بسم الله الرحمن الرحيم

مَنْ منّا يقرأ القرآن ويمرّ على قصصه التي تنقل حوادث حقيقية وقعت في ظروف زمانية ومكانية مختلفة من التاريخ ، ولا يستمتع بالأسلوب الرائع والشيّق لهذه القصص لا سيّما وانّه يرى القيم والمبادئ التي تقف وراء التحولات المهمة في الحياة البشرية وعلى مرّ الزمان مجسّدة في أشخاص وفي مواقف وفي سياق الحوادث التي تنسج القصة القرآنية .
وقصص القرآن الكريم ، هذا الكتاب الهادي ، كما هي رسالة كل قصة لا تحكي فقط ما جرى في الأزمنة الغابرة وإنّما تحاكي الحاضر والمستقبل ، عندما تخاطب أبعاداً في الانسان لا يبدّلها الزمان والمكان سوى ما يتعلق بطريقة التعبير وأنماط الحياة ...
وعند ما يحتاج أيٌّ منّا إلى موقف يتخذه في الحالات الصعبة التي تواجهه وتستدعي منه موقفاً قد يغيّر مسار حياته بالكامل ، فإنّ القصة القرآنية تسعفه أيضاً ونجد المواقف في القصة واضحة وجلية لا لبس فيها بل إنّها تصوّر طرفي الصراع : الخير والشرّ ، والعدل والظلم ، والصلاح والفساد ، والاستقامة والانحراف ، و ... وعاقبة كل موقف والظروف المحيطة به والمؤثرة فيه والناتجة عنه ، كما تدفعك القصة القرآنية وأنت تقرأها إلى التعاطف الكامل وبشكل تلقائي مع البطل والشخصية الخيّرة والانزعاج بالكامل من العنصر السلبي والشخصية الشريرة .
والغريب أن هذا التقابل في أنماط الشخصيات وطبيعة المواقف لا تضمّه القصة الواحدة أحياناً بل قد يتجلّى في قصص عديدة فتجد نموذجاً في هذه القصة ونموذجاً معاكساً له في تلك ويبقى عنصر المحاكاة رغم ذلك حيّاً .
وما علينا سوى أن نسمح لهذه القصص الكريمة أن تحاكي حياتنا حتى نجدها حيّة تعيش بيننا من جديد .

النموذج الأوّل
(قصة قابيل وهابيل) ـ صراع الخير والشرّ

1 ـ قوله تعالى : (واتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحقّ )( ) هو دعوة لسرد القصّة كما هي بلا تحريف ولا زيادة ولا نقصان ، أي الطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتحدّث عن الحدث كما حدث .
وهذه لفتة قرآنية في ضرورة تحرّي الدقّة في النقل لأيّة واقعة أو حدث أو قصة أو خبر ، لأ نّك لا تستطيع أن تعطي حكماً دقيقاً على ما تسمع إلاّ بعد أن تكون الوقائع بالنسبة إليك دقيقة .
2 ـ القصّة ذات مشهدين : مشهد عبادي يتحدّث عن تقريب القربان(( )) ومشهد حواري يتصاعد فيه الحدث إلى نقطة الذروة ووصول الصراع إلى نقطة القتل .
المشهد الأوّل :
ويلخّصه لنا قوله تعالى : (إذ قرّبا قرباناً فتُقبّل من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر )( ) .
وكما تذكر بعض التفاسير ، فإنّ (هابيل) كان قد تقرّب بكبش سمين ، فيما تقرّب (قابيل) بحزمة من سنابل القمح ، أي أنّ (هابيل) قدّم أفضل ما عنده ، وقدّم أخوه أدنى ما عنده ، ويبدو أنّ قربان كلّ منهما يدلّ على نفسيّة وشخصيّة كل منهما ، وربّما كان بإمكان (قابيل) تقديم كبش سمين كما فعل أخوه ، لكنّه بخل وقبض يده ناسياً أ نّه يتعامل مع الله الذي يجب أن لا يبخل معه بشيء ، لأ نّه واهب ورازق كلّ شيء ، وهو ـ أي الله تعالى ـ لا يناله لا من الكبش ولا من القمح شيء . ففي أضحيات الحج يريد الله للحاج أن يصل قربانه إلى الجياع والفقراء : (لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن ينالهُ التقوى منكم )( ) . وهذا هو الشرط الأوّل في القربان (إنّما يتقبّل الله من المتّقين )( ) .
ولا يخفى عليك، أن علاقة التقوى ـ وهي طلب رضا الله ـ بالقربان ، علاقة تقدير لمقام الله تعالى من جهة العبد نفسه ، وأنت تعرف من خلال تجاربك ، أنّ مَنْ يحبّ أكثر يقدّم أكثر ، إن كان بإمكانه ذلك ، ولذا فالبخل مع الله هو بخلٌ في عطاء الله (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه )( ) وهو علامةُ الاستهانة بمقام الله عزّ وجلّ .

المشهد الثاني :
ويلخّصه قوله تعالى : (قال : لأقتلنّك ) ! (أي قول قابيل) .
ـ (قال : إنّما يتقبّل الله من المتّقين ) ، (وهو قول هابيل) الذي أضاف : (لئن بسطتَ إليَّ يدكَ لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك ، إنِّي أخاف الله ربّ العالمين )( ) .
هذا المشهد الحواري المقتضب يلخّص لنا هويّة الأخوين وطبيعة كلّ منهما الفكرية والنفسية .
(قابيل) : حسود ، حقود ، انفعالي ، يحكّم غريزته ، ويحاول أن ينفّس عن حسده وحقده بقتل أخيه ، وهو إلى ذلك جاهلٌ لا يعرف أنّ القبول وعدم القبول بيد الله لا بيد أخيه ، فلا ذنب لـ (هابيل) بقبول الله لقربانه وعدم قبوله لقربان أخيه . وقد يكون عالماً بذلك لكنّ حسده أعماه فلم يعد يبصر نور الحقيقة وهو ساطع .
أمّا (هابيل) فيظهر لنا : عارفاً بالله ، ومتيقناً أنّ القبول مشروط بالتقوى ، أي أن يكون العمل خالصاً لله وابتغاء مرضاته ، وهو لا يتعامل بطريقة ردّ الفعل الاستفزازية ، وإنّما يحكّم عقله ودينه في النظر إلى الأمور . فهو لمعرفته أنّ القتل عند الله شنيع لم ينسق إلى مقاتلة أخيه .

دروس القصة (أوجه المقارنة) :
هذه القصة مرشحة أن تكون بين أي أخوين أو صديقين أو إنسانين آخرين ، وما يمكن التقاطه منها ، هو :
1 ـ الإيمان ليس مجرد فكرة في الداخل ، وإنّما هو عمل في الخارج .
2 ـ (الإيمان) و (الحسد) لا يجتمعان لأ نّهما نقيضان ، فالمؤمن يتمنّى الخير للناس والحسود يريد زواله عنهم ، ولذا جاء في الحديث : «الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب» . فأن تكون مؤمناً يعني أن تحب للناس ما يحبّه الله لهم .
3 ـ كظم الغيظ ، وعدم الانجرار مع الانفعال بالموقف الاستفزازي ، وعدم التعامل بالمثل مع القدرة عليه ، ليس ضعفاً ولا انهزاماً ، بل يرمز إلى قوة الإرادة والتحكّم بالانفعالات الغريزية ، ودليل على قوة ورصانة الشخصية ، ووسيلة من وسائل الارتفاع والتسامي على موقف الانسياق أو تلبية نداء الانفعالات الحادّة .
4 ـ الحوار العقلاني يعني تجنّب استخدام لغة العنف واللجوء إلى القوّة طالما أنّ القضية ليست قوة في مواجهة قوة أخرى ، أو منازلة في حلبة صراع ، وإنّما هي نقاش بالعقل والحكمة الحسنة وصولاً إلى الحقيقة ، فالعنف في مثل هذه الحالات هو منطق الضعفاء الانهزاميين الذين لا يريدون الاقتناع رغم أنّ الحجّة واضحة ، كما هو منطق (قابيل) .
5 ـ موقفنا من شخصيتي القصة هو الانحياز إلى جانب الضحيّة (هابيل) لأ نّنا نؤمن ببراءته ، وسلامة نيّته ، ونبل موقفه ، وابتعاده عن إثارة غضب الله في قتل النفس المحترمة التي لا يجوز قتلها إلاّ بالحقّ .
ونعتبر موقف (قابيل) هو موقف كلّ الطغاة الذين لا يفهمون سوى منطق القوة والعنف والقتل والتصفية ، وهو منطق مرفوض لأ نّه يعبّر عن حالة حيوانية افتراسية ، ليس لها استعداد للتفاهم والحوار .
فموقف (هابيل) هو موقف الخير واللاّ عنف وإرادة السلام، وموقف (قابيل) موقف الإرهاب والفساد والترويع .

تطبيقات القصة العملية :
إنّ حالات الصراع بين (الخير والشرّ) .. بين صاحب النعمة والمحروم منها ، بين الشبان والفتيات كثيرة ، ومن ذلك :
قد ينتقم تلميذ من تلميذ آخر لأ نّه متفوّق في فصله ، ولأ نّه يحظى بتقدير واعتزاز معلّميه به ، والحال أن لا داعي للانتقام وترتيب الأثر ، فهذا الطالب المتفوق قد بذل جهده ، وحصل على النتيجة المميزة أو العلامات العالية ، ولو بذل الطالب المنتقم ، أو الراغب بزوال هذه النعمة عن زميله ، جهده وجدّ لوجد ، وحصل على نتيجة مقاربة أو مماثلة أو أكبر منها .
وقد ينقم شاب من شاب آخر لأ نّه حصل أو تعرّف على فتاة طيبة من أسرة كريمة ، وقد وافق أبواها على تزويجها منه ، وكانا قد سبقا أن رفضا طلب يد الشاب الآخر لحسابات وقناعات خاصّة بهما وبابنتهما ، وهنا يحاول الشاب المرفوض أو المصدود أن ينفّس عن صدّه بالانتقام من الشاب المرحَّب به المقبول من تلك الأسرة .
ولو فكّر الشاب الذي يفكّر بالانتقام لرأى أنّ الشاب المقبول لا ذنب له في الأمر ، فهو قد أتى البيتَ من بابه واستُقبل بترحاب واحترام لأ نّهم رأوا فيه المواصفات التي يطلبونها لزوج ابنتهم ، ولم يروها في الآخر ، أو كانت لهم مبرراتهم الأخرى ، لكنّه الحسد أو الحقد الأعمى الذي لا يدع صاحبه يرى بعيني عقله بل بعيني غريزته الهائجة ، وذاته التي يشعر أنّها انتُقصت .
وربّما ينتقم شخص من أحد أصدقائه لأ نّه تقرّب إلى صديق آخر وجد فيه الصحبة الحسنة ، الكريمة ، الصالحة ، والمعشر اللطيف ، وابتعد عنه لأ نّه لم يره كذلك ، فيحاول الانتقام من الشخص المقرّب الذي يعتبره مزاحماً له ، بأن يسيء إلى سمعته ، ويقول فيه قولاً جارحاً ليحمل صديقه الذي جافاه على تركه وهجرانه ، وهو عدوان على إنسان بريء ، كما تلاحظون .
وقد تنقم فتاة من فتاة أخرى ، وربّما كانت صديقتها أو قريبتها أو زميلتها ، لنفس السبب في المثال الأسبق ، خاصة إذا تقدّم شاب لخطبة الأولى ثمّ عدل عنها إلى الثانية ، وهي لا علم لها بالحادثة السابقة على خطبته لها ، فتتجنّى الأولى على الثانية في تشويه صورتها في نظر الخاطب بشكل أو بآخر ، وما ذاك إلاّ لأ نّها ترى في الفتاة الأخرى غريمتها ومنافستها ، وربّما تظنّ ـ تحت تأثير حالة الحسد الشديد ـ أنّها سرقته منها ، وبدلاً من أن تعاتب أو تحاسب الخاطب تعاقب الخطيبة البريئة ، كما عاقب (قابيل) (هابيل) وهو بريء .
فهذه الحالات أو التطبيقات (القابيلية) ـ نسبةً إلى قابيل ـ تصدر من نفوس أعماها الحسد ، وسدّ الحقد منافذ تفكيرها فلا ترى إلاّ ظلمة الانتقام .
وحتى نخرج القصة من إطارها التأريخي ، حيث أنّها وقعت في فجر
البشرية ، لا بدّ من ملاحظة هذه التطبيقات وأمثالها ، ولا بدّ لكلّ شاب وفتاة يقرآن أيّة قصة من قصص القرآن ، خاصة النماذج المتقابلة ، أن يطرحا السؤال التالي :
ـ لو كنتُ أحدهما ، فمن سأكون : قابيل أم هابيل ؟ أو أيّ الموقفين يمكن أن أتخذ ، موقف العنف أم موقف الحوار ؟ وبذلك يمكن أن تختبر شخصيتك فيما إذا كنت تحبّ أهل الخير أو أهل الشرّ .

النموذج الثاني
(إسماعيل (عليه السلام) وكنعان) ـ الطاعة والعصيان

هذان نموذجان قرآنيان متقابلان آخران يقفان على طرفي نقيض وهما : (إسماعيل) (عليه السلام) ابن النبيّ إبراهيم (عليه السلام) و (كنعان) ابن النبيّ نوح (عليه السلام) .

المشهد الأوّل : دعوة للهلاك
في هذا المشهد نرى إبراهيم (عليه السلام) وقد أراد تنفيذ الرؤيا التي رآها في منامه وهو يذبح ابنه ، ورؤيا الأنبياء (عليهم السلام) كما هو معلوم وحي ، فماذا دار بينهما من حوار ؟
إبراهيم (عليه السلام) : (قال يا بُنيّ إنِّي أرى في المنام أنِّي أذبحك فانظر ماذا ترى )( ) .
إسماعيل (عليه السلام) : (قال يا أبت افعل ما تُؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين )( ) .

المشهد الثاني : دعوة للنجاة
وفي مقابل هذا المشهد ، هناك مشهد آخر مغاير تماماً ، نرى فيه نوحاً (عليه السلام) وقد اكتسح الطوفان الأرض يدعو ابنه إلى الركوب في السفينة حتى لا يتعرّض إلى الغرق والهلاك ، فيأبى الابن ويرفض الدعوة متذرعاً بأ نّه قادر على الحصول على النجاة بالصعود إلى قمّة الجبل ، وهذا هو نصّ الحوار :
ـ نوح (عليه السلام) : (ونادى نوحٌ ابنه وكان في معزل يا بُنيّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين )( ) .
ـ كنعان : (قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء )( ) .
ـ نوح (عليه السلام) : (قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلاّ مَنْ رحم )( ) .
ويسدل الستار على المشهد بهذه اللقطة : (وحال بينهما الموج فكان من المغرقين )( ) .
مقارنة بين المشهدين :
1 ـ في المشهد الأوّل دعوة من الأب إلى ابنه لعملية ذبح ، يذبحُ فيها الأب ابنه الحبيب العزيز ، الغلام الحليم ، امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى . وفي المشهد الثاني ، دعوة من الأب إلى ابنه إلى النجاة والحياة .
2 ـ في المشهد الأوّل استجابة فورية ـ من الابن المطيع ـ بلا تردّد لتنفيذ إرادة الله . وفي المشهد الثاني عزوف وإعراض وإشاحة وكلام جاف من قِبل الابن الضالّ .
3 ـ في المشهد الأوّل انقلاب في الموقف حيث ينجو (إسماعيل) الممتثل لطاعة الله سبحانه وتعالى ، بأن يفتديه أبوه بكبش بناء على طلب الله عزّ وجلّ . وفي المشهد الثاني انقلاب في الموقف أيضاً حيث يموت (كنعان) العاصي العاق الذي تصوّر أ نّه في غنى عن السفينة التي تمثلُ النجاة ، وأنّ الجبل سيكفل له السلامة من الغرق ، رغم تحذيرات الأب أنّ النجاة في (السفينة) وليست في (الجبل) لكنّه أصرّ على موقفه المعاند .

دروس القصتين :
1 ـ إسماعيل (عليه السلام) كما يصفه القرآن (غلام حليم) وكان أبوه إبراهيم (عليه السلام) قد طلب من الله أن يرزقه الولد الصالح (ربّ هب لي من الصالحين )( ) فكان ابناً صالحاً وحليماً ومطيعاً لله وبارّاً بأبيه ، وكما هو واضح فإسماعيل نموذج إيجابي للابن البارّ المطيع .
أمّا (كنعان) فقد عبّر عنه القرآن بأ نّه (عملٌ غير صالح) وذلك حينما استوضح نوح (عليه السلام) من ربّه عن سبب هلاك ابنه باعتباره من أهله الذين وعد الله بنجاتهم ، فجاءه النداء : (إنّه ليس من أهلك إنّه عملٌ غيرُ صالح )( ) لأ نّه عاص متكبّر مغرور وعاق لوالده .
ولذا فنحن أمام نموذجين للأبناء : صالح يمثله إسماعيل (عليه السلام) وغير صالح يمثله (كنعان) .
ومعيار الصلاح وعدمه هو (الطاعة لله) و (برّ الوالدين) (( )) .
2 ـ الطاعة في المشهد الأوّل طاعة لله تبارك وتعالى ، وإعانة للأب على هذه الطاعة ، وهي من أجمل وأعظم صور الطاعة ، كما أنّها إطاعة للنبي المأمور من قِبل الله .
والمعصية في المشهد الثاني معصية لله ومعصية للرسول ، فنوح لم يكن أباً لكنعان فقط ، وإنّما رسوله ونبيّهُ ، علاوة على أ نّه عقوق للأب الشفيق الحاني .
3 ـ نتيجة الطاعة في المشهد الأوّل (النجاة) و (النجاح) والمثل الإيجابيّ الخالد .
ونتيجة المعصية في المشهد الثاني (الهلاك) و (الخيبة) والمثل السلبيّ السيِّئ .
4 ـ أبناء المؤمنين الصالحين يجدر بهم أن يكونوا مؤمنين صالحين أيضاً لا بالتبعية والإلحاق ، وإنّما لأ نّهم ينشأون في وسط أسرة صالحة مباركة ، ولذا فالمرجوّ منهم أن يكونوا نواة لمجتمع صالح ، وكلّما احترموا موقع آبائهم في المجتمع فكانوا مثلهم أو أكثر في إيمانهم ونُبل أخلاقهم وصلاح أعمالهم ، كان ذلك أدعى إلى اعتبار الأسرة مثلاً يقتدى .
أمّا أبناء المؤمنين الذين ينحرفون عن خط الصلاح ، فهم يسيئون مرّتين ، مرّةً إلى أنفسهم باختيارهم الطريق الأعوج المنحرف ، ومرّة إلى آبائهم ، فمن عادة الناس أن يقرنوا بين الأبناء وآبائهم .

التطبيقات العملية للقصتين :
الأب الذي يدعو ابنه إلى المساهمة معه في مشروع خيريّ ، أو
كفالة يتيم ، أو إعانة عوائل محتاجة ، أو بناء مدرسة أو مسجد ، فيبذل من ماله وجهده لذلك ، وهو قادر على ذلك ، يقدّم صورة مصغّرة لطاعة إسماعيل لأبيه .
والشاب الذي تقتضيه دواعي الجهاد في سبيل الله أن يستمع إلى دعوة أبيه للتضحية من أجل كرامة أمته وخلاصها من نير الظلم والعدوان ، وتحقيق العدالة للمظلومين ، هو كإسماعيل في استجابته للذبح .
والفتاة التي تدعوها أمّها إلى التزام الستر الشرعي والعفاف ، وأن تكون مثالاً للفتاة النجيبة المحتشمة المحترمة ، فإنّها إنّما تستجيب لنداء ربّها من خلال دعوة أمّها بالانضباط بالضوابط الإيمانية والأخلاقية ، وهي كإسماعيل في استجابته لأمر الله من خلال دعوة أبيه .
أمّا الفتاة المتهتكة التي تسلك في طرق الخلاعة والميوعة وإظهار الزينة والغنج والخضوع في الكلام ، التي تدعوها أمّها إلى ترك هذا الاستهتار وهذا الخوض مع الخائضات في إثارة الفتن بين الشبان ، ثمّ لا تستجيب لندائها فإنّها كابن نوح الذي رفض ركوب سفينة النجاة ، ثمّ ماذا كان مصيره (فكان من المغرقين) .
والشاب الذي يدعوه أبوه للصلاة فلا يصلّي ، وإلى الصيام فيتهرّب منه ، وإلى حضور مجالس الوعظ والإرشاد فيفرّ منها ، وإلى التعاون على البرّ والتقوى فلا يمدّ يداً ولا يقدّم عوناً ، بل يسخر من أبيه لأ نّه دعاه إلى ذلك أو إلى إصلاح عيوبه واجتناب المعاصي والمنكرات ، هو أيضاً مثلُ (كنعان) السادر في غيّه ، قد لا يغرقه موج الطوفان لكنّه سيغرق حتماً في لجج الذنوب والعصيان ، وتيار الظلم والانحراف فيكون من المغرقين .

النموذج الثالث
(زليخا) و (بنتا شعيب) ـ المجون والعفّة

المشهد الأوّل : (زليخا) ـ الدعوة إلى الفحش
يُزاح الستار في هذه القصة عن إمرأة متزوجة وفي قصرها يعيش فتى ربّته منذ أن اشتراه زوجها وراح يزداد مع الأيام حُسناً وبهاءً وذكاءً ووداعةً وخلقاً كريماً (ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين )( ) وهذه الصفات الرائعة تغري النساء بالشبّان الأشداء الذين يجمعون محاسن الجمال الخَلقي ومحاسن الجمال الخُلُقي .
وفي هذا المشهد الفاضح الذي تفوح منه رائحة الغريزة الجنسية نشاهد امرأة العزيز (زليخا) وهي تبادر إلى دعوة (يوسف) (عليه السلام)الشاب الجميل النبيل إلى ممارسة الفحشاء والمنكر (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيتَ لك )( ) .
إنّها تغلق الأبواب لتمنع وتقطع أيّة حالة من حالات الفرار والهروب ، وتغري وترغَب بنفسها على أنّها مستعدّة لممارسة الشهوة المحرّمة مع شاب لا تربطه بها أيّة علاقة شرعية ، فضلاً عن أنّها متزوجة وفي عهدة رجل .
ويفرّ (يوسف) من شباك المعصية المنصوبة له ، فتلحقه وتشقّ قميصه من الخلف لتجرّه أو تعيده ثانية إلى تلك الشباك ، لكنّه لجأ إلى الله فأنقذه منها .
وبعد أن يُسْدَل الستار عند هذه اللقطة ، يُزاح مجدداً عن لقطة مشبوبة أخرى لا تقلّ عهراً وفجورا .
فالنساء اللواتي كنّ يترددن على امرأة العزيز من جيرانها وصويحباتها واللاّئي أنحين عليها باللاّئمة لفعلتها مع (يوسف) دُعين من قبلها ليرينه عن كثب ، فما كان منهنّ حين سقط نظرهنّ عليه إلاّ أن قطّعن أصابعهنّ وهنّ لا يشعرن من شدّة سكرة الانجذاب إلى جماله الخلاّب (فلمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ وقلن حاشا لله ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملكٌ كريم )( ) ورحن يراودنه عن نفسه فآثر السجن على دعوتهنّ إلى اجتراح المنكر واقتراف السيِّئات .
المشهد الثاني : (بنتا شعيب) عفّة واستحياء
الستارةُ هنا تُزاح عن مشهد هادئ لا تفور فيه الغرائز ولا تغلي العواطف ولا تشبّ الشهوات شبوب النار في الهشيم . وإنّما هي أجواء النقاء والصفاء الروحاني ، واللقاء المهذب الذي يتبادل فيه الطرفان آيات الاحترام والتهذيب ، ويراعيان قيم العفّة والإحتشام .
هنا نلاحظ موسى (عليه السلام) وهو الفتى القويّ في بلدة (مدين) وقد رأى فتاتين ترعيان الأغنام وتقفان بانتظار أن يأتي الدور لتسقيا غنمهما ، وقد رأى أنّهما تتحاشيان مزاحمة الرجال والاحتكاك بهم ، وتنتظران انصرافهم حتى يخلو لهما البئر . وهلّموا نستمع إلى ما جرى من حوار .
(ولمّا وردَ ماء مدينَ وجدَ عليهِ أمّة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال : ما خطبكما ؟ قالتا : لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثمّ تولّى إلى الظلِّ )( ) .
ففي هذا المشهد يجري الحوار بأدب جمّ .. موسى (عليه السلام) هو الذي يبادر إلى السؤال لأ نّه رجل غيور يجد أنّ من مسؤوليته أن يقدم خدماته لفتيات عفيفات ، وهو بالفعل قادر على خدمتهنّ من دون أن يضطرهنّ إلى التأخير ، ونرى أن سؤاله لا يخرج عن حدود الأدب ، فهو استفسار واستيضاح عن السبب في عدم السقاية . وجواب الفتاتين لم يخرج أيضاً عن تلك الحدود ، بل ينمّ عن خلق عفيف ، فالسبب المانع هو الخشية من الانحشار بين الرجال الذي يتنافى مع حياء الفتيات وعفّتهنّ ، ثمّ أنّ الذي أخرجهما إلى الرعي والسقي هو أنّ أباهما شيخٌ كبير السنّ لا يقوى على القيام بمهمة الرعي والسقي ، فهما تقومان بذلك اضطراراً ، ولو كان الأب قادراً على ذلك أو يمتلك الابن الذي يقوم بذلك لما خرجتا أو قامتا بعمل لا يمارسه في العادة إلاّ الرجال ، مراعاةً للحشمة وحفاظاً على الستر والعفاف .
وبعد أن يقوم موسى (عليه السلام) بالسقي لهما تنتهي علاقته بهما عند هذا الحدّ فلا يستغرق معهما في أحاديث جانبية بغرض توطيد العلاقة مما قد يفعله بعض الشبان الذين يقدمون خدماتهم للفتيات (فسقى لهما ثمّ تولّى إلى الظلِّ )( ) أي أ نّه تفادى استغلال خدمته لهما لمزيد من الانفتاح عليهما ، كما أ نّهما غادرتا مكان السقي بكامل حيائهما كما جاءتاه بكامل حيائهما .

مقارنة بين المشهدين :
بين مشهد (زليخا) الداعر الذي يتحرّك في أجواء غريزية ساخنة ، ومشهد (بنتي شعيب) الطاهر الذي يدور في فضاء إيماني هادئ ورزين ، يمكن تثبيت نقاط المقارنة التالية :
1 ـ (زليخا) في المشهد الأوّل هي التي تحرّشت بيوسف (عليه السلام) ودعته إلى إطلاق نيران الشهوة ، أي أنّها المحرضة والمشجعة على الإغواء وفعل الزنا . وفي المشهد الثاني لم تطلب (بنتا شعيب) من موسى (عليه السلام)أن يسقي لهما ، مما قد يكون سبباً أو مقدمة للتعارف والانجذاب ، وكما قلنا فالبعض من الشبان قد يستغل وينتهز مثل هذه الفرصة لأغراض أخرى . ومبادرة يوسف (عليه السلام) أتت من منطلق إنساني بحت ، كما لو أ نّك تجد فتاة محتشمة بين مجموعة من الرجال تقف في انتظار شراء شيء ما ، وتقديراً منك لحراجة موقفها كونها الوحيدة بين الشبان والرجال ، تتبرّع أو تتطوّع لخدمتها بنفسك حتى لا تتعرض إلى السوء والأذى .
إنّ حركة الفتاة باتجاه الشاب أو مبادرتها ، هي التي تفتح الأبواب ، وقد يبادر الشاب إلى التحرّش بها أو محاولة التغزّل بها أو استدراجها ، لكنّها بمقدورها أن تغلق الباب بوجهه باعراضها عنه وعدم تجاوبها معه ، وقد ثبت أنّ الفتاة الملتزمة بسترها وعفافها أقل عرضة لمثل هذه الأمور ، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد طلب منها الستر وأن لا تظهر زينتها وأن لا ترقِّق صوتها وأن لا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى ، فلأنّ تلك تشكل عوامل إغراء وإغواء ، فإذا امتنعت عن ذلك ، والشاب من جهته مطالَب بغضّ البصر ، نكون قد صنّا العفاف من الطرفين .
2 ـ المشهد الأوّل يتحرّك في أجواء الخلوة المغلقة المقفلة المنعزلة عن أعين الرقباء ، الأمر الذي يؤجّح الغريزة أكثر ويُطمع الذي في قلبه مرض ، ولولا أن يوسف (عليه السلام) كان يرى أنّ الله رقيب عليه ، لصبا إليهنّ .
أمّا المشهد الثاني فيتحرك في الهواء الطلق وبمرأى من الناس ومسمع ، فليس فيه رائحةُ ريبة أو دواعي فتنة ، وإنّما هو يجري ضمن المتعارف عليه من الأحايث الطبيعية في التعامل ، وهذا هو السبب في تحذير الحديث الشريف من الخلوة بين الجنسين خشية أن يكون الشيطان حاضراً .
3 ـ الحوار في المشهد الأوّل صريح ومكشوف وفاضح ، مما يعبّر عن سقوط رداء الحياء تماماً، وذلك من خلال مفردات (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه ) أي طلبت منه ممارسة الفحشاء علناً (وقالت هيتَ لك ) أي أنّها متأهبة لذلك .
أمّا الحوار في المشهد الثاني فلا يتعدى حدود الحوار المؤدب المهذّب كما لو كان بين شخصين من جنس واحد ، فالسؤال (من موسى) عفيف ، والجواب من (بنتي شعيب) عفيف ، وليس في الحوار زيادات تخرجه عن نطاق العفّة والحياء ، حتى أ نّنا نرى ذلك في المشهد اللاّحق : (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا )( ) .
وكلمة (تمشي على استحياء) تدلّل على أنّ الكلفة لم تُرفع بين الفتاة وبين موسى (عليه السلام) فما زالت ـ رغم التعارف الأوليّ ـ محفوظة مصونة ، والحوار كما كان عفيفاً في البداية بقي عفيفاً حتى النهاية ، فهي لم تلمّح ولم تصرّح برغبتها فيه ، وإنّما نقلت له رسالة مختصرة تفيد أنّ أباها طلبه ليكافئه على فعله .
وحتى حينما أعربت عن الرغبة ، فإنّها تحدّثت بكامل الأدب الأنثوي المغلّف بالحياء الذي لا يتطرق إليه السوء : (قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إنّ خير من استأجرتَ القويّ الأمين )( ) فهي لم تتحدّث عن وسامته وعذوبة كلامه ورقّة إبتسامته ، وإنّما تحدّثت عن (قوّته) و (أمانته) كشرطين أساسين في الرجل المطلوب للزواج اسلامياً ، وكلمة (الأمين) تحمل تعبيراً واضحاً عن عفاف موسى (عليه السلام)واحتشامه واحترامه لمقامه ومقام الفتاة الأجنبية عنه .
تطبيقات عملية :
في واقعنا المعاصر نلمس مصاديق كثيرة لكلا النموذجين ، هناك مَنْ يَشبهن (زليخا) في انفلاتهنّ الأخلاقي وتمزّق رداء الحياء لديهنّ ، وهناك مَنْ يشبهن (بنتي شعيب) في سترهنّ وعفافهنّ وأدبهنّ .
فالتي تعيش في أجواء الاختلاط الحميم سواء في المدارس أو المجالس ، فإنّ ذلك سيوجد أرضية خصبة لنمو أو التهاب الشهوة الجنسية بينها وبين الشبان الذين تجالسهم وتحادثهم وتسامرهم وتلاعبهم خاصة إذا كانت ترتدي من الثياب أفضحها ، وتضع من الزينة ما يرغّبُ فيها ، هي أقرب إلى شخصية (زليخا) .
والتي تخرج متبرّجة كاشفةً عن ذراعيها وساقيها وصدرها وشعرها ، وما يغطي جسدها يصفه في ضيقه وانحساره ، حتى وإن لم تقل بلسان مقالها للشبان اقتربوا منِّي ، أو تحرّشوا بي ، أو هلمّوا انظروا إلى محاسني ومفاتني ، فإنّها تقول ذلك بلسان الحال ، فهي لم تخرج بهذا الشكل الفاضح إلاّ لتوقع الشبان في الفتنة ولتقول لهم ما قالت (زليخا) لـ (يوسف) (هيتَ لك ) وهي إمّا أن تكون مستعدة لممارسة الفحشاء والمنكر ، أو تتسلّى وهي ترى نظرات الشبّان تتطلع إليها ، ورغباتهم المكبوتة تتصاعد كلمات ماجنة على الألسن يرمونها بها .
وتلك التي تلقي بابتساماتها الموحية وغمزاتها المغرية وحركاتها المثيرة ، ولا تحادث زميلها الشاب إلاّ برخيم صوتها ، هي داعية إلى الفحشاء وإن لم تصرّح بها ، ومثيرة للفتنة حتى وإن لم تفصح عن مراميها ، وقد تدفع الشبان إلى ممارسة المنكرات لإطفاء حريق الشهوة الذي خلّفته وراءها .. إنّها أخت (زليخا) وإن لم تمارس فعل الفحشاء بطريقة عملية .
والذين يُبيحون للمعلمين الخصوصيين من الرجال أن يدرّسوا بناتهم خلف أبواب مغلقة ، ويترددوا يومياً لساعة أو ساعتين ، يفسحون المجال لما هو ممنوع أن يتنفّس ، وقد أحدثت مثل هذه اللقاءات الثنائية المنعزلة نتائج مؤسفة .
كما أنّ تردد أصدقاء الأسرة من الشبان والرجال ، أو إرسال العامل الذي يشتغل لدى والد الفتاة إلى بيته ليجلب له شيئاً من هناك ، كلّ ذلك يساعد على فتح أبواب تلك البيوت على المحرّمات التي قد يستعصي غلقها لاحقاً .
وفي قبال هذه الصور المؤسفة لا تعدم أن تجد أمثلة وصوراً حيّة لأخوات أو مثيلات (بنتي شعيب) في المجتمع . فالتي ترفض اللقاء بالغرباء والأجانب والمحارم في الخلوات ، والتي لا تلتقي شاباً أو رجلاً إلاّ بحضور أبيها أو أمّها أو أخيها ، تراعي الستر وتصون العفاف ، وتحولُ دون تلاعب الشيطان بها أو بالزائر الذي قد تحدّثه نفسه بالسوء .
والتي ترفض الاختلاء بزميلها في غرفة الدرس ، أو زاوية من حديقة الجامعة ، أو منتزه المدينة ، أو بعيداً عن الأعين في رحلة مدرسية ، إنّما تحتاط لعفّتها ولعفّة الشاب أيضاً .
والتي إذا تحدّثت مع الجنس الآخر لا تتحدّث بنعومة وميوعة ودلع وغنج ، وإنّما بلغة ملؤها التهذيب والاحترام ، والاقتصار على مقدار الحاجة والضرورة سواء في الهاتف أو في مقهى الانترنيت أو في اللقاء المباشر ، هي كابنة شعيب تتعامل باستحياء .
والتي لا تسمح لخطيبها الذي لم يعقد عليها بعد أن يقربها أو يلمسها أو يقبّلها أو يغازلها ، حتى وإن أراد ذلك بذريعة اختبارها ، فهي لم تصبح زوجته بعد ، أمّا إذا جرى العقد الشرعيّ الصحيح بينهما فلا إشكال ، هذه أيضاً كبنت شعيب التي أثنى الله على موقفها مع موسى (عليه السلام) فلقد تعاملت معه على استحياء حتى أصبحت زوجة له .

النموذج الرابع
(فتية الكهف وثمود)
إعتزال الانحراف والانخراط فيه

المشهد الأوّل :
(ثمود) هم قوم النبي صالح (عليه السلام) أمرهم الله أن يتركوا الناقة تشرب الماء يوماً ويشربوا هم يوماً آخر ، لكنهم عصوه فعقروها ، أي ذبحوها ظلماً وعدواناً ، وهذا ما حدّثنا القرآن عنه (قال هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسّوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إنّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين )( ) .

المشهد الثاني :
في مكان ما ، كان هناك حاكم وشعبه يعبدون الأوثان ، وكان الحاكم يجبر الناس على عبادة تلك الأوثان ، غير أن ثلّة من الفتية المؤمنين رفضوا ذلك ، ولأنّ الحاكم جائر ويبطش بمن لا يطيعه ، طلبوا من الله أن يوفر لهم مكاناً يعتزلون فيه من أجل أن يبحثوا هناك عن مخرج للمأزق الذي هم فيه ، فأرشدهم إلى الكهف ، لكن إرادة الله اقتضت أن يناموا هناك نومة استثنائية طويلة إلى أن تغيّر النظام وجاء حاكم ونظام آخر .
وخلاصة هذه القصة تستعرضه لنا الآيتان التاليتان : (نحن نقصُّ عليك نبأهم بالحقّ إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدىً * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربّنا ربّ السّموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططاً )( ) .

المقارنة بين المشهدين :
1 ـ في المشهد الأوّل قائد صالح ومؤمن ونبيّ لا يأمر قومه إلاّ بما أمره الله به ، وبالتالي فهو لا يريد لهم إلاّ الخير والصلاح . وفي المشهد الثاني حاكم ظالم متجبّر يأمر قومه بالكفر والضلال والشرك وعبادة الأصنام .
2 ـ في المشهد الأوّل أمّة من الناس تعصي أمر نبيّها وهو أمر الله ، وفي المشهد الثاني أمّة من الناس تطيع حاكمها المشرك رغم أنّ فيه معصية كبرى لله .
3 ـ في المشهد الأوّل يتجاوب الناس لعقر الناقة بين مَنْ أعدّ العدّة وبين مَنْ نفّذ وبين مَنْ رأى المنكر وسكت ، فعمّهم الله بالعذاب . وفي المشهد الثاني لم يشكّل الجو العام الضاغط مبرراً لطائفة من الشبان المؤمنين أن ينخرطوا في الجماعة المشركة ، فكتب الله لهم النجاة من القوم الظالمين .
4 ـ لقد وصف الله الجماعة المنحرفة من قوم صالح (ثمود) في قوله تعالى : (وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى )( )ووصف الثلة المؤمنة من الفتيان (أهل الكهف) بقوله : (إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى )( ) . والفارق واضح : هناك إيثار (العمى) على (الهدى) وهنا (إيمان) وزيادة في (الهدى) .
5 ـ الناس ـ في المشهد الثاني ـ أطاعوا الحاكم المشرك الظالم ورضوا بعمله في سكوتهم عليه واستجابتهم لعبادة الأصنام ، إلاّ (أهل الكهف) من الفتية الذين وحّدوا الله ورفضوا عبادة غيره ، أي أ نّهم لم يستسلموا للتيار بل سبحوا ضدّه ، وأمّا الناس في المشهد الأوّل فبالعكس فقد انساقوا جميعاً مع التيار فحتى الذي لم يشترك في عقر الناقة ، ساهم برضاه مما جعل تبعة هذا العمل المنكر مشتركة ، ففي الحديث : «إنّما يجمع الناس الرضا والسخط ، وإنّما عقر ناقة ثمود رجلٌ واحد فعمّهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا» . وفي الحديث أيضاً : «الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم ، وعلى كلّ داخل في باطل إثمان : إثم العمل به وإثم الرضا عنه» .
من هنا ، يمكننا أن نلخّص الفوارق في :
ـ هناك (في قصة ثمود) التحام بالجماعة التي تمارس المنكر .
وهنا (في قصة أصحاب الكهف) انفصام وانفصال عن مجتمع المنكر .
ـ هناك عقلٌ جمعي يتحكّم بالإرادات فيشلّها فتتحرك من دون وعي أو مناقشة للقرارات المصيرية الخطيرة .
وهنا عقل منفتح وارادة مستقلة تأبى أن تكون كأفراد في قطيع .
ـ هناك كفر وضلال يتحرك بمنطق العنف والتصفية والمناصرة على الظلم .
وهنا إيمان عميق يدعو إلى التعقّل ونبذ عبادة غير الله الواحد الأحد .
التطبيقات العملية :
من التطبيقات العملية للنموذج الأوّل (ثمود) هم (الإمّعيون) أو (الخائضون مع الخائضين) المنخرطون مع الجوقة .. الناعقون مع كلّ ناعق ، أو الأكثرية الصامتة ، أو سمّهم ما شئت .
فأنت قد تلتقي بشبان وفتيات يفتقدون السيادة والاستقلال تماماً ، وإذا سألتهم : لِمَ تفعلون ذلك فتهدرون كراماتكم وتهمّشون شخصياتكم ؟
قالوا : نحن جزء من الجماعة ولا نريد أن نشذّ عنها ، بقطع النظر عن أن فعل جماعتهم صحيح أو خطأ ، حق أو باطل ، معروف أو منكر ، وهذا هو التعصب المقيت الكثير الشبه بقوم ثمود الذين يتضامنون في ارتكاب المنكرات .
ومن التطبيقات العملية للصنف الثاني ما تراه من إيمان ووعي الشبان والفتيات الذين لا يجرفهم التيار مهما كان عنيفاً ، فلقد اختطوا طريقهم وعرفوا ما هو الخطأ وما هو الصواب ، فحتى لو كان المجتمع متفسخاً ظالماً فاسداً فإنّهم لا يجدون ذلك مبرراً في الانحلال والاستغلال والظلم والفساد ، وهؤلاء كأعمدة النور في الشوارع المظلمة ، لولاهم ، ولولا جهادهم وصبرهم ، ولولا وعيهم وإيمانهم ، لولا صرخاتهم من أجل الحق ، وتصرفاتهم الدالة على الاستقامة ، لكنّا نتخبّط في الظلام .
وقد يخطئ مَنْ يقول ما قيمتي ؟ ما أثري ؟ ما أنا إلاّ بصيص نور في محيط مظلم ، وينسى أن بصيصاً هنا وبصيصاً هناك يمكن أن يحدثا ثقوباً في جدار الظلام ، وأن ظلام العالم كلّه لا يستطيع أن يطفئ نور شمعة واحدة .
بقي أن نقول إن (فتية الكهف) لم يعتزلوا الواقع هروباً من المسؤولية ، وإنّما بحثا عن حلّ أو مخرج للتعامل مع الواقع المشرك الذي أراد لهم أن يكونوا لبنة في بنائه ، وأرادوا أن يبنوا بنيانهم الذي يقوم على توحيد الله وطاعته .

النموذج الخامس
(صاحب الجنّتين والمُعدَم)
قيمة المال وقيمة الإيمان

في هذا العرض نلتقي بالنموذجين في مشهد حواريّ واحد .
فهناك الثريّ المترف صاحب المال والأراضي الزراعية الشاسعة والأولاد والجاه والأبّهة . وهناك الفقير المعدم الذي لا يمتلك من ذلك شيئاً ، لكنّه يملك ما هو أثمن وأغنى وأدوم ، وهو إيمانه بالله وفضله وعظمته .
يقول تعالى في تصوير الشخصيتين : (واضرب لهم مثلاً رجلين جعلنا لأحدهما جنّتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعاً * كلتا الجنّتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً وفجّرنا خلالهما نهراً * وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعزُّ نفراً * ودخل جنّته وهو ظالم لنفسه قال ما أظنُّ أن تبيد هذه أبداً * وما أظنُّ الساعة قائمة ولئن رُددت إلى ربِّي لأجدنّ خيراً منها منقلباً * قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلاً * لكنّا هو الله ربِّي ولا أشرك بربِّي أحداً * ولولا إذ دخلت جنّتك قلت ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله إن ترن أنا أقلّ منك مالاً وولداً * فعسى ربِّي أن يؤتين خيراً من جنّتك ويرسل عليها حسباناً من السّماء فتصبح صعيداً زلقاً )( ) .

مقارنة بين الشخصيتين :
المشهد الحواري السابق بين صاحب الثروة المادية العريضة وبين صاحب الإيمان العميق بالله يكشف عن هويّة كلّ منهما وإن كنّا نجهل أسماءهما ، لأنّ القرآن لم يذكر ذلك ، وهو ليس بالمهم ، فالمهم فحوى القصة ومضمون الحوار وقيمة النموذج .
1 ـ صاحب الجنّتين يرى أنّ ملكه نعيم خالد لا يزول . والمؤمن المعدم يرى أنّ هذا الملك ـ مهما كان عريضاً ـ فهو عرضة للزوال في أيّة لحظة(( )) .
2 ـ صاحب الجنّتين يرى أنّ قيمته في كثرة ما لديه من ثروات وبنين . والمؤمن المعدم يرى أن قيمته فيما يؤمن به .
3 ـ صاحب الجنّتين يرى أنّ الله سيتفضّل عليه بالآخرة أيضاً كما تفضّل عليه في الدنيا كجزء من غروره وخيلائه وتصوّره أنّ الله يحبّه لذاته ويكرمه لأجل سواد عينيه . والمؤمن المعدم يرى أنّ عطاء الله للمؤمنين وما ادخره لهم من جنّات النعيم ومُلك لا يبلى ، سيكون أوسع وأفضل وأدوم من عطائه للأثرياء في الحياة الدنيا .
4 ـ صاحب الجنّتين لا يؤمن أنّ هناك قوّة أقوى من قوّته يمكن أن تدمّر ما يملك حتى ولو كان الفيضان ، فيما يرى الفقير المؤمن أنّ دوام الحال من المحال ، وأنّ جنّات الأرض مهما كانت غنّاء عامرة يمكن أن تصبح خاوية على عروشها في فيضان أو حريق يأتي عليها فيجعلها قاعاً صفصفا ، لأ نّها لا تملك صفة الدوام ، فهي كصاحبها فانية (كلّ مَنْ عليها فان * ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام )( ) .

التطبيقات العملية :
إنّ لصاحب الجنّتين في الحياة أشباهاً ونظائر ، فقد تلتقي بأناس أثرياء يخلدون إلى ثرواتهم ويركنون إليها كمن يستند إلى ركن وثيق . فلا يعرفون فضل الله عليهم ولا يذكرونه ولا يشكرونه وكأنّ ما لديهم من صنع يديهم وقولهم كما قال (قارون) صاحب الثراء الفاحش (إنّما أُوتيته على علم عندي )( ) .
وقد تلتقي بأثرياء في أرصدتهم وعقاراتهم وممتلكاتهم ولكنّهم فقراء في نفوسهم ، بخلاء في عطائهم ، ضعفاء في إيمانهم وإلتزامهم ، وهم يتصورون أ نّهم في بروج مشيّدة لا يدركهم الموت .
وتلتقي بفئة ثالثة تنظر إلى مَنْ هو أدنى مستوى منها نظرة ازدراء واستصغار حتى ولو كان أكبر منهم في مقامه الإيماني والعمليّ والجهاديّ والعلميّ ، لأ نّهم يعتبرون ما يملكونه أعظم من الإيمان والعلم والعمل والجهاد .
وفي مقابل هذه النماذج الحياتية ، ترى :
أناساً فقراء لا يملكون من طعام الدنيا شيئاً لكنهم أغنياء من التعفّف ، وكلّهم ثقة وأمل وإيمان أن عطاء الدنيا ـ مهما كان كبيراً ـ فهو لا يساوي شيئاً في موازاة عطاء الآخرة ، فللآخرة يعملون ، ولا ينسون نصيبهم من الدنيا .
وهاتان الصورتان (صورة الثري صاحب الجنّتين) و (صورة المؤمن الفقير المعدم) لهما انعكاسات في التعامل الاجتماعي ، فبعض الناس يحترمون صاحب الثروة ويقدّرونه أكثر من تقديرهم للمؤمن العامل ، فتراهم يفسحون له في مجالسهم ، ويقومون له اكباراً واجلالاً وإذا خطب ابنة أحدهم هرعوا لتزويجها من ابنه ، وإذا طلب منهم خدمة تهافتوا أو سارعوا لقضائها ، ولا يفعلون ذلك مع المؤمنين المعدمين إلاّ نادراً ، الأمر الذي يعني أنّ النموذجين المذكورين في الآيات الكريمة ما زالا يعيشان في مجتمعاتنا ، وإنّ صورة صاحب الجنّتين هي التي تخطف الأبصار رغم أنّ المال لا يشكّل قيمة داخلية تعبّر عن إنسانية الانسان وعلمه وخلقه وسجاياه .



النموذج السادس
(زوجتا نوح ولوط وشخصيتا آسية ومريم)
الخائنات والمؤمنات

العينة الأُولى :
إثنتان من زوجات الأنبياء (عليهم السلام) وهما : زوجة نوح وزوجة لوط ، فرغم أ نّهما كانتا في كنف زوجين نبيّين ، لكنهما آثرتا الانسياق مع تيار المجتمع الفاسد المنحرف الذي يقف في الجهة المضادّة لدعوة زوجيهما المؤمنين الصالحين .
إمرأتان عدوتان لزوجيهما تعيشان في بيوتهما وتناصران أعداءهما عليهما ، فأيّ موقف خيانيّ أشدّ وطأ من أن تقف شريكة الحياة في صف الأعداء لمحاربة زوجها ونبيها ومؤتمنها على بيته وعرضه وأولاده ، فعدوّ الداخل أشدّ خطورة من عدوّ الخارج ، ولذا اعتبر ظلمُ ذوي القربى أشدّ مضاضة .
يقول تعالى : (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين )( ) .

العينة الثانية :
امرأتان صالحتان ، إحداهما زوجة لطاغية مجرم مستكبر يذبّح الأبناء ويستحيي النساء ، إنّها (آسية بنت مزاحم) المرأة المؤمنة الفاضلة العاقلة التي اعتبرها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدة من أربع نساء هنّ أكمل نساء الدنيا ، ورغم أنّها كانت تعيش في بحبوحة النعيم ، لكنّها لم تستسلم لنعيم القصر الفرعوني ، وآثرت جنّة الله وقربه (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنّة ونجِّني من فرعون وعمله ونجِّني من القوم الظالمين )( ) .
وأمّا المرأة الثانية فهي (مريم بنت عمران) المرأة العفيفة الشريفة التي كانت سيرتها الصالحة في قومها أنقى من الماء الزلال حتى أ نّهم كانوا يضربون المثل بعفّتها وتبتّلها وعبادتها وسيرتها الحسنة العطرة ، فكانت المثل الأعلى لنساء جيلها وللنساء على امتداد الأجيال ، فهي لم تلوّث سمعتها بوحل السوء والفحشاء (أحصنت فرجها) وبقيت تعيش الطهر والعفّة التي يحبّها الله للفتيات وللشبّان على السواء .

مقارنة بين العينتين :
1 ـ العينة الأولى (امرأة نوح وامرأة لوط) لم تنتفعا من الغنيمة الكبرى التي كانت تتحرك في بيوتهما ، فرغم أن زوجة النبيّ يفترض أن تكون داخل مدرسة الأخلاق والالتزام والتقوى والصلاح ، وتمثل القدوة لنساء جيلها ، إلاّ أ نّهما كانتا على العكس تماماً ، فهما كذاك العطشان القريب من النهر ولا يريد الإرتواء منه وإنّما يفضّل أن يشرب من المستنقع !
أمّا العينة الثانية (آسية ومريم) فهما ورغم الإمكانية الدنيوية للحصول على المتع والملذّات والمباهج والمسرّات ، لكنهما آثرتا الحصول على ما هو أكبر وأبهج وأدوم وهو نعيم الآخرة والفوز برضوان الله وهو أعظم النعيم .
2 ـ العينة الأولى جاهلة متعنّتة لا تعرف الطريق الصحيح ولا قيمة الإيمان والصلاح والأمانة ، ولذا راحتا تحاربان ذلك كلّه استجابة لجهل مستحكم وتيار جارف ، فكانتا كمعصوب العينين لا تريان سوى ظلمة تمرّدهما وعنادهما وعصيانهما .
أمّا العينة الثانية ، فهي عينة عالمة وعاقلة وعارفة تماماً ماذا تريد ؟
وماذا يُراد منها ؟ حتى ولو كان المجتمع كلّه فاسقاً منحرفاً ظالماً عاصياً ، فهما تدركان أنّ المسؤولية أمام الله مسؤولية فردية (وقفوهم إنّهم مسؤولون )( ) .
3 ـ العينة الأولى عينة الخائنات اللواتي لا يحفظن للزوجية الصالحة حقوقها ، ولا يؤدين الأمانة إلى أصحابها ، فبدلاً من أن يكن عوناً وعضداً لأزواجهنّ الصالحين كنّ عوناً عليهم ، مما أفسد حياتهنّ وحياة أبنائهنّ . وقد مرّ بنا كيف أن ابن نوح (كنعان) قد ساير مجتمعه الفاسد الضال نتيجة ضلال أمّه وفسادها فكانا من المغرقين .
أمّا العينة الثانية ، فهي عينة الأمينات على رسالتهنّ وإيمانهنّ وإخلاصهنّ لله ، والصدق في التعامل معه ، والأمينات على العفّة والطاعة ، وتفضيل ما عند الله على ما عند سواه .

تطبيقات عملية :
لا بدّ من التقاط الدروس والعبر التي تتضمنها العينتان ، فالبيئة ليست كلّ شيء في التربية ، فهناك عوامل أخرى تؤثر على سيرة وسلوك وموقف الانسان ، فلا يكفي العيش في بيت ليتحول سكّان ذلك البيت إلى أنبياء أو صلحاء ، فالتنشئة الأولى والمحيط الاجتماعي الضاغط باتجاه الانحراف قد تجعل الانسان يميل إلى الكفر ويصارع الإيمان .
فعلى صعيد الواقع الذي نحياه ، نرى أنّ بعض أبناء وزوجات المؤمنين الصالحين يقفون في صف أعدائهم ، حتى انّهم يتجسسون عليهم لصالح أنظمة الجور وربّما كانوا السبب في قتلهم على أيدي الطغاة ، وهي خيانة عظمى تشبه خيانة امرأة لوط وامرأة نوح لزوجيهما .
وعلى العكس من ذلك ، فإنّ القرب من أعداء الله والعصاة والطغاة لا يمثل سبباً لمجاراتهم والإقتداء بهم والعمل وفق ما يخططون ، فإنّ الإقتران بعلاقة زوجية أو نسبية لا يعطي مبرراً للانحراف والانسياق مع الأهواء الضالّة المُضلّة .
ولعلّك اطلعت على شبّان وفتيات عاشوا في بيوت منحرفة ، حيث الأب سكّير يعاقر الخمرة ولا يصلّي ولا يصوم ويجترح السيِّئات والمنكرات جهاراً نهاراً ، والأمّ ساهية لاهية أو مغلوب على أمرها ، وقد تعيش الانحراف في التبرّج والتغنّج ، لكنّك ترى أبناءً ملتزمين وفتيات محتشمات لا يقرّون آباءهم وأمّهاتهم على ما هم عليه من ضلال ، ومرجع ذلك إلى تقدير واع ودقيق لخطورة ما يقوم به الآباء والأمّهات مما يجعل الأبناء والبنات ينفرون من ذلك ويقرفون منه ويهربون إلى الله لينجيهم من عمل آبائهم وأمّهاتهم ، وهؤلاء كآسية التي عاشت في البيت المنحرف ولم تنحرف(( )) .
ولا يخفى أنّ موقع الفتاة أو الشاب في البيت المؤمن والأسرة الصالحة له خصوصيته ، فالناس ـ كما قلنا ـ ينظرون إلى البيت والأسرة ككل مكتمل ، ولا ينظرون إلى أفراده كلاًّ على انفراد ، فانحراف أيّ عضو فيه سيصيب بالأذى أعضاءه الآخرين ، وكما أنّ نساء النبي لسن كأحد من النساء لموقعهنّ الخاص من النبي ومن المجتمع ، فكذلك نساء وبنات وأولاد المؤمنين العاملين الصالحين .
فقد ترى بعض بنات وأبناء وزوجات العلماء والعاملين والدعاة والقياديين والمسؤولين ، سبّة على آبائهم ، ومع ان (نوحاً) (عليه السلام)لا يتحمّل وزر عمل ابنه فكذلك المؤمنون الذين لا يتحملون وزر أعمال أبنائهم المنحرفين إلاّ بقدر تقصيرهم في تربيتهم ، لكننا نؤكد أنّ بعض الآباء الصالحين والأمّهات الصالحات قد يطمئنون إلى أنّ صلاحهم لوحده كاف في أن يجعل أسرهم صالحة فلا يبذلون الجهد المطلوب لإصلاحهم وبنائهم وتربيتهم تربية حسنة ، فصلاح الأبناء والبنات ليس انعكاسياً أو تلقائياً أو عفوياً أو بالتبعيّة ، وإنّما هو جهد يُبذل وثقافة تُحمل ، وتربية تتواصل .

استخـلاصات :
بعد هذه الجولة في قصص القرآن والنماذج المتقابلة نخلص إلى :
1 ـ إنّ النماذج الخيّرة لا تنمو في الفراغ ، وإنّما تنطلق من قاعدة فكرية وإيمانية وروحية متينة ، ولذا فإنّ من سماتها الاستقرار والتماسك والثبات على المبدأ .
2 ـ إنّ النماذج الشريرة تتحرك بايحاءات الجهل والغريزة وضغط التيار ولذا فهي رجراجة ، متأرجحة ، متذبذبة ، حيثما مالت الريح تميلُ .
3 ـ النماذج الخيِّرة مُحبّة ، عطوفة ، مسامحة ، وادعة تتحسس الخير في داخلها وتنشره على مَنْ حولها ، شأنها شأن الورود العطرة .
4 ـ النماذج الشريرة ، قاسية ، فظّة ، عدوانية ، متكبرة ، تجرح مشاعر الناس وتؤلمهم وتتعبهم فهم كإبر الشوك .
5 ـ البيئة ليست وحدها المسؤولة عن بناء شخصية الانسان ، فبإمكانه أن يتمرّد عليها ، وأن لا يكون جزءاً من المحيط المنحرف الضال الفاسد الشرير .
6 ـ العناصر الخيرة ذات علاقة وطيدة بالله سبحانه وتعالى ، تحبه وتطيعه وتلجأ إليه في مواقف الضعف لينجيها من مخالب الإغراء والعنف ، على خلاف العناصر الشريرة التي قطعت حبال الوصل مع الله ووضعت يدها بيد الشيطان .
7 ـ الانسان موقف .. قل لي أيَّ موقف وقفت أقل لك مَنْ أنت ! وأبطال القصص القرآنية شواهد شاخصة ـ الخيِّرة منها والشريرة ـ على أن قيمة الانسان بقيمة موقفه .
8 ـ قصص الخيِّرين تفتح القلوب على الخير ، والعقول على المعرفة ، والروح على حبّ الله ، والحياة على الانسانية السمحاء ، ولذا ندعو إلى قراءة المزيد منها سواء في القرآن أو في الكتب الأخرى ، لأ نّها جزء أساس من ثقافتنا التربوية التي تساهم في صياغة شخصيات شباننا وفتياتنا ليكونوا نماذج أخرى ليوسف ، وإسماعيل ، وآسية ، ومريم ، وموسى ، وبنتي شعيب