منتديات صوت القرآن الحكيم

هذا الموقع متخصص بالصوتيات والمرئيات وهو أحد مواقع شبكة منتديات مكتوب , انضم الآن و احصل على فرصة متابعة أَناشيد جديدة و خلفيات إسلامية و المصحف المعلم للأَطفال والعديد من تلاوات القرآن الكريم لمشاهير القراء.



+ الرد على الموضوع
النتائج 1 إلى 6 من 6
Like Tree0Likes

الموضوع: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

  1. #1
    عضو BAHA D ALOSY is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    10-03-2009
    المشاركات
    87
    معدل تقييم المستوى: 63

    افتراضي تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

    تنوير الحلك
    في إمكان رؤية النبي والملك
    للسيوطي

    ‏الحاوي للفتاوي للإمام السيوطي / الجزء الثاني
    الفتاوى المتعلقة بالتصوف
    تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك







    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى . وبعد

    فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وإن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجب منه وادعوا أنه مستحيل فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ونبدأ بالحديث الصحيح الوارد في ذلك: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي ، وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي ومن حديث أبي بكرة ، وأخرج الدارمي مثله من حديث
    أبي قتادة . قال العلماء اختلفوا في معنى قوله فسيراني في اليقظة فقيل معناه فسيراني في القيامة وتعقب بأنه بلا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه منهم ومن لم يره ، وقيل المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون مبشرا له أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته ، وقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا بد أن يراه في اليقظة يعني بعيني رأسه وقيل بعين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر ابن العربي، وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من البخاري : هذا الحديث يدل على أنه من رآه صلى الله عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته أو هذا كان في حياته وهل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والإتباع لسنته عليه السلام اللفظ يعطى العموم ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه
    صلى الله عليه وسلم فمتعسف قال وقد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه وقال على ما أعطاه عقله وكيف يكون من قد مات يراه الحي في عالم الشاهد قال وفي قول هذا القول من المحذور وجهان خطران أحدهما عدم التصديق لقول الصادق عليه السلام الذي
    [ص 474]
    لا ينطق عن الهوى والثاني الجهل بقدرة القادر وتعجيزها كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة وكيف قال الله تعالى  فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى ( ) وقصة إبراهيم عليه السلام في الأربع من الطير وقصة عزير فالذي جعل ضرب الميت ببعض البقرة سببا لحياته وجعل دعاء إبراهيم سبباً لإحياء الطيور وجعل تعجب عزير سبباً لموته وموت حماره ثم لإحيائها بعد مئة سنة قادر أن يجعل رؤيته صلى الله عليه وسلم في النوم سببا لرؤيته في اليقظة وقد ذكر عن بعض الصحابة أظنه ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فتذكر هذا الحديث وبقي يفكر فيه ثم دخل على بعض أزواج النبي أظنها ميمونة فقص عليها قصته فقامت وأخرجت له مرآته صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم أر لنفسي صورة قال وقد ذكر عن بعض السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه صلى الله عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص قال والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يصدق بكرامات الأولياء أو يكذب بها فإن كان ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة وإن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي والسفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى كلام ابن أبي جمرة. وقوله إن ذلك عام وليس بخاص بمن فيه الأهلية والإتباع لسنته عليه السلام مراده وقوع الرؤية الموعود بها في اليقظة على الرؤية في المنام ولو مرة واحدة تحقيقا لوعده الشريف الذي لا يخلف وأكثر ما يقع ذلك للعامة قبيل الموت عند الاحتضار فلا يخرج روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده وأما غيرهم فتحصل لهم الرؤية في طول حياتهم إما كثيرا وإما قليلا بحسب اجتهادهم ومحافظتهم على السنة، والإخلال بالسنة مانع كبير .

    أخرج مسلم في صحيحه عن مطرف قال : قال لي عمران بن حصين قد كان
    [ص 475]
    يسلم علي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد وأخرج مسلم من وجه آخر عن مطرف قال بعث إلى عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فقال إني محدثك فإن عشت فاكتم عني وإن مت فحدث بها إن شئت إنه قد سلم عليّ ، قال النووي في شرح مسلم معنى الحديث الأول أن عمران بن حصين كانت به بواسير فكان يصبر على ألمها وكانت الملائكة تسلم عليه واكتوى وانقطع سلامهم عليه ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه، قال وقوله في الحديث الثاني فإن عشت فاكتم عني أراد به الإخبار بالسلام عليه لأنه كره أن يشاع عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت، وقال القرطبي في شرح مسلم يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه إكراما له واحتراما إلى أن اكتوى فتركت السلام عليه ففيه إثبات كرامات الأولياء انتهى، وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه من طريق مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين قال اعلم
    يا مطرف أنه كان يسلم على الملائكة عند رأسي وعند البيت وعند باب الحجرة فلما اكتويت ذهب ذاك قال فلما برأ كلمه قال اعلم يا مطرف أنه عاد إلي الذي كنت اكتم علي حتى أموت. فانظر كيف حجب عمران عن سماع تسليم الملائكة لكونه اكتوى مع شدة الضرورة الداعية إلى ذلك لأن الكي خلاف السنة، قال البيهقي في شعب الإيمان لو كان النهي عن الكي على طريق التحريم لم يكتو عمران مع علمه بالنهي غير أنه ركب المكروه ففارقه ملك كان يسلم عليه فحزن على ذلك وقال هذا القول ثم قد روي أنه عاد إليه قبل موته انتهى. وقال ابن الأثير في النهاية يعني أن الملائكة كانت تسلم عليه فلما اكتوى بسبب مرضه تركوا السلام عليه لأن الكي يقدح في التوكل والتسليم إلى الله والصبر على ما يبتلى به العبد وطلب الشفاء من عنده وليس ذلك قادحا في جواز الكي ولكنه قادح في التوكل وهي درجة عالية وراء مباشرة الأسباب ، وأخرج ابن سعد في الطبقات عن قتادة أن الملائكة كانت تصافح عمران بن حصين حتى اكتوى فتنحت عنه، وأخرج أبو نعيم في دلائل النبوة
    [ص 476]
    عن يحيى بن سعيد القطان قال ما قدم علينا البصرة من الصحابة أفضل من عمران ابن حصين أتت عليه ثلاثون سنة تسلم عليه الملائكة من جوانب بيته، وأخرج الترمذي في تاريخه وأبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة عن غزالة قالت كان عمران بن حصين يأمرنا أن نكنس الدار ونسمع السلام عليكم السلام عليكم ولا نرى أحدا ً، قال الترمذي هذا تسليم الملائكة . وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاب المنقذ من الضلال ثم أنني لما فرغت من العلوم أقبلت بهمتي على طريق الصوفية والقدر الذي اذكره لينتفع به أنني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطرق الله وأن سيرهم وسيرتهم أحسن السير وطريقهم أحسن الطرق وأخلاقهم أزكى الأخلاق بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء لغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظواهرهم وبواطنهم مقتبس وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به إلى أن قال حتى أنهم وهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتاً ويقتبسون منهم فوائد ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق هذا كلام الغزالي، وقال تلميذه القاضي أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتاب قانون التأويل ذهبت الصوفية إلى أنه إذا حصل للإنسان طهارة النفس في تزكية القلب وقطع العلائق وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال والخلطة بالجنس والإقبال على الله تعالى بالكلية علما دائما وعملا مستمرا كشفت له القلوب ورأى الملائكة وسمع أقوالهم واطلع على أرواح الأنبياء وسمع كلامهم، ثم قال ابن العربي من عنده ورؤية الأنبياء والملائكة وسماع كلامهم ممكن للمؤمن كرامة وللكافر عقوبة انتهى. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد الكبرى وقال ابن الحاج في المدخل رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة باب ضيق وقل من يقع له ذلك إلا من كان على
    [ص 477]
    صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبا مع أننا لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله في ظواهرهم وبواطنهم . قال وقد أنكر بعض علماء الظاهر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وعلل ذلك بأن قال العين الفانية لا ترى العين الباقية والنبي صلى الله عليه وسلم في دار البقاء والرائي في دار الفناء. وقد كان سيدي أبو محمد بن أبي جمرة يحل هذا الإشكال ويرده بأن المؤمن إذا مات يرى الله وهو لا يموت والواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة انتهى. وقال القاضي شرف الدين هبة الله بن عبد الرحيم البارزي في كتاب توثيق عرى الإيمان قال البيهقي في كتاب الاعتقاد الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء وقد رأى نبينا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج جماعة منهم وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه وأن سلامنا يبلغه وأن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء قال البارزي وقد سمع من جماعة من الأولياء في زماننا وقبله أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة حيا بعد وفاته قال وقد ذكر ذلك الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبو البيان نبا ابن محمد بن محفوظ الدمشقي في نظيمته انتهى . وقال الشيخ أكمل الدين البابرتي الحنفي في شرح المشارق في حديث من رآني: الاجتماع بالشخصين يقظة ومناما لحصول ما به الاتحاد وله خمسة أصول كلية الاشتراك في الذات أو في صفة فصاعداً أو في حال فصاعداً أو في الأفعال أو في المراتب وكل ما يتعقل من المناسبة بين شيئين أو أشياء لا يخرج عن هذه الخمسة وبحسب قوته على ما به الاختلاف وضعفه يكثر الاجتماع ويقل وقد يقوى على ضده فتقوى المحبة بحيث يكاد الشخصان لا يفترقان وقد يكون بالعكس ومن حصل الأصول الخمسة وثبتت المناسبة بينه وبين أرواح الكمل الماضين اجتمع بهم متى شاء. وقال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته والشيخ عفيف الدين اليافعي في روض الرياحين قال الشيخ الكبير قدوة الشيوخ العارفين وبركة أهل زمانه أبو عبد الله القرشي لما جاء الغلاء الكبير إلى ديار مصر توجهت لأن أدعو فقيل لي لا تدع فما يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء .
    [ص 478]
    فسافرت إلى الشام فلما وصلت إلى قريب ضريح الخليل عليه السلام تلقاني الخليل فقلت يا رسول الله اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر فدعا لهم ففرج الله عنهم . قال اليافعي وقوله تلقاني الخليل قول حق لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماء والأرض وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى موسى عليه السلام في الأرض ونظره أيضا هو وجماعة من الأنبياء في السماوات وسمع منهم مخاطبات وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي.

    وقال الشيخ سراج الدين بن الملقن في طبقات الأولياء قال الشيخ عبد القادر الكيلاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الظهر فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا أبتاه أنا رجل أعجمي كيف أتكلم على فصحاء بغداد فقال افتح فاك ففتحته فتفل فيه سبعا وقال تكلم على الناس وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة فصليت الظهر وجلست وحضرني خلق كثير فارتج عليّ فرأيت عليا قائما بأزائي في المجلس فقال لي يا بني لم لا تتكلم قلت يا أبتاه قد ارتج علي فقال افتح فاك ففتحته فتفل فيه ستا فقلت لم لا تكملها سبعا قال أدبا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توارى عني فقلت غواص الفكر يغوص في بحر القلب على در المعارف فيستخرجها إلى ساحل الصدر فينادي عليها ترجمان اللسان فتشتري بنفائس أثمان حسن الطاعة في بيوت أذن الله أن ترفع. وقال أيضا في ترجمة الشيخ خليفة بن موسى النهر ملكي كان كثير الرؤية لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناما فكان يقال أن أكثر أفعاله متلقاة منه بأمر منه إما يقظة وإما مناما ورآه في ليلة واحدة سبع عشرة مرة قال له في إحداهن يا خليفة لا تضجر مني كثير من الأولياء مات بحسرة رؤيني . وقال الكمال الأدفوي في الطالع السعيد في ترجمة الصفي أبي عبد الله محمد بن يحيى الأسواني نزيل أخميم من أصحاب أبي يحيى بن شافع كان مشهورا بالصلاح وله مكاشفات وكرامات كتب عنه ابن دقيق العيد
    [ص 479]
    وابن النعمان والقطب العسقلاني وكان يذكر أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع به. وقال الشيخ عبد الغفار بن نوح القوصي في كتابه الوحيد من أصحاب الشيخ أبي يحيى أبو عبد الله الأسواني المقيم بأخميم كان يخبر أنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ساعة حتى لا تكاد ساعة إلا ويخبر عنه. وقال في الوحيد أيضا كان للشيخ أبي العباس المرسي وصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم رد عليه السلام ويجاوبه إذا تحدث معه . وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في لطائف المنن قال رجل للشيخ أبي العباس المرسي يا سيدي صافحني بكفك هذه فإنك لقيت رجالا وبلادا فقال والله ما صافحت بكفي هذه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال وقال الشيخ لو حجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين. وقال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في رسالته والشيخ عبد الغفار في الوحيد حكي عن الشيخ أبي الحسن الوناني قال أخبرني الشيخ أبو العباس الطنجي قال وردت على سيدي أحمد بن الرفاعي فقال لي ما أنا شيخك شيخك عبد الرحيم بقنا فسافرت إلى قنا فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال لي عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لا قال رح إلى بيت المقدس فحين وضعت رجلي وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى الشيخ فقال لي عرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت نعم قال الآن كملت طريقتك لم تكن الأقطاب أقطاباً والأوتاد أوتاداً والأولياء أولياءً إلا بمعرفته صلى الله عليه وسلم وقال في الوحيد وممن رأيته بمكة الشيخ عبد الله الدلاصي أخبرني أنه لم تصح له صلاة في عمره إلا صلاة واحدة قال وذلك أني كنت بالمسجد الحرام في صلاة الصبح فلما أحرم الإمام وأحرمت أخذتني أخذة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إماما وخلفه العشرة فصليت معهم وكان ذلك في سنة ثلاث وسبعين وستمائة فقرأ صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى سورة المدثر وفي الثانية عم يتساءلون فلما سلم دعا بهذا الدعاء : اللهم اجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين لا طمعا في برك
    [ص 480]
    ولا رغبة فيما عندك لأن لك المنة علينا بإيجادنا قبل أن لم نكن فلك الحمد على ذلك لا إله إلا أنت. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم سلم الإمام فعقلت تسليمه فسلمت. وقال الشيخ صفي الدين في رسالته: قال لي الشيخ أبو العباس الحرار دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم مرة فوجدته يكتب مناشير للأولياء بالولاية وكتب لأخي محمد منهم منشورا قال وكان أخو الشيخ كبيرا في الولاية كان على وجهه نور لا يخفى على أحد أنه ولي فسألنا الشيخ عن ذلك فقال نفخ النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه فأثرت النفخة هذا النور . قال الشيخ صفي الدين ورأيت الشيخ الجليل الكبير أبا عبد الله القرطبي أجل أصحاب الشيخ القرشي وكان أكثر إقامته بالمدينة النبوية وكان له بالنبي صلى الله عليه وسلم وصلة وأجوبة ورد للسلام حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة للملك الكامل وتوجه بها إلى مصر وأداها وعاد إلى المدينة ، قال وممن رأيت بمصر الشيخ أبا العباس العسقلاني أخص أصحاب الشيخ القرشي زاهد مصر في وقته وكان أكثر أوقاته في آخر عمره بمكة يقال أنه دخل مرة على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الله بيدك يا أحمد . وحكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثا فقال له الولي هذا الحديث باطل فقال الفقيه ومن أين لك هذا فقال هذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف على رأسك يقول أني لم أقل هذا الحديث وكشف للفقيه فرآه. وفي كتاب المنح الالهية في مناقب السادة الوفائية لابن فارس قال سمعت سيدي علي رضي الله عنه يقول كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب فأتيته يوما فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما وعليه قميص أبيض قطن ثم رأيت القميص علي فقال لي اقرأ فقرأت عليه سورة والضحى وألم نشرح ثم غاب عني فلما أن بلغت إحدى وعشرين سنة أحرمت لصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قبالة وجهي فعانقني وقال لي  وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( ) فأوتيت لسانه من ذلك الوقت انتهى . وفي بعض المجاميع حج سيدي
    [ص 481]
    أحمد الرفاعي فلما وقف تجاه الحجرة الشريفة أنشد :

    في حالة البعد روحي كنت أرسلها
    1 تقبل الأرض عني فهي نائبتي
    1
    وهذه نوبة الأشباح قد حضرت
    1 فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
    1

    فخرجت اليد الشريفة من القبر الشريف فقبلها. وفي معجم الشيخ برهان الدين البقاعي حدثني الإمام أبو الفضل ابن أبي الفضل النويري أن السيد نور الدين الأيجي والد الشريف عفيف الدين لما ورد إلى الروضة الشريفة وقال السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وسمع من كان بحضرته قائلا من القبر يقول وعليك السلام يا ولدي. وقال الحافظ محب الدين بن النجار في تاريخه أخبرني أبو أحمد داود بن علي بن هبة الله بن المسلمة أنا أبو الفرج المبارك بن عبد الله بن محمد بن النقور قال حكى شيخنا أبو نصر عبد الواحد بن عبد الملك بن محمد بن أبي سعد الصوفي الكرخي قال حججت وزرت النبي صلى الله عليه وسلم فبينا أنا جالس عند الحجرة إذ دخل الشيخ أبو بكر الديار بكري ووقف بإزاء وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال السلام عليك يا رسول الله فسمعت صوتا من داخل الحجرة وعليك السلام يا أبا بكر وسمعه من حضر. وفي كتاب مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام للإمام شمس الدين محمد بن موسى بن النعمان قال سمعت يوسف بن علي الزناني يحكي عن امرأة هاشمية كانت مجاورة بالمدينة وكان بعض الخدام يؤذيها قالت فاستغثت بالنبي صلى الله عليه وسلم فسمعت قائلا من الروضة يقول أما لك فيّ أسوة فاصبري كما صبرت أو نحو هذا قالت فزال عني ما كنت فيه ومات الخدام الثلاثة الذين كانوا يؤذونني. وقال ابن السمعاني في الدلائل أخبرنا أبو بكر هبة الله بن الفرج أخبرنا أبو القاسم يوسف بن محمد ابن يوسف الخطيب أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عمر بن تميم المؤدب حدثنا علي بن إبراهيم بن علان أخبرنا علي بن محمد بن علي حدثنا أحمد بن الهيثم الطائي حدثني أبي عن أبيه عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن علي بن أبي طالب رضي الله
    [ص 482]
    عنه قال قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بنفسه على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وحثا من ترابه على رأسه وقال يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت عن الله فأوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك  وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً ( ) وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك ، ثم رأيت في كتاب مزيل الشبهات في إثبات الكرامات للإمام عماد الدن إسماعيل بن هبة الله بن باطيس ما نصه: ومن الدليل على إثبات الكرامات آثار منقولة عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم منهم الإمام أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال لعائشة رضي الله عنها إنما هما أخواك وأختاك قالت هذان أخواي محمد وعبد الرحمن فمن أختاي وليس لي إلا أسماء فقال ذو بطن ابنة خارجة قد ألقى في روعي أنها جارية فولدت أم كلثوم . ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة سارية حيث نادى وهو في الخطبة يا سارية الجبل الجبل فأسمع الله سارية كلامه وهو بنهاوند ، وقصته مع نيل مصر ومراسلته إياه وجريانه بعد انقطاعه. ومنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه قال عبد الله بن سلام ثم أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور فقال مرحبا بأخي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الخوخة فقال يا عثمان حصروك قلت نعم قال عطشوك قلت نعم فأدلى لي دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى أني لأجد برده بين ثدييّ وبين كتفي فقال إن شئت نصرت عليهم وإن شئت أفطرت عندنا فاخترت أن أفطر عنده فقتل ذلك اليوم انتهى. وهذه القصة مشهورة عن عثمان مخرجة في كتب الحديث بالإسناد أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده وغيره وقد فهم المنصف منها أنها رؤية يقظة وإن لم يصلح عدها في الكرامات لأن رؤية المنام يستوي فيها كل أحد وليست من الخوارق المعدودة في الكرامات ولا ينكرها من ينكر
    [ص 483]
    كرامات الأولياء . ومما ذكره ابن باطيس في هذا الكتاب قال ومنهم أبو الحسين محمد بن سمعون البغدادي الصوفي قال أبو طاهر محمد بن علي العلان حضرت أبا الحسين بن سمعون يوما في مجلس الوعظ وهو جالس على كرسيه يتكلم فكان أبو الفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسي فغشيه النعاس ونام فأمسك أبو الحسين ساعة من الكلام حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه فقال له أبو الحسين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في نومك قال نعم قال أبو الحسين لذلك أمسكت عن الكلام خوف أن تنزعج وينقطع ما كنت فيه. فهذا يشعر بأن ابن سمعون رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لما حضر ورآه أبو الفتح في نومه، وقال أبو بكر بن أبيض في جزئه سمعت أبا الحسن بنانا الحمال الزاهد يقول حدثني بعض أصحابنا قال كان بمكة رجل يعرف بابن ثابت قد خرج من مكة إلى المدينة ستين سنة ليس إلا للسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرجع فلما كان في بعض السنين تخلف لشغل أو سبب فقال بينا هو قاعد في الحجرة بين النائم واليقظان إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول يا ابن ثابت لم تزرنا فزرناك.

    (تنبيهات) الأول: أكثر ما تقع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بالقلب ثم يترقى إلى أن يرى بالبصر ، وقد تقدم الأمران في كلام القاضي أبي بكر بن العربي لكن ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني لا يدرك حقيقته إلا من باشره . وقد تقدم عن الشيخ عبد الله الدلاصي فلما أحرم الإمام وأحرمت أخذتني أخذة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار بقوله أخذه إلى هذه الحالة. الثاني: هل الرؤية لذات المصطفى صلى الله عليه وسلم بجسمه وروحه أو لمثاله؟ الذين رأيتهم من أرباب الأحوال يقولون بالثاني وبه صرح الغزالي فقال ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل مثالا له صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسه قال والآلة تارة تكون حقيقة وتارة تكون خيالية والنفس
    [ص 484]
    غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق قال ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام فإن ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله كما تقول في حق غيره انتهى .
    وفصل القاضي أبو بكر بن العربي فقال رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال . وهذا الذي قاله في غاية الحسن ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم بالخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي . وقد ألف البيهقي جزءا في حياة الأنبياء . وقال في دلائل النبوة الأنبياء أحياء عند ربهم كالشهداء. وقال في كتاب الاعتقاد الأنبياء بعد ما قبضوا ردت إليهم أرواحهم فهم أحياء عند ربهم كالشهداء . وقال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي المتكلمون المحققون من أصحابنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم حي بعد وفاته وأنه يبشر بطاعات أمته ويحزن بمعاصي العصاة منهم وأنه تبلغه صلاة من يصلي عليه من أمته . وقال أن الأنبياء لا يبلون ولا تأكل الأرض منهم شيئا . وقد مات موسى في زمانه فأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أنه رآه في قبره مصليا. وذكر في حديث المعراج أنه رآه في السماء الرابعة ورأى آدم وإبراهيم وإذا صح لنا هذا الأصل قلنا نبينا صلى الله عليه وسلم قد صار حيا بعد وفاته وهو على نبوته انتهى. وقال القرطبي في التذكرة في حديث الصعقة نقلا عن شيخه : الموت ليس بعدم محض وإنما هو انتقال من حال إلى حال ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء يرزقون فرحين مستبشرين وهذه صفة الأحياء في الدنيا وإذا كان هذا في الشهداء فالأنبياء أحق بذلك وأولى . وقد صح أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء ورأى موسى قائما يصلي في قبره وأخبر صلى
    [ص 485]
    الله عليه وسلم أنه يرد السلام على كل من يسلم عليه إلى عير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة فإنهم موجودين أحياء ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله تعالى بكرامته انتهى. وأخرج أو يعلى في مسنده والبيهقي في كتاب حياة الأنبياء عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون، وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكنهم يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور. وروى سفيان الثوري في الجامع قال : قال شيخ لنا عن سعيد بن المسيب قال ما مكث نبي في قبره أكثر من أربعين ليلة حتى يرفع. قال البيهقي فعلى هذا يصيرون كسائر الأحياء يكونون حيث ينزلهم الله تعالى. وروى عبد الرزاق في مصنفه عن الثوري عن أبي المقدام عن سعيد ابن المسيب قال ما مكث نبي في الأرض أكثر من أربعين يوما، وأبو المقدام هو ثابت بن هرمز شيخ صالح وأخرج ابن حبان في تاريخه والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا . وقال إمام الحرمين في النهاية ثم الرافعي في الشرح روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنا أكرم على ربي من أن يتركني في قبري بعد ثلاث، زاد إمام الحرمين وروي أكثر من يومين. وذكر أبو الحسن بن الزاغوني الحنبلي في بعض كتبه حديثا أن الله لا يترك نبيا في قبره أكثر من نصف يوم . وقال الإمام بدر الدين بن الصاحب في تذكرته .
    (فصل) في حياته صلى الله عليه وسلم بعد موته في البرزخ وقد دل على ذلك تصريح الشارع وإيماؤه ومن القرآن قوله تعالى  وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( ) فهذه الحالة وهي الحياة في البرزخ بعد الموت حاصلة لآحاد الأمة من الشهداء وحالهم أعلى وأفضل ممن تكن له هذه الرتبة لا سيما في البرزخ ولا تكون رتبة أحد من الأمة أعلى من رتبة النبي صلى الله عليه وسلم بل إنما حصل لهم هذه
    [ص 486]
    الرتبة بتزكيته وتبعيته وأيضا فإنما استحقوا هذه الرتبة بالشهادة والشهادة حاصلة للنبي صلى الله عليه وسلم على أتم الوجوه وقال عليه السلام مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. وهذا صريح في إثبات الحياة لموسى فإنه وصفه بالصلاة وأنه كان قائما ومثل هذا لا يوصف به الروح وإنما وصف به الجسد، وفي تخصيصه بالقبر دليل على هذا فإنه لو كان من أوصاف الروح لم يحتج لتخصيصه بالقبر فإن أحدا لم يقل ان أرواح الأنبياء مسجونة في القبر مع الأجساد وأرواح الشهداء أو المؤمنين في الجنة. وفي حديث ابن عباس سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة فمررنا بواد فقال أي واد هذا فقالوا وادي الأزرق فقال كأني أنظر إلى موسى واضعاً أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله بالتلبية مارا بهذا الوادي ثم سرنا حتى أتينا على ثنية قال كأني أنظر إلى يونس على ناقة حمراء عليه جبة صوف مارا بهذا الوادي ملبيا، سئل هنا كيف ذكر حجهم وتلبيتهم وهم أموات وهم في الأخرى وليست دار عمل وأجيب بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا ويتقربوا بما استطاعوا وأنهم وإن كانوا في الأخرى فإنهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها واعتقبتها الأخرى التي هي دار الجزاء انقطع العمل. هذا لفظ القاضي عياض فإذا كان القاضي عياض يقول أنهم يحجون بأجسادهم ويفارقون قبورهم فكيف يستنكر مفارقة النبي صلى الله عليه وسلم لقبره فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان حاجا وإذا كان مصليا بجسده في السماء فليس مدفونا في القبر انتهى. فحصل من مجموع هذا النقول والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه وأنه يتصرف ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء وأنه مغيب عن الأبصار كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال. الثالث: سئل بعضهم كيف يراه الراؤن المتعددون
    [ص 487]
    في أقطار متباعدة فأنشد :

    كالشمس في كبد السماء وضوؤها
    1 يغشى البلاد مشارقاً ومغارباً
    1

    وفي مناقب الشيخ تاج الدين بن عطاء عن بعض تلامذته قال حججت فلما كنت في الطواف رأيت الشيخ تاج الدين في الطواف فنويت أن أسلم عليه إذا فرغ من طوافه فلما فرغ من الطواف جئت فلم أره ثم رأيته في عرفة كذلك وفي سائر المشاهد كذلك فلما رجعت إلى القاهرة سألت عن الشيخ فقيل لي طيب فقلت هل سافر قالوا لا فجئت إلى الشيخ وسلمت عليه فقال لي من رأيت فقلت يا سيد رأيتك فقال يا فلان الرجل الكبير يملأ الكون لو دعي القطب من حجر لأجاب فإذا كان القطب يملأ الكون فسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم من باب أولى. وقد تقدم عن الشيخ أبي العباس الطنجي أنه قال وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . الرابع: قال قائل يلزم على هذا أن تثبت الصحبة لمن رآه . والجواب أن ذلك ليس بلازم أما أن قلنا بأن المرئي المثال فواضح لأن الصحبة إنما تثبت برؤية ذاته الشريفة جسدا وروحا. وإن قلنا المرئي الذات فشرط الصحبة أن يراه وهو في عالم الملك وهذه رؤية وهو في عالم الملكوت وهذه الرؤية لا تثبت صحبته. ويؤيد ذلك أن الأحاديث وردت بأن جميع أمته عرضوا عليه فرآهم ورأوه ولم تثبت الصحبة للجميع لأنها رؤية في عالم الملكوت فلا تفيد صحبته .

    (خاتمة) أخرج أحمد في مسنده والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريق أبي العالية عن رجل من الأنصار قال خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وسلم فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه فظننت أن لهما حاجة قال الأنصاري لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت ارثي له من طول القيام فلما انصرف قلت يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثى لك من طول القيام قال ولقد رأيته قلت نعم قلت أتدري من هو قلت لا قال ذاك جبريل مازال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ثم قال أما إنك لو سلمت رد عليك السلام. وأخرج أبو موسى المديني في المعرفة عن تميم
    [ص 488]
    بن سلمة قال بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ انصرف من عنده رجل فنظرت إليه موليا معتما بعمامة قد أرسلها من وراءه قلت يا رسول الله من هذا قال هذا جبريل. وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الدلائل عن حارثة بن النعمان قال مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل فسلمت عليه ومررت فلما رجعنا وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل فسلمت عليه ومررت فلما رجعنا وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم قال هل رأيت الذي كان معي قلت نعم قال فإنه جبريل وقد رد عليك السلام. وأخرج ابن سعد عن حارثة قال رأيت جبريل من الدهر مرتين. وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عباس قلت كنت مع أبي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا فقال لي أبي يا بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني قلت يا أبت إنه كان عنده رجل يناجيه فرجع فقال يا رسول الله قلت لعبد الله كذا كذا فقال أنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد قال وهل رأيته يا عبد الله قلت نعم قال ذاك جبريل هو الذي يشغلني عنك. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال رأيت جبريل مرتين. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأنصار فلما دنا من منزله سمعه يتكلم في الداخل فلما دخل لم ير أحدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كنت تكلم قال يا رسول الله دخل علي داخل ما رأيت رجلا قط بعدك أكرم مجلسا ولا أحسن حديثا منه قال ذاك جبريل وإن منكم لرجالاً لو أن أحدهم يقسم على الله لأبره. وأخرج أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف عن أبي جعفر قال كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن حذيفة بن اليمان أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره أهل أن تحمد إنك على كل شيء قدير اللهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنوبي واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني عملا زاكياً ترضى به عني فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك ملك أتاك
    [ص 489]
    يعلمك تحميد ربك، وأخرج محمد بن نصر عن أبي هريرة قال بينما أنا أصلي إذ سمعت متكلما يقول اللهم لك الحمد كله قال فذكر الحديث نحوه. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الذكر عن أنس بن مالك قال : قال أبي بن كعب لأدخلن المسجد فلأصلين ولأحمدن الله بمحامد لم يحمده بها أحد فلما صلى وجلس ليحمد الله ويثني عليه إذا هو بصوت عال من خلف يقول اللهم لك الحمد كله ولك الملك كله وبيدك الخير كله وإليك يرجع الأمر كله علانيته وسره لك الحمد إنك على كل شيء قدير اغفر لي ما مضى من ذنوبي واعصمني فيما بقي من عمري وارزقني أعمالا زاكية ترضى بها عني وتب علي فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقص عليه فقال ذاك جبريل. وأخرج الطبراني والبيهقي عن محمد بن مسلمة قال مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا خده على خد رجل فلم أسلم ثم رجعت فقال لي ما منعك أن تسلم قلت يا رسول الله رأيتك فعلت بهذا الرجل شيئا ما فعلته بأحد من الناس فكرهت أن أقطع عليك حديثك فمن كان يا رسول الله قال جبريل. وأخرج الحاكم عن عائشة قالت رأيت جبريل واقفا في حجرتي هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناجيه فقلت يا رسول الله من هذا قال بمن شبهته قلت بدحية قال لقد رأيت جبريل. وأخرج البيهقي عن حذيفة قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج فتبعته فإذا عارض قد عرض له فقال لي يا حذيفة هل رأيت العارض الذي عرض لي قلت نعم قال ذاك ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قبلها استأذن ربه فسلم علي وبشرني بالحسن والحسين أنهما سيدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة. وأخرج أحمد والبخاري تعليقا ومسلم والنسائي وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في دلائل النبوة عن أسيد بن حضير أنه بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت فسكت فسكنت فرفع رأسه إلى السماء فإذا هي بمثل الظلة فيها أمثال المصابيح عرجت إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت تنظر الناس
    [ص 490]
    إليها لا تتوارى منهم. وأخرج الواقدي وابن عساكر عن عبد الرحمن ابن عوف قال رأيت يوم بدر رجلين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما وعن يساره أحدهما يقاتلان أشد القتال ثم ثلثهما من خلفه ثم ربعهما رابع أمامه . وأخرج إسحاق ابن راهويه في مسنده وابن جرير في تفسيره وأبو نعيم البيهقي كلاهما في دلائل النبوة عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه أنه قال بعد ما عمي لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، وأخرج البيهقي عن أبي بردة بن نيار قال جئت يوم بدر بثلاثة رؤوس فوضعتهن بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أما رأسان فقتلتهما وأما الثالث فإني رأيت رجلا أبيض طويلا ضربه فأخذت رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك فلان من الملائكة. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال كان الملك يتصور في صورة من تعرفون من الناس يثبتونهم فيقول إني دنوت منهم فسمعتهم يقولون لو حملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشيء فذلك قوله تعالى  إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ( ). وأخرج أحمد وابن سعد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو وكان أبو اليسر رجلا جموعا وكان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا اليسر كيف أسرت العباس قال يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أعانك عليه ملك كريم، وأخرج ابن سعد والبيهقي عن عمار بن أبي عمار أن حمزة بن عبد المطلب قال يا رسول الله ارني جبريل في صورته قال أقعد فقعد فنزل جبريل على خشبة كانت في الكعبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ارفع طرفك فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر، وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب القبور والطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال بينا أنا أسير بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفرة في عنقه سلسلة فناداني يا عبد الله اسقني وخرج رجل من تلك الحفرة في يده سوط فناداني يا عبد الله لا تسقه
    [ص 491]
    فإنه كافر ثم ضربه بالسوط حتى عاد إلى حفرته فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال لي أو قد رأيته نعم قال ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة، محل الاستدلال رؤيته الرجل الذي خرج عقبه وضربه بالسوط فإنه الملك الموكل بتعذيبه، وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني وابن عساكر من طريق عروة بن رويم عن العرباض بن سارية الصحابي رضي الله عنه أنه كان يحب أن يقبض فكان يدعو اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني إليك قال فبينما أنا يوما في مسجد دمشق وأنا أصلي وأدعو أن أقبض إذا أنا بفتى شاب من أجمل الرجال وعليه رواج أخضر فقال ما هذا الذي تدعو به قلت وكيف أدعو قال قل اللهم حسن العمل وبلغ الأجل قلت من أنت يرحمك الله قال أنا رتابيل الذي يسل الحزن من صدور المؤمنين ثم ألتفت فلم أر أحدا، وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن سعيد بن سنان قال أتيت بيت المقدس أريد الصلاة فدخلت المسجد فبينما أنا على ذلك إذ سمعت خفيفا له جناحان قد أقبل وهو يقول سبحان الدائم القائم سبحان الحي القيوم سبحان الملك القدوس سبحان رب الملائكة والروح سبحان الله وبحمده سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ثم أقبل خفيف يتلوه ويقول مثل ذلك ثم أقبل حفيف بعد حفيف يتجاوبون بها حتى امتلأ المسجد فإذا بعضهم قريب مني فقال آدمي قلت نعم قال لأروع عليك هذه الملائكة.

    (تذنيب) ومما يمكن أن يدخل هنا ما أخرجه أبو داود من طريق أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار أن عبد الله بن زيد قال يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما. وفي كتاب الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين أن عبد الله بن زيد قال لولا اتهامي لنفسي لقلت أني لم أكن نائما . وفي سنن أبي داود من طريق ابن أبي ليلى جاء رجل من الأنصار فقال يا رسول الله رأيت رجلا كأن عليه ثوبين أخضرين فأذن ثم قعد قعدة ثم قام فقال مثلها إلا أنه يقول قد قامت الصلاة ولولا أن يقول الناس لقلت أني كنت يقظانا غير نائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أراك الله خيرا. فقال الشيخ
    [ص 492]
    ولي الدين العراقي في شرح سنن أبي داود قوله أني لبين نائم ويقظان مشكل لأن الحال لا يخلو عن نوم أو يقظة فكان مراده أن نومه كان خفيفا قريبا من اليقظة فصار كأنه درجة متوسطة بين النوم واليقظة. قلت أظهر من هذا أن يحمل على الحالة التي تعتري أرباب الأحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ويسمعون ما يسمعون والصحابة رضي الله عنهم هم رؤس أرباب الأحوال . وقد ورد في عدة أحاديث أن أبا بكر وعمر وبلالاً رأوا مثل ما رأى عبد الله بن زيد. وذكر إمام الحرمين في النهاية والغزالي في البسيط أن بضعة عشر من الصحابة كلهم قد رأى مثل ذلك. وفي الحديث الذي نادى بالأذان فسمعه عمر وبلال وجبريل أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، ويشبه هذا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن محمد بن المنكدر قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر فرآه ثقيلا فخرج من عنده فدخل على عائشة ليخبرها بوجع أبي بكر إذ دخل أبو بكر يستأذن فدخل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتعجب لما عجل الله له من العافية فقال ما هو إلا أن خرجت من عندي فغفوت فأتاني جبريل عليه السلام فسطعني سطعة فقمت وقد برأت فلعل هذه حال لا غفوة نوم.


    تم بحمد الله




  2. #2
    عضو فعال سعيد بن المسيب is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    05-03-2009
    المشاركات
    102
    معدل تقييم المستوى: 64

    افتراضي رد: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

    اللهم صلى وسلم على حبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم
    وهدى الله المتصوفه إلى الحق وإلى طريق مستقيم باتباع سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والبعد عن تلبيس إبليس عليهم عن طريق مشائخ السوء الذى يحرصون على البدع أشد من حرصهم على السنه


    وبما أن الأخ ناقل كحال كثير جدا من الصوفيه لأن تمسكهم بالأحاديث الضعيفه وبعدهم عن الأدله الشرعيه الصحيحه تجعلهم لايستمرون فى مناقشه بل يميلون للنقل فقط ولهذا فسأكتفى أنا الآخر فى هذا الموضوع بنقل موضوع مميز وجامع للرد على من زعم رؤية النبى صلى الله عليه وسلم فى اليقظه وهو من موقع صيد الفوائد ولأمانة النقل كتبه الأخ الفاضل أبو معاذ السلفى وأدعوا الله أن يجعله فى ميزان حسناته



    الفوائد الملتقطه فى الرد على من زعم رؤية النبى صلى الله عليه وسلم يقظه


    المقدمة
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
    ( لقد تجرأ بعض الصوفية في ادعاء خروج النبي صلى الله عليه وسلم من قبره ورؤية مشايخ القوم له يقظة لا مناماً في الحياة الدنيا والتلقي منه، على اختلاف بينهم في كيفية هذه الرؤية كما سيأتي إن شاء الله بيانه ضمن هذا المبحث، فممن قال بذلك منهم:
    ابن حجر الهيتمي في «الفتاوى الحديثية» (ص217) والسيوطي في «تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي صلى الله عليه وسلم والملك» ضمن «الحاوي للفتاوي» (2/255)، وأبو المواهب الشاذلي كما في «الطبقات الكبرى» للشعراني (2/69)، والشعراني كما في «الطبقات الصغرى» (ص89)، وأحمد التيجاني وخلفاؤه كما في «رماح حزب الرحيم على نحور حزب الرجيم» (1/210)، ومن المتأخرين: خوجلي بن عبد الرحمن بن إبراهيم كما في «طبقات ابن ضيف الله» (ص190)، ومحمد بن علوي المالكي في «الذخائر المحمدية» (ص259)، ومحمد فؤاد الفرشوطي في «القرب والتهاني في حضرة التداني شرح الصلوات المحمدية للسادة الصوفية» (ص25))([1]) ؛ و علي الجفري الملقب بـ ( زين العابدين ) !! فقد تحدث عن هذه المسألة في عدة مجالس مسجلة بصوته، وممن يقول بها كذلك مفتي مصر الحالي علي جمعة؛ بل قد زعم – علي جمعة - بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة!! وقوله هذا مسجل بصوته والله المستعان.
    وفيما يلي أنقل ردوداً لبعض أهل العلم على هذه الدعوى وأسأل الله أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم؛ وأن ينفع به ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    أبو معاذ السلفي ( السني الحضرمي )

    * أولاً:
    ذكر بعض الأدلة التي تثبت عدم إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة
    قال الشيخ محمد أحمد لوح - حفظه الله – في كتابه العجاب «تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي» (2/47-49) باختصار:
    ( من الأدلة على عدم إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة أن أموراً عظيمة وقعت لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أفضل الأمة بعد نبيها كانوا في حاجة ماسة إلى وجوده بين أظهرهم ولم يظهر لهم، نذكر منها:
    - انه وقع خلاف بين الصحابة بعد وفاة النبيصلى الله عليه وسلم بسبب الخلافة، فكيف لم يظهر لأصحابه ويفصل النزاع بينهم.
    - اختلاف أبي بكر الصديق مع فاطمة رضي الله عنهما على ميراث أبيها فاحتجت فاطمة عليه بأنه إذا مات هو إنما يرثه أبناؤه فلماذا يمنعها من ميراث أبيها؟ فأجابها أبو بكر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نحن معاشر الأنبياء لا نورث وما تركنا صدقة » رواه البخاري وغيره.
    - الخلاف الشديد الذي وقع بين طلحة والزبير وعائشة من جهة وعلي بن أبي طالب وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين من جهة أخرى، والذي أدى إلى وقوع معركة الجمل، فقتل فيها خلق كثير من الصحابة والتابعين، فلماذا لم يظهر لهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يحقن هذه الدماء؟
    - الخلاف الذي وقع بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج، وقد سفكت فيه دماء كثيرة، ولو ظهر لرئيس الخوارج وأمره بطاعة إمامه لحقن تلك الدماء.
    - النزاع الذي وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما والذي أدى إلى وقوع حرب
    صفين حيث قتل خلق كثير جداً منهم عمار بن ياسر. فلماذا لم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم حتى تجتمع كلمة المسلمين وتحقن دمائهم.
    - أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه على جلالة قدره وعظمة شأنه كان يُظهر الحزن على عدم معرفته ببعض المسائل الفقهية فيقول: (ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارقنا حتى يعهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا) متفق عليه.فلو كان يظهر لأحد بعد موته لظهر لعمر الفاروق وقال له: لا تحزن حكمها كذا وكذا) اهـ .

    * * * *

    * ثانياً:

    أقوال بعض أهل العلم في هذه المسألة

    إليك أخي القارئ الكريم أقوال بعض أهل العلم في هذه المسالة؛ وأغلب هذه النقول من كتاب «القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل» للشيخ إسماعيل الأنصاري رحمه الله:
    1 - قال القاضي أبو بكر بن العربي نقلاً من «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني (12/384): (شذ بعض الصالحين فزعم أنها - أي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته - تقع بعيني الرأس حقيقة).
    2 - الإمام أبو العباس أحمد بن عمر القرطبي في «المفهم لشرح صحيح مسلم» ذكر هذا القول وتعقبه بقوله: (وهذا يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها وأن يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده ولا يبقى من قبره فيه شيء فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب لأنه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير قبره.
    وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل) وإلى كلام القرطبي هذا أشار الحافظ ابن حجر في «الفتح» بذكره اشتداد إنكار القرطبي على من قال: (من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة).
    3 - قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته «العبادات الشرعية والفرق بينها وبين البدعية»: (منهم من يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الحجرة وكلمه وجعلوا هذا من كراماته ومنهم من يعتقد أنه إذا سأل المقبور أجابه.
    وبعضهم كان يحكي أن ابن منده كان إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأجابه، وآخر من أهل المغرب حصل له مثل ذلك وجعل ذلك من كراماته حتى قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: ويحك أترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين و الأنصار فهل في هؤلاء من سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعد الموت وأجابه وقد تنازع الصحابة في أشياء فهلا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم، وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثها فهلا سألته فأجابها؟).
    وحكاية ابن منده التي أشار إليها ابن تيمية رحمه الله في هذا الكلام ذكرها الحافظ الذهبي في «سير أعلام النبلاء»‏ (17/37-38) في ترجمة أبى عبد الله محمد بن أبى يعقوب إسحاق بن الحافظ أبى عبد الله محمد بن يحي بن منده وقال الذهبي فيها: (هذه حكاية نكتبها للتعجب).
    وقال في إسنادها: (إسنادها منقطع) اهـ.
    4 - قال الحافظ الذهبي في ترجمة الربيع بن محمود المارديني في «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»: (دجال مفتر ادعى الصحبة والتعمير في سنة تسع وتسعين وخمسمائة وكان قد سمع من ابن عساكر عام بضع وستين).
    يعني الحافظ الذهبي بالصحبة التي ادعاها الربيع ما جاء عنه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وهو بالمدينة الشريفة فقال له: أفلحت دنيا وأخرى، فادعى بعد أن استيقظ أنه سمعه وهو يقول ذلك.
    ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة في تمييز الصحابة» (1/ 513).
    5- الحافظ ابن كثير ذكر في ترجمة أحمد بن محمد بن محمد أبى الفتح الطوسي الغزالي في «البداية والنهاية» ‏ (12/196) أن ابن الجوزي أورد أشياء منكرة من كلامه منها أنه - أي أبا الفتح الطوسي - كان كلما أشكل عليه شيء رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليقظة فسأله عن ذلك فدله على الصواب، وأقر ابن كثير ابن الجوزي على عد هذا من منكرات أبى الفتح الطوسي، وابن الجوزي ذكر هذا في كتابه «القصاص والمذكرين» (ص156).
    6- ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» (12/385) أن ابن أبى جمرة نقل عن جماعة من المتصوفة أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك ثم تعقب الحافظ ذلك بقوله: (وهذا مشكل جداً ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعاً جماً رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف).
    7- قال السخاوي في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بعد موته: (لم يصل إلينا ذلك - أي ادعاء وقوعها - عن أحد من الصحابة ولا عمن بعدهم وقد اشتد حزن فاطمة عليه‏ صلى الله عليه وسلم حتى ماتت كمداً بعده بستة أشهر على الصحيح وبيتها مجاور لضريحه الشريف ولم تنقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه) نقل ذلك القسطلاني في «المواهب اللدنية» (5/295) عن السخاوي.
    8- قال ملا علي قاري في «جمع الوسائل شرح الشمائل للترمذي» (2/238): (إنه أي ما دعاه المتصوفة من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بعد موته لو كان له حقيقة لكان يجب العمل بما سمعوه منه صلى الله عليه وسلم من أمر ونهي وإثبات ونفي ومن المعلوم أنه لا يجوز ذلك إجماعاً كما لا يجوز بما يقع حال المنام ولو كان الرائي من أكابر الأنام وقد صرح المازري وغيره بأن من رآه يأمر بقتل من يحرم قتله كان هذا من الصفات المتخيلة لا المرئية) انتهى كلام الملا علي قاري وفيه فائدة أخرى هي حكايته الإجماع على عدم جواز العمل بما يدعى من يزعم أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة أنه سمع منه أمر أو نهي أو إثبات أو نفي، وفي حكايته الإجماع على ذلك الرد على قول الزرقاني في «شرح المواهب اللدنية» (7/29) ما نصه: (لو رآه يقظة - أي بعد موته صلى الله عليه وسلم- وأمره بشيء وجب عليه العمل به لنفسه ولا يعد صحابياً وينبغي أن يجب على من صدقه العمل به قاله شيخنا).
    9- قال الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله في كتابه « الإنصاف في حقيقة الأولياء وما لهم من الكرامات والألطاف » بعد ذكره لبعض أقوال الصوفية المخالفة للشريعة: ( فإن لم يكن هذا القول من أقوال أهل الجنون وإلا فلا جنون في الأكوان، وأعجب من هذا قول السيوطي: (أن من كرامة الولي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم ويجتمع به في اليقظة ويأخذ عنه ما قسم من مذاهب ومعارف).
    قال: (وممن نص على ذلك من أئمة الشافعية الغزالي والسبكي واليافعي، ومن المالكية القرطبي وابن أبي حمزة وابن الحاج في «المدخل»). قال: (وحكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً، فقال له الولي: هذا الحديث باطل. فقال له الفقيه: من أين لك هذا؟ قال: هذا النبي واقفٌ على رأسك يقول: إني لم أقل هذا الحديث. وكُشف للفقيه فرآه. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: لو حجب عني النبي صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين)([2]).
    وهذا استدل به السيوطي على أن عيسى بن مريم إذا نزل من السماء آخر الزمان فإنه يأخذ علم شريعة النبي محمد عنه صلى الله عليه وسلم وهو في قبره([3]).
    وأما الخضر فقالوا: أخذ عن أبي حنيفة خمسة عشر سنة بعد موته، وفيه دلالة على بلادة الخضر عندهم وقلة فهمه حيث بقي هذه المدة يأخذ العلم.
    والحاصل: أن هذا كلام لا تجري به أقلام من لهم عقول فضلاً عمن يعرف آثاره من علم معقول أو منقول، وقد ثبت أن أبا بكر الصديق وعمر الفاروق كانا يتمنيان لو سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسائل من علم الدين، وهذا أبو بكر يقول للجدة لما جاءت تطلب ميراثها من ابن ابنها أو ابن بنتها. ما أجد لك في الكتاب شيئاً ولا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً وسأسأل الناس العشية، فلما صلى الظهر أقبل على الناس فقال: أن الجدة أتتني تسألني ميراثها. إلى أن قال: فهل سمع أحدٌ منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضى لها بالسدس فقال: هل سمع ذلك معك أحد فقام محمد بن سلمة فقال: كقول المغيرة([4]).
    ومثله قصة عمر في الاستئذان([5]) ورجوعه إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في عدة وقائع([6])، وكم من مسائل اجتهد فيها الصحابة وهم في الحجرة النبوية وفي المدينة الطيبة. فكيف ساغ لهم الاجتهاد مع إمكان وجود النص وأخذه عن لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم . وكم وكم من قضايا حار فيها الصحابة فرجعوا إلى الرأي وبعضهم كان لا يعلم الحديث في القضية التي حار فيها حتى يرويها له بعض الصحابة، ولا حاجة إلى التطويل لذلك. فيا عجباه لعقول تقبل هذا الهذيان، ومن قوم يعدون أنفسهم من العلماء الأعيان... الخ ) .
    10- قال الشيخ عبد الحي بن محمد اللكنوي - رحمه الله - في «الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة» (ص46): (ومنها - أي من القصص المختلقة الموضوعة - ما يذكرونه من أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر بنفسه في مجالس وعظ مولده عند ذكر مولده وبنوا عليه القيام عند ذكر المولد تعظيماً وإكراماً.
    وهذا أيضا من الأباطيل لم يثبت ذلك بدليل، ومجرد الاحتمال والإمكان خارج عن
    حد البيان).
    11- قال الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله - في «حكم الاحتفال بالمولد النبوي»: (بعضهم يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضر المولد؛ ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، ولا يتصل بأحد من الناس، ولا يحضر اجتماعاتهم، بل هو مقيم في قبره إلى يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال الله تعالى في سورة المؤمنون:}ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ{ ]المؤمنون:15- 16[، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر. وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر» عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.
    فهذه الآية الكريمة والحديث الشريف وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث، كلها تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة … الخ).
    12- قال عبد الفتاح أبو غدة([7]) في تعليقه على «المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» لعلي قاري - رحمه الله - (ص273): (ومن غريب ما وقفتُ عليه بصَدَدِ (التصحيح الكشفي) و(التضعيف الكشفي): ما أورده الشيخ إسماعيل العجلوني الدمشقي في مقدمة كتابه «كشف الخفاء ومزيل الإلباس»(1/9-10)، على سبيل الإقرار والاعتداد به!
    قال: (والحكم على الحديث بالوضع والصحة أو غيرهما، إنما بحسب الظاهرِ
    للمحدثين، باعتبار الإسناد أو غيره، لا باعتبار نفس الأمرِ والقطع، لجواز أن يكون الصحيح مثلاً باعتبار نظر المحدث: موضوعاً أو ضعيفاً في نفس الأمر، وبالعكس. نعم المتواتر مطلقاً قطعي النسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اتفاقاً.
    ومع كون الحديث يحتمل ذلك، فيعمل بمقتضى ما يثبت عند المحدثين، ويترتب عليه الحكم الشرعي المستفاد منه للمستنبطين.
    وفي «الفتوحات المكية»! للشيخ الأكبر قدس سره الأنور!!، ما حاصله: فرب حديث يكون صحيحاً من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف أنه غير صحيح لسؤاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيعَلم وضعه، ويترك العمل به وإن عمل به أهل النقل لصحة طريقه.
    ورب حديثٍ ترِك العمل به لضعف طريقه، من أجل وضاع في رواته، يكون صحيحاً في نفس الأمر، لسماعِ المكاشف له من الروح حين إلقائه على رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى.
    قال عبد الفتاح - أبو غدة -: هذا ما نقله العجلوني وسكت عليه واعتمده!
    ولا يكاد ينقضي عجبي من صنيعه هذا! وهو المحدث الذي شرح «صحيح البخاري»، كيف استساغ قبول هذا الكلام الذي تهدر به علوم المحدثين، وقواعد الحديث والدين؟ و يصبح به أمر التصحيح والتضعيف من علماء الحديث شيئاً لا معنى له بالنسبة إلى من يقول: إنه مكاشَف أو يَرى نفسه أنه مكاشَف! ومتى كان لثبوت السنة المطهرة مصدران: النقل الصحيح من المحدثين والكشف من المكاشفين؟! فحذارِ أن تغتر بهذا، والله يتولاك ويرعاك) اهـ.

    * ثالثاً:الرد على الشبهات
    قال الشيخ الصادق بن محمد بن إبراهيم - حفظه الله - في «خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء عرض ونقد على ضوء الكتاب والسنة» (ص207-218):
    (أكثر ما يستدل به هؤلاء: الحكايات، والادعاءات المنقولة عن أرباب الأحوال الصوفية، ومنهم من يستدل بحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري ولفظة: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي» .]«كتاب التعبير»حديث رقم 6993 (12/383 مع «الفتح»[.
    والكلام على هذا الاستدلال من عدة أوجه سيأتي بيانها إن شاء الله.
    وأورد الآن بعض الحكايات التي يذكرونها إما في معرض الاحتجاج أو الاستشهاد أو الكرامات:
    قال الشعراني في«الطبقات الكبرى» (2/69): (قال أبو المواهب الشاذلي:رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي عن نفسه: لست بميت وإنما موتي تستري عمن لا يفقه عن الله؛ فها أنا أراه ويراني).
    وقال أيضاً في «الطبقات الكبرى» (2/67): (كان أبو المواهب كثير الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن الناس يكذبوني في صحة رؤيتي لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعزة الله وعظمته من لم يؤمن بها أو كذبك فيها لا يموت إلا يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً. وهذا منقول من خط الشيخ أبي المواهب).
    وقال أيضاً في المرجع السابق (2/70): (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن الحديث المشهور: «اذكروا الله حتى يقولوا مجنون». في «صحيح ابن حبان»: «أكثروا من ذكر الله حتى يقولوا مجنون» فقال صلى الله عليه وسلم: صدق ابن حبان في روايته وصدق راوي اذكروا الله، فإني قلتهما معاً، مرة قلت هذا ومرة قلت هذا).
    ويزعم بعض تلامذة خوجلي بن عبد الرحمن: (أن شيخهم يرى النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم أربعة عشرين مرة - الصواب:كل يوم أربعاً وعشرين مرة- والرؤيا يقظة). ]«طبقات ابن ضيف الله» (ص190)[.
    ويقول الشعراني: (وكان يقول- يعني أبا العباس الـمُرسي- لي أربعون سنة ما حُجبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو حُجبت طرفة عين ما أعددن نفسي من جملة المسلمين).
    هذا هو حال طائفة من الغلاة الذين عبدوا الله على جهل وغرور فتلاعب بهم الشيطان أيما تلاعب، فإن ماتوا على تلك الحال ولم يتراجعوا عن ذلك المقال فليتبؤوا مقعدهم من النار على لسان المختار صلى الله عليه وسلم.
    وطائفة أخرى لها حظ من العلم في بعضه دخن، يستعمل ما آتاه الله من علم في نصرة الباطل وأهله من حيث يشعرون أو لا يشعرون.
    لما سُئل ابن حجر الهيتمي: (هل يمكن الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة والتلقي منه؟ فأجاب: نعم يمكن ذلك وصرح بأن ذلك من كرامات الأولياء الغزالي والبارزي والتاج السبكي والعفيف اليافعي من الشافعية، والقرطبي وابن أبي جمرة من المالكية. وحًكي عن بعض الأولياء أنه حضر مجلس فقيه فروى ذلك الفقيه حديثاً فقال له الولي: هذا الحديث باطل، قال: ومن أين لك هذا؟ قال هذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف على رأسك يقول: إني لم أقل هذا الحديث وكُشف للفقيه فرآه) ] «الفتاوى الحديثية» (ص217)[.
    وأعجب من تلك الحكاية زيارة النبي صلى الله عليه وسلم للسيوطي في بيته يقظة لا مناماً وقراءة السيوطي للأحاديث بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسمع.
    قال الشعراني في «الطبقات الصغرى» (ص28-29) : (أخبرني الشيخ سليمان الخضيري قال: بينا أنا جالس في الخضيرية على باب الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ رأيت جماعة عليهم بياض وعلى رؤوسهم غمامة من نور، يقصدوني من ناحية الجبل. فلما قربوا مني فإذا هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقبلت يده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امض معنا إلى الروضة. فذهبت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت الشيخ جلال الدين، فخرج إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل يده وسلم على أصحابه، ثم أدخله الدار، وجلس بين يديه. فصار الشيخ جلال الدين يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض الأحاديث وهو صلى الله عليه وسلم يقول: هات يا شيخ السنة).
    وقال الشعراني أيضاً في المرجع السابق (ص30): (وكان رضي الله عنه - يعني السيوطي- يقول رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقظة فقال لي يا شيخ الحديث. فقلت: يا رسول الله أمن أهل الجنة أنا؟ فقال: نعم. فقلت: من غير عذاب يسبق؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لك ذلك).
    ألا يعلم الهيتمي وهو على معرفة بعلوم الحديث، بل وله فتاوى حديثية في ذلك والسيوطي - والعهدة على الشعراني- وله ألفية في علوم الحديث وله عليها شرح كبير أن تلك الحكايات والادعاءات لا يجوز الاحتجاج ولا الاستشهاد بها في شيء من أمور الدين. بل هي باطلة ومن أبين الأدلة على بطلانها سؤال الولي والسيوطي للنبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناماً . فلو كان مثل هذا السؤال ممكناً لما أفنى علماء الحديث أعمارهم في التمييز بين الصحيح والضعيف، ولكان تأليف الدواوين الضخمة في أحوال الرجال نوعاً من العبث وتضييعاً للأوقات، ولاستغنوا عن ذلك بسؤاله صلى الله عليه وسلم مباشرة عن صحة الأحاديث وضعفها كما فعل السيوطي شيخ السنة !!
    بل ما كان للهيتمي وصنوه السبكي ومن نحا نحوهم أن يتكلفوا التأليف في مسائل الزيارة والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسودوا صفحات كتبهم بالأحاديث الضعيفة والمنكرة، وكان الأولى لهم أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل التي نازعهم فيهم خصومهم كما فعل السيوطي شيخ السنة !!! أم أنه لا يوجد أولياء لله في ذلك الوقت؟! إنهم يعرفون ولكنهم قوم يُحرَّفون.
    وبعد هذا النزر اليسير من الحكايات والادعاءات المنقولة عن أرباب الأحوال الصوفية في دعوى مقابلة النبي صلى الله عليه وسلم يقظة والتلقي منه، وكل حكاية تتضمن تكذيب تلك الدعوى، ننتقل إلى الرواية التي استدلوا بها. وهذا سندها ومتنها:
    قال البخاري رحمه الله: حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري حدثني أبو سلمة أن أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي» ] «البخاري» (كتاب التعبير) (12/383) مع «الفتح» حديث رقم 6993[.
    والكلام على الاستدلال بهذه الرواية من عدة أوجه:الوجه الأول: من حيث مخالفتها لروايات أصحاب أبي هريرة رضي الله عنه:
    جاء هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه من خمسة طرق، أربعة منها تخالف تلك الرواية، وتفصيلها على النحو التالي:

    الطريق الأولى:


    عن أبي صالح ذكوان السمان(1) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي ومن رآني في المنام فقد رآني ولا يتمثل الشيطان في صورتي». ]رواه البخاري في «صحيحه» كتاب الأدب، حديث رقم 6197، مع «الفتح»، وأحمد (1/400)، (2/463)[.
    الطريق الثاني:
    عن محمد بن سيرين([8]) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي».]رواه مسلم في «صحيحه» (15/24) مع «شرح النووي»، وأحمد (2/411)، (2/472)[.

    الطريق الثالث:

    عن العلاء بن عبد الرحمن([9]) عن أبيه([10]) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بمثل اللفظ السابق. ]رواه ابن ماجه (كتاب الرؤيا) حديث رقم 3901[.

    الطريق الرابع:

    عن عاصم بن كليب([11]) عن أبيه([12]) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بمثل اللفظ السابق. ]رواه أحمد (2/232، 342)[.
    الطريق الخامس:

    عن أبي سلمة([13]) بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة.
    ورواه عن أبي سلمة اثنان:
    1- محمد([14]) بن عمرو بن علقمة الليثي. ولفظه: «من رآني في المنام فقد رأى الحق فإن الشيطان لا يتشبه بي» كلفظ الجماعة.]رواه أحمد (2/261)[.
    ب- محمد([15]) بن شهاب الزهري، واختُلف على الزهري في لفظ الحديث:
    - فرواه محمد([16]) بن عبد الله بن مسلم بن شهاب عنه بلفظ الشك: «من رآني في المنام فسيراني أو فكأنما رآني في اليقظة لا يتمثل الشيطان بي».]رواه أحمد (5/306)[.
    وتابعه سلامة بن عقيل على الرواية بالشك.]الخطيب «تاريخ بغداد»(10/284)[.
    ورواه يونس([17]) بن يزيد عن الزهري، واختُلف على يونس في لفظ الحديث كذلك.
    - فرواه عبد الله([18]) بن وهب عن يونس بالشك كما رواه ابن أخي ابن شهاب وسلامة بن عقيل عن الزهري باللفظ السابق.]رواه مسلم (كتاب الرؤيا) (15/24 مع «شرح النووي »)، وأبو داود (4/444-445)[.
    - ورواه أنس بن عياض([19]) عن يونس بلفظ: « من رآني في المنام فقد رأى الحق» كلفظ الجماعة.]رواه ابن حبان (7/617)[.
    - ورواه عبد الله([20]) بن المبارك عن يونس باللفظ المخالف لكل الطرق السابقة عن أبي هريرة: « من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» ] «البخاري»(كتاب التعبير) (12/383) مع «الفتح» حديث رقم 6993[.
    ولم يقتصر هذا اللفظ للرواية على مخالفة الطرق الأخرى لأصحاب أبي هريرة رضي الله عنه، بل خالف جميع الألفاظ التي وردت عن جمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن روى هذا الحديث.

    الوجه الثاني: من حيث مخالفتها لروايات الصحابة الآخرين:
    روى حديث رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام جمع من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بألفاظ متقاربة ومعان متوافقة، وتفصيل ذلك على النحو التالي:

    اللفظ الأول: رواه أنس بن مالك([21]) وجابر بن عبد الله([22])، وأبو سعيد الخدري([23])، وابن عباس([24])وابن مسعود([25])، وأبو جحيفة([26]) y مرفوعاً:« من رآني في المنام فقد رآني».

    اللفظ الثاني: رواه أبو قتادة([27]) وأبو سعيد الخدري([28]) رضي الله عنهما مرفوعاً: «من رآني فقد رأى الحق».

    اللفظ الثالث: رواه جابر رضي الله عنه مرفوعاً: «من رآني في النوم فقد رآني ».] «صحيح مسلم» (كتاب الرؤيا) (15/26) مع شرح النووي)[.

    فظهر من هذين الوجهين أن الرواية التي استدل بها القوم جاءت مخالفة لجميع ألفاظ من روى هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، بل جاءت مخالفة لجميع ألفاظ من روى هذا الحديث من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونتيجة لهذا الاختلاف ولكون الرواية في «صحيح البخاري» أخذ أهل العلم يتأولون معناها ويذكرون لها أجوبة لتتوافق مع روايات الجمهور.

    الوجه الثالث: أجوبة العلماء عن ذلك اللفظ المشكل:

    ذكر ابن حجر في «فتح الباري» (12/385) ملخصاً لتلك الأجوبة بقوله:
    (وحاصل تلك الأجوبة ستة:


    - أحدها: أنه على التشبيه والتمثيل، ودل عليه قوله في الرواية الأخرى: «فكأنما رآني في اليقظة».

    - ثانيها: أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير.

    - ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.

    - رابعها: أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكن ذلك، وهذا من أبعد المحامل.

    - خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية لا مطلق من يراه.

    - سادسها: أنه يراه في الدنيا حقيقة ويُخاطبه، وفيه ما تقدم من الإشكال.

    الوجه الرابع: ما يرد على القوم من الإشكال على المعنى الذي قالوا به:

    والإشكال الذي أشار إليه ابن حجر رحمه الله ذكره بعد قوله: (ونُقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متخوفين فأرشدهم إلى طريق تفريجها فجاء الأمر كذلك. قلت - أي ابن حجر- : وهذا مشكل جداً ولو حُمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة، ويُعَكَّرُ عليه أن جمعاً جماً رأوه في المنام ثم لم يُذكر عن واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف. وقد أشتد إنكار القرطبي([29]) على من قال: من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة). ]«فتح الباري»(12/385)[.
    والإنكار الذي أشار إليه ابن حجر هو قول القرطبي: (اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته كمن رآه في اليقظة سواء، وهذا قول يُدرك فساده بأوائل العقول، ويلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وأن يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شيء، فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب، لأنه جائز أن يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته في غير
    قبره، وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل).
    وممن أنكر على القوم رؤيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم يقظة القاضي أبوبكر بن العربي([30]) قال كما في «فتح الباري» (12/384) : (وشذ بعض القدرية فقال: الرؤية لا حقيقة لها أصلاً وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس).
    الوجه الخامس: اضطراب مقالات القوم في كيفية الرؤية:
    فلما اشتد الإنكار على هؤلاء القائلين برؤيته صلى الله عليه وسلم في الدنيا بعد وفاته يقظة لا مناماً، اضطربت مقالاتهم في كيفية تلك الرؤيا فمنهم من أخذته العزة بالإثم فنفى الموت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية وزعم أن موته صلى الله عليه وسلم هو تستره عمن لا يفقه عن الله.
    - ومنهم من زعم أنه صلى الله عليه وسلم يحضر كل مجلس أو مكان أراد بجسده وروحه ويسير حيث شاء في أقطار الأرض في الملكوت وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته. ]عمر الفوتي «رماح حزب الرحيم» (1/210) بهامش «جواهر المعاني»[.
    - ومنهم من زعم أن له صلى الله عليه وسلم مقدرة على التشكل والظهور في صور مشايخ الصوفية. ]عبد الكريم الجيلي «الإنسان الكامل»(2/74-75)[.

    وفريق لان بعض الشيء:

    - فمنهم من زعم أن المراد برؤيته كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية. ]الشعراني «الطبقات الكبرى» نقلاً عن محمد المغربي الشاذلي[.
    - ومنهم من قال إن الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يكون في حالة بين النائم واليقظان.]الشعراني «الطبقات الصغرى» (ص89)[.
    - ومنهم من قال إن الذي يُرى هي روحه صلى الله عليه وسلم .]محمد علوي المالكي «الذخائر المحمدية» (ص259)، «القرب والتهاني في حضرة التداني شرح الصلوات» لفؤاد الفرشوطي (ص25)[.
    وعليه فبعد أن ظهر تفرد تلك الرواية التي استدل بها القوم عن روايات الجمهور، وتلك الاحتمالات التي تأولها أهل العلم في المراد بمعناها، وتلك الإشكالات والإنكارات التي وردت على المعنى الذي قصده القوم، واضطراب مقالاتهم في كيفية تلك الرؤيا، بكل ذلك يسقط استدلالهم بها، والقاعدة المشهورة في ذلك: إذا ورد على الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال) انتهى كلام الشيخ الصادق بن محمد بن إبراهيم – جزاه الله خيراً-.

    كما رد الشيخ محمد أحمد لوح - حفظه الله - في كتابه العجاب «تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي»(2/39-52) على من يستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» على إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم يقظة بقوله:
    ( أما رواية: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة» لابد من إلقاء ضوء كاشف على الحديث رواية ودراية حتى نعرف قدر هذا اللفظ الذي استدل به أولئك على إمكانية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة:
    1- أما الحديث فقد رواه اثنا عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يزيد، مما يدل على شيوعه واستفاضته.
    2- أن ثمانية من أئمة الحديث المصنفين اهتموا بهذا الحديث فأخرجوه في كتبهم مما يؤكد اهتمامهم به وفهمهم لمدلوله. ومع ذلك لم يبوب له أحد منهم بقوله مثلاً: باب في إمكان رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة، ولو فهموا منه ذلك لبوبوا به أو بعضهم على الأقل؛ لأنه أعظم من كل ما ترجموا به تلك الأبواب.
    3- أن المواضع التي أخرجوا فيها هذا الحديث بلغ (44) موضعاً، ومع كثرة هذه المواضع لم يرد في أي موضع لفظ « فسيراني في اليقظة» بالجزم إلا في إحدى روايات البخاري عن أبي هريرة.
    أما بقية الروايات فألفاظها: «فقد رآني» أو «فقد رأى الحق» أو « فكأنما رآني في اليقظة» أو «فسيراني في اليقظة أو فكأنما رآني في اليقظة» بالشك.
    وبالنظر في ألفاظ الحديث ورواياته نجد ملاحظات على لفظ «فسيراني في اليقظة» لا ريب أنها تقلل من قيمة الاستدلال بها وهذه الملاحظات هي:
    أولاً: أن البخاري أخرج الحديث في ستة مواضع من صحيحه: ثلاثة منها من حديث أبي هريرة، وليس فيها لفظ «فسيراني في اليقظة» إلا في موضع واحد.
    ثانياً: أن كلا من مسلم (حديث رقم 2266)، وأبي داود (حديث رقم 5023)، وأحمد (5/306)، أخرجوا الحديث بإسناد البخاري الذي فيه اللفظ المذكور بلفظ «فسيراني في اليقظة. أو لكأنما رآني في اليقظة» وهذا الشك من الراوي يدل على أن المحفوظ إنما هو لفظ «فكأنما رآني» أو «فقد رآني» لأن كلا منهما ورد في روايات كثيرة بالجزم وليس فيها شيء شك فيه الراوي.
    وعند الترجيح ينبغي تقديم رواية الجزم على رواية الشك.
    ثالثاً: إذا علمنا أنه لم يرد عند مسلم ولا عند أبي داود غير رواية الشك أدركنا مدى تدليس السيوطي حين قال في «تنوير الحلك»: (وتمسكت بالحديث الصحيح الوارد في ذلك: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي ») فأوهم أن مسلماً وأبا داود أخرجا الحديث برواية الجزم، وأغفل جميع روايات البخاري الأخرى التي خلت من هذا اللفظ.
    رابعاً: ذكر الحافظ ابن حجر في «الفتح» (12/400) أنه وقع عند الإسماعيلي في الطريق المذكورة «فقد رآني في اليقظة» بدل قوله: «فسيراني».
    وهذه الأمور مجتمعة تفيد شذوذ هذا اللفظ، ولعل الحافظ ابن حجر أشار إلى ذلك ضمناً حين قال: (وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع - يعني الرؤية- بعيني الرأس حقيقة).
    ونقل عن المازري قوله: (إن كان المحفوظ «فكأنما رآني في اليقظة» فمعناه ظاهر).
    هذا ما يتعلق بالحديث رواية، وإن تعجب فعجب استدلال هؤلاء بهذا اللفظ الشاذ على تقرير إمكان رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة ووقوعها مع اتفاقهم على: أن حديث الآحاد لا يحتج به في العقيدة.
    أما ما يتعلق به دراية فنقول: لو فرضنا أن هذا اللفظ «فسيراني» هو المحفوظ فإن العلماء المحققين لم يحملوه على المعنى الذي حمله عليه الصوفية.
    قال النووي في شرحه (15/26): (فيه أقوال: أحدها: أن يراد به أهل عصره، ومعناه: أن من رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة عياناً.
    وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته.
    وثالثها: أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك).
    ونقل الحافظ ابن حجر هذه الأقوال بعدما ذكر القول بحمله على الرؤية بالعين المجردة وحكم على القائلين به بالشذوذ.
    وجملة القول أن إدعاء إمكان رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة ووقوعها مذهب ضعيف مرجوح وذلك من وجوه:
    الوجه الأول: اختلاف القائلين به في المقصود بالرؤية، وهل هي رؤية لذاته صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، أو رؤية لمثال لها، نقله السيوطي في «تنوير الحلك» ضمن «الحاوي للفتاوى» (2/263).
    ثم قال: (الذين رأيتهم من أرباب الأحوال يقولون بالثاني، وبه صرح الغزالي فقال: ليس المراد أنه يرى جسمه وبدنه بل يرى مثالاً له).
    ثم نقل عن ابن العربي واستحسن قوله: (رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال) ثم قال السيوطي: (ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا وأذن لهم بالخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي)!!.
    أقول: إذا كان أرباب الأحوال الذين رآهم السيوطي - على كثرتهم - يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى بروحه وجسمه بل يرى مثال له فقط، فكيف يدافع السيوطي عنهم ويخالفهم في الوقت نفسه؟
    الوجه الثاني: أنهم اختلفوا أيضاً هل هذه الرؤية تكون بالقلب أو بالبصر؟
    أشار السيوطي إلى ذلك ثم اضطرب اضطراياً شديداً حين قال في نفس المصدر: (أكثر ما تقع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة بالقلب ثم يترقى إلى أن يرى بالبصر) فإلى هنا يبدو أنه قصد الجمع بين القولين، ثم قال: (لكن ليست الرؤية البصرية كالرؤية المتعارفة عند الناس من رؤية بعضهم لبعض، وإنما هي جمعية حالية وحالة برزخية وأمر وجداني …).
    الوجه الثالث: أن بعض كبار الصوفية ينفي وقوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة.
    فيقول أبو القاسم القشيري في«الرسالة القشيرية» (باب رؤيا القوم) (ص368): (وقال بعضهم: في النوم معان ليست في اليقظة، منها: أنه يرى المصطفى صلى الله عليه وسلم والصحابة والسلف الماضين في النوم ولا يراهم في اليقظة) اهـ.
    وقد يقول قائل: إن هذا نقله القشيري عن بعضهم ولا ندري هل هم من الصوفية أو من غيرهم؟
    والجواب:
    أ- أن القشيري نفسه من كبار الصوفية وقد نقل العبارة وأقرها.
    ب- أنه لا ينقل في رسالته مثل هذا الكلام إلا عن الصوفية، حيث ذكر في مقدمة
    كتابه أنه إنما يذكر سير شيوخ التصوف وآدابهم ... وما أشاروا إليه من مواجيدهم،
    وأكده في الخاتمة.
    الوجه الرابع: أن هذه العقيدة مخالفة لإجماع أهل السنة والجماعة وهي خاصة بأهل البدعة، قال ابن حزم في «مراتب الإجماع»(ص176): (واتفقوا أن محمداً عليه السلام وجميع أصحابه لا يرجعون إلى الدنيا إلا حين يبعثون مع جميع الناس).
    الوجه الخامس: أنه يلزم من القول بإمكان رؤيته في اليقظة ووقوعها لوازم باطلة قد ذكرتها أثناء نقل أقوال أهل العلم في هذا الموضوع.
    وأخيراً: نقل السيوطي عن بعض أهل العلم احتجاجه على حياة الأنبياء بأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس.
    ومقصده أن ما دام هذا ممكناً في حق النبي صلى الله عليه وسلم معهم فيمكن أن يكون جائزاً في حق أولياء أمته معه، فيرونه في اليقظة.
    والجواب على هذه الشبهة أن يقال:
    أولاً: ليس النزاع في حياة الأنبياء في قبورهم ولا في اجتماع النبي صلى الله عليه وسلم بهم ليلة الإسراء ولا صلاته بهم إماماً، فإن ذلك كله ثابت رواية، فيجب على جميع المؤمنين التصديق به.
    ثانياً: أن مما يجب أن يعلم أن حياة الأنبياء في قبورهم حياة برزخية لا نعلم كيف هي، وحكمها كحكم غيرها من المغيبات، نؤمن بها ولا نشتغل بكيفيتها، ولكننا نجزم بأنها مخالفة لحياتنا الدنيا.
    ثالثاً: أن الذي أخبرنا بأنه اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء هو الصادق المصدوق الذي يجب على كل مؤمن أن يصدقه في كل ما أخبر به من المغيبات دقيقها وجليلها، ولذا آمنا بما أخبرنا به واعتقدناه عقيدة لا يتطرق إليها شك إن شاء الله تعالى.
    أما من جاءنا بخبر وقوع رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة فمجموعة من الدراويش خالفت الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، فلم يجز - ولا أقول فلم يجب - أن نصدقهم في دعواهم تلك.
    بل وجب على كل موحد ذاب عن حمى التوحيد أن يردها بما استطاع لأنه باب يؤدي فتحه إلى ضلال عظيم وخراب للأديان والعقول ويفتح باب التشريع من جديد، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والله أعلم) . انتهى كلام الشيخ محمد أحمد لوح جزاه الله خيراً بتصرف.
    ولمزيد من الفائدة انظر كتاب «المصادر العامة للتلقي عند الصوفية عرضاً ونقداً» للشيخ صادق سليم صادق (ص405-430) وكتاب «تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي» للشيخ محمد أحمد لوح (2/36-52)، وكتاب «خصائص المصطفى بين الغلو والجفاء» تأليف الصادق بن محمد بن إبراهيم، وكتاب «رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً ضوابطها وشروطها » للشيخ الأمين الحاج محمد أحمد.
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



    من مواضيع العضو
    كشف ضلال المكاشفية



  3. #3
    عضو BAHA D ALOSY is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    10-03-2009
    المشاركات
    87
    معدل تقييم المستوى: 63

    افتراضي رد: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبة اجمعين ومن اتبعهم برضوان الى يوم الدين
    كنت اتمنى ان يكون ردك على مشاركتي فيه نصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن اذا كان جفائكم مع المصطفى (ص )
    بهذا الحال فكيف يكون حالكم انتم ومشايخكم مع المسلمين لدي مكتبة تصوف لاتقل عن عشرات الكتب تبحث في
    اصل المذهب الوهابي ولكن وادباً مع رسول الله ومع الموقع الذي نحن فيه ولعدم اثارت الفتنه لعن الله من ايقضها اكتفي
    بأن اوضح لكم اصل التصوف الاسلامي من ناحية الشرع. كنت اتمنى من مشرفي الموقع عدم السماح لكم ولامثالكم ايها
    الاخ العزيز المسلم بهذا الرد ( لخلوه من المعنى ) ولان الموقع في شرطه يضمن حرية الرأي المنشور وعدم الرد عليه بما
    يثلم شخصية صاحب الموضوع او عقيدته. نسأل الله الهداية لنا ولكم والمغفره والله من وراء القصد

    أصل التصوف من جهة دليل الشرع



    ولنرجع الآن لباقي الفصل *** إذ في تمامه ثبوت الأصل



    قلت: الفصل معقود لثبوت أصل التصوف, فذكر أصله من جهة الذوق والوجدان, وبقي ثبوته من طريق الشرع, وبه تمام ثبوت أصله على الكمال, فأشار إليه بقوله:



    فقادة الصوفي أهل الصفة *** في زمن الرسول فاعلم وصفه

    وهم ضياف الله والإسلام *** وجلساء سيد الأنام



    قلت: القادة, والقدوة, ما اقتديت به, واتبعت طريقته.

    يقول رضي الله عنه: فمتبوع الصوفية, وقدوتهم في طريق التجريد وترك الأسباب والانقطاع إلى رب الأرباب, هم أهل الصفة (موضع بناه عليه الصلاة والسلام في طرف مسجده لفقراء أصحابه) كانوا يجتمعون فيه: إذا كثروا بلغوا أربعمائة. وإذا قلوا كانوا ثمانين أو سبعين, وبه سموا الصوفية (على قول) وكانوا يعرفون بضياف الله, وبضياف الإسلام, آثروا التجريد للعبادة؛ ومجالسة سيد المرسلين, وفيهم نزل قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} كما يأتي فأقرهم عليه الصلاة والسلام على التجريد وترك الأسباب, حيث علم منهم عدم التشوف للأسباب, والرضا بما قسم الله لهم, وبما يواجههم به سبحانه من سعة أو ضيق, ومن تشوف منهم أمره بالأسباب, مثل حكيم بن حزام رضي الله عنه, فإنه سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه, ثم قال له يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه, ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه, وكان كالذي يأكل ولا يشبع, ثم قال له: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه). الحديث, فدله عليه الصلاة والسلام على التسبب لما تشوفت نفسه للأسباب, بدلًا عن المسألة, إذ هي آخر كسب المؤمن, بخلاف غيره, إذ لم يتشوف, ولذلك قال الخواص رضي الله عنه: ما دامت الأسباب في النفس قائمة, فالتسبب أولى, والأكل بكسب أحل له, لأن القعود عن المكاسب لا يصلح لمن لم يستغن عن التكليف.

    ثم وصف حالهم ليقتدى بهم, فقال:



    كانوا على التجريد عاملين *** وعن سوى الرحمن معرضين



    قلت: التجريد هو: التعرية عن الشيء, يقال: فلان جرد ثوبه: أزاله, وجردت الجلد: أزلت شعره, هذا باعتبار اللغة.

    وأما عند الصوفية فهو على ثلاثة أقسام, تجريد الظاهر فقط, أو الباطن فقط, أو هما معاً, فتجريد الظاهر هو: ترك الأسباب الدنياوية وخرق العوائد النفسانية الجسمانية, والتجريد الباطني هو: ترك العلائق النفسانية والعوائق الوهمية, وتجريدهما معاً وهو: ترك العلائق الباطنية والعوائد الجسمانية.

    أو تقول: تجريد الظاهر هو: ترك كل ما يشغل الجوارح عن طاعة الله, وتجريد الباطن هو: ترك كل ما يشغل القلب عن الحضور مع الله, وتجريدهما هو: إفراد القالب والقلب لله, والتجريد الكامل في الظاهر هو: ترك الأسباب, وتعرية البدن من معتاد الثياب, وفي الباطن هو تجريد القلب من كل وصف ذميم, وتحليته بكل وصف كريم, فأشار الناظم إلى الأول وهو: تجريد الظاهر بقوله (كانوا) أي أهل الصفة (على التجريد) الظاهر (عاملين) ورفعوا همتهم إلى رب العالمين, فقنعوا بما تيسر من القوت, وما يستر العورة من الثياب, منها ما يبلغ الركبة, ومنها دون ذلك, كانوا يقولون للنساء في الصلاة: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال قعوداً, خشية أن يرين عورة أهل الصفة من قصر الثياب, ومنهم من لبس إهاب كبش: أي جلده, وهو مصعب بن عمير, فلما رآه عليه الصلاة والسلام: بكى, وقال: (انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه فقد رأيته بمكة بين أبويه يختال في حلة قد اشتريت له أو اشتراها بمائتي درهم فما زال به حب الله ورسوله حتى صيره إلى ما ترون) رواه البيهقي كما في المنذري, ورواه في كتاب الزهد عن الترمذي أيضاً, فهذه كانت أحوال أهل الصفة, خيار هذه الأمة, وهذه كانت سمة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فقد دخل سيدنا عمر رضي الله عنه عليه صلى الله عليه وسلم فرأى الشريط قد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم, فبكى عمر رضي الله عنه لما رأى كما في البخاري ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي واليوم صار هذا بدعة عند الناس, وصار التأنق في اللباس وتكبير العمائم وجماع المال سنة, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ويرحم الله القائل:

    يا حسبي الله ما للناس أكثرهم *** قد أنكروا الزهد والتجريد والورعا

    سموا طريق أولى التوفيق صعلكة *** وسنة لقبوا الأهواء والبدعا

    و(سنة) مفعول مقدم للقبوا.

    وقول الناظم (وعن سوى الرحمن معرضين) أي وكانوا عن سوى الرحمن معرضين, لا يلتفتون إليه, ولا يتعلقون به, اكتفاء بالله واستغناء بعلمه رضي الله عنهم ونفعنا بهم, ثم أشار إلى الثاني وهو التجريد الباطني, فقال:



    تخلقوا بخلق النبي *** يدعون بالغداة والعشي



    قلت: تخلق كذا: تطبع به, والخلق بضمتين: السجية والطبع.

    يقول رضي الله عنه: إن أهل الصفة رضي الله عنهم, تخلقوا بخلق النبي صلى الله عليه وسلم يعني قاربوا من خلقه عليه الصلاة والسلام, وإلا فلا يمكن التخلق بخلقه عليه الصلاة والسلام على الوفاء والتمام, كيف والله تعالى يقول: {وإنّك لعلى خلقٍ عظيم} فقد حاز عليه الصلاة والسلام مراتب الكمال على الوفاء والتمام, حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) واحتشمت أن تقول: (كان خلق الرحمن) أدباً مع الحضرة, ووقوفاً مع الحكمة, فذكرت ما يليق بآداب العبودية, واحتشمت من أخلاق الربوبية, فقد أعطى عليه الصلاة والسلام الغاية من: الزهد, والورع والخوف, والرجاء, والصبر والتوكل, والتسليم, والمحبة, والرحمة, والشفقة, والحلم, والكرم, والشجاعة, وكمال العقل, وتمام المعرفة, إلى ما لا يحصى؛ وكان أهل الصفة أشبه الناس به في هذه الأخلاق.

    قوله يدعون ربهم أشار به إلى قوله تعالى في حقهم لرسوله صلى الله عليه وسلم: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه, ولا تعد عيناك عنهم}. وسبب نزول الآية أن الكفار قالوا: لا نرضى أن نجالسك مع هؤلاء فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم مجلساً يخصهم به, ثم يجالس الفقراء بعد ذلك, فنزلت الآية.

    قال بعضهم: هو أمر إرشاد وتزكية, ونهى تنبيه وترقية, ليكون محجة لقوم؛ وحجة على قوم, وهذا كنهي البار عن العقوق, وأمره بالبر ليكون أثبت وأوفى وأتم في الحجة, وإظهاراً لتشريف قدر هذه الجماعة, وما هم عليه من محامد الخلال, وإلا فهو عليه الصلاة والسلام لا يعمل إلا ذلك قبل الأمر وبعده, ثم ما وصفهم به مولاهم من الدعاء بالغداة والعشي غير معلل بعلة سوى إرادة وجهه الكريم, أي معرفة ذاته المقدسة: لا يعرجون على ثواب ولا جزاء ولا قصور, ولا حور, وبهذا كله تحققت الصوفية رضي الله عنه, كما فهموا ذلك من أخلاق نبيهم صلى الله عليه وسلم وما كان يدل عليه, وإلى ذلك أشار بقوله:



    قد فهموا مقتضيات الشرع *** فصيروا الفرق لعين الجمع



    قلت: مقتضى الشيء, مطلوبه, واقتضى دينه, طلبه والشرع, والشرعة, بالكسر: ما شرعه الله لعباده من الأحكام, والفرق عند الصوفية, هو: شهود حق بلا خلق, وجمع الجمع هو: شهود خلق بحق.

    الفرق شريعة: والجمع حقيقة, الفرق شهود الحكمة, والجمع شهود القدرة, وجمع الجمع: شهود حكمة وقدرة.

    يقول رضي الله تعالى في وصف أهل الصفة: إنهم تركوا الدنيا لأهلها, وانقطعوا إلى الله بالكلية, وقد فهموا ذلك من مطلوبات الشرع ومقتضياته, إذ قد سمعوا كلام ربهم وأحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذم الدنيا والاشتغال بها, ومدح التفرغ للعبادة والاجتهاد فيها, وما أعد الله فيها للزاهدين والقانتين, فتركوا الأسباب التي هي شريعة الضعفاء, وتمسكوا بالتجريد الذي هو شريعة الأقوياء, وحقيقة الأصفياء, فصيروا الفرق الذي هو الاشتغال بالأسباب لعين الجمع, الذي هو الاشتغال بمسبب الأسباب. فالنظر للأسباب فرق. والنظر لمسبب الأسباب جمع وهذا كقول الشيخ أبي العباس رضي الله عنه: للناس أسباب وسببنا الإيمان والتقوى. قال الله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا}. فمقتضى الشرع للعبد أن يكون جامعاً بين حقيقة وشريعة, أعني شريعة الخواص التي هي لب الشريعة. لا شريعة العوام التي هي القشر, وإذا كان جامعاً, فيكون في ظاهره ممتثلًا لأمره, وفي باطنه مستسلماً لقهره يدعوه لكونه لا يرى الأمر إلا منه وله, ويقوم بواجبات وقته لكونه مطلوباً بوظائف حكمته, عاملاً بقوله: إياك نعبد وإياك نستعين فإياك نعبد فرق وإياك نستعين جمع, وشهود الجمع في عين الفرق, هو جمع الجمع, وهو الصراط المستقيم الذي طلب الهداية إليه. وبالله التوفيق فهو الهادي إلى سواء الطريق.

    ولما ذكر أن أهل الصفة صيروا الفرق عين الجمع, ذكر ما يترتب عليه من الخروج عن كل شيء, والغنى بالله في كل شيء. فقال:



    قد خرجوا لله عما اكتسبوا *** فكل صوفي إليهم ينسب



    قلت: لا شك أن أهل الصفة رضي الله عنهم كانت لهم أموال وعبيد وإماء وديار وعقار وأهل عيال, فلما هاجروا إلى الله ورسوله, خرجوا عن ذلك كله, وتركوه لله. فانتقلوا إلى المدينة ليس معهم شيء, فبنى لهم عليه الصلاة والسلام صفة في طرف المسجد فنزلوا فيها: يصلون بالليل ويصومون بالنهار, ويجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الجيش, فقتل أكثرهم في الجهاد, ومن بقي منهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته الدنيا.

    فمنهم من لم يقبلها ولم يأخذ منها شيئا, كأبي ذر, وأبي الدرداء, وأبي عبيدة, ومعاذ وغيرهم ممن لا يحصى.

    ومنهم من أخذها بالله, ودفعها لله, فكان كالأمين ينظر العزل من مولاه, يقوم فيها بواجب الحقوق دون تقصير, ولا تعريج على مخلوق, وكذلك كانت الصوفية المحققون لا يملكون مع سيدهم شيئا ولا يملكهم شيء.

    وقد سأل بعض الفقهاء أبا بكر الشبلي رحمه الله اختباراً له في العلم, فقال: يا أبا بكر: كم في خمس من الإبل, فقال: إما الواجب فشاة, وأما عندنا فكلها لله, قال: وما دليلك؟ قال: أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله ورسوله, فمن خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر ومن خرج عن بعض وترك بعضاً فإمامه عمر رضي الله عنه,ومن أعطى لله ومنع لله,كان إمامه عثمان رضي الله عنه, ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي رضي الله عنه, وكل علم لا يدل على ترك الدنيا فليس بعلم.

    وقوله: (فكل صوفي إليهم ينسب) يعني أن كل من اتصف بأوصالهم من الخروج عما كسب لله, أو أخذه بالله وأعطاه لله فهو منسوب إليهم, فيقال له صوفي, إما نسبة إلى الصفة على غير قياس, وإما لأنه صفت أحواله كما تقدم في الاشتقاق.

    وقال الشيخ زروق رضي الله عنه: كل من اتصف بأوصافهم فهو منسوب إليهم, سواء كان غنياً أو فقيراً, لأن الله عز وجل لم يمدحهم بالعدم, وإنما مدحهم بكونهم يدعونه بالغدو والعشي يريدون وجهه, فمن اتصف بهذا كان على طريقتهم, غنياً كان أو فقيراً, ودليل ذلك أنه كان منهم بعد ذلك: الأمير, والفقير, والمتسبب, والمتجرد, ولم ينقل ذلك وصفهم عما كانوا موصوفين به, ولا نقصهم عما هم فيه من العمل بالحق والحقيقة, بل شكروا على الدنيا حين وجدت, كما صبروا عنها حين فقدت, فكانوا لمولاهم في الحالتين, ومن كان بهذه الصفة فهو تابع لهم, فاعرف ذلك.

    وإذا كان أمر التصوف حال أهل الصفة. فهو أمر ثابت عن الشارع بتقريره, ولم يبق البحث إلا في التسمية, وهو أمر اصطلاحي لا مدخل للإنكار فيه, إذ هي من عوارض الألفاظ, والله تعالى أعلم.

    وقوله: (إن هو) يشير إلى أن القياس أن يقال فيه: الصفى (بالشد), لكن كثيرا ما يأتي النسب على غير قياس, وهذا منه, ثم بين أن طريق التصوف ليس محدثا, بل هو مقرر من الشارع, فقال:



    إذن فشأن القوم ليس محدثا *** بل كان أحوى فوجدناه غثا



    قلت: الأحوى: النبات الضارب للسواد من شدة الخضرة, قاله في القاموس, والغثاء هو: النبات اليابس الهشيم.

    يقول رضي الله عنه: إذا تقرر ما تقدم من حال أهل الصفة, وما كانوا عليه من التجريد وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه, فليس شأن الصوفية محدثا, بل هو أمر شرعي, إذ لا يقرر عليه الصلاة والسلام إلا ما هو مباح أو مطلوب, وكيف يكون محدثا ومدار الشريعة عليه؛ إذ هو لبها وصفاؤها, إذ مقصود التصوف تصفية البواطن حتى يكون العبد على حالة يرضاها الله ورسوله ظاهرا وباطنا, وإذا كان أمره هكذا, فكل علم يتوقف عليه إما من باب الشرط أو الكمال, إذ مداره على صدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى, فكل علم لا يصحبه صدق التوجه إلى الله, فليس بشيء إذ الإخلاص شرط في الجميع, وأيضا مقام التصوف هو مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وذلك لا يصح بدون ما تقع به العبودية والتعبد من عقائد الإيمان وأعمال الإسلام, فهما ظاهره وهو باطنهما, فلا قيام لهما إلا به, ولا صحة له بدونهما, فهو كالروح, وهما كالجسد, فالروح لا تقوم بغير جسد, والجسد لا يقوم بغير روح, ولذلك قال مالك رضي الله عنه: من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق, ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق, ومن تفقه وتصوف فقد تحقق, فالفقه من غير تصوف جسد بلا روح, والميت لا عبرة به, والتصوف من غير فقه ما يلزم الإنسان في نفسه لا يصح إذ لا يدخل للحقيقة إلا من باب الشريعة, وإلا فهي زندقة, فالمتكلم في أحكام الإسلام يسمى فقيها, والمتكلم في أحكام الإيمان يسمى أصوليا, والمتكلم في أحكام الإحسان يسمى صوفيا, ويسمى علمه تصوفا, فغاية التصوف ومداره: تفسير مقام الإحسان, لأنه دال بأوله على خشية الله, وبأوسطه على معاملته, وبآخره على معرفته.

    أو تقول: مداره على مراقبة بعد مشاهدة, أو مشاهدة بعد مراقبة, وهو مقام الإحسان.

    وأما إنكار بعض الناس هذا اللفظ, بأنه لم يسمع في صدر الصحابة والتابعين, فهو مردود, إذ كثير من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة, واستعملت ولم ينكر, كالنحو, واللغة, والمنطق.

    وأيضا قد ذكر التجيبي: أنه سمع في صدر السلف, فقد قال الحسن البصري رضي الله عنه: لقيت صوفيا في الطواف, فأعطيته شيئا ولم يقبله, والحسن من كبار التابعين, أدرك كثيرا من الصحابة, فهو حجة على استعمال هذا الاسم في زمانه, والله تعالى أعلم.

    وقوله: (بل كان أحوى فوجدناه غثا) يعني أن التصوف كان في الصدر الأول غضا طريا جديدا, لقربه من نور النبي صلى الله عليه وسلم, فكان اقل شيء منه ينهض صاحبه, ثم طال أمره وقل وجوده, فوجدناه غثا: يابسا متهشما, لكنه يصلح للرعي, كالأول, مع أفضلية الأول, يعني أن حقائقه لم تتغير, وإن تغيرت أعيانه, فالعمل به لم ينقطع, لكنه صار غريبا وأهله غرباء, وقد قال عليه الصلاة والسلام: (طوبى للغرباء) وإذا تقرر أن حقائقه لم تتغير وجب العمل به كما أبان ذلك بقوله:



    فاسلك طريق القوم تلق يمنه *** إذ الكتاب قيده والسنة



    قلت: (اليمن) هو البركة والخير, يشير إلى أن طريق القوم ميمونة مباركة, فكل من سلكها بالصدق والمحبة, والجد والاجتهاد: وجد بركتها ويمنها, وبركتها هي ثمرتها: ما ينتج منها من مكارم الأخلاق ومعرفة الخلاق, وقيل: ثمرتها سخاوة النفوس وسلامة الصدور, وحسن الخلق.

    وقوله: (إذ الكتاب قيده والسنة) أشار به إلى قول الجنيد رضي الله عنه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة, فمن لن يسمع الحديث ويجالس الفقهاء, ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه.

    وقال سهل بن عبد الله: بنيت أصولنا على ستة أشياء: كتاب الله, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأكل الحلال, وكف الأذى, واجتناب الآثام, والتوبة, وأداء الحقوق.

    وقال أبو عثمان الحيري رضي الله عنه: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا, نطق بالحكمة, ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة.

    وقال أبو القاسم النصراباذي رضي الله عنه: أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة, وترك الأهواء والبدع, وتعظيم حرمات المشايخ, ورؤية أعذار الخلائق, والمداومة على الأوراد, وترك الرخص والتأويلات.

    قلت: حرر أبو إسحاق الشاطبي هذه المسألة حسبما نقله في (العدة) فرأينا نقله بطوله, لما فيه من الفوائد, فقال رضي الله عنه:

    (كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن) يعني كالجنيد وأمثاله لا يخلو: إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة, فهم خلفاؤه, كما أن من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك, وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا عمل عليه, لأن السنة حجة على جميع الأمة, وليس عمل أحد حجة على السنة, لأن السنة معصومة من الخطأ, وصاحبها معصوم, وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة أصلا, إلا مع اجتماعهم خاصة, وإذا اجتمعوا: تضمن إجماعهم دليلا شرعيا, فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت لهم العصمة, ويجوز عليهم: الخطاء, والنسيان, والمعصية, كبيرها, وصغيرها, والبدعة: محرمها ومكروهها, وكذلك قال العلماء: كل كلام منه مقبول ومردود, إلا ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: وقد قرر القشيري رحمه الله ذلك أحسن تقرير, قالهل يكون الولي معصوما؟ قال: أما وجوبا كما يكون في الأنبياء فلا, وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت منه هفوات أو زلات أو آفات فلا يمتنع ذلك في وصفهم).

    قال: وقد قيل للجنيد: العارف يزني, فأطرق رأسه مليا, ثم رفع رأسه, وقال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}.

    قال: فهذا كلام المصنف, فكما يجوز على غيرهم المعاصي والابتداع وغيره, كذلك يجوز عليهم البدع, فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ, ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال, بل يعرض ما جاء عن الأمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه, وما لم يقبلاه تركناه, وما علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة, وبذلك وصى شيوخهم, وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة, فإن قبلاه, وإلا لم يصح.

    ثم قال: إذا نظرت في رسومهم التي حدوها, وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج, ولم تعرف له مخرجا, فالواجب التوقف عن الاقتداء والعمل, وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم, لا ردا له ولا اعتراضا عليه, بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره.

    ثم قال بعد كلام فوجب بحسب الجريان على رأيهم في السلوك أن لا نعمل بما رسموه وبما فيه معارضة لأدلة الشرع, ونكون في ذلك متبعين لآثارهم, ومهتدين بأنوارهم, خلافاً لمن يعرض عن الأدلة ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم, فالأدلة الشرعية, والأنظار الفقهية: ورسوم الصوفية تذمه وترده, وتحمد من تحري واحتاط, وتوقف عن الاشتباه, (واستبرأ لدينه وعرضه) انتهى كلامه.

    هذا آخر فصل عقلا ونقلا.

    وموضوع هذا العلم: الذات العلية, لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها, ذاتا وصفات وأسماء: تعلقا وتخلقا وتحققا.

    وواضعه الرسول صلى الله عليه وسلم وحيا وإلهاما.

    وحده: صدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى, بما يرضى. واستمداده من الكتاب والسنة, والهامات الصالحين, وفتوحات العارفين.

    واسمه: التصوف, وتقدم اشتقاقه واستعماله.

    وثمرته: تصفية البواطن بالتخلية والتحلية, تتهيأ لواردات الأنوار الإلهية والفتوحات الربانية.

    وقد وقع في بعض نسخ الناظم هنا زيادة أبيات تضمنت هذه المعاني, لكن لم توجد في جل النسخ, وليس عليها رونق ولا طلاوة مثل ما للناظم. ولا أظنها إلا زيادة من بعض الكتاب. والله تعالى اعلم.

    وأما فضيلته فأشار إليها في هذا الفصل بقوله: شرف علم التصوف وفضيلته



    اعلم أن شرف الشيء وفضيلته, إما أن تثبت بالعقل أو بالنقل أو بظهور ثمرته في الخارج, وقد اجتمعت هذه الأمور في علم التصوف على الكمال:

    أما ثبوت شرفه بالعقل, فلا شك أن الشيء يشرف بشرف موضوعه وواضعه, وقد تقدم: أن موضوع هذا العلم, الذات العلية, وهي أشرف وأفضل على الإطلاق, وواضعه الرسول عليه الصلاة والسلام, وهو أفضل الخلق بالإجماع, وأيضا العقل السليم: يستحسن الكمالات, ولا شك أن التصوف ما وضع إلا لتحقق الكمالات: علما؛ وعملا, وحالا, فهو موضوع لتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق.

    وأما ثبوت شرفه بالنقل, فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة وردت بمدح جزئياته ومسائله, كالتوبة, والتقوى, والاستقامة, والصدق, والإخلاص, والطمأنينة, والزهد, والورع, والتوكل, والرضا, والتسليم, والمحبة, والمراقبة, والمشاهدة, وغير ذلك من مسائله.

    وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه ما تبلغ إليه المطي, وفي رواية (ولو حبوا).

    وقال الشيخ الصقلي رضي الله عنه في كتابه المسمى (بأنوار القلوب في العلم الموهوب): كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة, وكل من فهمه, فهو من خاصة الخاصة, وكل من عبر عنه وتكلم فيه فهو النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا يرتقي.

    وما من علم إلا وقد يستغني عنه في وقت ما, إلا علم التصوف, فلا يستغني عنه أحد في وقت من الأوقات.

    وأما شرفه باعتبار ظهور ثمراته, فهو الذي تكلم عليه الناظم في هذا الفصل, وحصره في ستة أمور:

    الأول: ما ظهر على أهله من شدة الاقتداء وقوة الاتباع.

    الثاني: ما ظهر عليهم من وفاق مذهبهم, وحسم الخلاف والنزاع بينهم.

    الثالث: ما ظهر عليهم من الكرامات الحسية والمعنوية.

    الرابع: ما ظهر عليهم من تطهير جوارحهم من الذنوب, ونفوسهم من العيوب في الغالب.

    الخامس: ما ظهر عليهم من تحقيق عقائد الإيمان, وترقيهم فيها إلى مقام الإحسان, مع صحة اليقين والثقة برب العالمين.

    السادس: ما كوشفوا به من العالم الروحاني, وما ترقوا إليه من عالم الملكوت, وحضرة الجبروت, وهذا مضمن هذا الفصل, فأشار إلى الأول بقوله:




  4. #4
    عضو BAHA D ALOSY is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    10-03-2009
    المشاركات
    87
    معدل تقييم المستوى: 63

    افتراضي رد: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبة اجمعين ومن اتبعهم برضوان الى يوم الدين
    كنت اتمنى ان يكون ردك على مشاركتي فيه نصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن اذا كان جفائكم مع المصطفى (ص )
    بهذا الحال فكيف يكون حالكم انتم ومشايخكم مع المسلمين لدي مكتبة تصوف لاتقل عن عشرات الكتب تبحث في
    اصل المذهب الوهابي ولكن وادباً مع رسول الله ومع الموقع الذي نحن فيه ولعدم اثارت الفتنه لعن الله من ايقضها اكتفي
    بأن اوضح لكم اصل التصوف الاسلامي من ناحية الشرع. كنت اتمنى من مشرفي الموقع عدم السماح لكم ولامثالكم ايها
    الاخ العزيز المسلم بهذا الرد ( لخلوه من المعنى ) ولان الموقع في شرطه يضمن حرية الرأي المنشور وعدم الرد عليه بما
    يثلم شخصية صاحب الموضوع او عقيدته. نسأل الله الهداية لنا ولكم والمغفره والله من وراء القصد

    أصل التصوف من جهة دليل الشرع



    ولنرجع الآن لباقي الفصل *** إذ في تمامه ثبوت الأصل



    قلت: الفصل معقود لثبوت أصل التصوف, فذكر أصله من جهة الذوق والوجدان, وبقي ثبوته من طريق الشرع, وبه تمام ثبوت أصله على الكمال, فأشار إليه بقوله:



    فقادة الصوفي أهل الصفة *** في زمن الرسول فاعلم وصفه

    وهم ضياف الله والإسلام *** وجلساء سيد الأنام



    قلت: القادة, والقدوة, ما اقتديت به, واتبعت طريقته.

    يقول رضي الله عنه: فمتبوع الصوفية, وقدوتهم في طريق التجريد وترك الأسباب والانقطاع إلى رب الأرباب, هم أهل الصفة (موضع بناه عليه الصلاة والسلام في طرف مسجده لفقراء أصحابه) كانوا يجتمعون فيه: إذا كثروا بلغوا أربعمائة. وإذا قلوا كانوا ثمانين أو سبعين, وبه سموا الصوفية (على قول) وكانوا يعرفون بضياف الله, وبضياف الإسلام, آثروا التجريد للعبادة؛ ومجالسة سيد المرسلين, وفيهم نزل قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} كما يأتي فأقرهم عليه الصلاة والسلام على التجريد وترك الأسباب, حيث علم منهم عدم التشوف للأسباب, والرضا بما قسم الله لهم, وبما يواجههم به سبحانه من سعة أو ضيق, ومن تشوف منهم أمره بالأسباب, مثل حكيم بن حزام رضي الله عنه, فإنه سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه, ثم قال له يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه, ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه, وكان كالذي يأكل ولا يشبع, ثم قال له: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه). الحديث, فدله عليه الصلاة والسلام على التسبب لما تشوفت نفسه للأسباب, بدلًا عن المسألة, إذ هي آخر كسب المؤمن, بخلاف غيره, إذ لم يتشوف, ولذلك قال الخواص رضي الله عنه: ما دامت الأسباب في النفس قائمة, فالتسبب أولى, والأكل بكسب أحل له, لأن القعود عن المكاسب لا يصلح لمن لم يستغن عن التكليف.

    ثم وصف حالهم ليقتدى بهم, فقال:



    كانوا على التجريد عاملين *** وعن سوى الرحمن معرضين



    قلت: التجريد هو: التعرية عن الشيء, يقال: فلان جرد ثوبه: أزاله, وجردت الجلد: أزلت شعره, هذا باعتبار اللغة.

    وأما عند الصوفية فهو على ثلاثة أقسام, تجريد الظاهر فقط, أو الباطن فقط, أو هما معاً, فتجريد الظاهر هو: ترك الأسباب الدنياوية وخرق العوائد النفسانية الجسمانية, والتجريد الباطني هو: ترك العلائق النفسانية والعوائق الوهمية, وتجريدهما معاً وهو: ترك العلائق الباطنية والعوائد الجسمانية.

    أو تقول: تجريد الظاهر هو: ترك كل ما يشغل الجوارح عن طاعة الله, وتجريد الباطن هو: ترك كل ما يشغل القلب عن الحضور مع الله, وتجريدهما هو: إفراد القالب والقلب لله, والتجريد الكامل في الظاهر هو: ترك الأسباب, وتعرية البدن من معتاد الثياب, وفي الباطن هو تجريد القلب من كل وصف ذميم, وتحليته بكل وصف كريم, فأشار الناظم إلى الأول وهو: تجريد الظاهر بقوله (كانوا) أي أهل الصفة (على التجريد) الظاهر (عاملين) ورفعوا همتهم إلى رب العالمين, فقنعوا بما تيسر من القوت, وما يستر العورة من الثياب, منها ما يبلغ الركبة, ومنها دون ذلك, كانوا يقولون للنساء في الصلاة: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال قعوداً, خشية أن يرين عورة أهل الصفة من قصر الثياب, ومنهم من لبس إهاب كبش: أي جلده, وهو مصعب بن عمير, فلما رآه عليه الصلاة والسلام: بكى, وقال: (انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه فقد رأيته بمكة بين أبويه يختال في حلة قد اشتريت له أو اشتراها بمائتي درهم فما زال به حب الله ورسوله حتى صيره إلى ما ترون) رواه البيهقي كما في المنذري, ورواه في كتاب الزهد عن الترمذي أيضاً, فهذه كانت أحوال أهل الصفة, خيار هذه الأمة, وهذه كانت سمة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فقد دخل سيدنا عمر رضي الله عنه عليه صلى الله عليه وسلم فرأى الشريط قد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم, فبكى عمر رضي الله عنه لما رأى كما في البخاري ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي واليوم صار هذا بدعة عند الناس, وصار التأنق في اللباس وتكبير العمائم وجماع المال سنة, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ويرحم الله القائل:

    يا حسبي الله ما للناس أكثرهم *** قد أنكروا الزهد والتجريد والورعا

    سموا طريق أولى التوفيق صعلكة *** وسنة لقبوا الأهواء والبدعا

    و(سنة) مفعول مقدم للقبوا.

    وقول الناظم (وعن سوى الرحمن معرضين) أي وكانوا عن سوى الرحمن معرضين, لا يلتفتون إليه, ولا يتعلقون به, اكتفاء بالله واستغناء بعلمه رضي الله عنهم ونفعنا بهم, ثم أشار إلى الثاني وهو التجريد الباطني, فقال:



    تخلقوا بخلق النبي *** يدعون بالغداة والعشي



    قلت: تخلق كذا: تطبع به, والخلق بضمتين: السجية والطبع.

    يقول رضي الله عنه: إن أهل الصفة رضي الله عنهم, تخلقوا بخلق النبي صلى الله عليه وسلم يعني قاربوا من خلقه عليه الصلاة والسلام, وإلا فلا يمكن التخلق بخلقه عليه الصلاة والسلام على الوفاء والتمام, كيف والله تعالى يقول: {وإنّك لعلى خلقٍ عظيم} فقد حاز عليه الصلاة والسلام مراتب الكمال على الوفاء والتمام, حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) واحتشمت أن تقول: (كان خلق الرحمن) أدباً مع الحضرة, ووقوفاً مع الحكمة, فذكرت ما يليق بآداب العبودية, واحتشمت من أخلاق الربوبية, فقد أعطى عليه الصلاة والسلام الغاية من: الزهد, والورع والخوف, والرجاء, والصبر والتوكل, والتسليم, والمحبة, والرحمة, والشفقة, والحلم, والكرم, والشجاعة, وكمال العقل, وتمام المعرفة, إلى ما لا يحصى؛ وكان أهل الصفة أشبه الناس به في هذه الأخلاق.

    قوله يدعون ربهم أشار به إلى قوله تعالى في حقهم لرسوله صلى الله عليه وسلم: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه, ولا تعد عيناك عنهم}. وسبب نزول الآية أن الكفار قالوا: لا نرضى أن نجالسك مع هؤلاء فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم مجلساً يخصهم به, ثم يجالس الفقراء بعد ذلك, فنزلت الآية.

    قال بعضهم: هو أمر إرشاد وتزكية, ونهى تنبيه وترقية, ليكون محجة لقوم؛ وحجة على قوم, وهذا كنهي البار عن العقوق, وأمره بالبر ليكون أثبت وأوفى وأتم في الحجة, وإظهاراً لتشريف قدر هذه الجماعة, وما هم عليه من محامد الخلال, وإلا فهو عليه الصلاة والسلام لا يعمل إلا ذلك قبل الأمر وبعده, ثم ما وصفهم به مولاهم من الدعاء بالغداة والعشي غير معلل بعلة سوى إرادة وجهه الكريم, أي معرفة ذاته المقدسة: لا يعرجون على ثواب ولا جزاء ولا قصور, ولا حور, وبهذا كله تحققت الصوفية رضي الله عنه, كما فهموا ذلك من أخلاق نبيهم صلى الله عليه وسلم وما كان يدل عليه, وإلى ذلك أشار بقوله:



    قد فهموا مقتضيات الشرع *** فصيروا الفرق لعين الجمع



    قلت: مقتضى الشيء, مطلوبه, واقتضى دينه, طلبه والشرع, والشرعة, بالكسر: ما شرعه الله لعباده من الأحكام, والفرق عند الصوفية, هو: شهود حق بلا خلق, وجمع الجمع هو: شهود خلق بحق.

    الفرق شريعة: والجمع حقيقة, الفرق شهود الحكمة, والجمع شهود القدرة, وجمع الجمع: شهود حكمة وقدرة.

    يقول رضي الله تعالى في وصف أهل الصفة: إنهم تركوا الدنيا لأهلها, وانقطعوا إلى الله بالكلية, وقد فهموا ذلك من مطلوبات الشرع ومقتضياته, إذ قد سمعوا كلام ربهم وأحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذم الدنيا والاشتغال بها, ومدح التفرغ للعبادة والاجتهاد فيها, وما أعد الله فيها للزاهدين والقانتين, فتركوا الأسباب التي هي شريعة الضعفاء, وتمسكوا بالتجريد الذي هو شريعة الأقوياء, وحقيقة الأصفياء, فصيروا الفرق الذي هو الاشتغال بالأسباب لعين الجمع, الذي هو الاشتغال بمسبب الأسباب. فالنظر للأسباب فرق. والنظر لمسبب الأسباب جمع وهذا كقول الشيخ أبي العباس رضي الله عنه: للناس أسباب وسببنا الإيمان والتقوى. قال الله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا}. فمقتضى الشرع للعبد أن يكون جامعاً بين حقيقة وشريعة, أعني شريعة الخواص التي هي لب الشريعة. لا شريعة العوام التي هي القشر, وإذا كان جامعاً, فيكون في ظاهره ممتثلًا لأمره, وفي باطنه مستسلماً لقهره يدعوه لكونه لا يرى الأمر إلا منه وله, ويقوم بواجبات وقته لكونه مطلوباً بوظائف حكمته, عاملاً بقوله: إياك نعبد وإياك نستعين فإياك نعبد فرق وإياك نستعين جمع, وشهود الجمع في عين الفرق, هو جمع الجمع, وهو الصراط المستقيم الذي طلب الهداية إليه. وبالله التوفيق فهو الهادي إلى سواء الطريق.

    ولما ذكر أن أهل الصفة صيروا الفرق عين الجمع, ذكر ما يترتب عليه من الخروج عن كل شيء, والغنى بالله في كل شيء. فقال:



    قد خرجوا لله عما اكتسبوا *** فكل صوفي إليهم ينسب



    قلت: لا شك أن أهل الصفة رضي الله عنهم كانت لهم أموال وعبيد وإماء وديار وعقار وأهل عيال, فلما هاجروا إلى الله ورسوله, خرجوا عن ذلك كله, وتركوه لله. فانتقلوا إلى المدينة ليس معهم شيء, فبنى لهم عليه الصلاة والسلام صفة في طرف المسجد فنزلوا فيها: يصلون بالليل ويصومون بالنهار, ويجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الجيش, فقتل أكثرهم في الجهاد, ومن بقي منهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته الدنيا.

    فمنهم من لم يقبلها ولم يأخذ منها شيئا, كأبي ذر, وأبي الدرداء, وأبي عبيدة, ومعاذ وغيرهم ممن لا يحصى.

    ومنهم من أخذها بالله, ودفعها لله, فكان كالأمين ينظر العزل من مولاه, يقوم فيها بواجب الحقوق دون تقصير, ولا تعريج على مخلوق, وكذلك كانت الصوفية المحققون لا يملكون مع سيدهم شيئا ولا يملكهم شيء.

    وقد سأل بعض الفقهاء أبا بكر الشبلي رحمه الله اختباراً له في العلم, فقال: يا أبا بكر: كم في خمس من الإبل, فقال: إما الواجب فشاة, وأما عندنا فكلها لله, قال: وما دليلك؟ قال: أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله ورسوله, فمن خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر ومن خرج عن بعض وترك بعضاً فإمامه عمر رضي الله عنه,ومن أعطى لله ومنع لله,كان إمامه عثمان رضي الله عنه, ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي رضي الله عنه, وكل علم لا يدل على ترك الدنيا فليس بعلم.

    وقوله: (فكل صوفي إليهم ينسب) يعني أن كل من اتصف بأوصالهم من الخروج عما كسب لله, أو أخذه بالله وأعطاه لله فهو منسوب إليهم, فيقال له صوفي, إما نسبة إلى الصفة على غير قياس, وإما لأنه صفت أحواله كما تقدم في الاشتقاق.

    وقال الشيخ زروق رضي الله عنه: كل من اتصف بأوصافهم فهو منسوب إليهم, سواء كان غنياً أو فقيراً, لأن الله عز وجل لم يمدحهم بالعدم, وإنما مدحهم بكونهم يدعونه بالغدو والعشي يريدون وجهه, فمن اتصف بهذا كان على طريقتهم, غنياً كان أو فقيراً, ودليل ذلك أنه كان منهم بعد ذلك: الأمير, والفقير, والمتسبب, والمتجرد, ولم ينقل ذلك وصفهم عما كانوا موصوفين به, ولا نقصهم عما هم فيه من العمل بالحق والحقيقة, بل شكروا على الدنيا حين وجدت, كما صبروا عنها حين فقدت, فكانوا لمولاهم في الحالتين, ومن كان بهذه الصفة فهو تابع لهم, فاعرف ذلك.

    وإذا كان أمر التصوف حال أهل الصفة. فهو أمر ثابت عن الشارع بتقريره, ولم يبق البحث إلا في التسمية, وهو أمر اصطلاحي لا مدخل للإنكار فيه, إذ هي من عوارض الألفاظ, والله تعالى أعلم.

    وقوله: (إن هو) يشير إلى أن القياس أن يقال فيه: الصفى (بالشد), لكن كثيرا ما يأتي النسب على غير قياس, وهذا منه, ثم بين أن طريق التصوف ليس محدثا, بل هو مقرر من الشارع, فقال:



    إذن فشأن القوم ليس محدثا *** بل كان أحوى فوجدناه غثا



    قلت: الأحوى: النبات الضارب للسواد من شدة الخضرة, قاله في القاموس, والغثاء هو: النبات اليابس الهشيم.

    يقول رضي الله عنه: إذا تقرر ما تقدم من حال أهل الصفة, وما كانوا عليه من التجريد وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه, فليس شأن الصوفية محدثا, بل هو أمر شرعي, إذ لا يقرر عليه الصلاة والسلام إلا ما هو مباح أو مطلوب, وكيف يكون محدثا ومدار الشريعة عليه؛ إذ هو لبها وصفاؤها, إذ مقصود التصوف تصفية البواطن حتى يكون العبد على حالة يرضاها الله ورسوله ظاهرا وباطنا, وإذا كان أمره هكذا, فكل علم يتوقف عليه إما من باب الشرط أو الكمال, إذ مداره على صدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى, فكل علم لا يصحبه صدق التوجه إلى الله, فليس بشيء إذ الإخلاص شرط في الجميع, وأيضا مقام التصوف هو مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وذلك لا يصح بدون ما تقع به العبودية والتعبد من عقائد الإيمان وأعمال الإسلام, فهما ظاهره وهو باطنهما, فلا قيام لهما إلا به, ولا صحة له بدونهما, فهو كالروح, وهما كالجسد, فالروح لا تقوم بغير جسد, والجسد لا يقوم بغير روح, ولذلك قال مالك رضي الله عنه: من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق, ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق, ومن تفقه وتصوف فقد تحقق, فالفقه من غير تصوف جسد بلا روح, والميت لا عبرة به, والتصوف من غير فقه ما يلزم الإنسان في نفسه لا يصح إذ لا يدخل للحقيقة إلا من باب الشريعة, وإلا فهي زندقة, فالمتكلم في أحكام الإسلام يسمى فقيها, والمتكلم في أحكام الإيمان يسمى أصوليا, والمتكلم في أحكام الإحسان يسمى صوفيا, ويسمى علمه تصوفا, فغاية التصوف ومداره: تفسير مقام الإحسان, لأنه دال بأوله على خشية الله, وبأوسطه على معاملته, وبآخره على معرفته.

    أو تقول: مداره على مراقبة بعد مشاهدة, أو مشاهدة بعد مراقبة, وهو مقام الإحسان.

    وأما إنكار بعض الناس هذا اللفظ, بأنه لم يسمع في صدر الصحابة والتابعين, فهو مردود, إذ كثير من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة, واستعملت ولم ينكر, كالنحو, واللغة, والمنطق.

    وأيضا قد ذكر التجيبي: أنه سمع في صدر السلف, فقد قال الحسن البصري رضي الله عنه: لقيت صوفيا في الطواف, فأعطيته شيئا ولم يقبله, والحسن من كبار التابعين, أدرك كثيرا من الصحابة, فهو حجة على استعمال هذا الاسم في زمانه, والله تعالى أعلم.

    وقوله: (بل كان أحوى فوجدناه غثا) يعني أن التصوف كان في الصدر الأول غضا طريا جديدا, لقربه من نور النبي صلى الله عليه وسلم, فكان اقل شيء منه ينهض صاحبه, ثم طال أمره وقل وجوده, فوجدناه غثا: يابسا متهشما, لكنه يصلح للرعي, كالأول, مع أفضلية الأول, يعني أن حقائقه لم تتغير, وإن تغيرت أعيانه, فالعمل به لم ينقطع, لكنه صار غريبا وأهله غرباء, وقد قال عليه الصلاة والسلام: (طوبى للغرباء) وإذا تقرر أن حقائقه لم تتغير وجب العمل به كما أبان ذلك بقوله:



    فاسلك طريق القوم تلق يمنه *** إذ الكتاب قيده والسنة



    قلت: (اليمن) هو البركة والخير, يشير إلى أن طريق القوم ميمونة مباركة, فكل من سلكها بالصدق والمحبة, والجد والاجتهاد: وجد بركتها ويمنها, وبركتها هي ثمرتها: ما ينتج منها من مكارم الأخلاق ومعرفة الخلاق, وقيل: ثمرتها سخاوة النفوس وسلامة الصدور, وحسن الخلق.

    وقوله: (إذ الكتاب قيده والسنة) أشار به إلى قول الجنيد رضي الله عنه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة, فمن لن يسمع الحديث ويجالس الفقهاء, ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه.

    وقال سهل بن عبد الله: بنيت أصولنا على ستة أشياء: كتاب الله, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأكل الحلال, وكف الأذى, واجتناب الآثام, والتوبة, وأداء الحقوق.

    وقال أبو عثمان الحيري رضي الله عنه: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا, نطق بالحكمة, ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة.

    وقال أبو القاسم النصراباذي رضي الله عنه: أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة, وترك الأهواء والبدع, وتعظيم حرمات المشايخ, ورؤية أعذار الخلائق, والمداومة على الأوراد, وترك الرخص والتأويلات.

    قلت: حرر أبو إسحاق الشاطبي هذه المسألة حسبما نقله في (العدة) فرأينا نقله بطوله, لما فيه من الفوائد, فقال رضي الله عنه:

    (كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن) يعني كالجنيد وأمثاله لا يخلو: إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة, فهم خلفاؤه, كما أن من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك, وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا عمل عليه, لأن السنة حجة على جميع الأمة, وليس عمل أحد حجة على السنة, لأن السنة معصومة من الخطأ, وصاحبها معصوم, وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة أصلا, إلا مع اجتماعهم خاصة, وإذا اجتمعوا: تضمن إجماعهم دليلا شرعيا, فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت لهم العصمة, ويجوز عليهم: الخطاء, والنسيان, والمعصية, كبيرها, وصغيرها, والبدعة: محرمها ومكروهها, وكذلك قال العلماء: كل كلام منه مقبول ومردود, إلا ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: وقد قرر القشيري رحمه الله ذلك أحسن تقرير, قالهل يكون الولي معصوما؟ قال: أما وجوبا كما يكون في الأنبياء فلا, وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت منه هفوات أو زلات أو آفات فلا يمتنع ذلك في وصفهم).

    قال: وقد قيل للجنيد: العارف يزني, فأطرق رأسه مليا, ثم رفع رأسه, وقال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}.

    قال: فهذا كلام المصنف, فكما يجوز على غيرهم المعاصي والابتداع وغيره, كذلك يجوز عليهم البدع, فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ, ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال, بل يعرض ما جاء عن الأمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه, وما لم يقبلاه تركناه, وما علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة, وبذلك وصى شيوخهم, وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة, فإن قبلاه, وإلا لم يصح.

    ثم قال: إذا نظرت في رسومهم التي حدوها, وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج, ولم تعرف له مخرجا, فالواجب التوقف عن الاقتداء والعمل, وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم, لا ردا له ولا اعتراضا عليه, بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره.

    ثم قال بعد كلام فوجب بحسب الجريان على رأيهم في السلوك أن لا نعمل بما رسموه وبما فيه معارضة لأدلة الشرع, ونكون في ذلك متبعين لآثارهم, ومهتدين بأنوارهم, خلافاً لمن يعرض عن الأدلة ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم, فالأدلة الشرعية, والأنظار الفقهية: ورسوم الصوفية تذمه وترده, وتحمد من تحري واحتاط, وتوقف عن الاشتباه, (واستبرأ لدينه وعرضه) انتهى كلامه.

    هذا آخر فصل عقلا ونقلا.

    وموضوع هذا العلم: الذات العلية, لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها, ذاتا وصفات وأسماء: تعلقا وتخلقا وتحققا.

    وواضعه الرسول صلى الله عليه وسلم وحيا وإلهاما.

    وحده: صدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى, بما يرضى. واستمداده من الكتاب والسنة, والهامات الصالحين, وفتوحات العارفين.

    واسمه: التصوف, وتقدم اشتقاقه واستعماله.

    وثمرته: تصفية البواطن بالتخلية والتحلية, تتهيأ لواردات الأنوار الإلهية والفتوحات الربانية.

    وقد وقع في بعض نسخ الناظم هنا زيادة أبيات تضمنت هذه المعاني, لكن لم توجد في جل النسخ, وليس عليها رونق ولا طلاوة مثل ما للناظم. ولا أظنها إلا زيادة من بعض الكتاب. والله تعالى اعلم.

    وأما فضيلته فأشار إليها في هذا الفصل بقوله: شرف علم التصوف وفضيلته



    اعلم أن شرف الشيء وفضيلته, إما أن تثبت بالعقل أو بالنقل أو بظهور ثمرته في الخارج, وقد اجتمعت هذه الأمور في علم التصوف على الكمال:

    أما ثبوت شرفه بالعقل, فلا شك أن الشيء يشرف بشرف موضوعه وواضعه, وقد تقدم: أن موضوع هذا العلم, الذات العلية, وهي أشرف وأفضل على الإطلاق, وواضعه الرسول عليه الصلاة والسلام, وهو أفضل الخلق بالإجماع, وأيضا العقل السليم: يستحسن الكمالات, ولا شك أن التصوف ما وضع إلا لتحقق الكمالات: علما؛ وعملا, وحالا, فهو موضوع لتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق.

    وأما ثبوت شرفه بالنقل, فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة وردت بمدح جزئياته ومسائله, كالتوبة, والتقوى, والاستقامة, والصدق, والإخلاص, والطمأنينة, والزهد, والورع, والتوكل, والرضا, والتسليم, والمحبة, والمراقبة, والمشاهدة, وغير ذلك من مسائله.

    وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه ما تبلغ إليه المطي, وفي رواية (ولو حبوا).

    وقال الشيخ الصقلي رضي الله عنه في كتابه المسمى (بأنوار القلوب في العلم الموهوب): كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة, وكل من فهمه, فهو من خاصة الخاصة, وكل من عبر عنه وتكلم فيه فهو النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا يرتقي.

    وما من علم إلا وقد يستغني عنه في وقت ما, إلا علم التصوف, فلا يستغني عنه أحد في وقت من الأوقات.

    وأما شرفه باعتبار ظهور ثمراته, فهو الذي تكلم عليه الناظم في هذا الفصل, وحصره في ستة أمور:

    الأول: ما ظهر على أهله من شدة الاقتداء وقوة الاتباع.

    الثاني: ما ظهر عليهم من وفاق مذهبهم, وحسم الخلاف والنزاع بينهم.

    الثالث: ما ظهر عليهم من الكرامات الحسية والمعنوية.

    الرابع: ما ظهر عليهم من تطهير جوارحهم من الذنوب, ونفوسهم من العيوب في الغالب.

    الخامس: ما ظهر عليهم من تحقيق عقائد الإيمان, وترقيهم فيها إلى مقام الإحسان, مع صحة اليقين والثقة برب العالمين.

    السادس: ما كوشفوا به من العالم الروحاني, وما ترقوا إليه من عالم الملكوت, وحضرة الجبروت, وهذا مضمن هذا الفصل, فأشار إلى الأول بقوله:




  5. #5
    عضو BAHA D ALOSY is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    10-03-2009
    المشاركات
    87
    معدل تقييم المستوى: 63

    افتراضي رد: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى اله وصحبة اجمعين ومن اتبعهم برضوان الى يوم الدين
    كنت اتمنى ان يكون ردك على مشاركتي فيه نصح لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن اذا كان جفائكم مع المصطفى (ص )
    بهذا الحال فكيف يكون حالكم انتم ومشايخكم مع المسلمين لدي مكتبة تصوف لاتقل عن عشرات الكتب تبحث في
    اصل المذهب الوهابي ولكن وادباً مع رسول الله ومع الموقع الذي نحن فيه ولعدم اثارت الفتنه لعن الله من ايقضها اكتفي
    بأن اوضح لكم اصل التصوف الاسلامي من ناحية الشرع. كنت اتمنى من مشرفي الموقع عدم السماح لكم ولامثالكم ايها
    الاخ العزيز المسلم بهذا الرد ( لخلوه من المعنى ) ولان الموقع في شرطه يضمن حرية الرأي المنشور وعدم الرد عليه بما
    يثلم شخصية صاحب الموضوع او عقيدته. نسأل الله الهداية لنا ولكم والمغفره والله من وراء القصد

    أصل التصوف من جهة دليل الشرع



    ولنرجع الآن لباقي الفصل *** إذ في تمامه ثبوت الأصل



    قلت: الفصل معقود لثبوت أصل التصوف, فذكر أصله من جهة الذوق والوجدان, وبقي ثبوته من طريق الشرع, وبه تمام ثبوت أصله على الكمال, فأشار إليه بقوله:



    فقادة الصوفي أهل الصفة *** في زمن الرسول فاعلم وصفه

    وهم ضياف الله والإسلام *** وجلساء سيد الأنام



    قلت: القادة, والقدوة, ما اقتديت به, واتبعت طريقته.

    يقول رضي الله عنه: فمتبوع الصوفية, وقدوتهم في طريق التجريد وترك الأسباب والانقطاع إلى رب الأرباب, هم أهل الصفة (موضع بناه عليه الصلاة والسلام في طرف مسجده لفقراء أصحابه) كانوا يجتمعون فيه: إذا كثروا بلغوا أربعمائة. وإذا قلوا كانوا ثمانين أو سبعين, وبه سموا الصوفية (على قول) وكانوا يعرفون بضياف الله, وبضياف الإسلام, آثروا التجريد للعبادة؛ ومجالسة سيد المرسلين, وفيهم نزل قوله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} كما يأتي فأقرهم عليه الصلاة والسلام على التجريد وترك الأسباب, حيث علم منهم عدم التشوف للأسباب, والرضا بما قسم الله لهم, وبما يواجههم به سبحانه من سعة أو ضيق, ومن تشوف منهم أمره بالأسباب, مثل حكيم بن حزام رضي الله عنه, فإنه سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فأعطاه, ثم قال له يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه, ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه, وكان كالذي يأكل ولا يشبع, ثم قال له: لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له من أن يسأل رجلًا أعطاه أو منعه). الحديث, فدله عليه الصلاة والسلام على التسبب لما تشوفت نفسه للأسباب, بدلًا عن المسألة, إذ هي آخر كسب المؤمن, بخلاف غيره, إذ لم يتشوف, ولذلك قال الخواص رضي الله عنه: ما دامت الأسباب في النفس قائمة, فالتسبب أولى, والأكل بكسب أحل له, لأن القعود عن المكاسب لا يصلح لمن لم يستغن عن التكليف.

    ثم وصف حالهم ليقتدى بهم, فقال:



    كانوا على التجريد عاملين *** وعن سوى الرحمن معرضين



    قلت: التجريد هو: التعرية عن الشيء, يقال: فلان جرد ثوبه: أزاله, وجردت الجلد: أزلت شعره, هذا باعتبار اللغة.

    وأما عند الصوفية فهو على ثلاثة أقسام, تجريد الظاهر فقط, أو الباطن فقط, أو هما معاً, فتجريد الظاهر هو: ترك الأسباب الدنياوية وخرق العوائد النفسانية الجسمانية, والتجريد الباطني هو: ترك العلائق النفسانية والعوائق الوهمية, وتجريدهما معاً وهو: ترك العلائق الباطنية والعوائد الجسمانية.

    أو تقول: تجريد الظاهر هو: ترك كل ما يشغل الجوارح عن طاعة الله, وتجريد الباطن هو: ترك كل ما يشغل القلب عن الحضور مع الله, وتجريدهما هو: إفراد القالب والقلب لله, والتجريد الكامل في الظاهر هو: ترك الأسباب, وتعرية البدن من معتاد الثياب, وفي الباطن هو تجريد القلب من كل وصف ذميم, وتحليته بكل وصف كريم, فأشار الناظم إلى الأول وهو: تجريد الظاهر بقوله (كانوا) أي أهل الصفة (على التجريد) الظاهر (عاملين) ورفعوا همتهم إلى رب العالمين, فقنعوا بما تيسر من القوت, وما يستر العورة من الثياب, منها ما يبلغ الركبة, ومنها دون ذلك, كانوا يقولون للنساء في الصلاة: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال قعوداً, خشية أن يرين عورة أهل الصفة من قصر الثياب, ومنهم من لبس إهاب كبش: أي جلده, وهو مصعب بن عمير, فلما رآه عليه الصلاة والسلام: بكى, وقال: (انظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه فقد رأيته بمكة بين أبويه يختال في حلة قد اشتريت له أو اشتراها بمائتي درهم فما زال به حب الله ورسوله حتى صيره إلى ما ترون) رواه البيهقي كما في المنذري, ورواه في كتاب الزهد عن الترمذي أيضاً, فهذه كانت أحوال أهل الصفة, خيار هذه الأمة, وهذه كانت سمة نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فقد دخل سيدنا عمر رضي الله عنه عليه صلى الله عليه وسلم فرأى الشريط قد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم, فبكى عمر رضي الله عنه لما رأى كما في البخاري ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي واليوم صار هذا بدعة عند الناس, وصار التأنق في اللباس وتكبير العمائم وجماع المال سنة, فإنا لله وإنا إليه راجعون, ويرحم الله القائل:

    يا حسبي الله ما للناس أكثرهم *** قد أنكروا الزهد والتجريد والورعا

    سموا طريق أولى التوفيق صعلكة *** وسنة لقبوا الأهواء والبدعا

    و(سنة) مفعول مقدم للقبوا.

    وقول الناظم (وعن سوى الرحمن معرضين) أي وكانوا عن سوى الرحمن معرضين, لا يلتفتون إليه, ولا يتعلقون به, اكتفاء بالله واستغناء بعلمه رضي الله عنهم ونفعنا بهم, ثم أشار إلى الثاني وهو التجريد الباطني, فقال:



    تخلقوا بخلق النبي *** يدعون بالغداة والعشي



    قلت: تخلق كذا: تطبع به, والخلق بضمتين: السجية والطبع.

    يقول رضي الله عنه: إن أهل الصفة رضي الله عنهم, تخلقوا بخلق النبي صلى الله عليه وسلم يعني قاربوا من خلقه عليه الصلاة والسلام, وإلا فلا يمكن التخلق بخلقه عليه الصلاة والسلام على الوفاء والتمام, كيف والله تعالى يقول: {وإنّك لعلى خلقٍ عظيم} فقد حاز عليه الصلاة والسلام مراتب الكمال على الوفاء والتمام, حتى قالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) واحتشمت أن تقول: (كان خلق الرحمن) أدباً مع الحضرة, ووقوفاً مع الحكمة, فذكرت ما يليق بآداب العبودية, واحتشمت من أخلاق الربوبية, فقد أعطى عليه الصلاة والسلام الغاية من: الزهد, والورع والخوف, والرجاء, والصبر والتوكل, والتسليم, والمحبة, والرحمة, والشفقة, والحلم, والكرم, والشجاعة, وكمال العقل, وتمام المعرفة, إلى ما لا يحصى؛ وكان أهل الصفة أشبه الناس به في هذه الأخلاق.

    قوله يدعون ربهم أشار به إلى قوله تعالى في حقهم لرسوله صلى الله عليه وسلم: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه, ولا تعد عيناك عنهم}. وسبب نزول الآية أن الكفار قالوا: لا نرضى أن نجالسك مع هؤلاء فأراد عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم مجلساً يخصهم به, ثم يجالس الفقراء بعد ذلك, فنزلت الآية.

    قال بعضهم: هو أمر إرشاد وتزكية, ونهى تنبيه وترقية, ليكون محجة لقوم؛ وحجة على قوم, وهذا كنهي البار عن العقوق, وأمره بالبر ليكون أثبت وأوفى وأتم في الحجة, وإظهاراً لتشريف قدر هذه الجماعة, وما هم عليه من محامد الخلال, وإلا فهو عليه الصلاة والسلام لا يعمل إلا ذلك قبل الأمر وبعده, ثم ما وصفهم به مولاهم من الدعاء بالغداة والعشي غير معلل بعلة سوى إرادة وجهه الكريم, أي معرفة ذاته المقدسة: لا يعرجون على ثواب ولا جزاء ولا قصور, ولا حور, وبهذا كله تحققت الصوفية رضي الله عنه, كما فهموا ذلك من أخلاق نبيهم صلى الله عليه وسلم وما كان يدل عليه, وإلى ذلك أشار بقوله:



    قد فهموا مقتضيات الشرع *** فصيروا الفرق لعين الجمع



    قلت: مقتضى الشيء, مطلوبه, واقتضى دينه, طلبه والشرع, والشرعة, بالكسر: ما شرعه الله لعباده من الأحكام, والفرق عند الصوفية, هو: شهود حق بلا خلق, وجمع الجمع هو: شهود خلق بحق.

    الفرق شريعة: والجمع حقيقة, الفرق شهود الحكمة, والجمع شهود القدرة, وجمع الجمع: شهود حكمة وقدرة.

    يقول رضي الله تعالى في وصف أهل الصفة: إنهم تركوا الدنيا لأهلها, وانقطعوا إلى الله بالكلية, وقد فهموا ذلك من مطلوبات الشرع ومقتضياته, إذ قد سمعوا كلام ربهم وأحاديث نبيهم صلى الله عليه وسلم في ذم الدنيا والاشتغال بها, ومدح التفرغ للعبادة والاجتهاد فيها, وما أعد الله فيها للزاهدين والقانتين, فتركوا الأسباب التي هي شريعة الضعفاء, وتمسكوا بالتجريد الذي هو شريعة الأقوياء, وحقيقة الأصفياء, فصيروا الفرق الذي هو الاشتغال بالأسباب لعين الجمع, الذي هو الاشتغال بمسبب الأسباب. فالنظر للأسباب فرق. والنظر لمسبب الأسباب جمع وهذا كقول الشيخ أبي العباس رضي الله عنه: للناس أسباب وسببنا الإيمان والتقوى. قال الله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا}. فمقتضى الشرع للعبد أن يكون جامعاً بين حقيقة وشريعة, أعني شريعة الخواص التي هي لب الشريعة. لا شريعة العوام التي هي القشر, وإذا كان جامعاً, فيكون في ظاهره ممتثلًا لأمره, وفي باطنه مستسلماً لقهره يدعوه لكونه لا يرى الأمر إلا منه وله, ويقوم بواجبات وقته لكونه مطلوباً بوظائف حكمته, عاملاً بقوله: إياك نعبد وإياك نستعين فإياك نعبد فرق وإياك نستعين جمع, وشهود الجمع في عين الفرق, هو جمع الجمع, وهو الصراط المستقيم الذي طلب الهداية إليه. وبالله التوفيق فهو الهادي إلى سواء الطريق.

    ولما ذكر أن أهل الصفة صيروا الفرق عين الجمع, ذكر ما يترتب عليه من الخروج عن كل شيء, والغنى بالله في كل شيء. فقال:



    قد خرجوا لله عما اكتسبوا *** فكل صوفي إليهم ينسب



    قلت: لا شك أن أهل الصفة رضي الله عنهم كانت لهم أموال وعبيد وإماء وديار وعقار وأهل عيال, فلما هاجروا إلى الله ورسوله, خرجوا عن ذلك كله, وتركوه لله. فانتقلوا إلى المدينة ليس معهم شيء, فبنى لهم عليه الصلاة والسلام صفة في طرف المسجد فنزلوا فيها: يصلون بالليل ويصومون بالنهار, ويجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الجيش, فقتل أكثرهم في الجهاد, ومن بقي منهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته الدنيا.

    فمنهم من لم يقبلها ولم يأخذ منها شيئا, كأبي ذر, وأبي الدرداء, وأبي عبيدة, ومعاذ وغيرهم ممن لا يحصى.

    ومنهم من أخذها بالله, ودفعها لله, فكان كالأمين ينظر العزل من مولاه, يقوم فيها بواجب الحقوق دون تقصير, ولا تعريج على مخلوق, وكذلك كانت الصوفية المحققون لا يملكون مع سيدهم شيئا ولا يملكهم شيء.

    وقد سأل بعض الفقهاء أبا بكر الشبلي رحمه الله اختباراً له في العلم, فقال: يا أبا بكر: كم في خمس من الإبل, فقال: إما الواجب فشاة, وأما عندنا فكلها لله, قال: وما دليلك؟ قال: أبو بكر حين خرج عن ماله كله لله ورسوله, فمن خرج عن ماله كله فإمامه أبو بكر ومن خرج عن بعض وترك بعضاً فإمامه عمر رضي الله عنه,ومن أعطى لله ومنع لله,كان إمامه عثمان رضي الله عنه, ومن ترك الدنيا لأهلها فإمامه علي رضي الله عنه, وكل علم لا يدل على ترك الدنيا فليس بعلم.

    وقوله: (فكل صوفي إليهم ينسب) يعني أن كل من اتصف بأوصالهم من الخروج عما كسب لله, أو أخذه بالله وأعطاه لله فهو منسوب إليهم, فيقال له صوفي, إما نسبة إلى الصفة على غير قياس, وإما لأنه صفت أحواله كما تقدم في الاشتقاق.

    وقال الشيخ زروق رضي الله عنه: كل من اتصف بأوصافهم فهو منسوب إليهم, سواء كان غنياً أو فقيراً, لأن الله عز وجل لم يمدحهم بالعدم, وإنما مدحهم بكونهم يدعونه بالغدو والعشي يريدون وجهه, فمن اتصف بهذا كان على طريقتهم, غنياً كان أو فقيراً, ودليل ذلك أنه كان منهم بعد ذلك: الأمير, والفقير, والمتسبب, والمتجرد, ولم ينقل ذلك وصفهم عما كانوا موصوفين به, ولا نقصهم عما هم فيه من العمل بالحق والحقيقة, بل شكروا على الدنيا حين وجدت, كما صبروا عنها حين فقدت, فكانوا لمولاهم في الحالتين, ومن كان بهذه الصفة فهو تابع لهم, فاعرف ذلك.

    وإذا كان أمر التصوف حال أهل الصفة. فهو أمر ثابت عن الشارع بتقريره, ولم يبق البحث إلا في التسمية, وهو أمر اصطلاحي لا مدخل للإنكار فيه, إذ هي من عوارض الألفاظ, والله تعالى أعلم.

    وقوله: (إن هو) يشير إلى أن القياس أن يقال فيه: الصفى (بالشد), لكن كثيرا ما يأتي النسب على غير قياس, وهذا منه, ثم بين أن طريق التصوف ليس محدثا, بل هو مقرر من الشارع, فقال:



    إذن فشأن القوم ليس محدثا *** بل كان أحوى فوجدناه غثا



    قلت: الأحوى: النبات الضارب للسواد من شدة الخضرة, قاله في القاموس, والغثاء هو: النبات اليابس الهشيم.

    يقول رضي الله عنه: إذا تقرر ما تقدم من حال أهل الصفة, وما كانوا عليه من التجريد وقد أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانوا عليه, فليس شأن الصوفية محدثا, بل هو أمر شرعي, إذ لا يقرر عليه الصلاة والسلام إلا ما هو مباح أو مطلوب, وكيف يكون محدثا ومدار الشريعة عليه؛ إذ هو لبها وصفاؤها, إذ مقصود التصوف تصفية البواطن حتى يكون العبد على حالة يرضاها الله ورسوله ظاهرا وباطنا, وإذا كان أمره هكذا, فكل علم يتوقف عليه إما من باب الشرط أو الكمال, إذ مداره على صدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى, فكل علم لا يصحبه صدق التوجه إلى الله, فليس بشيء إذ الإخلاص شرط في الجميع, وأيضا مقام التصوف هو مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وذلك لا يصح بدون ما تقع به العبودية والتعبد من عقائد الإيمان وأعمال الإسلام, فهما ظاهره وهو باطنهما, فلا قيام لهما إلا به, ولا صحة له بدونهما, فهو كالروح, وهما كالجسد, فالروح لا تقوم بغير جسد, والجسد لا يقوم بغير روح, ولذلك قال مالك رضي الله عنه: من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق, ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق, ومن تفقه وتصوف فقد تحقق, فالفقه من غير تصوف جسد بلا روح, والميت لا عبرة به, والتصوف من غير فقه ما يلزم الإنسان في نفسه لا يصح إذ لا يدخل للحقيقة إلا من باب الشريعة, وإلا فهي زندقة, فالمتكلم في أحكام الإسلام يسمى فقيها, والمتكلم في أحكام الإيمان يسمى أصوليا, والمتكلم في أحكام الإحسان يسمى صوفيا, ويسمى علمه تصوفا, فغاية التصوف ومداره: تفسير مقام الإحسان, لأنه دال بأوله على خشية الله, وبأوسطه على معاملته, وبآخره على معرفته.

    أو تقول: مداره على مراقبة بعد مشاهدة, أو مشاهدة بعد مراقبة, وهو مقام الإحسان.

    وأما إنكار بعض الناس هذا اللفظ, بأنه لم يسمع في صدر الصحابة والتابعين, فهو مردود, إذ كثير من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة, واستعملت ولم ينكر, كالنحو, واللغة, والمنطق.

    وأيضا قد ذكر التجيبي: أنه سمع في صدر السلف, فقد قال الحسن البصري رضي الله عنه: لقيت صوفيا في الطواف, فأعطيته شيئا ولم يقبله, والحسن من كبار التابعين, أدرك كثيرا من الصحابة, فهو حجة على استعمال هذا الاسم في زمانه, والله تعالى أعلم.

    وقوله: (بل كان أحوى فوجدناه غثا) يعني أن التصوف كان في الصدر الأول غضا طريا جديدا, لقربه من نور النبي صلى الله عليه وسلم, فكان اقل شيء منه ينهض صاحبه, ثم طال أمره وقل وجوده, فوجدناه غثا: يابسا متهشما, لكنه يصلح للرعي, كالأول, مع أفضلية الأول, يعني أن حقائقه لم تتغير, وإن تغيرت أعيانه, فالعمل به لم ينقطع, لكنه صار غريبا وأهله غرباء, وقد قال عليه الصلاة والسلام: (طوبى للغرباء) وإذا تقرر أن حقائقه لم تتغير وجب العمل به كما أبان ذلك بقوله:



    فاسلك طريق القوم تلق يمنه *** إذ الكتاب قيده والسنة



    قلت: (اليمن) هو البركة والخير, يشير إلى أن طريق القوم ميمونة مباركة, فكل من سلكها بالصدق والمحبة, والجد والاجتهاد: وجد بركتها ويمنها, وبركتها هي ثمرتها: ما ينتج منها من مكارم الأخلاق ومعرفة الخلاق, وقيل: ثمرتها سخاوة النفوس وسلامة الصدور, وحسن الخلق.

    وقوله: (إذ الكتاب قيده والسنة) أشار به إلى قول الجنيد رضي الله عنه: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة, فمن لن يسمع الحديث ويجالس الفقهاء, ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه.

    وقال سهل بن عبد الله: بنيت أصولنا على ستة أشياء: كتاب الله, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأكل الحلال, وكف الأذى, واجتناب الآثام, والتوبة, وأداء الحقوق.

    وقال أبو عثمان الحيري رضي الله عنه: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا, نطق بالحكمة, ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة.

    وقال أبو القاسم النصراباذي رضي الله عنه: أصل التصوف: ملازمة الكتاب والسنة, وترك الأهواء والبدع, وتعظيم حرمات المشايخ, ورؤية أعذار الخلائق, والمداومة على الأوراد, وترك الرخص والتأويلات.

    قلت: حرر أبو إسحاق الشاطبي هذه المسألة حسبما نقله في (العدة) فرأينا نقله بطوله, لما فيه من الفوائد, فقال رضي الله عنه:

    (كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن) يعني كالجنيد وأمثاله لا يخلو: إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة, فهم خلفاؤه, كما أن من الصحابة والتابعين خلفاء بذلك, وإن لم يكن له أصل في الشريعة فلا عمل عليه, لأن السنة حجة على جميع الأمة, وليس عمل أحد حجة على السنة, لأن السنة معصومة من الخطأ, وصاحبها معصوم, وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة أصلا, إلا مع اجتماعهم خاصة, وإذا اجتمعوا: تضمن إجماعهم دليلا شرعيا, فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت لهم العصمة, ويجوز عليهم: الخطاء, والنسيان, والمعصية, كبيرها, وصغيرها, والبدعة: محرمها ومكروهها, وكذلك قال العلماء: كل كلام منه مقبول ومردود, إلا ما كان من النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال: وقد قرر القشيري رحمه الله ذلك أحسن تقرير, قالهل يكون الولي معصوما؟ قال: أما وجوبا كما يكون في الأنبياء فلا, وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت منه هفوات أو زلات أو آفات فلا يمتنع ذلك في وصفهم).

    قال: وقد قيل للجنيد: العارف يزني, فأطرق رأسه مليا, ثم رفع رأسه, وقال: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}.

    قال: فهذا كلام المصنف, فكما يجوز على غيرهم المعاصي والابتداع وغيره, كذلك يجوز عليهم البدع, فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ, ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال, بل يعرض ما جاء عن الأمة على الكتاب والسنة فما قبلاه قبلناه, وما لم يقبلاه تركناه, وما علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالهم إلا بعد عرضها على الكتاب والسنة, وبذلك وصى شيوخهم, وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة, فإن قبلاه, وإلا لم يصح.

    ثم قال: إذا نظرت في رسومهم التي حدوها, وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج, ولم تعرف له مخرجا, فالواجب التوقف عن الاقتداء والعمل, وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم, لا ردا له ولا اعتراضا عليه, بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية كما فهمنا غيره.

    ثم قال بعد كلام فوجب بحسب الجريان على رأيهم في السلوك أن لا نعمل بما رسموه وبما فيه معارضة لأدلة الشرع, ونكون في ذلك متبعين لآثارهم, ومهتدين بأنوارهم, خلافاً لمن يعرض عن الأدلة ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم, فالأدلة الشرعية, والأنظار الفقهية: ورسوم الصوفية تذمه وترده, وتحمد من تحري واحتاط, وتوقف عن الاشتباه, (واستبرأ لدينه وعرضه) انتهى كلامه.

    هذا آخر فصل عقلا ونقلا.

    وموضوع هذا العلم: الذات العلية, لأنه يبحث عنها باعتبار معرفتها, ذاتا وصفات وأسماء: تعلقا وتخلقا وتحققا.

    وواضعه الرسول صلى الله عليه وسلم وحيا وإلهاما.

    وحده: صدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى, بما يرضى. واستمداده من الكتاب والسنة, والهامات الصالحين, وفتوحات العارفين.

    واسمه: التصوف, وتقدم اشتقاقه واستعماله.

    وثمرته: تصفية البواطن بالتخلية والتحلية, تتهيأ لواردات الأنوار الإلهية والفتوحات الربانية.

    وقد وقع في بعض نسخ الناظم هنا زيادة أبيات تضمنت هذه المعاني, لكن لم توجد في جل النسخ, وليس عليها رونق ولا طلاوة مثل ما للناظم. ولا أظنها إلا زيادة من بعض الكتاب. والله تعالى اعلم.

    وأما فضيلته فأشار إليها في هذا الفصل بقوله: شرف علم التصوف وفضيلته



    اعلم أن شرف الشيء وفضيلته, إما أن تثبت بالعقل أو بالنقل أو بظهور ثمرته في الخارج, وقد اجتمعت هذه الأمور في علم التصوف على الكمال:

    أما ثبوت شرفه بالعقل, فلا شك أن الشيء يشرف بشرف موضوعه وواضعه, وقد تقدم: أن موضوع هذا العلم, الذات العلية, وهي أشرف وأفضل على الإطلاق, وواضعه الرسول عليه الصلاة والسلام, وهو أفضل الخلق بالإجماع, وأيضا العقل السليم: يستحسن الكمالات, ولا شك أن التصوف ما وضع إلا لتحقق الكمالات: علما؛ وعملا, وحالا, فهو موضوع لتكميل العقائد وتطهير النفوس وتحسين الأخلاق.

    وأما ثبوت شرفه بالنقل, فلا شك أن الكتاب والسنة وإجماع الأمة وردت بمدح جزئياته ومسائله, كالتوبة, والتقوى, والاستقامة, والصدق, والإخلاص, والطمأنينة, والزهد, والورع, والتوكل, والرضا, والتسليم, والمحبة, والمراقبة, والمشاهدة, وغير ذلك من مسائله.

    وقال الجنيد رضي الله عنه: لو نعلم أن تحت أديم السماء أشرف من هذا العلم الذي نتكلم فيه مع أصحابنا لسعيت إليه ما تبلغ إليه المطي, وفي رواية (ولو حبوا).

    وقال الشيخ الصقلي رضي الله عنه في كتابه المسمى (بأنوار القلوب في العلم الموهوب): كل من صدق بهذا العلم فهو من الخاصة, وكل من فهمه, فهو من خاصة الخاصة, وكل من عبر عنه وتكلم فيه فهو النجم الذي لا يدرك والبحر الذي لا يرتقي.

    وما من علم إلا وقد يستغني عنه في وقت ما, إلا علم التصوف, فلا يستغني عنه أحد في وقت من الأوقات.

    وأما شرفه باعتبار ظهور ثمراته, فهو الذي تكلم عليه الناظم في هذا الفصل, وحصره في ستة أمور:

    الأول: ما ظهر على أهله من شدة الاقتداء وقوة الاتباع.

    الثاني: ما ظهر عليهم من وفاق مذهبهم, وحسم الخلاف والنزاع بينهم.

    الثالث: ما ظهر عليهم من الكرامات الحسية والمعنوية.

    الرابع: ما ظهر عليهم من تطهير جوارحهم من الذنوب, ونفوسهم من العيوب في الغالب.

    الخامس: ما ظهر عليهم من تحقيق عقائد الإيمان, وترقيهم فيها إلى مقام الإحسان, مع صحة اليقين والثقة برب العالمين.

    السادس: ما كوشفوا به من العالم الروحاني, وما ترقوا إليه من عالم الملكوت, وحضرة الجبروت, وهذا مضمن هذا الفصل, فأشار إلى الأول بقوله:




  6. #6
    عضو فعال سعيد بن المسيب is on a distinguished road
    تاريخ التسجيل
    05-03-2009
    المشاركات
    102
    معدل تقييم المستوى: 64

    افتراضي رد: تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك للسيوطي

    أولا أحب أن أوضح لك ياأخى أن ردى عليك لم يكن إلا النصح لله ولرسوله وارجع إلى مابدأت به المشاركه وهو أننى دعوت الله أن يهديكم إلى الحق وإلى طريق مستقيم وأن تبتعدوا عن البدع وتتمسكوا بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم أتيت بالموضوع الذى به الأدله الشرعيه التى تبطل قول من يزعم برؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم يقظه

    وأما أنت فبدأت مشاركتك بالطعن فى الوهابيه مع أننى لست وهابيا لأنه ليس مذهبا من المذاهبفأنا مسلم من أهل مصر يحاول أن يقتفى أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ويبتعد عن البدع ويحذر منها وأما إن كنت تقصد الإنتساب إلى محمد ابن عبد الوهاب رحمة الله عليه فيشرفنى أن أنتسب له قامع البدع والمتصدى لأهل الضلال

    ثالثا يبدوا أن عصبيتك قد أكدت لى ماقلته فى مشاركتى أنكم تنقلون فقط ولاتعون ماتنقلون فأتيت بمشاركه لاعلاقه لها بموضوعك الذى وضعته وهى عباره فقط عن نسخ ولصق وبدون حتى تنظيم حتى أننى أشك أن من يدخل على مشاركتك يفهم منها شيئا ولاحتى أنت فدع عنك عصبيتك لأشياخك الصوفيين واترك اللون الأحمر لأنه لن يرعبنى ويكفى أن ترسل المشاركه مره واحده فقط وليس ثلاث مرات ورد على الأدله التى فى الموضوع فقط ولاتفتح موضوع آخر


    هدانا الله وإياكم إلى الحق



    من مواضيع العضو
    كشف ضلال المكاشفية



معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

     

المواضيع المتشابهه

  1. فتاوى فى اصل الطهاره لابن العيثيمين
    بواسطة محمد مختار في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 06 -10 -2013, 12:08 AM
  2. كتاب الجنائز صحيح البخاري
    بواسطة محمد ابو الطاهر في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 14 -05 -2009, 11:01 PM
  3. مـعـالـم المـديـنـة المنوَّرة
    بواسطة mariame في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 02 -01 -2009, 04:52 PM
  4. الصيام
    بواسطة yasir soltan في المنتدى المنتدى الإسلامي العام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 10 -09 -2007, 03:49 AM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك