع الغضب.. وإذا رجعنا إلى طفولته وسلطنا عليها أضواء علم النفس الكاشفة.. فسوف نجد انها مشحونة بالتوترات ملأى بالقلق بعيدة عن كل ما يوفر الشعور بالأمان لطفل رضيع.. وقد توصل أحد أطباء الأمراض النفسية للأطفال إلى أن الأم والرضيع يكونان وحدة واحدة من الوجهة النفسية، وان أية انفعالات للأم كثيراً ما تنعكس على الرضيع، والأم التي تعاني من القلق أو من الحزن ينصحها طبيب الأطفال بعدم ارضاع طفلها فترة حزنها أو قلقها.. وأم موسى هي التي قلقت أعظم قلق حينما وضعته في الصندوق، وحينما أرسلت أخته تتبع آثاره على الشاطىء.. ثم حينما عاد اليها لترضعه، كل ذلك جعل موسى عليه السلام عصبياً.. يثور عند الغضب إلى حد يلقي فيه بالألواح.. ويصور القرآن الكريم "الغضب" على انه من الحالات النفسية التي يسقط الإنسان فيها تحت وطأة قوة أقوى منه.. يتملك الغضب فيها ضحيته ويوسوس اليه بما يريد. بل يدفعه دفعاً دون أن يملك الغاضب الخروج من حالة الغضب.
    الكبت والانحراف!
    وفي سورة (يوسف) أبدع الصور النفسية لكل الحيل اللاشعورية التي يلجأ اليها الإنسان في معاملاته النفسية، والتي يسميها علم النفس آليات عقلية يغالب بها المرء احباطه، وقلقه، وتوتره الذي يتولد من فشله في محاولاته تحقيق رغباته كلها أو بعضها..
    فأخوة يوسف مثلا ظلوا ضحايا الكبت الذي يحاولونه لكي يدفنوا رغبتهم في التخلص من يوسف حتى يخلو لهم حب أبيهم، ولكنهم كانوا يفشلون في اخفائها وكبتها فكانت تبدو فيما يصدر منهم من اعمال أو كلمات ضد يوسف عليه السلام..
    التبرير والاسقاط!
    وقد وقعوا في حالة (التبرير) التي يقول عنها علم النفس وهي الحيلة التي تقي الإنسان من الإعتراف بالأسباب الحقيقية لسلوكه غير المقبول، ويعمد المذنب إلى تفسير سلوكه ليبين لنفسه وللناس ان لسلوكه هذا أسباباً معقولة.. فهم يقولون (يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب، وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين).
    وإذا كان (الاسقاط) هو حيلة يسقط بها المرء نقائصه وعيوبه على الناس والآخرين.. ويهمه بالدرجة الأولى. أن يلصقها بمن يظن انه ينافسه مباشرة.. كالزوج الذي يخون زوجته.. ثم يتهمها بالخيانة.. إذا كان هذا هو مفهوم الاسقاط في علم النفس.. فإن القرآن الكريم روى ذلك عن أخوة يوسف. حينما دس يوسف صاع الملك في متاع أخيه والقى القبض عليه بتهمة السرقة ليستبقيه دون أن يكشف لهم عن شخصيته إذ تقول الآية الكريمة على لسانهم (ان يسرق فقد سرق أخ له من قبل).
    العمى النفسي!
    وحينما عاد الاخوة ليفجعوا والدهم في ابنه الثاني شقيق يوسف، وأحب أولاده اليه بعد يوسف، وقد جددت هذه الصدمة الجديدة أحزانه القديمة على يوسف إذ تقول الآية (وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم). مع انهم نقلوا اليه خبر ابنه الثاني وليس يوسف، وذلك ما يطابق أحدث نظريات علم النفس.. وتبيض عيناه من الحزن.. فلم يعد يبصر فقد انتابته رغبة في العمى. رغبة قوية سيطرت على ارادته.. فهو لا يريد أن يرى الدنيا وقد خلت من ولديه الحبيبين.. وذلك هو العمى النفسي، ويدرك يوسف عليه السلام، وهو الذي أوتي علماً وحكمة بنص القرآن ان هذا العمى نتيجة لصدمة نفسية، وانه يمكن ان يشفى بصدمة مضادة، وتقول الآية على لسانه (اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيرا).
    ثم الرمزية التي جاءت في تفسير يوسف للأحلام الثلاثة.. حلم السجين الذي رأى نفسه يعصر خمراً، والآخر الذي رأى انه يحمل طعاماً فوق رأسه ويأكل منه الطير.. ثم حلم الملك الشديد الرمزية.. ان كل ذلك يجعل القرآن الكريم يتفوق في تفسيراته للنوازع والرغبات والسلوك الإنساني.. تفوقاً يجل عن المقارنة، ويتنزه عن المنافسة لمجهودات كائناً من كان من البشر في هذا المضمار!!



    محتويات القرآن

    إنَّ الكتابَ المتشابهَ هو السبعُ المثاني والقرآن العظيمُ. فالتشابه في السبع المثاني جاء في قوله تعالى: (اللهُ نَزلَ أَحسنَ الحَديثِ كِتاباً مُّتشَابهاً مَّثانِيَ تَقشَعرُّ مِنهُ جُلودُ الَّذينَ يَخشونَ رَبَّهمْ ثُمَّ تَلينُ جُلُودهُمْ وَقُلوبهُمْ إِلَى ذِكرِ اللهِ ذَلكَ هُدَى اللهِ يَهدِي بِهِ مَن يَشاءُ وَمَن يُضللِ اللهُ فَمالهُ مِنْ هَادٍ) (سورة الزمر/ 23).
    نلاحظ هنا كيف جاءت كلمة "كتاب" منكرة ولذلك فهي لا تعني كل محتويات المصحف، وإنما وصف هذا الكتاب بصفتين هما التشابه والمثاني. ويعني ذلك أنَّ مجموعةَ السبعِ المثاني هي كتابٌ متشابهٌ ومثانٍ معاً.
    أما بالنسبة للقرآن فيجب أن نميز بين القرآن معرفاً كقوله: (شَهرُ رَمضانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ القُرآنُ) (سورة البقرة/ 185) وقوله (وَلَقدْ أَتَينَاكَ سَبْعاً مِّنَ المَثَانِي وَالقُرآنَ العَظِيمَ) (سورة الحجر/ 87) وقوله (بَلْ هُوَ قُرآنٌ مَّجيدٌ* فِي لَوحٍ مَّحفُوظٍ) (سورة البروج/ 21-22) وقوله (يس* وَالقُرآنِ الحَكيمِ) (سورة يس/ 1-2) ولم يقل يس* وقرآن حكيم.
    فعندما يأتي القرآن معرّفاً فإنه يأخذ المعنى نفسَهُ، أما إذا جاء منكراً فيمكن أن يعني جزءاً منه. فالقرآنُ الحكيم هو القرآنُ العظيمُ نفسهُ وهو الذي أنزل في رمضان. وليست عبارةُ (قرآن مجيد) هي بالضرورة (القرآن العظيمَ). ولكنّها من جنسه وتعني جزءاً منه، لا كُلَّه. وقد جاء الدليل على أنّ القرآنَ كُلّه مُتشابِه وأنه هو الحقُّ في سورة يونس في قوله (وَمَا يَتبعُ أَكْثرهُمْ إِلاَّ ظَناً إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغنِي مِنَ الحَقِّ شَيئاً إِنَّ اللهَ عَليمٌ بِمَا يَفعَلونَ) (سورة يونس/ 36) (وَمَا كَانَ القُرآنُ أَن يُفْترَى مِن دُونِ اللهِ وَلَكنِ تَصدِيقَ الَّذِي بَينَ يَديهِ وَتَفصيلَ الكِتابِ لاَ رَيبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالمِينَ) (سورة يونس/ 37) (أَمْ يقُولونَ افْتَراهُ قُلْ فَأتُوا بِسورَةٍ مِّثلهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتطعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقينَ) (سورة يونس/ 38) (بَلْ كَذبُوا بِمَا لَمْ يُحيطُوا بِعلمِهِ وَلمَّا يَأْتهِم تَأوِيلهُ كَذَلكَ كَذَّبَ الَّذينَ مِن قَبلهِمْ فَأنظرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبةُ الظَّالمِينَ) (سورة يونس/ 39).
    وها هنا نلاحظ أن سياق الآيات يتكلم عن القرآن وأنه احتوى على معلومات لم يحيطوا بها وأنَّه لم يأت تأويلهُ بعدُ. ونلاحظ أيضاً ما جاء في الآية 7 آل عمران أن التأويل هو للمتشابه فقط.
    أما إذا نظرنا إلى محتويات القرآن فنرى يتألف من موضوعين رئيسيين وهما:
    1ـ الجزء الثابت: (قُرآنٌ مَّجيدٌ* فِي لَوحٍ مَّحفُوظٍ) (سورة البروج/ 21-22) وهذا الجزء هو القوانين العامة الناظمة للوجود كله ابتداء من خلق الكون (الانفجار الكوني الأول، وفيه قوانين التطور "الموت حق" وتغير الصيرورة "التسبيح" حتى الساعة ونفخة الصور والبعث والجنة والنار. وهذا الجزء لا يتغير من أجل أحد وهو ليس مناط الدعاء الإنساني، وإن دعا كلُّ أهل الأرض والأنبياء لتغييره فلا يتغير، وهذا الجزء العام هو الذي تنطبق عليه عبارة (لاَ مُبدِّلَ لِكلمَاتِهِ) (سورة الكهف/ 27).
    فكلمات الله هي عين الموجودات أي الأشياء (قَولهُ الحَقُّ) (سورة الأنعام/ 73). وفي اللوح المحفوظ يوجد القانون العام الصارم لهذا الوجود، ولا تبديل لهذا القانون من أجل أحد. أما التشابه في هذا الجزء فهو منسوب إلى الفلسفة وهي أم العلوم، أي معرفة الإنسان بالقوانين العامة الناظمة للوجود.
    2- الجزء المتغير من القرآن: وهذا الجزء عبر عنه بأنه مأخوذ من أمام مبين في قوله (إِنَّا نَحنُ نُحِي المَوتَى وَنَكتبُ مَا قَدَّمُوا وَأَثَارهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيناهُ فِي إِمَامٍ مُّبينٍ) (سورة يس/ 12).
    فالإمام المبين يحتوي على شقين:
    أـ أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية: مثل تصريف الرياح واختلاف الألوان وهبة الذكور والإناث والزلازل والطوفان وهي قابلة للتصريف، وغير مكتوبة سلفاً على أي إنسان وغير قديمة. فمثلاً القانون العام في اللوح المحفوظ يقول: إن "الموت حق"، ولكن الأحداث الجزئية في الطبيعة يمكن أن تسمح بوجود ظواهر تطيل الأعمار وظواهر تقصرها. فالتصريف هو بطول العمر وقصره، وليس بإلغاء الموت. فأحداث الطبيعة الجزئية أطلق عليها مصطلح آيات الله (وَمِن آيَاتهِ خَلقُ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاخْتلافُ أَلسِنَتكُم وَأَلوانِكُمْ) (سورة الروم/ 22) (تِلكَ آياتُ الله) (سورة الجاثية/ 6). فآيات الله تختص بظواهر الطبيعة وقد جاءت في الكتاب في مصطلح "كتاب مبين" في قوله: (وَعِندهُ مَفاتحُ الغَيبِ لاَ يَعلمُها إِلاَّ هُوَ وَيَعلمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَمَا تَسقطُ مِن وَرقةٍ إِلاَّ يَعلمُها وَلاَ حَبةٍ فِي ظُلمَاتِ الأَرضِ وَلاَ رَطبٍ وَلاَ يَابسٍ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُّبينٍ) (سورة الأنعام/ 59) وهذه الأحداث ليست مبرمجة سلفاً وليست قديمة.
    وعندما عطف عبارة (كتاب مبين) على القرآن في أول سورة النمل عطف خاصاً على عام. لنرجع إلى الآية 75 التي تقول: (وَمَا منْ غَائبةٍ فِي السَّماءِ وَالأَرضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبينٍ)، فعندما يورد لفظ "كتاب مبين" في القرآن يتكلم فيه عن جزئيات ظواهر الطبيعة، كالحركة الكيميائية (ولا رطب ولا يابس) والموقع (ولا حبة في ظلمات الأرض) والحركة الميكانيكية (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها).
    هذا الجزء الذي سماه بعبارة "كتاب مبين" فيه التصريف والتغير وهو مناط التدخل الإلهي وفقاً للنواميس الكونيّة التي ارتضاها وقرّرها، فتارة يعمل لصالح زيد وأخرى لصالح عمرو، وهو مناط الدعاء. فنحن ندعو الله أن يرسل لنا مطراً، لأن المطر يأتي من تصريف الرياح أو أن يهب لنا ذكوراً أو إناثاً. لأن كل هذه الأشياء ليس لها علاقة باللوح المحفوظ وإنما هي أحداث جزئية في ظواهر الطبيعة وإلاّ فلا معنى لقوله عليه السلام: الدعاء مُخّ العبادة وقوله أيضاً: لا يردّ القضاء إلاّ الدعاء. وهي أيضاً مناط العلوم كلها الطب والفلك والفيزياء والكيمياء.. الخ ما عدا الفلسفة والتاريخ. ويقوم التشابه في آيات الكتاب المبين "آيات الله" على نسبة تقدم المعارف الإنسانية بأحداث الطبيعة وظواهرها وهو الذي ينطبق عليه (إِذَا قَضى أَمراً فَإِنمَا يَقولُ لَهُ كُن فَيكُونُ) (سورة آل عمران/ 47 ـ سورة مريم 35).
    ب ـ أفعال الإنسان الواعية: وهو ما نسميه القصص. لقد أكدَّ في الكتاب أن القصص من القرآن في قوله: (نَحنُ نَقصُّ عَليكَ أَحسنَ القَصصِ بِمَا أَوحَينَا إِليكَ هَذَا القُرآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبلهِ لَمنَ الغَافِلينَ) (سورة يوسف/ 3). فقد أشار إلى أن تتبعَ أفعالِ الإِنسانِ المسجلة عليه بعد وقوعها يتم في (إمام مبين) ليميزه عن (لوح محفوظ) (إِنَّا نَحنُ نُحِي المَوتَى وَنَكتبُ مَا قَدَّمُوا وَأَثَارهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَيناهُ فِي إِمَامٍ مُّبينٍ) (سورة يس/ 12). وقد أورد منه أحداثاً متكاملة لتتبع تطور التاريخ الإِنساني، وتطور المعارف في النبوات والتشريع في الرسالات، أي كيف تفاعل الإنسان مع القانون العام للوجود والقوانين الجزئية من جهة، وكيف تفاعلَ مع الرسالات من جهةٍ أخرى. وبما أنه أعطى هذا الخط في القصص فقد سماه "أحسن القصص".
    أما أن القصص جزء من القرآن فقد ورد في قوله: (وَإِن كُنتَ مِن قَبلهِ لَمنَ الغَافِلينَ) (سورة يوسف/ 3) فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهل القصص والقرآن معاً، وكان القصصُ ليس جزءاً من القرآن لجاءت الصيغة المثنى أي: وأن كنت من قبلهما، وهذه الصيغة "من قبله" تصح في حالة أن القرآن شيء والقصص شيء آخر في حالة واحدة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل القرآن ولا يجهل القصص، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل القصص أيضاً لقوله في سورة هود بعد قصة نوح: (تِلكَ مِن أَنبَاءِ الغَيبِ نُوحيهَا إِليكَ مَا كُنتَ تَعلمُهَا أَنتَ وَلاَ قَومُكَ مِن قَبلِ هَذَا فَاصْبِر إِنَّ العَاقبةَ لِلمتَّقِينَ) (سورة هود/ 49). من هنا نستنتج النتيجة الوحيدة وهي أن القصص جزء من القرآن.
    أما العنوان العام الذي أعطاه الكتاب للقصص وهو عبارة "الكتاب المبين" فقد جاء ثلاث سور فيها قصص وهي سورة يوسف (آلر تِلكَ آياتُ الكِتابِ المُبينِ)، وسورة الشعراء (طسم* تِلكَ آياتُ الكِتابِ المُبينِ)، وسورة القصص (طسم* تِلكَ آياتُ الكِتابِ المُبينِ).
    ولنشرح الآن لماذا سمى القصص الكتابَ المبينَ وسمى ظواهر الطبيعة كتاباً مبيناً.
    السبب أولاً أن كليهما أُوحي عن الإِمام المبين وليس من اللوح المحفوظ. وثانيهما أن القصص أعطت مواضيع متكاملة منتقاة لتتبع تطور التاريخ الإِنساني، لذا سميت "أحسنَ القصص"، وعُرِفت بالكتاب المبين. أما أحداث الطبيعة وظواهرها فقد أورد فيها آيات متفرقة لذا سماها "كتاباً مبيناً".
    ونشير إلى أنَّ التشابه في القصص منسوبٌ إلى تطور المعارف الإِنسانية حول تطور التاريخ الإِنساني، فكلما زادت هذه المعارف تمكنا من تأويل آيات القصص.
    وهكذا نفهم أن القرآن هو الجانب الموضوعي في الكتاب "الحق" (وَإِذَا تُتلَى عَليهِمْ آيَاتُنا بَيِّناتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجلٌ يُريدُ أَن يَصدَّكُم عَما كَانَ يَعبدُ آبَاؤُكُم وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفكٌ مُّفترىً وَقَالَ الَّذينَ كَفَروا لِلحقِّ لَمَّا جَاءَهُم إِنْ هَذًا إِلاَّ سِحرٌ مُّبينٌ) (سورة سبأ/ 43) وفي قوله: (وَإِذَا تُتلَى عَليهِمْ آياتُنَا بَيِّناتٍ قَالَ الَّذينَ كَفرُوا لِلحقِّ لَمِّا جَاءَهُم هَذَا سِحرٌ مُّبينٌ) (سورة الأحقاف/ 7).
    هنا نرى أنَّ الإِعجاز جاء في القرآن فقط، وليس في أم الكتاب إذ أن أم الكتاب ذاتية، وهكذا لا يمكن أن نرى في أي آية من آيات الأحكام مصطلحَ (قالَ الله)، هذا مستحيل.. إنما نرى أن آيات الأحكام جاءت ضمن الصيغ التالية:
    ـ صيغة أمر: (إِنَّ اللهَ يَأمرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَإِيتاءِ ذِي القُربَى وَيَنهَى عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكرِ وَالبَغيِ) (سورة النحل/ 90).
    ـ صيغة نهي: (وَلاَ تَقرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحشةً وَسَاءَ سَبيلاً) (سورة الإسراء/ 32) (وَقَضَى رَبُّك أَلاَّ تَعبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) (سورة الإسراء/ 23).
    ـ صيغة فريضة وكتاب: (قَدْ فَرضَ اللهُ لَكُم تَحلَّةَ أَيْمانكُمْ) (سورة التحريم/ 2).
    (كُتبَ عَليكُم الصِّيامُ) (سورة البقرة/ 183).
    (وَالمُحصنَاتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ مَا مَلكتْ أَيمَانكُمْ كِتابَ اللهِ عَليْكُمْ) (سورة النساء/ 24).
    ـ صيغة وصايا: (يُوصيكُمُ اللهُ فِي أَولادِكُم لِلذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ) (سورة النساء/ 11).
    أي أنه لا يمكن أن نرى آية واحدة من آيات الرسالة "الأحكام" فيها عبارة (قال الله)، لأنه لو جاءت بهذه الصيغة (قال الله صلوا) أو (قال الله صوموا)، مع الأخذ بالحسبان أن قول الله هو الحق (قوله الحق) (سورة الأنعام/ 73) ـ فهذا يعني أن الصلاة والصوم حقيقة موضوعية موجودة خارج الوعي. ولأصبحت الصلاة والصوم ناموساً لا يمكن مخالفته. ولرأينا أن الناس جميعاً دون استثناء صاموا وصلوا من دون أن يكون لهم أي خيار في ذلك، ولأصبحت الصلاة والصوم كعملية هضم الطعام ونبض القلب يلتزم بأدائهما الناس آلياً.
    من هنا يجب أن نفهم أن كلمات الله نافذة لا مجال لتبديلها ولا خيار لنا في تنفيذها أو عدم تنفيذها لأن كلماتِهِ عينُ الوجود ونواميسُهُ العامةُ وأحداثهُ الجزئيَّةُ حينَ وقوِعها. لذا قال عن القرآن: (وَاتلُ مَا أُوحِيَ إِليكَ مِن كِتابِ رَبِّكَ لاَ مُبدلَ لِكلمَاتِهِ وَلَن تَجدَ مِن دُونهِ مُلتَحَداً) (سورة الكهف/ 27) هنا قال عن كلمات الله: إنها غير قابلة للتبديل وإن الإنسان لا يستطيع أن يحيد عنها (وَلَن تَجدَ مِن دُونهِ مُلتَحَداً)، فلو كانت الآية (يُوصيكُمُ اللهُ فِي أَولادِكُم لِلذَّكرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيينِ) (سورة النساء/ 11) هي من كلمات الله، ورأينا أناساً لا يلتزمون بها ويبذلونها، لكان ذلك يعني كذب ما جاء في الآية (لاَ مُبدِّلَ لِكلمَاتِهِ).
    وهكذا نفهم قوله تعالى: (قُل لَّو كَانَ البَحرُ مِدَاداً لِكلماتِ رَبِّي لَنَفدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفدَ كَلماتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمثلهِ مَدَداً) (سورة الكهف/ 109). بما أن كلمات الله هي عينُ الموجودات ونواميسُها العامةُ والخاصةُ حين وقوعها، ونعلم الآن مدى كبر هذا الكون حسب معلوماتنا، فلو أراد الله سبحانه وتعالى أن يصف لنا الموجودات من خلال كلام الإنسان، للزم أن يكون البحر مداداً لهذه الكلمات ولا يكفي.
    أما قوله تعالى: (وإِذ قُلنَا ادخُلُو هَذهِ القَريةَ فَكُلُوا مِنهَا حَيثُ شِئتُمْ رَغَداً وَادخُلُوا البَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفر لَكُم خَطَايَاكُم وَسنَزيدُ المُحسِنينَ) (سورة البقرة/ 58) (فبدَّلَ الَّذينَ ظَلمُوا قَولاً غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم فَأَنَزلنَا عَلَى الَّذينَ ظَلمُوا رِجْزاً مِّنَ السَّماءِ بِمَا كَانُوا يَفسُقونَ) (سورة البقرة/ 59).
    هنا الآية 58 في سورة البقرة تبدأ بقوله (وإذ قلنا) والقائل هو الله، فقوله نافذ ولكنه ينطبق فقط على الفقرات (ادخُلُو هَذهِ القَريةَ فَكُلُوا مِنهَا حَيثُ شِئتُمْ رَغَداً) (وَادخُلُوا البَابَ سُجَّداً) أي أنهم دخلوا القرية وأكلوا ودخلوا الباب سجداً. ولكن جملة (َقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفر لَكُم خَطَايَاكُم وَسنَزيدُ المُحسِنينَ) هي جملة أمر (ضد النهي) وليست قولاً، ولكي يبين أن هذه جملة أمر قابلة للعصيان والطاعة وليست كلمة فقد أتبعها بالآية (فبدَّلَ الَّذينَ ظَلمُوا قَولاً غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم).
    وليست كلمةً نافذةً لا محالةَ.
    ولو كانت جملة (َقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفر لَكُم خَطَايَاكُم) كلمة من كلمات الله وليست أمراً لتناقضت مع قوله تعالى (لاَ مُبدِّلَ لِكلمَاتهِ) إذ كيف يقول (لاَ مُبدِّلَ لِكلمَاتهِ) ويقول أيضاً (فبدَّلَ الَّذينَ ظَلمُوا قَولاً غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم) لذا فقد أفرد آية خاصة هي الآية 59 من سورة البقرة لكي يؤكد عدم التناقض.
    وقد أكد هذه الناحية أيضاً في الآيتين 161-162 في سورة الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكنُوا هَذهِ القَريةَ وَكُلُوا مِنهَا حَيثُ شِئتُم وَقُولُوا حِطةٌ وَادخُلُوا البَابَ سُجداً نَّغفرْ لَكُم خَطيئَاتِكُم سَنَزيدُ المُحسِنينَ) (سورة الأعراف/ 161).
    (فَبدلَ الَّذينَ ظَلَمُوا مِنهُم قَولاً غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم فَأَرسَلنَا عَليهِم رِجْزاً مِّن السَّماءِ بِمَا كَانُوا يَظلِمونَ) (سورة الأعراف/ 162).
    أما قوله تعالى: (وَقالَ اللهُ لاَ تَتخِذُوا إِلهَينِ أثْنَينِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ وَاحدٌ فَإيَّايَ فَارْهبُونَ) (سورة النحل/ 51).
    لنقارن هذه الآية مع الآية: (ذَلكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحقُّ وَأَنَّ مَا يَدعونَ مِن دُونهِ هُوَ البَاطلُ) (سورة الحج/ 62) أي أن وحدانية الله هي حقيقة موضوعية خارج الوعي الإنساني وأن التعددية غير ممكنة موضوعياً حيث أن أي تعددية هي باطل ووهم. فالأصنام هي حجارة خارج الوعي الإنساني وليست آلهة. لذا بدأت الآية بقوله: (قال الله).




    جزام الله كل الخير

    تقبلوا خالص تحياتى وتقديرى




  17. #17
    عضو محمد عاطف محمد is on a distinguished road الصورة الرمزية محمد عاطف محمد
    تاريخ التسجيل
    19-04-2007
    المشاركات
    25
    معدل تقييم المستوى: 0

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    جزاك الله خيرًا على ها الجهد الوفير
    ولكن الموضوع طويل جدا
    وبصدق لم اسطع تكملته


    url=http://www.s77.com/index.php?t=smiles][/url][/IMG]

    [MARK="CC6666"]محمد عاطف محمد[/MARK]


  18. #18


  19. #19
    الوسام الفضي روضة is on a distinguished road الصورة الرمزية روضة
    تاريخ التسجيل
    12-08-2006
    المشاركات
    4,291
    معدل تقييم المستوى: 136

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    ماشااااااااء الله موضوع رائع جدااا وطوييييييييل جدااا كنت اضن انو انا فقط صاحبة المواضيع المطولة بس حطمتي الرقم القياسي مع أروع موضوع انا قريت نصفه فقط ولي عودة مع البقية
    جزاكي الله كل خير




    فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمۡ فِى رَوۡضَةٍ۬ يُحۡبَرُونَ
    أرجو من الاعضاء الكرام المشاركين بقسم الصحة ان تكون المواضيع المنقولة مكتوبة بشكل واضح (خط كبير, عنواين رئيسية بلون مغاير)


  20. #20
    مشرف المنتدى الإسلامي العام عيد أبو علام is on a distinguished road الصورة الرمزية عيد أبو علام
    تاريخ التسجيل
    22-03-2007
    المشاركات
    2,694
    معدل تقييم المستوى: 113

    افتراضي رد: علــــوم القــــران....هـــل يـــوجــدفـــى القــران لفـــــظ غــــريـــــــــب

    باااااااااااااااااااااااااااااااااااارك الله لك اختاه على هذا الجهد الوفيــــــــــــــــــــــــر
    وتقبل الله منا ومنكم وجزاك الله خيرا على همك بالمسلمين
    وحقيقى انا لم اتمالك نفسى ولا استطع ان اكمل الموضوع وكلنا كذالك ولكن جمعته بفضل الله واحتفظت به والحمد ارسلته لعدد كثير لعلهم يرسلونه ايضا وان شاء الله يعم الخير

    ووالله مهما فعلوا ان الله قد حفظ هذا الدين واتمة وليموتوا بغيظهم لن ينالو خيرا

    ﭧ ﭨ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭽ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮆ ﮇ ﮈ ﮉ ﮊ الأحزاب: ٢٥

    ﭧ ﭨ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭽ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ الحجر: ٩
    وأخيرا

    ﭧ ﭨ ﭷ ﭸﭹ ﭺ ﭻ ﭽ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ الفتح: ٢٨
    بارك الله لك اختاه
    وتقبل الله منا ومنك


    هذا الموضوع
    به جميع المواضيع المخالفة المنتشرة على المنتديات فاحذر من نقلها قبل التأكد منها
    أدخل هنا
    اللهم أجعلنى خيرًا مما يظنون
    وْاغفر لى ما لا يعملون
    ولا تؤاخذني بما يقولون
    Dr.Sniper


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك