حصائد ألسنتهم
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". مسلم 40.

وقال:" المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه". مسلم 2580.

وقال:" المسلمون كرجل واحد، اذا اشتكى رأسه، تداعى بقيّة جسده بالحمّى السهر". البخاري ومسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من سرّه ان يسلمك فليلزم الصمت".


وقال معاذ رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أنؤاخذ بما نقول؟ فقال:" ثكلتك أمك يا ابن جبل، وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم الا حصائد ألسنتهم؟!". الترمذي 2616.

وقيل لعيسى عليه السلام: دلنا على عمل ندخل به الجنة، قال: فلا تنطقوا أبدا.

قالوا: لا بدّ لنا من ذلك. قال: فلا تنطقوا الا بخير.

وقال صلى الله عليه وسلم:" اخزن لسانك الا من خير، فانك بذلك تغلب الشيطان" ابن أبي الدنيا.

وقال صلى الله عليه وسلم:" ان الله تعالى عند كل لسان ناطق، فليتق الله امرؤ علم ما يقول". ابن المبارك في الوهد.

وقال صلى الله عليه وسلم:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". مسلم 48.

وقال صلى الله عليه وسلم:" رحم الله عبدا قال خيرا أو صمت". الطبراني.

وقال صلى الله عليه وسلم:" ان أكثر خطايا ابن آدم في لسانه". ابن أبي الدنيا.

وقال صلى الله عليه وسلم:" لسان العاقل من وراء قلبه، فاذا أراد الكلام رجع الى قلبه، فان كان له تكلم، وان كان عليه امسك، وقلب الجاهل من وراء لسانه، فهو يتكلم بكلّ ما عرض له".

وقال صلى الله عليه وسلم:" ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه الى يوم القيامة". الترمذي وابن ماجه.

وقال صلى الله عليه وسلم:" ان الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم، وان الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها الى الجنة". البخاري.

واياك يا أخي، والعجب، فانه مذموم كيف كان: بالنفس أو بالفعل أو بالقول، ولا تغترّ بفعلك ولا بقولك، فان الله تعالى يقول:{ فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}. النجم 32.

وقال صلى الله عليه وسلم:" ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متبع، واعجاب المرء بنفسه" الترغيب والترهيب.

وقال صلى الله عليه وسلم:" لو لم تذنبوا، لخشيت عليكم ما هو أشد من الذنب، وهو العجب". الترغيب والترهيب.

وقيل لعائشة رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئا؟ قالت: اذا ظنّ أنه محسن.

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الهلاك في اثنتين القنوط والعجب.

وانما جمع بينهما، لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، وان المعجب لا يطلبها لظنه أنه ظفر بها.

وذكر ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال يوما: أنا من الراسخين في العلم، وقال يوما: سلوني قبل أن تفقدوني، فلما انصرف الى منزله، بعث الله ملكا في صورة آدمي، فدق عليه الباب، فخرج اليه عبدالله بن عباس، فقال له الملك: يا ابن عباس: ما تقول في النملة مع صغرها، أين روحها في مقدّمها، أو في مؤخرها؟ فلم يجد جوابا فدخل منزله، وأغلق بابه، وآلى على نفسه أن لا يدّعي علما أبدا.

قال الله تعالى:{ وفوق كل ذي علم عليم} يوسف 76.

وذكر أنه حضر بعض النحويين في مجلس ابن شمعون الوعظ، وكان من الزهاد، فكأن النحويّ أخذ على الشيخ لحنا في لسانه، وغلظا في كلامه، فانقطع عنه النحويّ، ولم يأت الى مجلسه، فكتب اليه ابن شمعون: أراك من الاعجاب رضيت أن تقف دون الباب، أما سمعت رسالة بعض العارفين الى بعض المتأدبين. كتب اليه: من اعتمد على ضبط أقواله، لحن في أفعاله، انك رفعت وخفضت وجزمت وتهت وانقطعت.

ألا رفعت الى الله جميع الحاجات؟ ألا خفضت صوتك عن المنكرات؟ ألا نصبت بين عينيك ميزان الممات، أما علمت أنه لا يقال غدا لعبد: لم لم تكن معربا وانما يقال له: لم كنت مذنبا.

يا هذا، ليس المرغوب الفصاحة في المقال، وانما المرغوب الفصاحة في الفعال. ولو كانت الفصاحة محمودة في المقال دون الفعال، لكان هارون أولى بالرسالة من موسى عليهما السلام، قال الله تعالى اخبارا عن قول موسى:{ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا} القصص 34. فجعلت الرسالة لموسى لفصاحة أفعاله، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

وأنشدوا:

ولاحن في الفعال ذو زلل حتى اذا جاء قوله وزنه

قال وقد أكسبه لفظه تيها وعجبا أخطأن يا لحنه

قلت أخطأ الذي يقوم غدا ولا يرى في كتابه حسنه

روي أن رجلا نظر الى بشر بن منصور السليمي رضي الله تعالى عنه وهو يطيل الصلاة، ويحسن العبادة، فلما فرغ قال له: لا يغرّنك ما رأيت مني، فان ابليس، لعنه الله، عبدالله آلافا من السنين ثم صار الى ما صار اليه.

فمن سعادة المرء أن يقرّ على نفسه بالعجز والتقصير في جميع أفعاله وأقواله.

قيل المهلكات أربع هي: أنا، ونحن، ولي، وعندي.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" النادم على الذنب كمن لا ذنب له" ابن ماجه.

" النادم ينتظر الرحمة، والمعجب ينتظر المقت من الله تعالى". الطبراني.

قال أبو الدرادء رضي الله عنه: ان ناقدت الناس ناقدوك، وان تركتهم لم يتركوك، وان هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما تجرّع مؤمن أحب الى الله عز وجل من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، واياكم ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فانها تسري بالليل والناس نيام.

وقال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: أعظم الخطايا الكذب، وسب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله ومن يغفر، يغفر الله له، ومن يصبر على الرزيّة يعقبه الله خيرا منها.

وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما أخذ موسى عليه السلام الألواح، نظر فيها، وقال: الهي، أكرمتني بكرامة لم تكرم بها أحدا من قبلي، فأوحى الله تعالى اليه: أتدري لما فعلت ذلك بك؟ قال: لا. قال: نظرت الى قلوب عبادي، فلم اجد قلبا أشد تواضعا من قلبك، فلذلك:{ اني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} الأعراف 144.

يا موسى: انما أقبل من تواضعي لعظمتي، ولم يتعاظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري، وكفّ لسانه عن الشهوات لأجلي.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من جرعة أحب الى الله تعالى من جرعة غيظ كظمها رجل، ومن كظم غيظا هو قادر على انفاذه، ملأ الله قلبه أمنا وايمانا".

وحكي أن غلاما لجعفر الصادق رضي الله عنه سكب على يده الماء في الطشت، فطار الماء على ثوبه، فنظر اليه جعفر نظرة منكرة، فقال العبد: يا مولاي:{ والكاظمين الغيظ} قال: كظمت غيظي. قال الغلام:{ والعافين عن الناس} قال عفوت عنك. قال الغلام:{ والله يحب المحسنين} آل عمران 134، قال اذهب، أنت حرّ لوجه الله تعالى، ولك من مالي ألف دينار.

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله، اذا الناس نائمون، وبنهاره اذا الناس مفطرون، وبحزنه اذا الناس يفرحون، وببكائه اذا الناس يضحكون، وبصمته اذا الناس يخالطون، وبخشوعه اذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيا محزونا، حليما سكوتا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيا، ولا غافلا، ولا سخابا، ولا صيّاحا، لا حديدا، ولا منزعجا.

قال بعض الزاهدين: اغتنموا من زمانكم خمسا: ان حضرتم لم تعرفوا، وان غبتم لم تفقدوا، وان شهدتم لم تشاوروا، وان قلتم شيئا لم يقبل قولكم، وان عملتم شيئا لم تغبطوا به. وأوصيكم بخمس أيضا: ان ظلمتم لم تظلموا، ون مدحتم لم تفرحوا، وان ذممتم لم تجزعوا، وان كذبتم لم تغضبوا، وان خانوكم فلا تحزنوا.