منتديات صوت القرآن الحكيم

هذا الموقع متخصص بالصوتيات والمرئيات وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب , انضم الآن و احصل على فرصة متابعة أَناشيد جديدة و خلفيات إسلامية و المصحف المعلم للأَطفال والعديد من تلاوات القرآن الكريم لمشاهير القراء.



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 18 من 18
Like Tree0Likes

الموضوع: سلسلة اخلاق وقيم

  1. #1
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي سلسلة اخلاق وقيم







    إطعام الطعام من أخلاق الإسلام

    شاع فى السنوات الأخيرة فكرة (مائدة الرحمن) و (بنك الطعام) ، فما رأى الإٍسلام فى هذا ؟

    والجواب :

    لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بسد فجوة الجوع ، ووصف المتقين بهذه الصفة فقال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}(1)، وذم ربنا صنفًا من الناس يحتجون بالقدر كي لا ينفقوا في سبيل الله ويطعموا الفقراء، فقال في شأنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}(2) وأمر سبحانه أهل مكة بعبادته، وامتن عليهم بأنه أطعمهم بعد جوع، فقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ}(3).
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»(4) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإطعام الجائع على رأس خصال الخير، فقال صلى الله عليه وسلم: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني»(5).
    والطعام من الضرورات الإنسانية الأساسية، والضرورة يعرفها الفقهاء المسلمون بأنها: ما لم يتناولها الإنسان هلك أو قارب على الهلاك، وأدون منها الحاجة، وهي إذا لم يتناولها الإنسان أصابته مشقة، ثم يذكرون بعد ذلك ثلاث مراتب وهي: المنفعة، والزينة، والفضول؛ فالمنفعة: تجري بها عادة الناس، وليس لها علاقة بضرورة الإنسان في بقائه حيًّا أو مشقته أثناء الحياة، والزينة أعلى من ذلك، أما الفضول: فهو بوابة الإسراف المنهي عنه، فهو في ذاته مباح، ولكن يمكن أن ينهى عنه إذا دخل في حد الإسراف.
    وهذا التقسيم التفصيلي الذي نراه عند الفقهاء المسلمين لم أره عند علماء العلوم الاجتماعية والإنسانية؛ حيث يسمون الضرورة بالحاجة الحرجة، ويسمون الحاجة بكلمة الحاجة أيضًا، ويقصدون بالحاجة الحرجة: الطعام، وترى هذا في علوم الغذاء والتغذية، ويقصدون بالحاجة كل ما يحتاجه الإنسان من مسكن وكساء وغيرها، ولعل تقسيم الفقهاء يزيد من دراسة المشكلة الاقتصادية عند الاقتصاديين؛ حيث يعرفونها بأنها: كثرة الحاجات مع قلة وسائل الإشباع نسبيًّا، وعدم التفصيل بين الضرورة والحاجة بهذا الشأن ولد خلطًا في تصنيف الغرائز حيث سموها بالحاجة، وعاملوها وكأنها ضرورة مرة، وأنها غير ضرورية مرة أخرى.
    ومفهوم الطعام عند المسلمين في تراثهم يتمثل في: القوت، والفاكهة، والإصلاح، والدواء؛ ويقصد بالقوت: ما يحتاج إليه الإنسان ليقوم جسمه من غير مرض، ومثلوا له بالبلح والعنب والحبوب كالقمح، والشعير، والفول، والذرة. ويقصد بالفاكهة: الخضروات والفواكه بمفهومها الزراعي في عصرنا هذا، والإصلاح ويقصد به: الملح والبهارات ونحوها، وهي تصلح الطعام وتجعله أكثر استساغة حتى يقبل عليه الإنسان. والدواء: ما يؤخذ للعلاج، والماء والسوائل تدخل في مفهوم الطعام أيضًا؛ لأنها تؤخذ عن طريق الفم الذي يقوم بالطعم، ولذلك فإنني أرى أن بنك الدواء ينبغي أن يكون جزءًا من المشروع، ولكن بعد استيفاء شروط التعامل مع الدواء حيث إن التعامل معه له شروط تفوق التعامل مع سائر الطعام.
    والطعام وهو أحد الأساسيات الثلاثة للإنسان، وفتح بنك له هو أول خطوة في المشروع الأكبر الذي يشمل الكساء، ثم السكنى، والذي يقضي حينئذ على ظاهرة أولاد الشوارع التي ملأت العالم وبدأت تسري عندنا، والتي هي سبة في جبين البشرية؛ خاصة من دان بالإسلام "دين الرحمة والتكافل".
    والطعام هو أساس حساب احتياجات الإنسان؛ حيث إنه يمثل 40% من الدخل غالبًا في أي مستوى من المستويات الثلاث وهي: مستوى الكفاف، ومستوى الكفاية، ومستوى الكفاءة، وهذه مستويات المعيشة الثلاث لها علاقة بتحديد مستحق الزكاة، فالزكاة تعطى لمن هو دون مستوى الكفاف حتى يصل إلى مستوى الكفاية، ويمكن تحويل هذا النظر في أرقام تختلف قطعًا باختلاف البلد، وباختلاف الأزمان، وباختلاف الأعراف السائرة بين الناس.
    فمستوى الكفاف: هو ذلك القدر الذي يقوم به الإنسان بحاجاته الأساسية، والطعام هو البداية؛ لأنه على مستوى الضرورة، ويحسب ذلك طبقًا لعلم التغذية بحاجة الإنسان بالسعرات الحرارية، وبشكل يتكون فيه الطعام اليومي في صورة وجبات ثلاث أو أربع، ومن المجموعات الغذائية المختلفة من نشويات وبروتينات وسكريات وفيتامينات وأملاح ومعادن ونحوها من المجموعات التي تراعى عند تكوين الطعام حتى لا يصاب الإنسان بالأمراض.
    فالبالغ من الرجال يحتاج نحو 3 آلاف سعر حراري يوميًّا، ومن النساء نحو ألفي سعر، والطفل يحتاج 1500 سعر في تفاصيل وجداول في علم التغذية، والسعر الحراري هو مقدار الطاقة اللازمة لرفع 1جم ماء مقطر من درجة حرارة 13.5ْ (درجة مئوية) إلى 14.5ْ (درجة مئوية)، ولكل نوع من أنواع الطعام قدر من السعرات الحرارية تحسب بواقع وحدة 100جم، تمد الجسم بهذه الاحتياجات.
    ويمكن للوجبة الرخيصة أو المتوسطة أو الغالية أن تحدد تكلفة الطعام اليومي للفرد، وللأسرة النووية (وهي الأسرة التي تتكون من زوج وزوجة وطفل) فإذا زادت الأسرة في عددها فبحسابه.
    وفي بعض البلدان تكون تكلفة السكن مرتفعة؛ بحيث إنها تحسب سنويًّا لحالها دون أن تدخل في هذه المعادلة.
    أما حد الكفاية، فيضاف إلى ما سبق مسألة التعليم، ومسألة العلاج، ومسألة الأمن الاجتماعي، ومسألة الأنشطة من رياضة، وفنون وآداب.
    أما حد الكفاءة فيضاف إلى ما سبق بناء ملكات والتدريب عليها؛ كإتقان اللغات والرياضة الترفيهية والمشاركة الاجتماعية والسياسية، ذلك ونحن نعطي من الزكاة من كان في حد الكفاف حتى نصل به إلى حد الكفاية، ونعطي أعلى حد الكفاية حتى يصل إلى حد الكفاءة من الصدقة؛ حيث إن الزكاة لا تجوز لغني، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ، أما الصدقة فتجوز للغني.
    ولقد وضعت الأمم المتحدة وهيئات الغذاء والأدوية العالمية دراسات حول كل ذلك، أرجو أن تدخل في تدريس مناهج الزكاة عند المسلمين؛ لفهم كلام التراث الإسلامي بعمق، وحتى نرى كيف أن هذه الحضارة التي بنيت على ذلك الدين كانت حضارة إنسانية راقية، ونأمل أن تستمر على ذلك، وما ذلك على الله ببعيد.




    الهوامش:
    -----------------------
    (1) الآية 8 من سورة الإنسان.
    (2) الآية 47 من سورة يس.
    (3) الآيتان 3، 4 من سورة قريش.
    (4) أخرجه ابن ماجه في كتاب «الأطعمة» باب «إطعام الطعام» حديث (3251)، والدارمي في كتاب «الصلاة» باب «فضل صلاة الليل» حديث (1460)، وفي كتاب «الاستئذان» باب «في إفشاء السلام» حديث (2632)، والحاكم في «المستدرك» (3/ 14) حديث (4283) وصححه من حديث عبدالله بن سلام رضي الله عنه.
    (5) أخرجه البخاري في كتاب «الأطعمة» باب «قول الله تعالى: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ }» حديث (5373)، وفي كتاب «المرضى» باب «وجوب عيادة المريض» حديث (5649) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .


    يكفيه ان البدر يخسف نوره _ لكنّ نور محمد لن يخسفا








  2. #2
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم

    الأخلاق المحمدية

    ما المقصود بالأخلاق المحمدية التى كثيرا ما نسمعها من علماء الدين ورجال التصوف ؟

    والجواب :

    الأخلاق الفاضلة هي أثر الإيمان الصحيح والإسلام الصادق، فهي برهان الإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقدر، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الأسوة الحسنة في كل خلق فاضل، وأرشد ربنا المسلمين لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل أخلاقه، فقال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(1) وكان ذلك الحث من الله لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النموذج الأعلى والأكمل للأخلاق الفاضلة وقد أثنى الله على كمال أخلاقه فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(2)، وكما أخبر هو بنفسه صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(3).
    وسوف نتكلم عن جملة من الأخلاق المحمدية الفاضلة عسى الله يرزقنا التمسك بها، وهي ليست كل الأخلاق الفاضلة ولكنها قد تكون من أهم جوامع الأخلاق.

    أولا: الأمانة:
    ورد الحث على الأمانة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، فمن الآيات التي ورد فيها الحث على الأمانة قوله سبحانه في اللوم على بني آدم في عدم مراعاة الأمانة: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}(4)، وقال سبحانه في الأمر الصريح بأداء الأمانات إلى أهلها: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}(5).
    وفي النهي عن الخيانة وذم الخائنين قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(6) وقال سبحانه وتعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ}(7). وقال عز من قائل: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}(8). وقال سبحانه: {وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخَائِنِينَ}(9).
    بل إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عن الخائنين أنفسهم فقال سبحانه: {إِنَّا أنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}(10).
    أما في سيرته العطرة صلى الله عليه وسلم وسنته المشرفة فقد كانت الأمانة من أهم مميزات سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يشهد بها أعداؤه فقد سموه الصادق الأمين، وقد طمأنته أم المؤمنين خديجة - رضي الله عنها - عندما نزل عليه صلى الله عليه وسلم الوحي عندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرًا». قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث(11).
    فقد ورد الكثير من الأحاديث التي تحث على الأمانة، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاملة بالمثل في عدم الأمانة خاصة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك»(12).
    كما اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم مجرد الحديث وعدم الإيصاء بكتمانه أمانة يجب حفظها وعدم كشفها لأحد، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا حدث الرجلُ الرجلَ بالحديث ثم التفت فهي أمانة»(13).
    وأخبر الرسول الأكرم - صلوات الله عليه وسلامه - أن ضياع الأمانة من علامات فساد الزمان؛ فعن حذيفة قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: «ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل المجل كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا، وليس فيه شيء ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل ما أجلده ما أظرفه ما أعقله وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان»(14).
    وغير هذا الكثير من نصوص الكتاب والسنة التي تبين وتدل على أن الأمانة عظيمة القدر في الدين، ومن عظيم قدرها أنها تقف على جنبتي الصراط ولا يُمَكِّن من الجواز إلا من حفظها - كما رواه مسلم في صحيحه - فليس هناك أدل على عظم قدر الأمانة من كونها تكون بجوارك على الصراط يوم القيامة.
    والأمانة تكون في الأعيان كما ذكرنا، وتكون كذلك في غيرها فكلمة الحق أمانة، وإتقان العمل وأداؤه بالشكل المتفق عليه أمانة، فمن ترك عمله فهو خائن للأمانة، ومن قصَّر فيما طُلِبَ منه فهو خائن للأمانة.
    فالأمانة هي الالتزام بكل ما شرع من الدين، والالتزام بكل ما اتفق عليه بين الناس من العقود والأعمال، وإذا طبق المسلمون خُلُقَ الأمانة سوف يتغير الحال إلى خير حال. فسنجد كل إنسان يتقن عمله، ويحافظ على كلامه، ويخدم مجتمعه ووطنه، وسوف يظهر هذا في قوة المجتمع وتقدمه وازدهاره على نحو يفخر به كل من انتسب إلى هذا الدين.


    ثانيًا: الرحمة:
    والرحمة في اللغة: الرقة والتعطف والمَرْحَمَةُ مثله وقد رَحِمَهُ –بالكسر- رَحْمَةً ومَرْحَمَةً أيضًا، وتَرَحَّمَ عليه، وتَرَاحَمَ القوم: رَحِمَ بعضهم بعضًا، والرَّحَمُوتُ من الرحمة، يقال: رهبوت خير، من رحموت أي لأن تُرهَب خير من أن تُرحَم والرَّحِمُ القرابة، والرحم أيضًا بوزن الجسم مثله، والرَّحْمنُ الرَّحِيمُ اسمان مشتقان من الرحمة.
    وقد رحمنا الله رحمة بالغة، عندما أعلمنا أنه رحيم سبحانه، تهدئة لروعنا، فبعد أن أخبر أنه الرحمن الرحيم، فاضت رحمته علينا؛ إذ أعلمنا أن الرحمة حق عليه أوجبها سبحانه على نفسه إذ يقول: {كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}(15).
    كما بيّن لنا سبحانه وتعالى أن رحمته لنا ليست عن حاجة وميل إلينا، تعالى عن هذا علوًّا كبيرًا، بل رحمته نابعة من غِناه عنا، سبحانه وتعالى إذ يقول: {وَرَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (16).
    وأمر الله عباده بالتخلُّق بهذا الخلق القويم، لاسيما مع أصحاب الحقوق علينا، بل مع أولى الناس بنا وهم الوالدين إذ يقول سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا} (17).
    كما يبيّن ربنا - سبحانه وتعالى - أن جزاء الإيمان والصدقة واستغفار الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم - هو أن يرحمنا ربنا ويدخلنا في تلك الرحمة الواسعة ويغفر لنا ذنوبنا فقال عز وجل: {وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(18).
    ولأن هذه الأمة هي أمة الرحمة والهداية، دَأَبَ المحدثون في تبليغ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبة العلم، على أن يستفتحوا بحديث الرحمة المسلسل بالأولية، هذا الحديث الذي انقطعت أوليته عند سفيان بن عيينة الذي يرويه عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي قَابُوسَ - مَوْلًى لِعَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمْ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»(19).
    وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة تحثُّ المسلمين على التخلق بالرحمة فيما بينهم ومع جميع الخلق، بل خوَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بأنّ تَرْك هذه الصفة الحميدة قد تستوجب غضب الله يوم القيامة حيث قال صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لا يَرْحَمُ النَّاسَ»(20).
    وهذا الصحابي الجليل أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - يخبرنا عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ أَبَا الْقَاسِمِ صَاحِبَ هَذِهِ الْحُجْرَةِ يقول: «لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلَّا مِنْ شَقِيٍّ»(21).
    بل حث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على الرحمة مع كل الخلق، والحيوان، بل وحث على الرحمة مع الحيوان في موقف قلَّ من يتذكر الرحمة فيه، إلا من رحم الله، وصار على هدي الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم. هذا الموقف هو موقف ذبح الحيوان فقد ثبت في أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَإِنِّي أَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ إذَا ذَبَحْتهَا، فَقَالَ: «إنَّ الشَّاةَ إنْ رَحِمْتهَا رَحِمَك اللَّهُ مَرَّتَيْنِ»(22).
    ولا يخفى ما يؤثر من حلمه صلى الله عليه وسلم واحتماله الأذى، وإن كل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا.
    ويؤكد هذا الخلق العالي دعاؤه لقومه الذين آذوه وعادوه، وما دعا عليهم، وإن كان الدعاء عليهم ليس بمنقصة، فإن الدعاء على الظالم المعاند لا شيء فيه وفعله أولو العزم من رسل الله كنوح عليه السلام وموسى الكليم عليه السلام. فكان دعاء سيدنا نوح، فقد قال القرآن عنه في دعائه على قومه: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا}(23).
    وأما دعاء سيدنا موسى عليه السلام فقال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ}(24).
    وقد كانا - عليهما السلام - على حق، ولكن كان المصطفى صلى الله عليه وسلم أحق؛ فقد روى الطبراني - وذكره الهيثمي في مجمعه وقال: رجاله رجال الصحيح - أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كُسرت رَباعِيَتُه، وشُجَّ وجهُه الشريف صلى الله عليه وسلم يوم أحد، شق ذلك على أصحابه شقًّا شديدًا، وقالوا: لو دعوت عليهم. فقال: «إني لم أبعث لعانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمة: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون».
    وأخرج البخاري في صحيحه عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلَال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك فسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بما شئت, إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا»(25).
    وعفا النبي صلى الله عليه وسلم عن من جذبه من الأعراب جذبة شديدة، وأعطاه سؤاله وزاد، وعفا صلى الله عليه وسلم عن اليهودية التي سمت الشاة له بعد اعترافها، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره، ولا عتب عليه فضلا عن معاقبته. فهذا هو الأسوة الحسنة والنموذج الأعلى المرضي عند ربه صلى الله عليه وسلم.


    ثالثًا: التواضع
    التواضع أصله في اللغة من: وضَعَ الشيءَ وَضْعًا: اخْتَلَقَه. وتَواضَعَ القومُ على الشيء: اتَّفَقُوا عليه. وأَوْضَعْتُه في الأَمر إِذا وافَقْتَه فيه على شيء. والضَّعةُ والضِّعةُ: خِلاف الرِّفْعةِ في القَدْرِ، والأَصل وِضْعةٌ، حذفوا الفاء على القياس كما حذفت من عِدة وزِنة.
    والتواضع: ضد الكبر، والكبر مذموم طبعًا وشرعًا، فإن النفس تبغض المتكبر من الخلق بطبيعتها، والكبر في اللغة: بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْبَاءِ: الْعَظَمَةُ, وَكِبَرُ الشَّيْءِ مُعْظَمُهُ.
    أما معناه في اصطلاح أهل الشريعة: فقد عرفه الغزالي بأنه الخُلُق الذي في النفس, وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه.
    وهو خُلُق إسلامي رفيع المنزلة، شهد بفضله كل عاقل، ودعا إليه كل مصلح؛ لما فيه من الفوائد الجليلة على الفرد والمجتمع، وقد حث الله سبحانه وتعالى عليه وأمر به في كتابه، وعلى لسان حبيبه المجتبى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان التواضع سيرته الغالبة وسنته الراشدة.
    وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن التواضع للمؤمنين من صفات أحبائه الكرام، الذي يستبدل بهم المرتدين فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (26).
    وقد أخبر ربنا كذلك أن التواضع لله في السير من صفات عباده الصالحين فقال سبحانه وتعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا}(27).
    وأمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتواضع للمؤمنين أتباعه، فقال سبحانه وتعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}(28).
    ويتأكد التواضع ويتحتم إذا كان المتواضع له فضل ومنزلة كالوالدين، فقد أخبر ربنا بوجوب التواضع لهما فقال سبحانه وتعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا}(29).
    وقد بشر الله المؤمنين المتواضعين بالنعيم المقيم في الدار الآخرة، فقال سبحانه وتعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًا فِى الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}(30).
    وقد ذم الله الكبر وأهله، وتوعد المتخلق بهذا الخلق البغيض بالعذاب الشديد فقال سبحانه: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ}(31).
    وقال سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}(32).
    وقال سبحانه وتعالى حكاية عن لقمان في نصائحه لابنه: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(33). وذكر ربنا سبحانه وتعالى أن نبيه الكريم موسى عليه السلام استعاذ بربه من كل المتكبرين فقال سبحانه وتعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ}(34).
    وأخبرنا سبحانه وتعالى في كتابه أن فرعون كان به كبر وعلو على خلق الله فقال: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِى الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِى نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ}(35).
    وفي سنة النبي الأكرم المصطفى صلى الله عليه وسلم وصايا بالتواضع أكثر من أن تحصى، يرشد فيها الأمة إلى التخلق بهذا الخلق العظيم الذي يعود بالخير على الفرد والمجتمع المسلم كله فمن هذه النصوص ما رواه عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أوحى إلي أن تواضعوا, حتى لا يفخر أحد على أحد, ولا يبغي أحد على أحد»(36).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما تواضع لله أحد إلا رفعه»(37).
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن تواضع لله في غير منقصة, وذل في نفسه من غير مسألة, وأنفق مالا جمعه في غير معصية, ورحم أهل الذل والمسكنة, وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن طاب كسبه وصلحت سريرته, وكرمت علانيته, وعزل عن الناس شره، طوبى لمن عمل بعلمه, وأنفق الفضل من ماله, وأمسك الفضل من قوله»(38).
    وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تواضـع لله درجة يرفعـه الله درجة حتى يجعله في أعلى عليين، ومن يتكبر على الله درجة يضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل السافلين، ولو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس عليها باب ولا كوة لخرج ما غيبه للناس كائنا ما كان»(39).
    وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - لا أعلمه إلا رفعه - قال: «يقول الله تبارك وتعالى: من تواضع لي هكذا - وجعل يزيد باطن كفه إلى الأرض وأدناها إلى الأرض - رفعته هكذا، وجعل باطن كفه إلى السماء ورفعها نحو السماء»(40).
    وعن عمر بن الخطاب أيضًا أنه قال على المنبر: أيها الناس، تواضعوا؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تواضع لله رفعه الله، قال: انتعش نعشك الله، فهو في أعين الناس عظيم وفي نفسه صغير, ومن تكبر قصمه الله وقال: اخسأ، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير»(41).
    وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من آدمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك, فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته, وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته»(42).
    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله»(43).
    وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسب إلا في التواضع, ولا نسب إلا بالتقوى, ولا عمل إلا بالنية, ولا عبادة إلا باليقين»(44).

    هذه جملة من الأخلاق المحمدية هي من جماع وأصول كل الأخلاق الفاضلة نسأل الله أن يرزقنا التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وكل أحواله. آمين.



    الهوامش:
    --------------------------
    (1 ) الآية 21 من سورة الأحزاب.
    (2 ) الآية 4 من سورة القلم.
    ( 3) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 381) حديث (8939) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 188) وقال: «ورجاله رجال الصحيح».
    (4 ) الآية 72 من سورة الأحزاب.
    ( 5) الآية 58 من سورة النساء.
    ( 6) الآية 27 من سورة الأنفال.
    ( 7) الآية 58 من سورة الأنفال.
    ( 8) الآية 107 من سورة النساء.
    ( 9) من الآية 52 من سورة يوسف.
    ( 10) الآية 105 من سورة النساء.
    ( 11) أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة»، وذكره القرطبي في «تفسيره» (1/ 115)، وأبو جعفر الطبري في «الرياض النضرة» (1/ 431).
    ( 12) أخرجه أبو داود في كتاب «البيوع» باب «في الرجل يأخذ حقه من تحت يده» حديث (3535)، والترمذي في كتاب «البيوع» باب «ما جاء في النهي للمسلم أن يدفع إلى الذمي الخمر» حديث (1264)، والحاكم في «مستدركه» (2/ 53) حديث (2296) وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب».
    ( 13) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في نقل الحديث» حديث (4868)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء أن المجالس أمانة» حديث (1959)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/ 235) حديث (25598) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن».
    ( 14) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الرقاق» باب «رفع الأمانة» حديث (6497)، وفي كتاب «الفتن» باب «إذا بقي في حثالة من الناس» حديث (7086)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب وعرض الفتن على القلوب» حديث (143) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، واللفظ لمسلم.
    ( 15) من الآية 12 من سورة الأنعام.
    ( 16) الآية 133 من سورة الأنعام.
    ( 17) الآية 24 من سورة الإسراء.
    ( 18) الآية 99 من سورة التوبة.
    ( 19) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في الرحمة» حديث (4941)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في رحمة الناس» حديث (1924)، والحاكم في «مستدركه» (4/ 175) حديث (7274) وصححه من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
    ( 20) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «التوحيد» باب «قول الله تبارك وتعالى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } » حديث (7376)، ومسلم في كتاب «الفضائل» باب «رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال» حديث (2319) من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.
    ( 21) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 461) حديث (9941)، (9946)، (2/ 539) حديث (10964)، وأبو داود في كتاب «الأدب» باب «في الرحمة» حديث (4942)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في رحمة الناس» حديث (1923)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن».
    (22 ) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 436)، (5/ 34)، وابن أبي شيبة واللفظ له في «مصنفه» (5/ 214) حديث (25361)، والحاكم في «مستدركه» (3/ 676- 678) حديث (6482)، (4/ 257) حديث (7562) وصححه من حديث قرة رضي الله عنه، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (4/ 33) وقال: «وله ألفاظ كثيرة، ورجاله ثقات».
    ( 23) الآية 26 من سورة نوح.
    ( 24) الآية 88 من سورة يونس.
    ( 25) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «ذكر الملائكة» حديث (3231)، ومسلم في كتاب «الجهاد والسير» باب «ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين» حديث (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    ( 26) الآية 54 من سورة المائدة.
    ( 27) الآية 63 من سورة الفرقان.
    (28) الآية 215 من سورة الشعراء.
    (29 ) الآية 24 من سورة الإسراء.
    (30 ) الآية 83 من سورة القصص.
    (31 ) الآية 29 من سورة النحل.
    (32 ) الآية 59 من سورة الروم.
    (33 ) الآية 18 من سورة لقمان.
    ( 34) الآية 27 من سورة غافر.
    (35 ) الآية 4 من سورة القصص.
    (36 ) أخرجه مسلم في كتاب «الجنة وصفة نعيمها وأهلها» باب «الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة» حديث (2865) من حديث عياض بن حمار رضي الله عنه.
    ( 37) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «استحباب العفو والتواضع» حديث (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    (38 ) أخرجه الطبراني في «الكبير» (5/ 71) حديث (4615)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (4/ 182) حديث (7572) من حديث ركب المصري رضي الله عنه.
    (39 ) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (12/ 491) حديث (5678).
    (40 ) أخرجه أحمد (1/ 44) حديث (309)، والبزار في «مسنده» (1/ 278) حديث (175) من حديث عمر رضي الله عنه، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 82) وصححه.
    (41 ) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (8/ 172) حديث (8307).
    (42 ) أخرجه الطبراني في «الكبير» (12/ 218) حديث (12939)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 82) وحسنه.
    (43 ) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (7/ 354) حديث (7711).
    (44 ) ذكره الديلمي في «الفردوس بمأثور الخطاب» (5/ 191).



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  3. #3
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    التدقيق والتحقيق وإحسان العمل منهج إسلام


    التدقيق والتحقيق وإحسان العمل منهج إسلامى
    بينما امتازت الحضارة الحديثة بالدقة والإتقان ، نرى كثير من المسلمين يفتقدون هذه المعانى فيما يقومون به من أعمال ، فما هو حكم هذه الظاهرة فى الفكر الإسلامى ؟


    والجواب :

    أن المسلمين فقدوا للأسف هذه الخصائص التى كانوا يمتازون بها وقتما كانوا بناة حضارة ، فمثلا صحيح الإمام أبي عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري المتوفى سنة 256هـ، أصح كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى في نقله، وفي اهتمام المسلمين به، لاسيما وأنه ينقل إلينا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بطرق فيها غاية توثيق المصدر وغاية النقد العلمي، ولقد سماه الإمام البخاري؛ «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه» غير أنه اشتهر بين الناس «بصحيح البخاري».
    وقد سمع ذلك الكتاب من البخاري خلق كثير في كل مدينة وقرية كان ينزل بها البخاري، وقد روى الفربري أنه سمعه منه تسعون ألف نفس، ورواه لمن بعده رواة كثيرون، منهم حماد بن شاكر المتوفى سنة 290هـ، وإبراهيم بن معقل النسفي المتوفى سنة 240هـ، ومنهم محمد بن يوسف بن مطر الفربري المتوفى سنة 320هـ.
    ورواية الفربري هذه هي التي وصلت إلينا، فقد سمعها منه عدة منهم أبو محمد الحموي المتوفى 381هـ، وأبو الهيثم محمد الكشميهني المتوفى سنة 389هـ، ورواه عن الحموي الداودي المتوفى سنة 467هـ، وعنه أبو الوقت المتوفى سنة 553هـ، وعنه الإمام النووي المتوفى سنة 676هـ.
    واهتم أولئك الرواة بصحيح البخاري أشد الاهتمام؛ فكانوا يقرءونه كلمة كلمة، حتى رأينا اثنين من كبار علماء العربية والحديث يجلسان مع جماعة من الفضلاء لتحرير كل الروايات على مستوى الحركة في صحيح البخاري، وهما: جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية المشهورة في النحو المتوفى سنة 672هـ، وشرف الدين علي بن محمد اليونيني - نسبة إلى يونين إحدى قرى بعلبك - المتوفى سنة 701هـ، وتمت هذه الجلسات في دمشق، وبلغ عددها إحدى وسبعين جلسة، وذلك من سنة 667هـ، فخرجت هذه النسخة في غاية التحقيق والتدقيق، وأصبحت من أوثق النسخ المعتمدة لصحيح البخاري، بل لو أطلقنا القول بأنها أوثقها وأعظم أصل يوثق به لما كان بعيدا، وقد جعلها الإمام القسطلاني المتوفى سنة 923هـ عمدته في شرح صحيح البخاري، فحقق المتن حرفًا حرفًا على تلك النسخة.
    1- هذا الفريق العلمي الذي يتعاون لإخراج العمل منهج افتقدناه، وهذا التدقيق الذي يصل بنا إلى معرفة الأسس والأصول والمنطلقات منهج افتقدناه، وهذا السعي الدءوب عبر العصور والتواصل العلمي الدائم والبناء على ما انتهى إليه السابق منهج افتقدناه، والغريب أنه ذات المنهج الذي وصل به الآخرون في علوم الطبيعة إلى ما وصلوا إليه.
    2- انتقلت هذه النسخة الفريدة في خزائن كتب السلاطين والخلفاء حتى استقرت لدى السلطان عبد الحميد الخليفة العثماني، فأرسل بها إلى شيخ الأزهر؛ ليقوم بطباعة البخاري، ويقص الشيخ حسونة النواوي القصة في مقدمته لما سمي بعد ذلك بالمطبعة السلطانية للبخاري؛ نسبة إلى السلطان عبدالحميد خان الثاني التي تمت طباعتها سنة 1311هـ: 1313هـ في تسعة أجزاء تجلد عادة في 3 مجلدات كل مجلد يحتوي على ثلاثة أجزاء.
    يقول الشيخ حسونة: "ففكر - أيده الله - في أجل خدمة يسديها للسنة النبوية الحنيفية، فلم ير - وفقه الله - أكمل من نشر أحاديثها الشريفة على وجه يصح معه النقل، ويرضاه العقل، وقد اختار - أجله الله - من بين كتب الحديث المنيفة، كتاب «صحيح البخاري» الذي اشتهر بضبط الرواية عند أهل الدراية، فأمر - وأمره الموفق - بأن يطبع في مطبعة مصر الأميرية؛ لما اشتهرت به من دقة التصحيح، وجودة الحروف بين كل المطابع العربية، وبأن يكون طبع هذا الكتاب في هذه المطبعة على النسخة اليونينية - المذكورة آنفا - المحفوظة بالآستانة العليا؛ لما هي معروفة به من الصحة القليلة المثال في هذا الجيل وما مضى من الأجيال...".
    3- وقد قام جماعة من مصححي المطبعة الأميرية معدودين من العلماء بتصحيح النسخة على قدر طاقتهم، إلا أن لجنة الأزهر لاحظت عليهم ملاحظات أثبتوها في آخر كل جزء، وكان من هؤلاء المصححين بالأميرية: محمد بك بن علي المكاوي، ومحمد الحسيني، ومحمود مصطفى وآخرون، وكان محمد بك مكاوي من المهتمين بتصحيح البخاري، فقد قام بطبعه قبل ذلك في سنة 1286هـ، فكتب تصحيحا على لجنة الأزهر في تسع ورقات ذكر فيه 289 خطأ أغلبها مما له وجهان كمنع المصروف، أو صرف الممنوع، أو ضبطان لعلم معين، أو كلمة فيها الوجهان.
    فتم طباعة تلك الطبعة السلطانية، وقد انتهت، وبعدما انتهت تلك الطبعة أعادت المطبعة الأميرية طباعة البخاري مع مراعاة ما وقع في السلطانية من ملاحظات، وكان ذلك على نفقة السيد محمد حسين عيد الفكهاني سنة 1315هـ - 1317هـ، فسميت هذه الطبعة بالطبعة الفكهانية؛ تمييزا لها عن السلطانية، فعقب عليها أيضًا محمد بك ابن علي المكاوي في ست صفحات لا تخرج ملاحظاته عما سبق ذكره، وهذه التعقيبات موجودة في دار الكتب المصرية حتى اليوم.
    4- فانظر إلى المنهج الذي فقدناه، فعلى رغم أن الفكهانية على منوال السلطانية الحرف بالحرف، والكلمة بالكلمة، إلا أن الأمانة اقتضت التفريق بينهما؛ لمجرد اختلاف من تكفل بطباعتها، حتى رأينا بعد ذلك الناس طبعوا على الفكهانية ويقولون إنهم طبعوا على السلطانية، فخرجت طبعاتهم لا على هذه ولا تلك من تحريف وتصحيف وتغيير في الصفحات، ثم شاع عند كثير من طلبة العلم أن هذه هي السلطانية يقصدون ما طبع لدى مطابع الشعب، أو مصطفى الحلبي أو غيرها على الرغم من البون الشاسع بينهما.
    وانظر إلى اهتمام المكاوي الزائد في تحرير النص إلى درجة لا يتهاون فيها بالخطأ إذا تكرر، ولا بالوجه من الإعراب أو الضبط إن كان معتبرًا. إن الذي ينظر إلى منهج الأطباء والمهندسين وأهل العلم بعامة يعرف أن تلك الملكة لا تُربى في النفس إلا بذلك المنهج، وأن الاتجاه العام من الاستهتار وعدم المبالاة أُصِبنا به عندما لم نقرأ البخاري في طبعته السلطانية كرمز من رموز ثقافتنا يجسد الرجوع إلى مضمونه والعمل به وتربية باحثينا في كل المجالات عليه، فليس لدينا من الأوقات ما يسمح بهذا التسيب الفظيع الذي أصاب مؤسساتنا العلمية وأصاب معها جُل العلماء والباحثين.

    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  4. #4
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    التدين والفرق بينه وبين العلم بالدين

    هل هناك فرق بين العلم بالدين وبين التدين؟

    والجواب :

    من العبارات الشائعة في كتب الفتوى قولهم: (خذ بفتواه ولا تلتفت إلى تقواه) وهي قاعدة جليلة تنبه على الفرق بين علم الدين وبين التدين العملي، وأن علم الدين هو علم كسائر العلوم، له مبادئ وقواعد ومصطلحات ومناهج وكتب وترتيب ومدارس وأسس وتاريخ و.... إلخ
    وهو يحتاج أيضًا إلى أركان العملية التعليمية، التي لا يتم العلم إلا بها، وهي: الطالب، والأستاذ، والكتاب، والمنهج، والجو العلمي. وأن طريق التعلم له درجات مختلفة كدرجات التعليم العام ثم التعليم الجامعي ثم الدراسات العليا بدرجاتها المختلفة، وله أيضًا أساليبه المختلفة للتمكن منه، بعضها نظري، وبعضها تطبيقي، وبعضها حياتي وعملي، كما أن أداءه يختلف من رسالة علمية إلى كتاب مقرر، إلى بحث في مجلة محكمة، إلى بحث للمناقشة أو كمحور في مؤتمر للجماعة العلمية يخبر فيه صاحبه تلك الجماعة بنتائج.
    وسيظل أمر الجماعة العلمية دائما مختلفًا تبعًا للمنح الربانية، والعطايا الصمدانية، والمواهب التي يمنحها الله لكل شخص يتميز بها على الآخرين، وسيظل أمر التخصص العام مُراعى والتخصص الدقيق مطلوب، وسيظل هناك فارق بين من ينجح في تحصيل الدروس ولا ينجح في الحياة، ومن ينجح فيها ومن وصل إلى مرتبة الحجة والمرجعية، ولا يحسن التعامل مع الحياة أو يحسن التعامل معها كما قال شوقي في أواخر قصيدة (كتابي):
    وكم مُنْجِبٍ في تلقي الدروس تلقَّى الحياةَ فلم يُنْجِبِ
    وكل هذه المعاني نراها في كل مجال، ولعل أقرب مجال ينطبق عليه ما ينطبق على علم الدين هو مجال الطب، وعلم الطب، انظر إلى كل ما ذكرناه وكأننا نتكلم عن علم طب الأبدان، في حين أنني كنت أؤكد على علم حفظ الأديان، وكل ذلك يختلف عن حق الناس في رعاية صحتها والوقاية من الأمراض والعلاج منها، ومبادئ الحياة الصحية الصحيحة التي يتمناها كل إنسان، بل هي من حقه، كما يختلف علم الدين عن التدين الذي هو لازم لكل إنسان ويحتاجه كل أحد من الناس، بل يحتاجه الناس على مستوى الفرد والجماعة والأمة.
    1- على الرغم من وضوح الفرق بين علم الدين والتدين، أو علم الطب ومراعة الصحة العامة، إلا أن هذا الفرق غير معترف به في غالب ثقافتنا، ونرى خلطًا ضارًّا له صور منتشرة في جميع القطاعات لم ينج منه إلا من رحم الله - وهم قلة في ثقافتنا السائدة - وأرجو الله أن يفتح البصائر بهذه الدعوى لمراجعة جد مهمة لمواقف كثير من علمائنا ومفكرينا بشأن موقفهم من هذه البدهية.
    2- إننا نرى ما يؤكد أنه ليس هناك اعتراف بالفرق بين علم الدين والتدين، من ذلك أن أستاذ العلوم أو الزراعة أو الصحافة أو الهندسة أو الطب صار يتكلم في شأن الفقه، ويناقش الفتوى التي صدرت ممن تخصص وأمضى حياته في المصادر وإدراك الواقع، وما هذا إلا لأنه مثقف ديني، أو لأنه لا يعرف، أو لم يقتنع بالفرق بين علم الدين وبين التدين، ويرى أن الأمر مباح ومتاح للجميع.
    3- وكذلك نرى عدم إدراك لمعنى الفتوى؛ حيث يتم الخلط بينها وبين السؤال أو الرأي والذي يكون حظ السؤال الجواب، وحظ الرأي إبداؤه ثم مناقشته، فالفتوى مثل حكم القاضي لا يتتبعه القاضي بعد صدوره وليس قابلاً للنقاش، ولكن هو قابل للاستئناف عند محكمة أعلى أو للنقض أو الإبرام عند محكمة أكبر، وعلى ذلك فعدم الرضا بالفتوى يتطلب فتوى من جهة أعلى، ولا يتطلب اعتراضًا من هنا أو من هناك، وعدم الرضا بأمر الطبيب، لا يعني إهمال الأمر، بل يستلزم الاستشارة ممن هم أكثر منه مرجعية أو علمًا أو خبرة ولا يحق لأحد من الناس أن يناقش الطبيب في رأيه ويكتفي بذلك لرفض الطب والجلوس بلا علاج.
    إن كثيرًا من الناس يفزع إذا ما نبهناه إلى هذا المثال ويبادر برفضه ويدعي أن ذلك حجرًا على الرأي أو على حريته، والأمر لا يتعلق برأي ولا بحُرِّية بقدر ما يتعلق بمنهج للفكر المستقيم يجب اتباعه بدلا من هذه المهزلة السخيفة بأن يَهْرِف كل أحد بما لا يعرف.
    4- وكذلك نرى أن السؤال عندما يوجه لطلب معلومة يعتقد السائل والسامع أن الإجابة فتوى، ومرة سأل سائل عن معلومات عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فأجبناه فاعتبر ذلك إفتاء منا، وعندما لم نجبه اعتبر ذلك رفضًا للقيام بواجب الفتوى، وهناك أسئلة عن أوضاع سياسية يبدي فيها الرأي، والحكم الشرعي يكون على الفعل البشري المجرد فلا يفرق صاحبنا بين هذا وذاك ويتكلم ولو على صفحات الجرائد السيارة ويحدث بلبلة عند المتلقي، أسأل الله ألا تكون مقصودة، وألا يكون ذلك المنهج يراد منه تحويل علم الفتوى إلى نطاق الآراء القابلة للنقاش بدون اتباع ما تستلزمه هذه الصناعة من ترتيب وما تحتاجه من نظام وما تقوم به من علم.
    أما الجزء الثاني من المقولة: (ولا تلتفت إلى تقواه) فليس بمجرد محافظة الإنسان على صحته صار طبيبًا، ولا بمجرد التزام الإنسان بدينه صار عالمًا، بل يحتاج الأمر إلى الأكاديمية التي نطالب الجميع وفي جميع المجالات أن يعودوا إليها وأن ينتهي نظام الهواة، وأن يبقى العلم - والعلم وحده - سندًا للتخصص الدقيق، وأن نقضي على (أبو العُرِّيف) الذي يعيش فينا، ومن أمثال العامة التي تمثل حكمة التاريخ وتجارب البشرية (أعط العيش لخبازه ولو أكل نصفه).


    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  5. #5
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    التسامح من أخلاق الإسلام

    ما مكانة التسامح فى منظومة القيم الأخلاقية الإسلامية ؟

    والجواب :

    تعرض القرآن الكريم لوحدة المنبع الإنساني، ونشأة الإنسانية في صور شتى، وألوان مختلفة من التعبير، وأول صورة ذكرها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز هي قصة خلق آدم أبي البشر وأصل الإنسانية، وهي كذلك القصة الوحيدة التي تعرَّضت لها المذاهب والشرائع الأخرى في صدد الكلام على أصل البشرية ووحدة منبعها.
    وفي شأن هذه القصة يقول الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}(1).
    فالبشر جميعهم عائلة واحدة من أب واحد، وهم جميعا ورثة تلك الخلافة في إعمار الأرض ونشر الأمن والسلام.
    وإن سفك الدماء وفساد الأرض مسلك بغيض لا يريده الله سبحانه وتعالى من البشر على مختلف أديانهم؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}(2).
    وقال عز من قائل في ذم من كان نهجه كذلك في الفساد: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ} (3).
    وقد وضع القرآن الكريم قواعد واضحة للعائلة البشرية، وأعلن الإسلام أن الناس جميعًا خُلِقوا من نفس واحدة؛ مما يعني وحدة الأصل الإنساني، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(4)، والناس جميعًا في نظر الإسلام هم أبناء تلك العائلة الإنسانية، وكلهم له الحق في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز.
    فالإنسان مكرَّم في نظر القرآن الكريم، دون النظر إلى دينه أو لونه أو جنسه، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (5).
    وما اختلاف البشرية في ألوانها وأجناسها ولغاتها وديانتها إلا آية من الآيات الدالَّة على عظيم قدرة الخالق تعالى، قال عز وجل: {وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} (6).
    وهذا الاختلاف لا يجوز أن يكون سببًا في التنافر والعداوة، بل إنه يجب أن يكون سببًا للتعارف والتلاقي على الخير والمصلحة المشتركة، فالله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (7)، وميزان التفاضل الذي وضعه القرآن الكريم، إنما هو ما يقدمه هذا الإنسان من خير للإنسانية كلها مع الإيمان الحق بالله تعالى، فالله يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(8) ولم ينظر القرآن الكريم لغير المسلمين نظرة انتقاص، بل نظر لهم نظرة إجلال، وإن خالفونا، فلم يأمرنا ربنا بقتل من لا يدين بديننا، بل قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ} (9) قال ابن كثير في تفسير تلك الآية: «أي لا تُكرِهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بَيِّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يُكْرَه أحد على الدخول فيه»(10).
    وسبب نزول الآية كما ذكر المفسرون يبين جانبًا من إعجاز هذا الدين؛ حيث إن الإسلام لم يسمح للمسلمين أن يأخذوا أبناءهم الذين هوَّدوهم وهم صغارًا. فقد رووا عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا(11) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه(12)، فلما أُجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقال آباؤهم: لا ندع أبناءنا(13)، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ}.
    وأما القاعدة التي وضعها القرآن في التعامل مع غير المسلمين فتتمثل في قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}(14)، فالآية واضحة في أننا - نحن المسلمين - عندما لا يرغب غير المسلمين أن ينضموا إلى ديننا فعلينا صلتهم، والعدل معهم، ومعاملتهم المعاملة الطيبة؛ بناء على مبدأ الاحترام المتبادل والعلاقات الطيبة والمصالح المشتركة.
    وقد ذهب فقهاء المسلمين لفهم هذا المعنى في الصلة بين المسلم وغير المسلم فقالوا: لا بأس بأن يَصِلَ المسلمُ المشركَ قريبا كان - أي بينه وبينه رحم - أو بعيدًا, محاربًا كان أو ذِميًّا؛ لحديث سلمة بن الأكوع قال: صليت الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدت مس كف بين كتفي, فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل أنت واهب لي ابنة أم قرفة؟» قلت: نعم، فوهبتها له، فبعث بها إلى خاله حزن بن أبي وهب, وهو مشرك وهي مشركة(15). فالإسلام دين يعيش مع الواقع ويقوده إلى فضائل الأخلاق، ومن خلال نظرة متأنية للواقع نلاحظ أن مفكري العالم ومُصلحيه الآن يدعون البشرية إلى التعايش والتقارب، وفي هذا تبدو للإسلام أسبقية في موضوع التعايش السلمي بين دول العالم وإحلال السلام الشامل العادل بيئةً تعيش فيها الشعوب.
    إن كل من طالع تراث الحضارة الإسلامية عبر تاريخها المشرق المُشَرِّف، وكان يتسم بالحياد والنزاهة - تقرر عنده بوضوح أن الدين الإسلامي هو دين الرحمة والسماحة بأسمى معانيها ومنتهى درجاتها، فالتسامح هو ثمرة الإيمان، ودليل أكيد على الزهد في حطام الدنيا الفانية، والرغبة في القرب من رب العالمين.

    نصوص القرآن دستور التسامح المنشود :
    لا شك أن الإسلام هو أوضح الأديان في الدعوة إلى التسامح، وبقليل من الجُهد يتضح ذلك المعنى، ونحن بصدد الاستشهاد بآيات القرآن التي تدعو إلى التسامح، وتعلن في غاية البيان أن دين الإسلام هو دين السماحة.
    أولا: آيات التسامح المتعلقة بالنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم:
    النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو رمز هذه الأمة الإسلامية، وهو النموذج الفريد الذي يسعى كل المسلمين إلى التشبُّه به ظاهرًا وباطنًا؛ ولذلك سوف نورد تلك الآيات التي تعاملت مع قمة المسلمين ورأس أمرهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأُولى هذه الآيات، قوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(16)، عن ابن عباس في قول الله في كتابه:
    {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} قال: من آمن بالله واليوم الآخر كُتِب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف(17).
    وإن كان غير المسلمين لا يُصدِّقون بالقرآن، ولكنهم يعتقدون أننا نصدق بالقرآن، ويعتقدون كذلك أننا نجمع أن هذه الآية في كتابنا العزيز المقدس، إذن فعليهم أن يعتقدوا كذلك أننا سنتعامل مع العالم في إطار هذه الآية بميراث الرحمة المحمدية، ونكون ورثة نبينا العظيم في أخلاقه كلها، والتي على رأسها الرحمة.
    وإن لم يكن من القرآن غير هذه الآية العظيمة في معنى سماحة الإسلام لكَفَتْ، ولكن الله سبحانه أكد هذا المعنى العظيم بأكثر من آية، كقوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} (18)، ذكر الطبري تأويلها فقال: «يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم جوابًا له عن دعائه إياه إذ قال: {إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ} (19): فاصفح عنهم يا محمد وأعرض عن أذاهم وقل لهم: سلام عليكم، ورفع (سلام) بضمير عليكم أو لكم»(20).
    وهذه الآية خطاب من الله سبحانه وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه في كل عصر، فأمَرَه الله بالصفح وتَرْك المؤاخذة، وهذا الأمر يشمل نهيه عن الانتقام والمؤاخذة، وقرن الله سبحانه وتعالى الصفح بقول: (سلام)، والسلام هو الأمل المنشود الذي سعى إليه المسلمون عبر تاريخهم وفي تاريخهم الحديث سعيًا صادقًا لم يتمثل في الادعاءات وبعض المظاهر الخادعة، والله يعلم بما في قلوب الناس.
    ورغم أن الله سبحانه وتعالى أمَرَه صراحة بالصفح في الآية السابقة، إلا أنه تعالى أراد أن يؤكد على هذا الأمر ويزيده جمالا، فقال سبحانه وتعالى: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ}(21)، فبيَّن ربنا سبحانه وتعالى أن الصفح المراد ليس مطلق الصفح، بل صفح مخصوص وهو الصفح الجميل، الصفح الذي به جمال وكرم، فيقول الطبري في «تفسيره»: «الصفح الجميل: يقول: فأعرض عنهم إعراضًا جميلا واعف عنهم عفوا حسنا»(22). وكذلك كان صلى الله عليه وسلم متبعا لأوامر مولاه في شأنه كله لا يفتر عنها أبدًا.
    ومن لم يتبع رسولنا الكريم في دينه بعد بعثته هو منتسب إلى أُمَّته باعتبار كونه من أُمَّة الدعوة، تلك الأمة التي حفظها الله كلها - متبعين وغير متبعين - بوجوده بينهم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ}(23).
    ومن آيات التسامح الإسلامي المتعلقة بجناب النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قوله جل اسمه: {خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ}(24)، فأمره ربه تعالى بأخذ العفو، وقبول اليسير من الناس، وألا يشدد عليهم، وأمره كذلك بالإعراض عن الجاهلين وعدم مؤاخذتهم؛ تأكيدا على معنى الصفح والحلم والسماحة، وهذا توجيه للأمة الإسلامية جميعها في كل عصورهم.
    والخُلُق المنشود لا يصير سلوكا بمجرد الأمر والنهي، وإنما بالفعل والعمل؛ ولذلك قالوا: عمل الرجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل. والله سبحانه وتعالى على جلال قدره وعظيم قوته تعامل معنا بالرحمة والصفح والعفو.
    وفي هذا التوجيه الرباني يأمر سبحانه أحبَّ خلقه إليه بأن يتعامل مع أصحابه كذلك، فقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (25)، فبعد أن أخبر سبحانه أن لين النبي صلى الله عليه وسلم رحمة من الله بأتباعه أمره مع ذلك اللين أن يعفو عن أصحابه، فكانت رحمة بعد رحمة، ورحمة على رحمة، وهذا كله حتى يُعلِّم أصحابه الرحمة واللين والرفق، فكان صلى الله عليه وسلم مراد الله يمشي على الأرض، وعلَّم العالَم بأسره الرحمة والعفو.
    ولم يقتصر أمر الله سبحانه وتعالى لحبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم بالرحمة والعفو على أصحابه وأتباعه فحسب، بل أمره الله بأن يسلك نفس المسلك في الرحمة مع اليهود، وقد يتعجب مطالع هذا النص القرآني؛ إذ كان الأمر بالرحمة والعفو يعقب ذكر بعض جرائم اليهود، فقال سبحانه وتعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(26).
    وكأن الله عز وجل يريد أن يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: حتى وهم ينقضون الميثاق مع ربهم، ويحرفون كلامه لمصالحهم الدنيوية، لا تعاملهم بمعاملتهم، بل اعف عنهم واصفح؛ لتُعَلِّم العالَمين نزاهة الأخلاق ومكارم الأخلاق، ولا غرو فقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم.
    بل أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم صراحة أن يقابل السيئة بالحسنة، فقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} (27). فأعلم الله نبيه لما يكون من فائدة العفو والتسامح والدفع بالتي هي أحسن من سلام اجتماعي، حتى يصبح العدو كالولي الحميم، فما أجملها من صورة سعى إليها الإسلام، ودعا إليها في منهجه النظري، وطبَّقها المسلمون عبر تاريخهم المشرق.

    وفيما يلي نذكر آيات القرآن في التسامح الإسلامي والتي لم تختص برسولنا وحده بل بالأمة الإسلامية جميعها:
    ثانيًا: آيات القرآن التي تدعو كل المسلمين للتسامح:
    كانت توجيهات القرآن الكريم للأُمَّة الإسلامية بالتسامح والعفو واضحة، ليس بين أفراد المجتمع الإسلامي فحسب، بل حتى مع من يؤذونهم من المشركين؛ حيث أمر الله المؤمنين أن يعفوا ويغفروا لغير المسلمين، كرد فعل عما يلاقونه من الأذى، وهذا سمو أخلاقي ما له نظير بين أمم البشر.
    ولعل قائلا يقول: إنهم كانوا يتسامحون مع الذين يؤذونهم لأنهم ليس لهم شوكة ولا قوة، فالجواب: لو أن المسألة مسألة ضعف لقال الله لهم: اصبروا حتى تتمكنوا فتنتقموا، ولكنه قال: اعفوا واغفروا واصفحوا، كما في قوله سبحانه وتعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(28)، ويؤكد القرآن الكريم على الدفع بالتي هي أحسن وفوائده وكون ذلك مع الذين يريدون أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فقال سبحانه: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(29).
    فهذا سياق تحتار فيه العقول، بعد أن أخبر سبحانه بما يضمره أهل الكتاب من مشاعر حقد وحسد يأمر المسلمين بالعفو والصفح، ويطلب منهم أن ينتظروا أمر الله ولا ينتقموا لأنفسهم.
    وامتدح الله المؤمنين الذين يحافظون على طاعة الله، وإذا ما وقعوا في المعصية يرجعون من قريب، وامتدحهم أيضا بأنهم يتسامحون إذا ما هم غضبوا فقال جل اسمه: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}(30).
    وامتدح الله الصابرين على الأذى، والتاركين للانتقام لأنفسهم بصيغة تحث على الترغيب في العفو والتسامح، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(31).
    كذلك امتدح الله عباده المؤمنين الذين اجتمعت فيهم خصال الخير، من الإنفاق في سبيل الله، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس جميعهم، فقال سبحانه وتعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(32).
    وتتعدد أساليب الدعوة إلى العفو في القرآن الكريم، فتارة تكون بصيغة الأمر، وتارة بصيغة مدح من يعفو، وأخرى بالتذكير بأن الثواب من جنس العمل، فيدعو الله المؤمنين إلى هذا الخُلُق الرشيد وهو العفو؛ حتى يعاملهم الله به، فيقول تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(33).
    ثم يؤكد المولى سبحانه وتعالى نفس المعنى، من أن جزاء المغفرة غفران، وجزاء الإحسان إحسان، وإن كان سياق هذه الآية في صيغة الشرط، فيقول عز من قائل: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(34).
    ويستمر القرآن في بيان أن أفضل الأخلاق هو ترك المؤاخذة، والتسامح، فيبين المولى سبحانه وتعالى أن العفو أجره لا يعلمه إلا الله، مما يفيد عظيم الثواب كما في الصيام، فقال سبحانه: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}(35).
    ونختم هذا الاستشهاد القرآني بدعوة القرآن الكريم للعفو حتى في مواطن القتل؛ حيث يدعو اللهُ وليَّ الدم للعفو عن القاتل: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (36).
    فرب العالمين يبيِّن أن هذا الخُلُقَ هو تخفيف من الله سبحانه وتعالى ورحمة منه، وعلى عباد الله الصادقين المؤمنين أن يتخلقوا بأخلاق الجمال من ربهم، ويتعلقوا بأخلاق الجلال من ربهم.
    وفيما يلي نتعرض لذكر نصوص السنة النبوية المشرفة على من سنها أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    التسامح في السنة يقرر حقيقة مكارم الأخلاق :
    أخبر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن ربه أرسله سبحانه وتعالى ليحقق به كمال الأخلاق، ويتم به مكارمها، وهذا المعنى لم يكن مستنبطا من الأحاديث بقدر ما كان صريحًا في أقواله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»(37).
    قال صاحب "فيض القدير": «قال الحكيم: أنبأنا به أن الرسل قد مضت ولم تتم هذه الأخلاق، فبُعث بإتمام ما بقي عليهم. وقال بعضهم: أشار إلى أن الأنبياء - عليهم السلام - قبله بعثوا بمكارم الأخلاق وبقيت بقية صلى الله عليه وسلم بما كان معهم وبتمامها»(38).
    وقد أخبرنا رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الأمة كلها مبعوثة من ربها، وأن الله ابتعث هذه الأمة للتيسير على عباده، وليس للتعسير عليهم، فعن أبي هريرة قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوه وهريقوا على بوله سَجْلا من ماء أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بعثتم مُيَسِّرين، ولم تُبعثوا مُعَسِّرين»(39).
    أما عن مسألة التسامح والعفو خاصة فقد امتلأت كتب السنة بالأحاديث الداعية للتسامح والعفو، فأرشد النبي العظيم صلى الله عليه وسلم أمته إلى التحلي بالتسامح في معاملاتهم كلها، سواء كانت هذه المعاملات مع المسلمين أم مع غير المسلمين.
    فعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله رجلا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى»(40). ويشهد لهذا الحديث أيضًا ما رواه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدخل الله رجلا الجنة كان سهلا مشتريًا وبائعًا»(41).
    وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدين الإسلامي سَمْحٌ وسهل ويسير، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: قيل لرسول صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة»(42).
    واستنبط الشافعي من الحديث قاعدة: أن المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع(43).
    وأمر رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم المسلم أن يسمح ويتسامح؛ حتى يسمح الله معه، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسمح يُسمح لك»(44).
    كما بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السماحة إذا غابت من المسلمين فإن الموت أفضل لهم من الحياة، وإذا انتشرت السماحة بينهم فإن الحياة أفضل لهم، ونستطيع أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم وضع دستور الإصلاح الداخلي في الدولة المسلمة، قبل أن ينادي به هؤلاء الذين لا يعرفون التسامح ولا السماحة، ويسعون في الأرض فسادًا؛ وإنما ينادون به ذريعةً لإهلاك البلاد والعباد والله لا يحب الفساد.
    فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلاءكم، وأموركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها»(45).
    ولم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته للأمة بالتسامح على الإرشاد بالكلام فحسب، بل ضرب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أروع أمثلة التسامح والحلم؛ ليُعلِّم أصحابه والمؤمنين من بعده والعالم بأسره كيف يتسامح الإنسان مع أخيه الإنسان، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشى مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثَّرَتْ به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مُرْ لي من مال الله الذي عندك. فالتفت إليه، فضحك ثم أمر له بعطاء(46).
    قال الإمام النووي بعد أن ذكر هذا الحديث: «فيه احتمال الجاهلين، والإعراض عن مقابلتهم، ودفع السيئة بالحسنة, وإعطاء من يتألف قلبه، والعفو عن مرتكب كبيرة لا حد فيها بجهله، وإباحة الضحك، ثم الأمور التي يتعجب منها في العادة، وفيه كمال خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلمه وصفحه الجميل»(47).
    وعن عائشة - رضي الله عنها-: هل أتى عليك يا رسول الله يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيته منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلَال فلم يجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب, فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني, فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك, وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئتَ فيهم, فناداني ملك الجبال فسلم علي وقال: يا محمد, إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربي إليك لتأمرني بما شئت, فإن شئت أطبقتُ عليهم الأخشبين, فقلت: بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا»(48).
    كما أرشد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الاهتمام بالسماحة والجمال حتى في الصوت والآذان، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأحد مؤذنيه: «إن الأذان سهل سَمْحٌ، فإن كان أذانك سمحًا سهلا، وإلا فلا تؤذِّن»(49).
    وطالما حث النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أُمَّته على العفو والتسامح في أكثر من حديث، فعن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقصتْ صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله»(50).
    وقد أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أفضل أخلاق أهل الدنيا على الإطلاق هو خُلُق العفو، وكأنه ينوع صلى الله عليه وسلم أساليب الحث والترغيب في هذا الخلق الكريم.
    فعن عبدالله بن أبي الحسين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ من عفا عمن ظلمه، وأعطى من حرمه، ووصل من قطعه, ومن أحبَّ أن يُنسأ له في عمره ويزادَ له في ماله فليتقِ اللهَ ربَّه وليصلْ رَحِمَه»(51).
    بل كان دَيْدَنُه دائمًا صلى الله عليه وسلم العفو، وكان يُرَغِّب صاحب الحق في القصاص في العفو، فعن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رُفِعَ إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو»(52).
    وقال صلى الله عليه وسلم: «من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمنًا وإيمانًا, ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعًا كساه الله حلة الكرامة, ومن زوج لله توجه الله تاج الملك»(53).
    كما كان صلى الله عليه وسلم يمتدح العافين من أصحابه على الملأ، ويرشد باقي أصحابه بأن يتأسوا به، فعن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك»(54). والنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هذا خلق حسن، أن يسامح المسلمُ كلَّ من يتناوله بالغيبة أو السباب أو ما إلى ذلك من انتهاك للعرض قد حرَّمه الله سبحانه وتعالى.
    وأما عن الرحمة في السنة الشريفة العاطرة، فرسولنا الكريم - صلوات ربي عليه وتسليماته - هو رسول السلام والمحبة والرحمة إلى الكون كله، فهو الذي حث أُمَّته على الرحمة بكل من في الأرض، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(55).
    ولقد فاضت رحمته وسماحته البَشَرَ كلَّهم حتى وصلت إلى كل كائن حي؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث - يأكل الثرى من العطش - فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له». قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: «في كل ذات كبد رطبة أجر»(56).
    وامتدح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الرحماء، وبيّن أن رحمتهم هذه نعمة جليلة من الله سبحانه، وأرشد كذلك المحتاجين إلى التوجه إلى الرحماء، فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اطلبوا المعروف من رحماء أمتي تعيشوا في أكنافهم، ولا تطلبوه من القاسية قلوبهم؛ فإن اللعنة تنزل عليهم، يا علي، إن الله خلق المعروف وخلق له أهلا فحببه إليهم وحبب إليهم فعاله ووجه إليهم طلابه كما وجه الماء إلى الأرض الجدبة ليُحيِيَ به أهلها، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»(57).
    وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم صراحة من القسوة وانعدام الرحمة، وبيّن أن هذا المسلك الذميم يَحْرِم الإنسان من رحمة رب العالمين في الآخرة فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يَرحم الله من لا يَرحم الناس»(58). وهذا يوضح أن الرحمة المأمور بها هي رحمة عامة لكل الناس، وليست قاصرة على من يتفقون معنا في الدين أو في الجنس أو في اللون، بل هي رحمة عامة؛ لأنه رحمة مستقرة في قلب المسلم.
    وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق أبا القاسم صاحب هذه الحجرة يقول: «لا تُنزَع الرحمة إلا من شقي»(59).
    كما اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم اعتناء فائقا بتوجيه الرحمة للفئات الضعيفة في المجتمع والأقليات، مع أنه من المفهوم أن مثل ما سبق من التوجيهات والإرشادات النبوية الشريفة تشمل كل فئات المجتمع، وكذلك تشمل كل الناس، بل ثبت أنها تشمل الحيوانات كذلك.
    إلا أن رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم واسعة، فأراد التأكيد على العفو والتسامح والرحمة بهذه الفئات بأحاديث مخصوصة، فعن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ فقال: «كل يوم سبعين مرة»(60)؛ ولأن الخادم من الفئة الضعيفة في المجتمع
    فالنبي صلى الله عليه وسلم يبالغ في الرحمة به، وكذلك في العفو عنه إذا ما هو أخطأ.
    وكذلك اهتم النبي صلى الله عليه وسلم اهتمامًا فائقًا بالرحمة والتسامح والعفو مع الأقليات الدينية - بالتعبير العصري - وحذّر أشدَّ التحذير من ظلم واحد منهم فقال صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهدًا أو انتقصه حقًّا أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة»(61).
    كل هذه النصوص الكثيرة المذكورة توضح سماحة الإسلام في تراثهم وفكرهم ونظرياتهم، مع ما لا يتعارض معه عقل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض.


    الهوامش:
    ---------------------
    (1 ) الآيات 30 : 33 من سورة البقرة.
    ( 2) من الآية 32 من سورة المائدة.
    (3 ) الآية 205 من سورة البقرة.
    ( 4) الآية 1 من سورة النساء.
    ( 5) الآية 70 من سورة الإسراء.
    ( 6) الآية 22 من سورة الروم.
    ( 7) من الآية 13 من سورة الحجرات.
    ( 8) من الآية 13 من سورة الحجرات.
    ( 9) من الآية 256 من سورة البقرة.
    ( 10) «تفسير ابن كثير» (1/ 311).
    ( 11) أي: قليلة النسل.
    ( 12) كان يفعل ذلك نساء الأنصار في الجاهلية.
    ( 13) يعنون: لا ندعهم يعتنقون اليهودية.
    ( 14) الآية 8 من سورة الممتحنة.
    ( 15) ذكره السرخسي في «شرح السير الكبير» (1/ 96) باب صلة المشرك.
    ( 16) الآية 107 من سورة الأنبياء.
    ( 17) «تفسير الطبري» (17/ 106).
    ( 18) الآية 89 من سورة الزخرف.
    ( 19) من الآية 88 من سورة الزخرف.
    ( 20) «تفسير الطبري» (25/ 106).
    ( 21) من الآية 85 من سورة الحجر.
    ( 22) «تفسير الطبري» (14/ 51).
    ( 23) من الآية 33 من سورة الأنفال.
    ( 24) الآية 199 من سورة الأعراف.
    ( 25) من الآية 159 من سورة آل عمران.
    ( 26) الآية 13 من سورة المائدة.
    (27 ) من الآية 34 من سورة فصلت.
    ( 28) الآية 14 من سورة الجاثية.
    ( 29) الآية 109 من سورة البقرة.
    ( 30) الآية 37 من سورة الشورى.
    ( 31) الآية 43 من سورة الشورى.
    ( 32) الآية 134 من سورة آل عمران.
    ( 33) من الآية 22 من سورة التوبة.
    ( 34) من الآية 14 من سورة التغابن.
    ( 35) من الآية 40 من سورة الشورى.
    ( 36) من الآية 178 من سورة البقرة.
    ( 37) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 381) حديث (8939) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 188) وقال: «ورجاله رجال الصحيح».
    (38 ) «فيض القدير» للحافظ المناوي (2/ 572).
    ( 39) أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «صب الماء على البول في المسجد» حديث (220) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    ( 40) أخرجه البخاري في كتاب «البيوع» باب «السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقًّا فليطلبه في عفاف» حديث (2076) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما.
    ( 41) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 70) حديث (508)، والنسائي في «المجتبى» في كتاب «البيوع» باب «حسن المعاملة والرفق في المطالبة» حديث (4696)، وفي «السنن الكبرى» (4/ 60) حديث (6295)، وابن ماجه في كتاب «التجارات» باب «السماحة في البيع» حديث (2202)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (2/ 353) وسكت عنه.
    ( 42) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 236) حديث (2107)، والطبراني في «الكبير» (11/ 227) حديث (11572).
    ( 43) «فيض القدير» للحافظ المناوي (1/ 170).
    ( 44) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 248) حديث (2233)، والطبراني في «الأوسط» (5/ 211) حديث (5112)، وفي «الصغير» (2/ 281) حديث (1169)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 193) وقال: «ورواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح».
    (45 ) أخرجه الترمذي في كتاب «الفتن» باب «ما جاء في النهي عن سب الرياح» حديث (2266).
    ( 46) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «فرض الخمس» باب «ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه» حديث (3149)، ومسلم في كتاب «الزكاة» باب «إعطاء من سأل بفحش وغلظة» حديث (1057)، واللفظ للبخاري.
    ( 47) «شرح صحيح مسلم» للنووي (7/ 147).
    ( 48) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «ذكر الملائكة» حديث (3231)، ومسلم في كتاب «الجهاد والسير» باب «ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين» حديث (1795) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    ( 49) أخرجه الدارقطني في «سننه» (2/ 86).
    ( 50) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «استحباب العفو والتواضع» حديث (2588) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    (51 ) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (7/ 237- 238) حديث (35652)، والبيهقي في «الشعب» (6/ 312) حديث (8300)، والطبراني في «الكبير» (19/ 155).
    ( 52) أخرجه أبو داود في كتاب «الديات» باب «الإمام يأمر بالعفو في الدم» حديث (4497)، والنسائي في كتاب «القسامة» باب «الأمر بالعفو عن القصاص» حديث (4784)، وفي «السنن الكبرى» (4/ 230) حديث (6986)، واللفظ لأبي داود.
    (53 ) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «من كظم غيظًا» حديث (4777)، والقضاعي في «مسند الشهاب» (1/ 269) حديث (437) من حديث سويد بن وهب عن رجل من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن أبيه.
    (54 ) أخرجه عبدالرزاق في «مصنفه» (9/ 77)، وقد أخرج أبو داود نحوه في كتاب «الأدب» باب «ما جاء الرجل يحل الرجل قد اغتابه» حديث (4887) من حديث أنس رضي الله عنه.
    ( 55) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في الرحمة» حديث (4941)، والترمذي واللفظ له في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في رحمة الناس» حديث (1924)، والحاكم في «مستدركه» (4/ 175) حديث (7274) وصححه من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
    ( 56) أخرجه البخاري في كتاب «المظالم والغصب» باب «الآبار على الطرق إذا لم يُتأذَّ بها» حديث (2466)، وفي كتاب «الأدب» باب «رحمة الناس البهائم» حديث (6009) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    ( 57) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/ 357) حديث (7908) وصححه.
    ( 58) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «التوحيد» باب «قول الله تبارك وتعالى: { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ }» حديث (7376)، ومسلم في كتاب «الفضائل» باب «رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال» حديث (2319) من حديث جرير بن عبدالله رضي الله عنه، واللفظ للبخاري. (59 ) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/ 461) حديث (9941)، (9946)، (2/ 539) حديث (10964)، وأبو داود في كتاب «الأدب» باب «في الرحمة» حديث (4942)، والترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في رحمة الناس» حديث (1923)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن».
    (60 ) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في حق المملوك» حديث (5164)، والترمذي واللفظ له في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في العفو عن الخادم» حديث (1949)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (3/ 151) وسكت عنه.
    (61 ) أخرجه أبو داود في كتاب «الخراج والإمارة والفيء» باب «في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات» حديث (3052)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 205) من حديث صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم.



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  6. #6
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    التفكير المستقيم من منظور إسلامى

    ما هي خصائص التفكير المستقيم في الفكر الإسلامي؟

    والجواب :

    التفكير نعمة ربانية وهبها الله للإنسان، ومِنْ شُكرِ النعمة أن نتحدث بها؛ قال الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (1 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»(2 )، وقال في شأن قصر الصلاة - ثم صارت مقولته قاعدة مستمرة: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»(3 ).
    والدليل على أن التفكير نعمة أننا قد أُمرنا به في حياتنا كلها، وفي القرآن: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}( 4)، فربط بين الالتزام بالأوامر والنواهي في العقيدة والشريعة والأخلاق، وبين التفكر الذي هو الأساس في الفهم.
    1- والفكر: ترتيب أمور معلومة يتوصل الإنسان بها إلى مجهول. والأمور المعلومة تكون في صورة جملة مفيدة، يضم الفكر جملة مع جملة ويربط بينهما ويخرج بنتيجة منهما، وكل جملة مفيدة قد تخبر عن واقع وقد تعبر عن طلب، والتفكير المستقيم يبدأ من البحث في الجملة التي تخبر عن واقع ويأخذ في التأكد من صحتها، وإلا اتجه الفكر إلى الخرافة فلا يكون مستقيمًا. وكل جملة مفيدة لها مجال، وكل مجال له طريقة في إثباته، ودليل يبرهن على صحته، ومعيار للقبول والرد بشأنه.
    2- فهناك أمور تعود إلى الحسِّ والتجريب، مثل جملة: النار محرقة، والشمس مشرقة. ودليل هذه الأمور يكون بإدراك الحس، أو بالخبر المتواتر الموثوق به، وهناك أمور أخرى تعود إلى العقل مثل حقائق الرياضيات، وهناك أمور تعود إلى النقل مثل أحكام اللغة وأحكام الشريعة، وكل ذلك يحتاج إلى منهج من التجربة والملاحظة والاستنتاج، وتكرار ذلك مرات حتى تستقر في الذهن حقيقتها وتكون صالحة للاستعمال، ويسمي المناطقة الجملة المفيدة بـ "النسبة التامة"، وتُعَرّف بأنها: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. فإذا كانت الجملة عادية حسية أضافوا عبارة "بناء على التكرار" وإذا كانت نقلية قالوا: "بناء على وضع الواضع"، وإذا كانت عقلية قالوا: "غير معتمدة على تكرار ولا وضع واضع".
    3- ومن صور الانحراف عن التفكير المستقيم أن نبحث عن دليل لمسألة عقلية في النقل، أو عن مسألة حسية في العقل، أو عن مسألة نقلية في الحس، والذي يضبط كل ذلك هو العلم، والعلم في التعريف العربي لا يقتصر على المعنى المترجم لكلمة Science الذي قصر العلم على التجريب فقط؛ وإنما يعني القدر التعييني من المعرفة؛ وبذلك فهو يفرق بين القطعي والظني ويعلم حدود كل واحد منهما.
    فالخلط بين القطعي والظني من مظاهر التفكير المعوج، والخلط بين مجال الحس والعقل والنقل وعدم التمييز بينها من مظاهر التفكير المعوج كذلك، والسير خبط عشواء من غير اتضاح كيفية الاستفادة من كل المجالات؛ لأنها تمثل الواقع المعيش من مظاهر ذلك التفكير المعوج، واحتقار مجال على حساب مجال آخر من مظاهر التفكير المعوج أيضًا.
    4- والتفكير المعوج يؤدي بنا إلى الغثائية، ويؤدي بنا إلى عقلية الخرافة، وإلى منهج الكذب الذي يعني مخالفة الواقع أو مخالفة الواقع والاعتقاد؛ ولذلك أُطلق الكذب في لغة قريش على الخطأ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في يوم فتح مكة: «كذب سعد» عندما قال سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة. فقال صلى الله عليه وسلم: «بل اليوم يوم الرحمة» وكذب هنا بمعنى أخطأ فيما قال، فعزله النبي صلى الله عليه وسلم من القيادة، وعيّن ابنه قيسًا مكانه.
    إن التفكير المعوج يجعل الناس تعيش في أوهام، وإذا شاع هذا التفكير اختلت الأمور، وكان ذلك أكبر عائق أمام التنمية البشرية وأمام الإبداع الإنساني، وأمام التقدم والأخذ بزمام الأمور، وأمام العلم وأمام تحصيل القوة، وإذا كان كذلك فشلت كل محاولات الإصلاح وشاعت الغوغائية والعشوائية.
    5- وإذا ما قارنّا حالنا مع الفكر المستقيم والفكر المعوج مع حال أسلافنا؛ حيث بنيت الحضارة ونفعت الإنسان في كل مكان - لوجدنا أنهم قد تبنوا الفكر المستقيم وحاربوا بكل قوة الفكر المعوج، وإذا ما قارنّا حالنا في ذلك مع حال الحضارة الغربية وجدناهم أيضًا قد حاربوا الفكر المعوج ورفضوه، ومن مظاهر رفضه قضية التخصص والمرجعية، فقد آمنوا بالتخصص وآمنوا بالمرجعية، ولم تعد شخصية «أبو العريف» التي شاعت في الثقافة الشعبية شخصية محببة أو طريفة، بل هي شخصية غاية في التخلف والانحطاط، ويمثل الكذب عندهم - سواء عند السلف أو عند الغرب - قيمة سلبية يُحاسب عليها من يرتكبها على جميع المستويات، ويكون الكذب جريمة إذا ما صدر من مسئول أو متصدر لخدمة الناس.
    6- وتحت فكرة احترام المرجعية تمَّ التفريق بين الحقائق والآراء؛ فليس هناك وجهات نظر في الأمور التي تحتاج إلى تجربة وحس، وجهات النظر تكون في معالجة رعاية شئون الأمة، وتكون في مجال يحتمل الآراء، سواء من أهل التخصص أو كان من عموم الناظرين والكاتبين، ولابد أن يؤسس الرأي - حتى يكون محترمًا- على الفكر المستقيم، ولابد أن يتغيا أيضًا النفع والصالح العام، فإذا خرج عن الفكر المستقيم أو تغيا الشر والفساد فهو مردود على صاحبه مهجور يجب اجتنابه.
    يبدو أن هذه الحقائق البسيطة المتفق عليها يصعب على كثير من الناس اتباعها، ولا يستطيعون إلا أن يسيروا في نزقهم الفكري وتكبرهم المهني بصورة بشعة تفقد مصداقية الكلمة وينهار معها أسلوب الخطاب.
    7- إن الإصرار على اتباع التفكير المعوج الغثائي، والتدخل في التخصصات المختلفة بصورة تجمع بين الجهل وبين الكبر - يجب أن تُحارب بشكل منتظم، ابتداء من مناهج التعليم وانتهاء بالإعلام؛ حتى نعود إلى الأمل في تغيير حالنا: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} ( 5).
    ويجب أن نعلم جميعًا أن الفقه الإسلامي علم من العلوم عرّفه العلماء بأنه: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية"، وهو علم له مسائله وله مناهجه وله أدواته وله مساقاته الدراسية، وله مدارسه الفكرية، وله علومه المساعدة، وله فوائده ونتائجه، وأنه ليس سبيلا يرده كل من أراد أو فكّر دون اعتماد على ذلك العلم، هو علم لا يعرف العنصرية ولا يريدها؛ فكل ذكر أو أنثى وكل أبيض أو أسود له أن يخوض طريق ذلك العلم، ولكن لا يجوز له بأي حال من الأحوال أن يتعدى حدوده وأن يقول فيه ما ليس له أن يقول، ليس من الليبرالية أن تعترض على علم الكيمياء فيما توصلوا إليه بمناهجه وأدواته، وليس من الليبرالية أن تتدخل في الطب وتعرض آراء الناس فيه، بل هذا من عقلية الرُّكة والخرافة التي تجر العلم إلى الانطباعات والرغبات والشهوات ووجهات النظر، وليس هذا بحاله.
    والفقه علم من العلوم؛ فمن تعامل معه بهذه الطريقة استجلب للعارف بالحقيقة الضحك الممتزج بالبكاء، فإن شر البلية ما يضحكُ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (6 )، واشتد تحذير الله لنا من هذا الطريق المهلك حيث يقول: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} (7 ).


    الهوامش:
    ---------------
    (1 ) الآية 11 من سورة الضحى.
    ( 2) أخرجه الترمذي في كتاب «الأدب» باب «ما جاء إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» حديث (2819) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن».
    ( 3) أخرجه مسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» حديث (686) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
    (4 ) الآية 44 من سورة النحل.
    (5 ) من الآية 11 من سورة الرعد.
    (6 ) الآية 33 من سورة الأعراف.
    (7 ) من الآية 17 من سورة يونس.



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  7. #7
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    التوبة الصادقة

    ما المقصود بالتوبة الصادقة ؟

    الجواب :

    التوبة في اللغة العود والرجوع, يقال: تاب إذا رجع عن ذنبه وأقلع عنه. وإذا أسند فعلها إلى العبد يراد به رجوعه من الزلة إلى الندم, يقال: تاب إلى الله توبة ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية, وإذا أسند فعلها إلى الله تعالى يستعمل مع صلة (على) يراد به رجوع لطفه ونعمته على العبد والمغفرة له, يقال: تاب الله عليه: غفر له وأنقذه من المعاصي. قال الله تعالى: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }(1).
    وفي الاصطلاح التوبة هي: الندم والإقلاع عن المعصية من حيث هي معصية، لا لأن فيها ضررًا لبدنه وماله, والعزم على عدم العود إليها إذا قدر. وعرفها بعضهم بأنها: الرجوع عن الطريق المعوج إلى الطريق المستقيم. وعرفها الغزالي بأنها: العلم بعظمة الذنوب, والندم، والعزم على الترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي.
    وهذه التعريفات وإن اختلفت لفظًَا فهي متحدة معنى. وقد تطلق التوبة على الندم وحده إذ لا يخلو عن علم أوجبه وأثمره وعن عزم يتبعه, ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الندم توبة»(2)، والندم توجع القلب وتحزنه لما فعل وتمني كونه لم يفعل.
    التوبة من المعصية واجبة شرعًا على الفور باتفاق العلماء; لأنها من أصول الإسلام المهمة وقواعد الدين, وأول منازل السالكين, قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(3).
    والتوبة حالة نقد ذاتي، وحالة من مراجعة النفس، وحالة من الرقابة الداخلية، فإذا ما سمعنا هذه الألفاظ النقد الذاتي ومراجعة النفس ومحاولة الرقابة ظننا أن هذه الألفاظ لا علاقة لها بالتوبة؛ لأن مفهوم التوبة قاصر عند أغلب الناس على الإقلاع عن معاص بعينها، وليس الأمر كذلك، بل التوبة سمة روحية وقلبية تنشئ المسلم الحريص على أمر دينه ودنياه.
    والتوبة إلى الله عقد بين العبد وربه يلزمه بعدم العودة إلى الذنب مرة أخرى، وحيث إن العصمة من الذنب ليست في مقدور أحد، وإنما هي محض تفضل من الله إن أرادها لك، لذلك تقدم الاستغفار، فالاستغفار فيه طلب المعونة، فتطلب من الله أن يغفر لك ثم ترجع إليه في سلوك قويم وتراقب سلوكك حتى لا تنقض العهد، وتلتمس منه سبحانه أن يعينك على الالتزام بذلك العهد.
    والإنسان يحتاج للتوبة دائمًا؛ لأن الله قد أمر بتوبة مخصوصة وهي التوبة النصوح فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(4).
    وقد اختلفت عبارات العلماء في معنى التوبة النصوح, وأشهرها ما رُوي عن عمر وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهم - وروي مرفوعا عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التوبة النصوح أن يندم المذنب على الذنب الذي أصاب، فيعتذر إلى الله عز وجل ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع»(5) وأن التوبة النصوح هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع. وقيل: هي الندم بالقلب, والاستغفار باللسان, والإقلاع عن الذنب, والاطمئنان على أنه لا يعود.
    فلابد من المراجعة الدائمة؛ لأنها عظيمة النفع في ترقِّي الإنسان وخلاصه من الدَّنايا، ولقد ضرب لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أروع النماذج في مداومة الاستغفار والرجوع إلى الله، وإن لم يسبق هذا الرجوع ذنب في حقه الشريف، فهو المعصوم صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة»(6).
    غير أن سنة الله في طبيعة البشر اقتضت أن تكون تلك التوبة والمراجعة دائمة، ولا ينبغي أن نملَّ من كثرة التوبة إلى الله، ولا نمل من مصارحة النفس بالعيوب والقصور، ولا نمل من الإقلاع بهمة متجددة لرب العالمين.
    نسأل الله أن يرزقنا التوبة الصادقة، والتوبة الدائمة، وأن يغفر لنا، ويقبلنا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    الهوامش:
    ----------------------
    (1 ) من الآية 118 من سورة التوبة.
    (2 ) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 376، 422، 423، 433)، وابن ماجه في كتاب «الزهد» باب «ذكر التوبة» حديث (4252)، وابن حبان في «صحيحه» (2/ 377) حديث (612)، والحاكم في «مستدركه» (4/ 271) حديث (7612) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
    (3 ) من الآية 31 من سورة النور.
    (4 ) الآية 8 من سورة التحريم.
    (5 ) ذكره الطبري في «تاريخه» (1/ 51)، والأصبهاني في «العظمة» (4/ 1175).
    (6 ) أخرجه مسلم في كتاب «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» باب «استحباب الاستغفار والاستكثار منه» حديث (2702) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.


    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  8. #8
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم

    [SIZE="4"]

    الجانب الأخلاقى فى الإسلام - سمات عامة

    ما هى أهم السمات العامة للجانب الأخلاقى فى الإسلام ؟

    والجواب :
    أن الجانب الأخلاقى فى الإسلام يبرز كمثل أعلى للبشرية تتقاصر دونه كل النظريات والفلسفات ، وأهم السمات العامة لذلك الجانب تتمثل فيما يلى :
    1) العقيدة فى الإسلام هى منبع الأخلاق ، وعليها يقوم أمر الانسجام النفسى والاستقرار الداخلى للنفس البشرية ، فوحدانية الله فى الذات والصفات والأفعال هى محور الدائرة ، فالآراء والعقائد الصحيحة فى الكون والإنسان والحياة هى طريق بناء المجتمع وسعادة أفراده.
    2) ويؤكد الجانب الأخلاقى فى الإسلام على أثر العقيدة فى الاطمئنان القلبى ، وضرب لذلك تشبيها رائعا ، قال تعالى { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر :29] ، وقال سبحانه {وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن :11].
    3) شرعت العبادات فى الإسلام تزكية للسمو الروحى ، والفطرة الملائكية فى الإنسان ، ولتأخذه بعيدا عن شهوات النفس ، قال تعالى فى شأن الصلاة {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } [العنكبوت :45] ، وقال جل ذكره فى شأن الزكاة { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [التوبة :103]، وفى تعالى فى شأن الحج { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ } [البقرة :197].
    4) المعاملة هى ملتقى روافد الإيمان كلها ، وعنوانها العام هو البر والتقوى ، قال تعالى { وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ [المائدة :2].
    5) الطاقة الإنسانية كلها موجهة لفعل الخير فكرا وعاطفة وسلوكا ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج :77].
    6) أصول العلاقات بين الناس فى الإسلام قائمة على شرعة المحبة والأخوة كأنها من أسرة واحدة ، قال صلى الله عليه وسلم : ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا)) أخرجه البخارى (ح 5719) ، ومسلم (ح 2563) عن أبى هريرة .
    7) أن المجتمع قد يدان بأخلاقه ، كما يدان الفرد ، والإنسانية لا يمكن لها أن ترتفع إلى ما فوق جوانب الضعف فيها إن لم يكن لها من المثل العليا ما يسمو عليها ، وعلى الإنسانية أن ترتقى إلى هذه المثل جيلا بعد جيلا ، ولا يمكن الوصول إلى ما يسمو على الإنسانية إلا من خلال الوحى الإلهى الصحيح المتمثل فى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة .
    8) أن الأخلاق فى الإسلام لا توصف بغير أنها إسلامية ، وكفى ، هل هى أخلاق قوة ؟ هل هى أخلاق محبة ؟ هل هى أخلاق اجتماعية ؟ هل هى أخلاق إنسانية ؟ هى كذلك أحيانا ، ولكنها ليس كذلك فى جميع الأحيان ، فأخلاق القوة مثلا قد تفهم على وجوه متعددة بل ومتناقضة ، يحمد الإسلام بعضها ، ويذم بعضها ، خاصة على مذهب فلاسفة القوة فى العصر الحديث . وقد توصف الأخلاق فى الإسلام بأنها أخلاق محبة ، ولكن الإسلام ينكر من يحب الخبيث كما يحب الطيب.
    9) وليس قوام الأخلاق كله فى الإسلام على التوسط أو القصد والاعتدال كما تذهب إليه الفلسفة اليونانية وما تبعها من الفلسفات الأخلاقية ، وهناك من الأخلاق ما يقبل فيها أن يبذل الإنسان جهده للوصول إلى أقصى المراتب ، وعدم الوقوف عند حد التوسط ، ففعل الخير مطلقا لا يقف عند حد التوسط ، وقد أشار تعالى إلى هذا فى قوله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [آل عمران :200] ، فأمر بالصبر أولا ، ولم يقتصر على ذلك بل أمر بالمصابرة.


    المصدر : أ/ د محمد سيد أحمد المسير ، المجتمع المثالى فى الفكر الفلسفى ، وموقف الإسلام منه ، القاهرة : دار المعارف ، ط 2 ، 1989 م ، (ص 139 – 142 ، 188) . [/SIZE]




  9. #9
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    الجمال من منظور إسلامى


    يحتل الجمال كمفهوم فلسفى مكانة خاصة فى الفلسفة العامة ، فكيف تعامل الفكر الإسلامى المعاصر معه ؟

    والجواب :

    لقد تَبَنَّي المسلمون الجمال والرحمة عبر العصور، الجمال بمعناه الواسع الذي يتعدى الجمال الفلسفي، الذي يقتصر على ما يتعلق بالبصر والمشاهدة بالعين، في حين أن المسلمين قد ارتفعوا به إلى البصيرة وإلى اعتقادهم أن الجمال من صفات الله تعالى، ففي الحديث الشريف: «إن الله جميل يحب الجمال»(1).
    وجمال مدرسة السلطان حسن ومسجده في ظاهرها وحقيقتها ومضمون الرسالة التي أرادها السلطان حسن، نموذج للجمال عند المسلمين ، وعلينا أن نعرف كيف نحيي هذه الأغراض الجليلة في عصرنا، فالحضارة الإسلامية مستمرة لم تمت، وإن كانت قد تخلَّت عن القيادة والريادة، وتخلَّت عن المساهمة والإفادة، وتخلَّت عن اليقظة والإيقاظ، ولكن بقاء لغتها وبقاء كتابها وبقاء تراثها، واستمرار ميراث الدين الذي بنيت عليه من جيل إلى جيل - يؤكد عدم موتها وبقاءها، فهي في حالة نوم قابلة للإيقاظ ولا تحتاج إلى إحياء من موت وبعث بعد وفاة.
    1- لقد فطر الله النفس البشرية على حب كل جميل، والنفور من كل قبيح، جعل الله الميل للجمال أمرًا طبعيًّا في الفطرة السليمة، فطبع الإنسان ينفر من كل منظر وخلق وصوت قبيح، وجعل الله الجمال كذلك أمرًا محثوثًا عليه في شرعه الشريف، ففي الجمال اجتماع للأمر الكوني والأمر الشرعي في انسجام باهر.
    ولذلك حث الإسلام على جمال المنظر، وجمال الأخلاق، والأصوات، والرائحة، والمسلم بخلقه الجميل، وبعبادته لرب جميل، وبالتزامه بشرع جميل، يكون جميلا يشيع الجمال والراحة والطمأنينة في المكان الذي يحل فيه، فالمسلم كالغيث أينما حل نفع، ولنطالع نصوص الشرع الشريف التي ترغب فيه:
    ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتكلم عن الجمال وتحث عليه منها قوله تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (2). ففي هذه الآيات يمتن الله تعالى على خلقه بالجمال والزينة التي جعلها في الدواب. وقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} (3)، وهذا مشهد جمالي آخر يدعونا ربنا للتأمل فيه وهو جمال السماء وتزينها بالبروج. كما امتن سبحانه على خلقه بجمال حدائق الأرض فقال سبحانه: {وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (4) وقد حث الإسلام على التجمل والتزين عموما - لاسيما عند الذهاب إلى المساجد - فقال تعالى: {يَا بَنِى آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ} (5).
    كما ورد الحث على الجمال والاعتناء به في السنة النبوية الشريفة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة. قال: «إن الله جميل يحب الجمال؛ الكِبر بطر الحق وغمط الناس»(6).
    وعن معاذ بن جبل قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، إني أحب الجمال، وإني أحب أن أُحمد - كأنه يخاف على نفسه - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يمنعك أن تحب أن تعيش حميدًا وتموت سعيدًا؟ وإنما بعثت على تمام محاسن الأخلاق»(7).
    كل هذه النصوص الشرعية تؤكد على قيمة الجمال وأثره في النفس البشرية.



    الهوامش:

    ------------------
    (1 ) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «تحريم الكبر وبيانه» حديث (91) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
    ( 2) الآيات 5: 8 من سورة النحل.
    ( 3) الآية 16 من سورة الحجر.
    ( 4) من الآية 60 من سورة النمل.
    ( 5) من الآية 31 من سورة الأعراف.
    ( 6) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «تحريم الكبر وبيانه» حديث (91) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
    ( 7) أخرجه البزار في «مسنده» (7/ 92)، والحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (2/ 841) حديث (890)، والطبراني في «الكبير» (20/ 65)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/ 23).



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  10. #10
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم





    الحب من منظور أخلاقي إسلامي


    برجاء توضيح مفهوم الحب كخلق إسلامي عظيم ؟


    الحب شعور إنساني عظيم، يدل على الحياة، كما يدل على الإنسانية، وهو أحد مشتقات الرحمة وآثارها، فالرحيم هو الذي يحب، ومن أحب دل على أنه رحيم، والحب عطاء، والحب كرم، والحب حالة فريدة؛ ولذا قالوا: من أحب لا يكره، وإذا فُقد الحب دل ذلك على فقد الرحمة، وإذا فُقدت الرحمة فلا تسأل بعد ذلك عن مدى الفساد في الأرض، ومدى الظلم المنتشر ومدى التدهور المستمر.
    1- إلا أن الحب في الإسلام تعدى كونه شعورًا وأحاسيس إلى كونه فريضة وواجبًا، وتعدى الحب بمعناه الفردي بين الرجل والمرأة إلى معناه الشامل الذي يجعله مقياسًا للحياة، وأساسًا للسلوك، ومفتاحًا للأخلاق، فالحب للحياة بأشيائها وأحداثها وأشخاصها ومبادئها أمر مقرر في القرآن الكريم، ولكن بعد تحويله إلى طاقة فاعلة للخير والحق والقوة والتعمير.
    2- ولنبدأ بما يحبه الله وما لا يحبه، وهي مجموعة من الآيات التي ترسم دستور الحب الحقيقي غير المزيف؛ حيث يختلط الحب حينئذ بالشهوة والرغبة ويختلط حينئذ بالمصلحة الخاصة المشبوهة، في حين أن الحب الحقيقي شفاف دائم، قد يشتمل على الشهوة دون فساد، وقد يشتمل على المصلحة دون أنانية، وقد يشتمل على الغاية دون خيانة، إنه حب اشتقنا إليه.
    فيقرر القرآن حب الأشياء ولا يجعلها دليلا على الخير دائمًا يقول الله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(1)، ويقول سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ}(2)، ويقول في حب المبادئ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(3).
    3- فما يحب الله؟ قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ}(4). وقال سبحانه: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ}(5). {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(6). {وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}(7). {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}(8)، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ}(9). وقال تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}(10).
    4- فهذه ثمان صفات أخبر القرآن الكريم بأن الله يحبها في عباده، فهو يحب من عبده إذا أخطأ أن يرجع عن خطئه، حتى لو تكرر الخطأ أو الخطيئة، فهو يقبل التوبة من عبادة ويعفو عن كثير، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»(11). والتوبة فلسفة كبيرة في عدم اليأس، وفي وجوب أن نجدد حياتنا وننظر إلى المستقبل، وأن لا نستثقل حمل الماضي، وإن كان ولابد أن نتعلم منه دروسًا لمستقبلنا، لكن لا نقف عنده في إحباط ويأس، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. التوبة فيها رقابة ذاتية تعلمنا التصحيح وتعلمنا التوخي والحذر في قابل الأيام، وهي من الصفات المحبوبة فلنجلعها ركنًا من أركان الحب.
    5- والله يحب أيضًا المتطهرين في ظاهرهم وباطنهم، فإن كانت التوبة من قبيل الطهر الباطني، فإن النظافة من الطهر الظاهر، والنظافة في الجسد والثياب والأثاث والمكان جزء لا يتجزأ وركن ركين في عبادة الله عند المسلمين {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}(12)، ولنجعل الركن الثاني هو التطهر، وهو معنى يمكن أن يتحول إلى إجراءات محددة في حياتنا على مستوى الأمة وعلى مستوى الجماعة، وعلى مستوى الفرد.
    6- فإذا اتصف الواحد منا بالتوبة والطهر فإنه يتصف بالتقوى وهي الخوف الناتج من الحب وليس الناتج عن الخشية، فالتقي هو الذي يخاف أن يغضب حبيبه، وهو الذي يخاف على حبيبه، وهو الذي يمتنع عن كل ما يؤذيه ويسارع في هواه.
    لو كنت حقًّا حبه لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
    7- وإذا كان التقي يبدأ بنفسه، فإن المحسن يتعدى إحسانه لغيره، ولذلك أحب الله المحسنين، وثواب الفعل المتعدي نفعه إلى غيره أكبر وأحسن من الفعل الذي قد يكون قاصرًا. إن هذا يدل على نسق مفتوح؛ مفتوح على الناس، مفتوح على العالم، مفتوح على الآخر، فهذا ركن رابع من أركان الحب.
    8- فإذا فعلنا ذلك فلابد من الصبر والمثابرة والاستمرار فإن «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»(13) والصبر صفة تتحول إلى ملكة راسخة في النفس، والله يحب الصابرين، أي أنه لا يحب الحائر المتردد الذي يبدأ العمل ثم يتركه، وهو الركن الخامس من الحب.
    9- والعدل أساس الملك، ولذا فإن الله يحب العدل ويأمر به ويرشدنا إلى أنه قيمة مطلقة لا تتغير ولا تتبدل كما يراها بعض من عبد المصالح وأخرج الله من حياته، فأصبح بذلك ظالمًا، والله لا يحب الظالمين، بل يحب المقسطين. هل هذه الحقيقة أصبحت لدى بعض البشر محل نظر أو مناقشة؟ يبدو من تصرفاتهم أنها أصبحت كذلك، فعلى هؤلاء أن يدركوا أن الحب قد فقد أحد أركانه إذا فقد العدل، ولا حقيقة للشيء بدون ركنه.
    10- فإذا أضل الناس أو قدر الله عليهم حرمانهم من نعمة الحب ودخلوا في غيره من الكراهية، فعلينا ألا ننساق إليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا»(14).
    11- إن هذه الصفات هي التي تُعد ناشر الخير والسلام، تعد المجاهد في سبيل الله: الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر الذي يريد أن يمنع الشر ويرفع الطغيان والعدوان، وحينئذ لا نجد المفسد الذي يدعي الإصلاح، ولا المرجف الذي يدعي الإسلام قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ}(15). ولا نجد من يلبس الحق بالباطل قال سبحانه: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا}(16).
    (والترجمة الدقيقة لكلمة [Terrorism] هي كلمة [الإرجاف] في العربية، واسم الفاعل مرجف وجمعها المرجفون، وليس الإرهاب الذي هو بمعنى قوة الردع وليس الإفساد في الأرض، وهذا بالمناسبة من قبيل تحرير المصطلح).

    الهوامش:
    ----------------
    ( 1) الآية 216 من سورة البقرة.
    ( 2) الآية 56 من سورة القصص.
    ( 3) من الآية 22 من سورة النور.
    ( 4) من الآية 222 من سورة البقرة.
    ( 5) الآية 76 من سورة آل عمران.
    ( 6) من الآية 195 من سورة البقرة.
    ( 7) من الآية 146 من سورة آل عمران.
    ( 8) من الآية 42 من سورة المائدة.
    ( 9) من الآية 159 من سورة آل عمران.
    ( 10) الآية 4 من سورة الصف.
    ( 11) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 198) حديث (13072)، والترمذي في كتاب «صفة القيامة والرقائق والورع» حديث (2499)، وابن ماجه في كتاب «الزهد» باب «ذكر التوبة» حديث (4251)، والحاكم في «المستدرك» (4/ 272) حديث (7617) وصححه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
    ( 12) من الآية 125 من سورة البقرة.
    ( 13) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الرقاق» باب «القصد والمداومة على العمل» حديث (6464)، (6465)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره» حديث (783) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    ( 14) أخرجه الترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في الإحسان والعفو» حديث (2007) وحسنه، والبزار في «مسنده» (7/ 229) من حديث حذيفة رضي الله عنه.
    ( 15) الآيتان 204، 205 من سورة البقرة.
    ( 16) الآيتان 60، 61 من سورة الأحزاب.


    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  11. #11
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    الحياء خلق إسلامى أصيل

    ما مكانة خلق (الحياء) فى منظومة القيم الإسلامية ؟

    والجواب :

    جاء الدين وحث على الحياء باعتباره خُلقًا محمودًا على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع حتى شاع الذم بعبارة (قليل الحيا) في الاستعمال اليومي، مع حذف همزة الحياء؛ لأن العرب تقصر كل ممدود ولا تمد بالضرورة كل مقصور، وفي الحديث النبوي الشريف عندما عاتب أحدهم آخاه على كثرة حيائه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله»(1). وقال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت»(2).
    وكان الحياء ينشئ ثقافة سائدة تمنع من الانحراف وتضبط إيقاع العمل على المستوى الشخصي والمستوى الجماعي، وانعدام الحياء يوصلنا إلى فقد المعيار الذي به التقويم والذي به القبول والرد والذي به التحسين والتقبيح، وفقد المعيار هذا يؤدي إلى ما يشبه الفوضى وهي الحالة التي إذا استمرت لا يصل الإنسان إلى غايته، ويضيع الاجتماع البشري وتسقط الحضارات في نهاية المطاف حيث لا ضابط ولا رابط.
    1- وعلى ذلك فمن العبارات الشائعة وهي خطأ قولهم: (لا حياء في الدين) ويقصدون أن الإنسان يجب عليه أن يسأل في كل شيء دون خجل يصده عن التعلم فلا يخجل من عدم معرفته ولا يخجل أن يعرف كل شيء في جميع المجالات، فليس هناك حدود للمعرفة والعبارة الصحيحة التي حرفت من أصلها إلى هذه العبارة الجديدة الخاطئة هي: (لا حرج في الدين) وهناك فارق كبير بينهما فصحيح أنه لا حرج في الدين، فإن اليسر يغلب العسر، ومن طبق الدين لا يجد فيه ضيقًا ولا تضييقًا فقد قال الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا} (3) وفي الحديث الشريف: أنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما(4). والقاعدة الفقهية الأم: «المشقة تجلب التيسير».
    فالتيسير من أصل الدين، وهو يشتمل على الرفق في المعاملة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»(5)، ويشتمل التيسير على الرحمة يقول صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»(6)، ويشتمل على رفع الضرر، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»(7)، ويشتمل على الاستمرار في العمل وفي الحديث: كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة(8).
    والحياء خلق يمنع صاحبه من الفحش في القول والعمل، ولذلك فإنه ضد بعض معاني الشفافية التي يدعو إليها بعضهم في عصرنا هذا، والشفافية قد تعني الصراحة في القول والصدق في العمل وهو خلق محمود بلا شك، وقد تعني التبجح بالفاحشة وإظهار المعاصي والفجور بدعوى الحرية التي تساوي حينئذ التفلت والعبث، ولقد نهينا عن هذا التبجح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه»(9)، فالمجاهر يتبجح بالمعصية، إنه يريد أن تشيع فعلته في الناس حتى يكونوا مثله ويكونوا في الفاحشة سواء قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِى الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (10) ولقد ابتلينا بهذا الصنف من الناس الذين يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
    والحياء المذكور في القرآن جاء على ثلاثة أنحاء الأول: ما أسند إلى الله تعالى قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا} (11). وذلك أن هذا ليس بحال الحياء؛ لأنه مجال تعليم كما سبق والحياء إنما هو خلق يمنع صاحبه من السوء وإظهار المعصية وحب إشاعة الفحشاء، ولا علاقة له بالخجل من السؤال في العلم وطلب التعلم؛ لأن العلم وطلبه من الحق قال تعالى: {لاَ يَسْتَحْيِى مِنَ الحَقِّ} (12) والثاني: حياء منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومنه قوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِى مِنكُمْ} (13) وهو حياء من كمال خُلقه ورحمته بأتباعه؛ حيث يقـول لهـم: «أنا لكم بمنزلة الوالد»(14). والثالث جـاء منسوبًا إلـى النساء العفيفات اللائي تربين في بيوت النبوة {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} (15)
    1- وأثر الدعوة إلى قلة الحياء نراها في التصرفات الدولية، حيث يحتل المحتل الأراضي ويسلب الخيرات ويسرق الوثائق والمستندات التاريخية ويعذب السجناء ويلتقط لهم الصور أثناء التعذيب حتى يبعثها لأهله مفتخرًا بنفسه أنه عذب البشر. وخسة أخلاقه حيث ذهب الحياء، وتكذب الأجهزة والدول جهارًا نهارًا بدعوى أسلحة الدمار الشامل والكامل ثم يتبين أنه لا دمار ولا عمار ويستمر الكذب والبهتان ومخالفة الواقع دون حياء، فصدق الأنبياء إذا لم تستح فاصنع ما شئت.
    فإننا كنا معتمدين على أن الحياء يمنع صاحبه من إظهار السوء وإن ظهر يمنعه من الاستمرار فيه وإن تكرر يمنعه من البقاء عليه أو الاستهانة بمن حوله بشأنه ولكن قلة الحياء مكنت هؤلاء من ذلك كله.
    وقلة الحياء نراها أيضا في أولئك الذين حرفوا كلام الله سبحانه وتعالى، ولا يزال التحريف والتخريف مستمرًّا يقول الله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (16) ويقول تعالى: { فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ } (17).
    فعلاج قلة الحياء العفو والصفح والإحسان والصبر على ما ابتلانا الله به؛ ويقول تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِى الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِى الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ
    شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (18).
    فقلة الحياء شائعة في المنافقين الذين آمنوا بأفواههم وتأبى قلوبهم، وشائعة في الكافرين الذين تبجحوا بالكفر أيضًا وعلاج هؤلاء أيضا هو الإعراض عنهم، قال تعالى يؤكد ذلك المعنى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} (19).
    1- ومن قلة الحياء على مستوى المجتمع أن يطلب الرئاسة أسافل الناس، بعد كل ما قدموه من فاحشة وسمعة سيئة، ويصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم في علامات فساد الزمان وأهله: «يأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيهم الرويبضة». قيل: يا رسول الله، وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة»(20). فهذا نموذج من يطلب الرئاسة عملاً بالديمقراطية وأمثال هؤلاء الذباب كثير.
    ويحكى فضيلة المفتى أن أحدهم ناقشه في إحدى الهيئات العلمية فترك المناقشة ، وقال لأحد الجالسين المبعوثين إلى الولايات المتحدة للدراسة على سبيل التفاخر بقلة الحياء وسوء الدين، واستهتارًا لكل قيمة وخلق كريم: «يا فلان، بعد اللقاء سأعطيك عناوين دور الرذيلة في الولايات المتحدة فهي في حقيبتي» ونسي المسكين أن الرذيلة ممنوعة في الولايات المتحدة التي يتشدق بذكرها ، ونسي المسكين أن قلة الحياء لا ينتج منها خير، ولا تزيد صاحبها إلا خساسة ودناءة وانحطاطًا عند الله وعند الناس.
    ويبدو أن المخرج من قلة الحياء هو التربية المستدامة والإصرار عليها، وإرجاع القيم التي تمنع التفلت وجعل تلك الآية دستورًا للتربية.


    الهوامش:
    -----------------
    (1 ) أخرجه مسلم في كتاب «الإيمان» باب «بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان» حديث (37) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
    (2 ) أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» حديث (6120) من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.
    ( 3) الآيتان 5، 6 من سورة الشرح.
    ( 4) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «المناقب» باب «صفة النبي صلى الله عليه وسلم» حديث (3560)، وفي كتاب «الأدب» باب «قول النبي صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا وكان يحب التخفيف واليسر على الناس» حديث (6126)، وفي كتاب «الحدود» باب «إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله» حديث (6786)، ومسلم في كتاب «الفضائل» باب «مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته» حديث (2327) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    ( 5) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «فضل الرفق» حديث (2594) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    ( 6) أخرجه أبو داود في كتاب «الأدب» باب «في الرحمة» حديث (4941)، والترمذي واللفظ له في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في رحمة الناس» حديث (1924)، والحاكم في «مستدركه» (4/ 175) حديث (7274) وصححه من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
    ( 7) أخرجه ابن ماجه في كتاب «الأحكام» باب «من بنى في حقه ما يضر بجاره» حديث (2341) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، والحاكم في «مستدركه» (2/ 66) حديث (2345) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وذكره ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» ص302 وذكر أن له طرقًا يقوّي بعضها بعضًا.
    ( 8) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الصوم» باب «هل يخص شيئًا من الأيام» حديث (1987)، وفي كتاب «الرقاق» باب «القصد والمداومة على العمل» حديث (6466)، ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين وقصرها» باب «فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره» حديث (783) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    ( 9) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «ستر المؤمن على نفسه» حديث (6069)، ومسلم في كتاب «الزهد والرقائق» باب «النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه» حديث (2990) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ للبخاري.
    ( 10) الآية 19 من سورة النور.
    ( 11) من الآية 26 من سورة البقرة.
    ( 12) من الآية 53 من سورة الأحزاب.
    ( 13) من الآية 53 من سورة الأحزاب.
    ( 14) أخرجه أبو داود في كتاب «الطهارة» باب «كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة» حديث (8)، والنسائي في كتاب «الطهارة» باب «النهي عن الاستطابة بالروث» حديث (40)، وابن ماجه في كتاب «الطهارة وسننها» باب «الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة» حديث (313)، والدارمي في كتاب «الطهارة» باب «الاستنجاء بالأحجار» حديث (674)، وابن خزيمة في «صحيحه» (1/ 43) حديث (80)، وابن حبان في «صحيحه» (4/ 279) حديث (1431) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، واللفظ لأبي داود.
    (15 ) من الآية 25 من سورة القصص.
    ( 16) الآية 75 من سورة البقرة.
    ( 17) الآية 13 من سورة المائدة.
    ( 18) الآيتان 41، 42 من سورة المائدة.
    ( 19) من الآية 63 من سورة الفرقان.
    ( 20) أحمد في «مسنده» (2/ 291) حديث (7899)، وابن ماجه في كتاب «الفتن» باب «شدة الزمان» حديث (4036)، والحاكم في «مستدركه» (4/ 512) حديث (8439) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه.


    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  12. #12
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    الرذالة

    ما هو مفهوم الرذالة كصفة سلبية يجب الاحتراز عنها ؟

    والجواب :

    1- في معاجم اللغة تحليل لطيف لتلك الحشرة التي تعلمنا الصبر إذا أردنا أن نتعلمه، وهي حشرة الذباب؛ حيث إنها سميت بذلك لأن هذا النوع كلما ذبه الإنسان عنه وأبعده فإنه يعود إليه. ولا يدرك الذباب أنه غير مرغوب فيه، وأنه قد أُبعد منذ لحظات في محاولة لطرده، بل قد تكون المحاولة لقتله أيضا، وهذه الصفة تجعل منه حشرة رذيلة، وهذه الرذالة تعني أنها لا تدرك شأنها وعلاقة الآخرين بها، ولما كانت لا تدرك ضعفها ولا رغبة الآخرين في إبعادها بل وإبادتها فإنها تتصرف تصرفًا غبيًّا، وعدم الإدراك مع الغباء يدل على أنها منعدمة الشعور والإحساس مع شيء من البلادة.
    2- وتحدث ربنا عن الذباب في كتابه الكريم ضاربًا به المثل حيث جمع بين الضعف وهذه الصفات التي تجعل المقابل له ضعيفًا أيضًا من شدة إصراره على العود وعدم اهتمامه بشعور الآخرين، كما أنه عندما يسلب منا شيئًا من طعامنا أو شرابنا، بل من دمنا إن كان من نوع مصاص الدماء فإننا لا نستطيع أن نصل إلى استرداد حقوقنا منه، سواء أخذها وطار، أو جعلناه تحت أيدينا وقتلناه فإننا في جميع الحالات لا نقدر على رد حقوقنا، فالمصيبة قد حلت بتسلطه علينا وسلبه منا ما استطاع أن يسلب، ويحكى أن بعض الخلفاء سأل الشافعي رضي الله عنه: لأي سبب خُلق الذباب؟ فقال: مذلة للملوك. وكانت ألحت عليه ذبابة، فقال الشافعي: سألني ولم يكن عندي جواب فاستنبطته من الهيئة الحاصلة.
    3- وتحدث ربنا على الجانب القدري في تسليط هذه الحشرة على الإنسان، وأنه على الرغم من ضعفها وقلة حيلتها وصغر جسمها إلا أن من دون الله لا يقدر أن يخلقها، بل هي مخلوق لله، بهذه الصفات التي جعلتها كثيرة منتشرة بالرغم من كل أنواع المقاومة التي عرفها الإنسان ابتداء من (المنشة) و(المزبة) وانتهاء بالمبيدات الحشرية المنتشرة في العالم، وما بذلته الصين للقضاء على الذباب والعصافير المسلطة على المحاصيل الزراعية. ومن أشهر الحملات التي شنت للقضاء على الذباب تلك التي نظمها الأمريكيون قبل الحرب العالمية الأولى؛ حيث كانوا يخصصون خمس دقائق في اليوم لقتل الذباب واصطياده. وهكذا كانت تدق الأجراس وصفارات الإنذار كل يوم في الساعة الواحدة إلا خمس دقائق زوالاً، فيخرج الجميع لأداء هذا الواجب طيلة خمس دقائق يعودون بعدها إلى أعمالهم. وكانت تعرف هذه العملية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، باليوم الوطني للذباب.
    4- ويقول ربنا سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ }(1).
    5- ولما كان هذا النوع من المخلوقات التي تبين قدرة الله ويضرب الله بها الأمثال للناس لعلهم يتفكرون لما كان هذا النوع شائعا، أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمًا يدل على عالمية الإسلام، وأنه لكل زمان ومكان، ولكل الأشخاص في جميع الأحوال وأنه دين الرحمة والعفو، وأنه دين اليسر والتيسير والرفق، وأنه دين حياة؛ حيث قال فيما أخرجه البخاري في صحيحه: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله، ثم ليطرحه، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء»(2). والأصل عند وقوع ميتة في أكل أو شرب أن هذا الطعام ينجس فلابد من إلقائه وعدم أكله؛ لأن أكل النجس حرام، هذا هو الحكم الأصلي، واستثنى منه هنا الذباب؛ لأنه بشيوعه وعموم البلوى به، ورأفة بالفقراء في دول الجفاف أو بالبدو أو حين الكوارث والحروب أو المجاعات؛ لأنه لو وقع الذباب في إناء واحد منهم ولم يكن الحكم جواز أكل ذلك لوجب عليه أن يهدر الأكل الذي هو في أشد الحاجة إليه، فكان وراء هذا الحديث الذي يأنف منه كثير من الناس حكمٌ رحيمٌ بآخرين، وهذا أساس لهم لفهم النصوص الشرعية.
    فالحديث ليس فيه إلا توجيهٌ يخفف عمن ابتلي بشيء من ذلك، أما على المستوى الشخصي فإني آنف أن أغمس الذباب في أكلي ولا أفعله؛ لأن هذا ليس أمرًا شرعيًّا جاء به الشرع وألزمني به، بل هو رخصة ورحمة تثبت ما ذكرناه.
    وكثير من الناس لا يفرق بين المستويين، مستوى الرخصة التي تناسب عالمية الإسلام، ومستوى الواجب اللازم أو المندوب المطلوب لإقامة حياة أكثر سعادة، وهؤلاء على ثلاثة أقسام: قسم حول هذا إلى ذاك ودعا إليه شريعة، وقسم أنكر فمنهم من رفض أن يكون هذا حديثًا، وقسم اعترض على الإسلام في ذاته.
    وقواعد فهم الشريعة مهمة للغاية في هذا المقام، فهي لا تجعل هناك إرهابًا فكريًّا عند سماع ما تأباه النفوس أو تعافه الثقافات، بل الشأن حينئذ التفكر والتدبر والسؤال. وليعلم من ينكر هذا أنه لم يرتكب إثما بسؤاله، فقد علمنا سيد البشر صلى الله عليه وسلم أنه كان يعاف بعض الطعام ولا يحبه ويترك غيره يأكله.
    فأبى أن يأكل الضَّبَّ، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْتَ مَيْمُونَةَ فَأُتِىَ بِضَبٍّ مَحْنُوذٍ فَأَهْوَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ فَقَالَ بَعْضُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ أَخْبِرُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَهُ فَقُلْتُ: أَحَرَامٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ(3).
    وأبى أن يأكل الأرنب لما ذكر عنها أنها تحيض، فعن عبدالله بن عمرو: أنَّ رَجُلاً جَاءَ بِأَرْنَبٍ قَدْ صَادَهَا فَقَالَ: يَا عَبْدَاللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ جِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا جَالِسٌ فَلَمْ يَأْكُلْهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْ أَكْلِهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا تَحِيضُ(4).
    وذكَّرني الذباب أيضًا بفريق من الناس يعيش بيننا لم يجد له أسوة إلا في الذباب بهذه الصفات المذكورة، فإذا شعر أحد من الناس في نفسه أنه كذلك فالنصيحة له أن يتدارك نفسه وأن يخرج من هذه القدوة السيئة والتأسي المنحرف، وليرجع إلى البشر وإلى أسوتهم الحسنى ولينتمي إليهم بشعوره ووجدانه ويزيد من مساحة الحب في قلبه بدلاً من الحقد والكبر والاضطراب، وإن كان شعور الذبابيين بذلك لن يأتي إلا بأمر الله وهدايته؛ لأن المفترض أنه بليد الحس والشعور، اللهم لا تجعلنا منهم وقنا شرهم.
    6- ومن صفات الذباب أيضًا أنه يقف على كل شيء، على الأقذار وعلى الطعام وعلى الأجسام، على السائل والجامد، لا يبالي أين وقف، ولا من أين يأخذ ما يأخذ، ومن مثال ذلك أننا نراه يلتف حول الجيد ويلتف حول الرديء ويمكن مع كثرته ألا نعرف على ماذا يقف على حلوى أو قمامة؟ ولذلك في عالم الإنسان لم تكن الكثرة أبدا مقياسًا للحق، فكم رأينا باطلاً قد التف الناس حوله التفاف الذباب على القمامة، وكم رأينا حقا قد خلا من أي تبع قال تعالى: {قُل لاَّ يَسْتَوِى الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِى الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }(5).
    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ فَرَأَيْتُ النبيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلاَنِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»(6). فالحق حق ولو لم يتبعه أحد، والباطل باطل ولو اتبعه الناس أجمعون. إن هذه القاعدة البسيطة أصبحت عند كثيرين محل نظر ومناقشة على الرغم من أنها قاعدة غاية في الخطورة وهدمها يخفي وراءه الشيء الكثير.
    7- ويذكرني الذباب بالفرق بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى؛ حيث نجد في حضارتنا وموروثنا هذه الأداة التي ندفع بها الذباب مصنوعة من شعر الخيل، والدفع بها إما أن يبعدها وهو الغالب، وإما أن يقتلها ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الحشرة قريبة وفي موضع معين. في حين أن الأداة التي عند الآخرين صنعت من بلاستيك - وقد شاعت فينا لما تركنا فلسفة حضارتنا وأنها كانت حضارة رحيمة بالإنسان والأكوان - وهذه الأداة الأخرى تقتل مباشرة، وأداتنا عند القتل لا تحطم الجسد وهذه تحطم الجسد تحطيما شديدًا، وأظن الأمر على بساطته يحتاج إلى مراجعة شاملة.
    8- ويذكِّرني الذباب بعيونه المركبة – التي ترى من كل اتجاه – بأنه ليس مثالاً للمؤمن الذي أمر بغضِّ البصر وعدم التدخل في شئون الآخرين وعدم التلصص عليهم؛ قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}(7) وقال سبحانه: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}(8) وقال جلَّ شأنه: {فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا}(9).

    الهوامش:
    ----------------------
    (1 ) الآية 73 من سورة الحج.
    (2 ) أخرجه البخاري في كتاب «الطب» باب «إذا وقع الذباب في الإناء» حديث (5782) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    (3) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الذبائح والصيد» باب «الضب» حديث (5537)، ومسلم في كتاب «الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان» باب «إباحة الضب» حديث (1945) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
    ( 4) أخرجه أبو داود في كتاب «الأطعمة» باب «في أكل الأرنب» حديث (3792).
    (5 ) الآية 100 من سورة المائدة.
    (6 ) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الطب» باب «من لم يرق» حديث (5752)، ومسلم في كتاب «الإيمان» باب «الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة» حديث (220) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، واللفظ للبخاري.
    (7 ) الآية 30 من سورة النور.
    (8 ) من الآية 45 من سورة ق.
    (9 ) من الآية 80 من سورة النساء.


    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  13. #13
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم





    العنف الأسري

    ما حكم الشرع فى ظاهرة العنف الأسرى التى شاعت فى الآونة الأخيرة ؟

    والجواب :

    شاع في عصرنا ظاهرة العنف الأسري، والمقصود بها ذلك العنف الذي يكتنف سلوك الزوج مع زوجته، وسلوك الزوجة مع زوجها، وسلوك كل من الوالدين مع الأبناء، وسلوك الأبناء مع كل من الوالدين، ومع إخوتهم فيما بينهم، ثم سلوك أفراد الأسرة مع الجيران، ومع الأقارب، وفي الحياة العامة، فهذه عشرة صور اكتنف العنف جلها أو اكتنفها كلها، ويسأل كثير من الناس عن حكم الإسلام في هذا العنف من ناحية، وعن أسباب هذه الظاهرة وكيفية علاجها من ناحية ثانية، وعن آثارها المدمرة من ناحية أخرى.
    1- أما حكم هذه الظاهرة فهي تعد مخالفة بكل المقاييس للدين الإسلامي، سواء كانت على المستوى الفردي، أو المستوى الجماعي، أما على المستوى الفردي فقد أمرنا بالرفق، ففي الحديث الشريف: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله»(1)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»(2)، «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق»(3).
    وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلة الأرحام، فالزوج وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «خيركم خيركم لنسائه وبناته»(4) ووصفته السيدة عائشة رضي الله عنها أنه: «كان في مهنة أهله»(5) أي أنه كان صلى الله عليه وسلم يشتغل بمساعدة الزوجة في مهامها؛ تعليمًا لأمته كيف يتعاملون داخل الأسرة، ويقول أنس بن مالك: «خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أفًّا قط، ولا قال لي لشيء لِمَ فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟»(6) وأمر الزوجة بأن تجعل علاقتها مع زوجها علاقة ربانية، تطلب بها ثواب الله قبل كل شيء، وترجو منه سبحانه وتعالى أن يأجرها في الدنيا والآخرة، على ما قد تكون تصبر عليه، قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ}(7).
    ويوجه الآباء فيقول: «ليس منا من لم يرحـم صغيرنا»(8)، ويوجـه الأبناء فيجعل بـر الوالدين مكافـئ التوحيد {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}(9)، ويأمر الجميع بحسن الجوار، فيقول: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه»(10) ويأمر بصلة الرحم، وبفعل الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»(11)، وقال ربنا سبحانه وتعالى: {وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(12).
    وحتى نقيم تلك النصوص الشرعية يجب أن نعمق في وجداننا قيمة العفو، فإن العفو وسيلة ناجحة في تحقيق الرفق والود والتعاون، الذي بهم نقضي على العنف في الأسرة وفي حياتنا كلها، ولقد كثرت نصوص الكتاب والسنة في ترسيخ تلك الفضيلة في دعوة حثيثة للمؤمنين للتخلق بها، ومن أمثلة تلك النصوص ما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصفح؛ حيث قال: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ}(13) وأمر الله بالعفو في قتل النفس فقال سبحانه: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ }(14). وأمر بالعفو عن غير المسلمين، وفي أشد مواقف العداء منهم للإسلام، فقال تعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} (15).
    وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بالعفو عن المؤمنين فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}(16). وأمره بالعفو عن اليهود رغم خسة صفاتهم، فقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(17)، وبين ربنا أن العفو وسيلة لتحصيل عفو الله فقال سبحانه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(18) وأثنى الله على العفو ومن يتخلق به فقال تعالى: {وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ}(19). وقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(20).
    2- هذه هي المنظومة الشرعية التي تقي من العنف الأسري على مستواه الفردي أو شيوعه الجماعي، وعدم الاهتمام بتربية النشء على هذه المعاني، وتكريس الأنانية حتى في الإعلان عن الطعام والحلوى للأطفال، مضاف إلى توتر الحياة من ضجيج وضوضاء وسرعة حراك البرنامج اليومي للإنسان، وضيق الملابس الذي انعكس سلبًا على أعصابه، ومجموع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كانت من الأسباب التي أدت إلى تفكك الأسرة، وإلى سوء الخلق، وإلى العنف الأسري.
    3- ومن هنا يتضح العلاج والذي يبدأ بعملية التربية، والتربية عملية مرتبة لها أبعادها، ولها أركانها، لا تقتصر فقط على التعليم ولا على التدريب، ولا تقتصر فقط على المدرسة، بل لابد من اشتراك الإعلام، وتكوين ثقافة سائدة للمجتمع تقيه هذه الظاهرة السلبية، وتدفع به إلى الأمن والاستقرار، وهذا يحتاج إلى مزيد الاهتمام، وهناك ظواهر كانت موجودة منذ أربعة عقود حوربت وحصرت بكل الوسائل حتى لم نعد نسمع عنها بصورة فجة كما كانت، وتراجعت كثيرًا بسبب المجهودات التي بذلت فيها منها: ظاهرة الغش الجماعي، وظاهرة العنف الطلابي خاصة بين البنات، وظاهرة الاعتداء الجماعي على المباني الدراسية أو على الأساتذة، وهي أمور لم تعد بهذه الحدة التي كانت عليها، وفي سبيلها للانتهاء التام إن لم تكن قد انتهت بالفعل.
    عسى الله أن ينهي هذه الظاهرة من مجتمعنا، وجميع المجتمعات الإسلامية، ومن الأرض كلها إنه رءوف بعباده.



    الهوامش:
    ------------------------
    (1) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «الرفق في الأمر كله» حديث (6024)، وفي كتاب «الاستئذان» باب «كيف يرد على أهل الذمة السلام» حديث (6256)، وفي كتاب «الدعوات» باب «الدعاء على المشركين» حديث (6395)، ومسلم في كتاب «السلام» باب «النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام» حديث (2165) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    (2) أخرجه مسلم في كتاب «البر والصلة والآداب» باب «فضل الرفق» حديث (2594) من حديث عائشة رضي الله عنها.
    (3) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 198) حديث (13074) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (1/ 62) وصححه.
    (4) أخرجه البيهقي في «الشعب» (6/ 415) حديث (8720)، وابن عدي في «الكامل» (7/ 265) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
    (5) أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «كيف يكون الرجل في أهله؟» حديث (6039).
    (6) متفق عليه؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل» حديث (6038)، ومسلم في كتاب «الفضائل» باب «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا» حديث (2309).
    (7) من الآية 34 من سورة النساء.
    (8) أخرجه الترمذي في كتاب «البر والصلة» باب «ما جاء في رحمة الصبيان» حديث (1920) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقال الترمذي: «وحديث محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب حديث صحيح».
    (9) من الآية 36 من سورة النساء.
    (10) أخرجه البخاري في كتاب «الأدب» باب «إثم من لا يأمن جاره بوائقه» حديث (6016) من حديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه.
    (11) أخرجه ابن ماجه في كتاب «الأطعمة» باب «إطعام الطعام» حديث (3251)، والدارمي في كتاب «الصلاة» باب «فضل صلاة الليل» حديث (1460)، وفي كتاب «الاستئذان» باب «في إفشاء السلام» حديث (2632)، والحاكم في «المستدرك» (3/ 14) حديث (4283) وصححه من حديث عبدالله بن سلام رضي الله عنه.
    (12) من الآية 77 من سورة الحج.
    (13) من الآية 85 من سورة الحجر.
    (14) من الآية 178 من سورة البقرة.
    (15) من الآية 109 من سورة البقرة.
    (16) من الآية 159 من سورة آل عمران.
    (17) الآية 13 من سورة المائدة.
    (18) من الآية 22 من سورة النور.
    (19) من الآية 134 من سورة آل عمران.
    (20) الآية 43 من سورة الشورى.



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .




  14. #14
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم



    المجتمع المثالى - من أسسه فى الإسلام

    هل هناك ما يمكن أن نسميه بالمجتمع المثالى ، وما هى أسسه فى الإسلام ؟

    والجواب :
    أنه على مدى خمسة وعشرين قرنا استقرت ظاهرة فلسفية تمثل قمة الفكر الفلسفى وذروة سنامه ، وتقدم خلاصة وافية لفكر هذا الفليسوف أو ذاك ، تلك الظاهرة هى قضية : المجتمع المثالى كما تخيله الفلاسفة ، الذين حاولوا تقديم أنماط للمدن الفاضلة ، ونماذج للمجتمعات الرشيدة .
    والمجتمع المثالى فى الفكر الإنسانى يعنى نظما متعددة ، ومذاهب مختلفة فى السياسة والاجتماع والاقتصاد ، على أن فى الدراسة النقدية الإسلامية للفلسفة عامة ، والمذاهب الاجتماعية خاصة ما يقدم للشباب الح فى عالم اليوم مشاعل الهداية ومصابيح الإيمان .
    ذلك أن الكون كله يتجه إلى الله فى طاعة خاضعة وخشوع ساجد شاء الكون ذلك كله أو بعضه أم أبى ، فقد قال تعالى { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [الرعد :15].
    والحياة بقضها وقضيضها رهن الإرادة الإلهية ، والإنسان وسط هذا العالم قد تحمل وحده الأمانة فى قيادة الحياة بمنهج الله ، ومن هنا كانت السياسة والاجتماع فصلا من فصول ذلك المنهج الإلهى ، وأصبح البحث فيه موصول الأسباب بشعب الإيمان وعقائده .
    والذى يظهر بعد الدراسة النقدية للمجتمع المثالى فى الفكر الفلسفى عبر العصور الفلسفية المختلفة بداية من أفلاطون فى جمهوريته والذى قدّم تحليلا عميقا لتعاقب الدول ، وحاول وضع نظرية متكاملة للمجتمع المثالى بحسب فلسفته ، ومرورا بالفارابى فى المدينة الفاضلة والتى تقوم على ركنين : عقائد ، ورئيس ، ولم يحاول تقديم منهج للحياة ، ولا دستور للحكم ، ربما اعتمادا على أن الشريعة الإسلامية قامت بتقديم هذا للناس ، ففلاسفة عصر النهضة الذين تجلى فيهم أثر الحضارة الإسلامية التى عرفوها عن طريق الأندلس وغيرها من منارات العلم الإسلامى ، وخاصة جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعى والذى وقع فى بعض التناقضات والتجاوزات خاصة فى رأيه عن الدين الطبيعى ودعوته إلى وحدة الأديان وموقفه من الأنبياء والرسل ، وعن موقفه من المرأة ، ومرورا أيضا بماركس وفلسفته المادية التى تقف موقفا مضادا للدين ، وانتهاء بنتيشه ودستوره عن الحياة الاجتماعية والذى يتناقض مع ناموس الحياة ، ولو طبقت فلسفته لكان هو نفسه أول ضحاياها .
    والمراد بالمجتمع المثالى : المجتمع ذا الهدف الذى يراد تحقيقه تصحيحا لمساره الاجتماعى والسياسى والاقتصادى ، فالمقصود بالمثالية : ما ينبغى أن يكون ، وتقابل الواقعية وهى تصوير ما هو كائن .

    والذى يظهر بعد دراسة هذا كله :
    1) أن الإسلام هو الدين الوحيد الذى أيقظ الإنسانية وخصائصها فى الإنسان ، وسما به إلى الملأ الأعلى ، وجعله محور الكون ، وسيد فيه ، وخليفة الله فى أرضه .
    2) أن جوهر الحضارة قائم على قيم الحق والخير والجمال التى يتوخاها الإسلام بنور عقيدته وسناء تشريعه ووفائه بمطالب المستوى الإنسانى الرفيع .
    3) وقد نادى أفلاطون بأن يوضع كل إنسان فى المركز العلمى أو العملى الذى يمتاز به عن سواه ، وبما تؤهله له مواهبه وقواه ، وهو ما يوافق عليه الفكر الإسلامى ، ولا يجد فيه ما يعارض مبادئه ، ولكن أسوأ ما فى آراء أفلاطون هو رأيه فى الشيوعية ، حيث نادى بشيوعية النساء والأولاد والملكية ، حيث أخطأ السبيل ، وقدم أوهاما يستحيل تطبيقها ، ونظر للمرأة نظرة غير ودية ، بينما فى الإسلام فالمرأة شقيقة الرجل ، وهى مكرمة مثله تماما قال تعالى { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } [الإسراء :70] ، وبنى آدم يشمل الرجل والمرأة ، والتكريم يعمهما . أما شيوعية الأولاد والملكية ، فالإسلام يحافظ أتم المحافظة على الأسرة ويحترم الملكية الخاصة ، وينظم كل ذلك بأنظمة دقيقة وعادلة ومتوازنة تكفل سعادة البشرية . وسوف نعرض فى موضوع مستقل للخطوط العامة لنظرية الإسلام فى المرأة والأسرة .
    4) ومع تقديرنا للتحليل العميق الذى قدمه أفلاطون لتعاقب الدول ، وعلل التدهور ، والذى رده إلى سببين : التفرقة العنصرية ، والصراع الطبقى ، وكلاهما ناشىء بوجهة نظره عن فساد منهج التربية والتعليم ، فإن للإسلام موقفه المجيد بخصوص فساد الأمم والذى سنعرض له فى موضوع مستقل .
    5) يرى الفكر الإسلامى أن المجتمع فى حاجة إلى الزراع والصناع حاجته إلى الجندى والحكام ، والجميع متساوون فى الكرامة الإنسانية ، وكفل للجميع حقوقهم حتى ولو كانوا فى أدنى مراتب السلم الاجتماعى ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات :11] ، وسمى صلى الله عليه وسلم الخادم أخا لسيده، وشرع له حقوقه كاملة : ((إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم)) أخرجه البخارى (ح 30) ، ومسلم (ح1661) عن أبى ذر رضى الله عنه .
    6) والإسلام فى سموه وقدسيته الإلهية ينادى بأن الإنسانية ذات أصل واحد {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء :1].
    7) وجعل الإسلام اختلاف اللغات والأجناس آية من آيات الله تعالى ، وليست سببا للشقاق والخلاف ، بل للتعارف والائتلاف ، فقال تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} [الروم :22] ، وقال تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات :13].
    8) وليس الوحى الإلهى فى الإسلام قاصر على الطقوس الدينية فحسب ، ويترك الناس وشأنهم فى حياتهم ، فالعقل قاصر عن إدراك قوانين الحياة بشمولها وكافة جوانبها ، ولا يستطيع أن يتخلص من تغليفه لها بموروثاته البيئية أو عاداته الاجتماعية ، ومن هنا أتى القرآن المجيد بقواعد عامة وأمور كلية ، وفصلت السنة النبوية الشريفة هذه الجوانب تفصيلا تاما ، وأتت الشريعة الإسلامية منوطة بمصلحة الإنسان، فحيثما كانت فثم شرع الله ، والحلال مرتبط بالطيبات ، والحرام متعلق بالخبائث ، قال تعالى {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ} [الأعراف :157] .
    9) وأَسَّسَ الشرعُ الإسلامىُّ مجتمعَه على اليسر ونفى الحرج ورفع العسر ، قال تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} [البقرة :185] ، وقال تعالى { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [المائدة :6].
    10) كما أَسَّسَ الإسلامُ المجتمعَ على أنه لا كهانة ولا احتكار للتشريع فى المجتمع لطائفة دون أخرى ، وإنما هناك علماء فى الدين وفقهاء قال تعالى { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}[التوبة :31].
    11) ومن أُسُس المجتمع المثالى فى القرآن الكريم : الطاعة لله ورسوله ولأولى الأمر ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [النساء :59] .
    12) ومن أُسُسه: أن المجتمع المسلم ذا رسالة يتحمل تبعات تطبيقها وتبليغها ، قال تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة :143] .
    13) ومن أُسُسه: أن الإسلام هو الحد الذى تنتهى إليه إرادة الشعب بكل طبقاته وفئاته وسلطاته ، قال تعالى { وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة :49].
    14) ومن أُسُسه: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والذى يعتبر بحق صمام الأمان للمجتمع وعنصر اليقظة فيه ، قال تعالى { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران :110] .
    15) ومن أُسُسه: قيام أمور المجتمع ككل على الشورى والأمانة والعدل والقسط بين بعضهم البعض، وعلى كافة المستويات والأصعدة ، قال تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران :159] ، وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} [النساء :58] ، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة :8].


    المصدر : أ/د محمد سيد أحمد المسير ، المجتمع المثالى فى الفكر الفلسفى ، وموقف الإسلام منه ، القاهرة : دار المعارف ، ط 2 ، 1989 م ، (ص 9 – 22 ، 86 - 95، 112 - 119) .




  15. #15
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم





    المشكلة الأخلاقية ومنهج حلها فى الإسلام

    ما هو منهج حل المشكلة الأخلاقية فى الإسلام ؟

    والجواب :

    أن هناك مجموعة من الأسئلة يحاول علم الأخلاق أن يجيب عليها : كيف يجب أن يكون مسلكنا فى الحياة ؟ كيف نربى الناشئين تربية حسنة ؟ ما يجب لقيادة الأمم والشعوب حتى تيسر على النهج المستقيم ؟
    أن الإجابة على هذه الأسئلة عند المختصين بدراسة الفلسفة وخاصة علم الأخلاق – الذى هو فرع من الفلسفة – هو محور علم الأخلاق نفسه ، والذى يحاول أن يجيب عن هذه الأسئلة .
    ومن المؤكد فى الفكر الإسلامى أن مجال المعرفة الروحية والأخلاقية هو مجال ليست الحواس مصدره ، وليس العقل منشئه أو مبتدعه ، وإنما مرده إلى الوحى ينزله الله على ألسنة من يصطفيهم لحمل الرسالة من خلقه ، إنه من اختصاص الله تعالى يبينه على ألسنة رسله . وليس للعقل فى مجال الغيب إلا محاولة الفهم ، إذ التقرير والبيان فى هذا المجال ليس للإنسان ، وليس من اختصاصه .
    ومما لا شك فيه أن العقل قد أنتج ثمارا يانعة فى الطبيعيات ، والرياضيات ، لقد أقام القواعد المحكمة ، ونظم المبادئ المتقنة ، وكان الأمر كذلك فقى هذين الميدانين لأن العقل يعمل فى دائرة اختصاصه ، والتى هى : الماديات والمحسوسات ، وللأسف فقد غرَّ هذا النجاح قوما فاعتقدوا أن فى استطاعة العقل أن يجول فى كل ميدان ، فأقحموا العقل فى عالم ما وراء الطبيعة ، فكانت الفلسفة الإلهية العقلية ، وكان الإخفاق التام للعقل فى هذا الميدان ، وهذا الانحراف حديث العهد نسبيا – بالنسبة لعمر الإنسان على الأرض – يرجع إلى العهد اليونانى وفلسفته وأشهرهم أرسطو الذى اعتبره بعض المؤرخين أكبر عقلية فلسفية ظهرت على وجه التاريخ ، ولكنه أيضا أشهر الذين انهار مذهبهم فى عالم ما وراء الطبيعة ، وكان إخفاق عقله هذا الكبير أوضح الأدلة على أن عالم الغيب أسمى من أن يتناوله العقل البشرى الخطّاء .
    وليس للمسلم أن يحاول ابتداع عالم ما وراء الطبيعة ، أو اختراعه عقليا ، ولا بد إذن من التشمير عن ساعد الجد والاعتصام بحبل الله تعالى وعدم التفرق .
    وعندما ظهر المذهب العقلى فى ألمانيا ظهر لأول عهده حليفا للدين ، لكن سرعان ما تبين له أن جانب العقيدة من الدين لا يمكن البرهنة عليه حسيا ، فكان الطريق الوحيد إذن أن تمحى العقيدة الدينية من سجل المقدسات ، وجاء مع محو العقيدة مذهب المنفعة فى فلسفة الأخلاق ، ولهذا مكّن المذهب العقلى من سيادة الإلحاد ، تلك كانت الحال فى ألمانيا مثلا عندما ظهر كانط وكشف كتابه "العقل الخالص" عن قصور العقل الإنسانى فهدم بذلك ما بناه أصحاب المذهب العقلى من قبل .
    وهذا هو الذى فعله الإمام الغزالى من قبل ، فعن طريق التشكك الفلسفى انتهى إلى نفس النتيجة فى عالمنا الإسلامى ، واستطاع أن يقضى على المذهب العقلى الذى كان موضع الزهو على الرغم من ضحالته ، وعندما خاب رجاء الغزالى فى الفكر التحليلى ولى وجهه شطر الناحية الروحية والأخلاقية ، ووُفّق بهذه الطريقة لأن يجعل للدين وجودا مستقلا عن العلم ، وعن الفلسفة الميتافيزيقية .
    ومن الخطأ المنهجى – فى ميزان الفكر الإسلامى – دراسة علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأخلاق ونحو ذلك من علوم المجتمع على أنها مجرد ظواهر اجتماعية أو ظواهر إنسانية ، لقد فسروا العلم على أنه القواعد التى تقوم على التجربة والملاحظة ، والتزموا ذلك فى تلك العلوم الاجتماعية والإنسانية ، وهذه العلوم بهذا المنهج لا تقود إلى الدين ، ولهذا انتشر الإلحاد بسببها فى شتى بقاع الأرض ، فالدين والأخلاق بناء على هذا المنهج المغلوط لهما نشأة إنسانية اجتماعية ، والناس قد تواضعوا على سلوك معين سموه فضيلة ، وعلى سلوك آخر سموه رذيلة ، ودراسة الدين والأخلاق بناء على ذلك تتجه إلى النشأة والمظاهر والتطور وعوامله ومظاهره ، وليس للسماء فى الدراسة نصيب .
    وكل الظواهر والمظاهر فى هذه الدراسات اعتبارية نسبية متغيرة متبدلة لا تثبت على حال ، ولا تستقر على وضع.
    ولا بد من الفصل بين عالمين من المعرفة : عالم الماديات كالطب والطبيعة والكيمياء ... إلخ وهذه أمور تحكمها التجربة ولا تتعارض هى والدين ، ولا اختلاف فيها ، وبين عالم التفكير المجرد فى الدين والأخلاق والمجتمع .
    ولهذا نجد الأثر الأكبر لمثل "دور كايم" ، وتلميذه الأكبر "ليفى بروهل" - اللذين شكلت أعمالُهما ومبادئُهما وبحوثُهما الاجتماعيةُ والأخلاقيةُ الاتجاهاتِ الأخلاقيةَ والقيميةَ المعاصرة فى الحضارة الحديثة - يصب فى جانب هدم كل القيم والمفاهيم الدينية والأخلاقية ، ومحاولة القضاء على كل المثل .
    ومنهج التشكيك فى القيم والمُثُل والعقائد والأخلاق لا ينتج عنه إلا إفساد المجتمعات وتحللها أخلاقيا ودينيا .
    ودعنا نقارن ما قدمه هؤلاء بخصوص المشكلة الأخلاقية ، بما قدمه العالم المسلم الكبير "الحارث بن أسد المحاسبى" ، حيث تجد فى رحابه الهدوء النفسى ، والطمأنينة الروحية ، رغم أنه ألقى بنفسه فى معترك المشاكل المثارة ، وأخذ يواجهها مناقشا ومجادلا وهاديا ومرشدا ، متخذا الأساس الأصيل والمصدر الأول : القرآن والسنة مقياسا وحاكما ومتحكما فى كل ما يقال أو يفعل .
    وهكذا ينبغى أن يكون لدى كل مسلم شعورا واضحا وقويا ومتمكنا : أن منهج المسلم فى الحياة هو منهج الاتباع ، هذا المنهج الذى لخصه لنا سيدنا عبد الله بن مسعود رضى الله عنه فى كلمة موجزة كأنها إعجاز من الإعجاز : ((اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم))(1) .
    وهى كلمة حق وصدق ثرية بالمعانى الطويلة العريضة ، يبرهن آخرها على أولها ، أى : اتبعوا فقد كُفيتم والكافى هو الله سبحانه وتعالى ، الذى أوحى بالمبادئ والأصول والقواعد ، وطبَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك وبينَّه ، فكان تطبيقه مقياسا وبيانا ومرجعا يرجع إليه المختلفون . وقوله ((لا تبتدعوا فقد كفيتم)) فمن يبتدع هو من لا كفاية له ، ولكن الله سبحانه وتعالى بعد أن أكمل الدين وأتم النعمة ليس هناك من مجال ، ولا من حاجة إلى الابتداع.
    هكذا يحدثنا الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور عبد الحليم محمود عن حل المشكلة الأخلاقية فى الإسلام ، وأنه لا يكون إلا بمنهج واحد وهو الاتباع .
    والمنهج الإسلامى (الاتباع) له أثره البالغ فى السلوك الأخلاقى للإنسان ، فبينما يسعى الإنسان – فى رأى الأخلاقيين الوضعيين – إلى الوصول إلى لذة "الرضا الأخلاقى" ، والتخلص من "تبكيت الضمير" وحسب .
    فإن الإنسان المسلم قبل ذلك يسعى إلى رضا الله تعالى ، وإلى البعد عما يغضبه تعالى عليه ، فمحاولة الوصول إلى رضا الله تعالى والبعد عن غضبه هى أساس سلوك المسلم ، وليس محاولة إرضاء نفسه هو والبعد عن تبكيتها ولومها .
    وأى معيار أخلاقى ثابت فى رضا النفس ، فبينما ترضى نفسك عن شىء ، لا ترضى نفس آخرين عنها ، بل يرى ابن عطاء الله السكندرى وهو من أعظم الشخصيات الأخلاقية الإسلامية فى حكمه الشهيرة أن ((أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا منك عنها))، فيقظة الضمير المسلم لا ترجع إلى الذاتية ، وإنما إلى الرغبة فى الله والخوف منه .
    والإنسان عندما يُترك وضميره قام بالحروب العالمية المتوالية ، وقتل ملايين البشر ، وأهلك الأموال والبلاد ، وعرض البشرية كلها إلى مفاسد وخسائر لا تعوض .

    المرجع الأساسى : أ / د عبد الحليم محمود ، مقدمته النفيسة لترجمته لكتاب "المشكلة الأخلاقية والفلاسفة" لأندريه كريسون ، القاهرة : الهيئة العامة للكتاب ، مكتبة الأسرة ، 2004 م ، (ص 12 – 64) ، والمشكلة الأخلاقية لأندريه كريسون ، (ص 67 - 69 ، 155) . مع إضافات من المحرر .



    الهوامش:
    --------------------
    (1) أخرجه الدارمى (1/80 ، رقم 205) ، والطبرانى كما فى مجمع الزوائد (1/434) ، وقال : ((رجاله رجال الصحيح)) .




  16. #16
    الوسام الماسي احمد الماضي is on a distinguished road الصورة الرمزية احمد الماضي
    تاريخ التسجيل
    06-09-2006
    المشاركات
    7,098
    معدل تقييم المستوى: 163

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم






    مسئولية الكلمة

    كثر فى الآونة الأخيرة إلقاء الكلمات على عواهنها ، ودون تدبر لآثارها ونتائجها ، فما رأيكم فى هذا من منظور الفكر الإسلامى ؟

    1- الكلمة العربية - أو في أي لغة كانت - لها معنى معجمي نراه في المعاجم، ولكن لها أيضًا حقول دلالية، فلها حقيقة ولها مجاز، ولها مرة ثالثة مردود على السامع يختلف باختلاف شيوع هذه الكلمة في استعمال معين، ويختلف أيضًا بما يسميه علماء اللغويات بالنبر، والنبر The stress هو الضغط أثناء التلفظ بالكلام على مقطع في الفقرة المقروءة، أو على كلمة في الجملة، أو على حرف في الكلمة، وحينئذ فإنك تفهم معنى من هذا النبر يزيد على معناه اللغوي، فلو قلنا لأحدهم عبارة: «أنت مشغول» فيمكن أداؤها بصورة سؤال، ويمكن أداؤها بصورة استنكار، ويمكن أداؤها بصورة ترحُّم، ويمكن أداؤها بصورة إقرار للواقع الذي نشاهده فيه، وهكذا يقوم النبر بإضافة معنى فوق دلالة اللفظ نفسه، يفهم السامع منه ما لا يفهمه من مجرد الكلمة، ويؤثر فيه ويستقر ذلك التأثير في وجدانه ويترسب مع ما يترسب من عوامل أخرى؛ فيؤدي إلى التحكم في مواقفه من الأشخاص حبًّا أو بغضًا؛ لذلك فإن مردود الكلمة يتجاوز معناها إلى تأثيرات أخرى قد تكون حسنة أو قبيحة، ونرى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينبّه على هذا المعنى فيقول: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ فيكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ فيكتب الله عز وجل عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه»(1).
    2- فلو وصفنا كاتبًا بأنه كاتب مضحك أو فكاهي أو ساخر أو مسخرة، وهي كلمات تتقارب معانيها جدًّا وتمثل حقلا دلاليًّا واحدًا، هو أنه يسبب الضحك عند القارئ بقدر ما يسببه من دهشة في صياغته اللغوية، وفكاهي يسبب الترويح الذي ينتج من زيادة البسط، ومن نفس المادة اللغوية سميت الفاكهة؛ لأنها تأتي ترويحًا للأذواق مع ممارسة القوت الأساسي للإنسان في طعامه وتدبير بدنه؛ فالفاكهة ترويح، والفُكاهة ترويح، أما كلمة مسخرة - ومعناها المعجمي ما يجلب السخرية - فلها مردود يجعل الكاتب المسخرة مضحكًا في نفسه وليس فيما يكتب فقط، ويبدو أن بعضًا ممن وُصف بالكاتب الساخر أصبح مسخرة فعلا؛ حيث بدأ في الخلط وعدم إدراك الواقع وعدم الانتماء إلى الوطن ومعرفة الحالة الراهنة، فتراه يكتب فيحكم على المقدس ويدنسه، ويتكلم ناقضًا هادمًا، لا ناقدًا مصلحًا، والفرق بين «النقض» و«النقد» كبير.
    ولقد شاع في الآونة الأخيرة نموذج الكاتب المسخرة الذي يهرف بما لا يعرف وليس عنده أصول يقيس عليها ولا عنده مبادئ يلتزم بها، ووجب علينا جميعًا أن نأخذ على أيدي هؤلاء المساخر - ومساخر جمع مسخرة - فإن فلسفة حديث السفينة يجب أن تستقر في وجداننا.
    3- ونص حديث السفينة: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا»(2).
    4- ومن السخرية القبيحة أن نهدم الرمز، أو نهدم المؤسسة، أو نهدم النظام، أو نهدم الثوابت، أو نهدم المطلق، فالكذب قبيح رغم شيوعه في البشر، حتى إن آخر الأبحاث ترى أن أشد الناس التزامًا بالصدق يقع في الكذب مرتين على الأقل يوميًّا، وما زال الناس في الشرق والغرب ينعون على الكذب، وسيظل الزنا والخنا والسب والقذف حرامًا، وستظل السرقة والاغتصاب حرامًا مهما شاع وذاع أو قيل من بعضهم، ولابد أن نُعلِّم أبناءنا أن هناك فارقًا بين تحريم المعاصي وأنها معاصي وقبائح وبين وقوعها في الحياة، والتي لم يخل منها عصر، وستظل أبدًا حرامًا، وستظل أبدًا يقع فيها الناس، بل كثير من الناس.
    فهناك فرق يجب أن نؤكد عليه بين وصف الفعل بالقبح؛ كشرب الخمر، وعري الراقصات، وتقلب المرأة بين أحضان الرجال، وهو ما حرمه كل دين وكل ملة، وبين أن يقع الناس في هذا أو يستحسنوا فعله، والرابط بين المثال والواقع حالة الإنسان الذي يقع فيما زين له من الشهوات، قال تعالى: { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ المَآبِ }(3)، فالقاعدة إذن أن الفسق فسق وأنه لم يخل منه عصر.
    وهذه القاعدة ينبغي للكاتب المسخرة أن يدركها، ولا أعني كاتبًا بعينه، بل أعني نوعًا من الكُتَّاب المساخر؛ فعليه ألا يعترض على رأي الدين في أجر الطبال والراقصة والغناء القبيح الذي يعبد فيه غير الله أو يسب القدر جهرًا، فسيظل هذا العمل محرمًا حتى لو وقع فيه الناس، وليس الإبداع في التفلت، ولكن الإبداع معاناة حقيقية من أجل الأدب والفن، والشرع يأمر أن نرجع إلى الحقائق لا إلى الأوهام، وإلى الواقع لا إلى الخيال المريض؛ قال تعالى وهو ينهانا عن الفتنة بكل أشكالها كلامًا وفعلا وسلوكًا: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوَهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ }(4) وقال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }(5) وقال: { أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ }(6)، وسامدون أي: تغنون بالباطل من القول. وقال تعالى: { وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }(7).
    ويجب على الشباب أن يعلم أن هذه المعاصي لم يخل منها عصر ولا مصر، وأن الأمر سيظل كذلك إلى يوم الدين.
    1- فعندما نحرم ما حرَّم الله لا يناقَش هذا، بل الذي يناقش هو الموضوع وليس الحكم، إن الاعتراض على الأحكام الشرعية هو الذي ولّد الخبل العقلي والنفسي عند الشباب المتطرف المتنطع في دين الله، فهلا ترك الأخوة المساخر لعلماء الدين فرصة لبناء الأجيال.. يا رب استجب.
    2- هل لعلماء الدين أن يقوموا بدور ثقافي في المجتمع؟ لم يكن لهذا السؤال مكان منذ مائتي سنة؛ حيث كانت الثقافة السائدة هي المعلومات التي رُبطت بالدين سواء في قسمها الصحيح أو قسمها الخرافي الأسطوري، ولم يكن هناك داع لهذا السؤال؛ فليس هناك علم ولا ثقافة ولا شيء إلا عند علماء الدين، وكان الجميع يدرسون في الأزهر، وكان ما يدرس في الأزهر هو المعيار الذي تقاس به الخرافة ويقاس به العلم، وهو الحد الفاصل بين التفكير العلمي والتفكير الخرافي.
    حتى إن ابن سودون الذي ألف «نزهة النفوس ومضحك العبوس»، وهو شاعر مصري كان يعيش في القرن التاسع الهجري، وكان إمامًا ببعض المساجد إلا أنه اتخذ الهزل منهجًا له في حياته؛ فطار اسمه وتنافس الظرفاء في الحصول على شعره، وهو شخصية طريفة في تاريخ أدبنا المصري؛ لأنه يفصح إفصاحًا واضحًا عن مزاج المصريين في هذا الجانب الذي تشتهر به مصر في عصورها الإسلامية المختلفة. و«نزهة النفوس ومضحك العبوس» عنوان ديوان ألّفه؛ حيث بنى أغلبه من اللفظ العامي، وهو من هذه الناحية يسجل جانبًا له أهميته في تاريخ لغتنا الشعبية؛ فإن من يطلع عليه يرى أنه لا تكاد توجد فوارق بين لغة هذا الديوان ولغتنا المصرية المحلية الحديثة، مما يدل على أن مصر بلد محافظ على استعماله للألفاظ بصورة عامة.
    والملفت للنظر أن هذا الديوان أُلف كله في ضروب من الهزل والدعابة، ولسنا نعرف شخصًا قبل ابن سودون كتب ديوانًا من الشعر كله يأخذ مأخذ الفكاهة.
    وكذلك كان يوسف الشربيني صاحب كتاب «هز القحوف» وكان عالمًا واعظًا، وقد نظر فيمن حوله فرأى السواد الذي يغطي أودية مصر في العصر العثماني، ورأى معه تعاسة أهل الريف؛ فنظم قصيدة سماها «أبو شادوف»، وهي قصيدة من بحر الطويل، ولكنها عامية خالصة، وقد وصف فيها حياة رجل الريف في عصره بجميع صورها وألوانها من أكله إلى عمله في حقله، إلى صلته بالحكومة في عهده، ولم يكتف يوسف الشربيني في وصف حال رجل الريف بهذه القصيدة، بل ذهب يشرحها على طريقة معاصريه في شرح القصائد الجدية، وهو شرح طويل اختار له الاسم الغريب «هز القحوف».
    واليوم يموج العالم بالآراء والأفكار ويكاد ينفلت، وأتباع New age «العصر الجديد» يدعون إلى النهضة الثانية وتحرير الإنسان من الدين والثقافة والدولة والأسرة واللغة، وتركه حرًّا طليقًا حتى يبدع مرة أخرى بعدما نجحت الانطلاقة الأولى من تنحية الدين من الحياة في النهضة الأولى، والفرق شاسع بين الحرية والانفلات، وبين الهدم والبناء، وبين عبادة المادة وعمارة الأرض، الفرق شاسع وخطير.
    3- وإذا كان لعلماء الدين أن يكون لهم مشاركة ثقافية فهناك ظاهرة تحتاج إلى دراسة وإلى تعامل حضاري معها، هذه الظاهرة اسمها «ياسين التهامي» أحد المغنين بالمدائح النبوية، والذي بدأ في تخصص الغناء بقصائد ابن الفارض، وإذ به يشيع عند عمال التراحيل وبسطاء القرى في الصعيد، وبدأ الناس يزدادون يوما بعد يوم لسماع صوته الرخيم، وهو يؤدي قصائد الحب الإلهي والرؤية الكونية العاشقة لسلطان العاشقين ابن الفارض، أليس هذا غريب يحتاج إلى دراسة؟ كيف انصرف المثقفون إلى الهراء السمعي والكلامي، والذي أضيف إليه الهراء المنظور في Video Clip وانصرف البسطاء إلى «ياسين التهامي» في قصائد ابن الفارض؟ هل هذا شيء ممكن وبسيط بحيث يترك من غير تعليق؟ ما الذي يحدث في هذه الفترة سريعة الطور في مجتمعنا؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ وما دلالة هذا الانعكاس على الحياة الثقافية في مصر ثم العالم العربي والإسلامي؟ هل يمكن لفت نظر المثقفين لسماع «ياسين التهامي» مع بساطة أدائه وألحانه، مع استماعهم ورؤيتهم للضجيج الذي ظلموه فأسموه غناء، وشاع حتى لم نستطع أن نتنزه منه، فنحن نسمعه مع الضجيج الذي يملأ كل مكان.
    4- لقد شاهدت طفلة في شهرها السابع تهتز مع أنغام الطرب - ولست في حاجة إلى تعريف الطرب - ثم رأيتها مذهولة عندما بدأ الضجيج، هل ما شاهدته صحيح؟ وهل له دلالة؟ وهل هذا هو حقيقة الخلقة وفطرة الله؟ أسئلة أرجو أن يشتغل بها من أراد المساهمة في دراسة الظاهرة بدلا من اشتغالهم بالاعتراض على الأحكام الشرعية والتفلسف من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
    5- وابن الفارض هو شاعر وقته شرف الدين أبو حفص عمر بن علي بن مرشد بن علي، الحموي الأصل، المصري المولد والمنشأ والوفاة، ولد سنة 566هـ وتوفي سنة 632هـ وله ست وخمسون سنة.
    كان أبوه من أهل حماة بسوريا، وقدم إلى مصر وسكنها وكان عالمًا بالفرائض - وهي علم الميراث - فكان يثبت الفروض بين يدي الحكام؛ ومن ثم عرف بالفارض وعرف ابنه بابن الفارض. لما شب ابن الفارض أخذ الفقه والحديث عن شيوخ مصر، وقد روى عن القاسم بن عساكر، وحدث عنه الحافظ المنذري، وسلك طريق الصوفية فتزهد، ثم مضى إلى مكة فاتصل بمنابع الوحي والإلهام وظل هناك زهاء خمسة عشر عامًا، ثم عاد إلى مصر وأقام بالجامع الأزهر معظما من أهل عصره، حتى إن الملك الكامل كان يأتي لزيارته، وساعده على الظفر بمحبة الناس ما منحه الله من جمال الخلقة والخلق.
    وأخذ في نظم الشعر، فكان الناس يتلقون قصائده ويترنمون بها، وقد جرى فيها على طريقة الحب والغرام والتصوف في حقيقته حب وحنين إلى الذات الإلهية، من ذلك قوله:
    ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا وأباح طرفي نظرة أملتها
    فدهشت بين جماله وجلاله سر أرق من النسيم إذا سرى
    فغدوت معروفا وكنت منكرا وغدا لسان الحال مني مجهرا

    6- ولقد اهتم بديوانه كثير من الأدباء العرب والمستشرقين، ومن هؤلاء المستشرقين الإيطالي جوزيبي سكاتوليني، الذي ربط بينه وبين ديوان ابن الفارض علاقة قوية تزيد عن أربعين عامًا، حيث إنه فرغ نفسه وعكف على دراسة هذا الديوان العظيم طيلة هذه الفترة حتى أنتج ثمرة جهده من تحقيق لهذا الديوان في نهاية شهر يونيو عام 2004، حيث أقام المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة حفلا بمناسبة صدور الديوان عنه، وأنشد فيه أشعار ابن الفارض كبار المنشدين المتصوفة كالشيخ ياسين التهامي.
    7- أخاف أن نصل إلى شيوع ثقافة الضجيج، ثم إلى عقلية الضجيج، ثم إلى نفسية الضجيج، وهو أمر لا يقره الشرع ولا العرف ولا المنطق السليم، ولقد نبهنا الله سبحانه وتعالى على ألا نتخذ الضجيج منهجًا لا في ثقافتنا ولا في عقليتنا، ولا في حياتنا وسلوكنا أو عبادتنا، بل من أجل أن نفكر التفكير المستقيم علينا بالهدوء داخل أنفسنا وخارجها؛ حتى نتذوق مزيدًا مما خلقه الله من الجمال، قال تعالى: { وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً }(8)، والمكاء: الصفير، والقصد المنهي عنه هذا الضجيـج؛ لأنـه لا يليق بحال العبادة كما أنه لا يليق بحال الإنسان. وقال تعالى: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }(9) أي: خاشعين هادئين، وقال: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ }(10).
    وقال في المقارنة بين الحالين، قال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا القُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ }(11) أي: عليكم بالضجيج في مواجهة الإيمان. وقال: { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ }(12) والسمع لا يأتي إلا بالهدوء.

    الهوامش:
    ---------------
    (1) هذا اللفظ أخرجه ابن ماجه في كتاب «الفتن» باب «كف اللسان عن الفتنة» حديث (3969) من حديث بلال بن الحارث المزني ، وهذا الحديث أخرجه البخاري بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب «الرقاق» باب «حفظ اللسان» حديث (6478).
    (2) أخرجه البخاري في كتاب «الشركة» باب «هل يقرع في القسمة والاستهام فيه» حديث (2493) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.
    (3) الآية 14 من سورة آل عمران.
    (4) الآيتان 20، 21 من سورة لقمان.
    (5) الآية 6 من سورة لقمان.
    (6) الآيات 59: 61 من سورة النجم.
    (7) الآية 116 من سورة الأنعام.
    (8) من الآية 35 من سورة الأنفال.
    (9) من الآية 238 من سورة البقرة.
    (10) الآية 2 من سورة المؤمنون.
    (11) الآية 26 من سورة فصلت.
    (12) من الآية 6 من سورة التوبة.



    المصدر : كتاب سمات العصر ، لفضيلة مفتى الديار المصرية الدكتور على جمعة .


    تم بحمد الله




  17. #17
    عضو ذهبي ramrooma is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    31-08-2008
    المشاركات
    1,446
    معدل تقييم المستوى: 83

    افتراضي رد: سلسلة اخلاق وقيم

    بارك الله فيك وجعله في ميزان اعمالك ووفقك لما يحب ويرضى




  18. #18


معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 0 (0 من الأعضاء و 0 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. اخلاق النبى فى معاملة ذوى القربى والارحام
    بواسطة نادر ابراهيم في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 30 -03 -2008, 07:30 AM
  2. من اخلاق العلماء بخط اوضح
    بواسطة adiladiladil في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 09 -11 -2007, 10:32 AM
  3. من اخلاق العلماء
    بواسطة adiladiladil في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 08 -11 -2007, 07:23 PM
  4. اسلام فتاة نصرانية لما رءت حسن اخلاق المسلمات
    بواسطة adiladiladil في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05 -07 -2007, 12:33 AM
  5. اخلاق الحبيب
    بواسطة محمد مختار في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 21 -05 -2007, 01:16 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك