من مقاصد الهجرة هجر ما نهى الله عنه

منذ زمن بعيد، والحديث عن التحوّلات التاريخية من حالة الضعف إلى حالة القوة أو العكس بالعكس، وفى تاريخ العرب كانت بداية التحوّل من حالة الشعوب بالحيرة والبلبلة إلى حالة الشعور بالاستقرار والإستعلاء فى أعظم حادث وجد فى تاريخ الإسلام، إنه حادث هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بعد تحمّله العبء الثقيل فى سبيل نشر العقيدة الإسلامية هو وقومه وما فعل بهم الكافرون من تطاول وسفه ومكر وتآمر دنيء ينتهى إلى الإجماع على اغتيال محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المبدإ القويم.

وحينما يحل وقت تنفيذ المؤامرة على أساس اختيارم من كل قبيلة شابا قويا وكل شاب من مجموع القبائل يمسك بسيفه ثم يعمدون جميعا إلى ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة مشتركة منهم حين خروجه من داره عند تباشير الصباح فيتفرّق دمه فى القبائل، فلا يستطيع أهله أن يأخذوا بثأره من كل القبائل فيرضوا بالدية وهى سهلة ميسورة؛ ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام يمضى بهدى ربه وتوفيقه فى خطته وطريقته ولا ينال جمع الضلال منه شيئا، ويواصل خطواته على طريق نضاله وهو يردّد قول الله عز وجل "وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" "يس آية 8".

وكان من حول الرسول صلى الله عليه وسلم آخرون شاركوا فى الهجرة وضحّوا فى سبيلها وافتدوا نجاحها بكل ما اقتدروا عليه؛ فهذا أبو بكر رضى الله عنه يشارك الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يستطيع النهوض به من أعباء، فيظل معه فى صميم المعركة حتى يضمن مع الرسول عليه الصلاة والسلام سلامة المهاجرين من الضعفاء والنساء والفقراء، ثم يحمل معه عند الصحبة فى الهجرة ماله كله، وهذه الفتاة المؤمنة أسماء بنت أبى بكر تخفى عن جدّها الضرير وتوهمه بأن أباها قد ترك لهم مالا كثيرا وهى التى تشهد الإعداد الأخير لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبيها ومع ذلك تكتم السر وتصونه وتنكر أمام أبى جهل فى إجابتها له "لا أردى أين ذهبا" فيلطمها لطمة تمزق أذنها وتنزع قرطها.

ولكنها تصبر وهى تتعرض للمخاطر والمخاوف حين تحمل الطعام والشراب ليلا إلى المهاجرين العظيمين وهما فى الغار وهى التى لا تجد ما تربط به الطعام سوى نطاقها فتشقه وتربط به ليكون لها اللقب الخالد "ذات النطاقين"؛ وهى التى ظلت تضرب أورع الأمثلة فى التضحية وتعلمها لأهلها حتى تقول لابنها عبد الله وهو يخشى أن يمثل به أعداؤه لو ظفروا به فى المعركة "امض يا بنى إلى ما أراد الله لك ما دمت تؤمن بأنك على الحق، فإن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها".

وهذا عبد الله بن أبى بكر يقوم بجمع المعلومات من داخل معسكر المشركين فى مكة ثم يمضى بها ليلا متخفيا إلى الغار ليطلع عليها النبى صلى الله عليه وسلم وصاحبه حتى يحيطا علما بكل الأحداث والتطورات. وهذا عامر بن فهيرة راعى الغنم عند أبى بكر يظل نهاره راعيا غنمه ملاحظا الطرق والناس فإذا جاء المساء ذهب بغنمه فى حذر إلى الغار وسقا الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه فى الهجرة، وانتظر حتى يعود عبد الله جامع المعلومات، وأسماء حاملة الزاد، ثم يعود عامر بغنمه ليمحو بأقدامها آثار أقدام الشقيقين المناضلين عبد الله وأسماء.

وهذا صهيب الرومى الذى حرّره الإسلام، وأعزّه، يحاول الهجرة فيحيط به الطغاة ويقولون له: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغت ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك. فيقول لهم: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلوّن سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإنى قد جعلت لكم مالي. وترك لهم كل ما يملك ومضى مهاجرا إلى الله ورسوله ولما بلغ الخبر رسول الله عليه الصلاة والسلام قال "ربح صهيب، ربح صهيب".

ومن المواقف الرائعة موقف على بن أبى طالب، رضى الله عنه، الشاب المؤمن المضحى الذى لم يتردد فى أن ينام على فراش الرسول عليه الصلاة والسلام ويتغطى ببردته فى الليلة التى اجتمع فيها الكفار ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويالها من نومة تحيطها المخاوف والأهوال ولكن عليّا يمضى قدما فى سبيل عقيدته مؤمنا الإيمان كله بأن الله معه وهو خير الناصرين.

هكذا تعطينا الهجرة فهما صحيحا للصداقة الوفية، والرابطة العميقة الوثيقة كما حدث بين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وصديقه أبى بكر رضى الله عنه، وللغربة التى بها تحفظ الكرامة وتصان الحياة ولو أدى ذلك إلى ترك الوطن والأهل، والرجل الأصيل وإن اغترب يظل حافظا عهد بلاده ذاكرا حقوق وطنه، فالرسول عليه الصلاة والسلام يخرج من مكة مهاجرا مرغما وفى شوق قاهر يقول ملتفتا إلى مكة مسقط رأسه "والله إنك لأحب أرض الله إليّ، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجونى منك قهرا ما خرجت".

لقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم فى هجرته وليس معه جيش من الناس يحميه، بل معه رفيق واحد وليس معه مدافع أو قنابل تصد عنه، ولم يتحصّن فى قلعة، بل نزل وصديقه فى غار مفتوح، ولم تحرسه دبابات، وإنما ظهر على الغار حمامة وعنكبوت، ولم يستخدم فى هجرته الطائرات أو النفاثات، وإنما هما ناقتان إحداهما له والأخرى لأبى بكر، إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يجد إلا هذه الوسائل ولكنه دعّمها بالإخلاص واليقين والثقة بالله والاعتماد عليه، يقول الله تعالى: "إلا تنصروه فقد نصره الله، إذ أخرجه الذين كفروا ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه، وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله العليا والله عزيز حكيم" "التوبة آية 40".

لقد أفادتنا مشاهد الهجرة أن العمل يجب أن يكون مقرونا بالأمل، وأن العقل يجب أن يكون مقرونا بالتوكل على الله، إلى جانب بذل الجهد والاستعانة بالقدر، وأن الصداقة مناجاة، ومواساة، ومشاركة فى المسرات، ومشاطرة فى المساءات، وكلما ارتقى المرء إلى مراتب الأخيار ازداد اعتزازا بالصداقة المخلصة، والصديق الوفي، فالأنبياء وهم النماذج العليا للبشر كانوا يعرفون للصداقة حقها، ويحفظون حرمتها، ولذلك كان من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم "اللهم لا تسئ بى صديقي، ولا تشمت بى عدوي" وقد تجلّت هذه الصداقة فى الرابطة العميقة الوثيقة التى ربطت بين الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبين صديقه أبى بكر رضى الله عنه.

فلتكن ذكرى الهجرة خير داع للبر والتقوى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله "المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".