فوائد معنوية من الهجرة النبوية الهجرة تلك المفردة التي نكررها مرة في أول كل عام. حينما نجلس نتذاكر فضلها و أحيانا نعيد الأحداث التي حفظناها عن ظهر قلب, دعونا هذه المرة نتناول الهجرة من جهة أخرى هي أولى بالذكر من مجرد الترداد للأحداث.

أبعاد الهجرة التي غابت عن أذهان الكثير, اليوم موعدنا مع "باقات البطولات" التي قدمها النبي و الصحابة لكي تصل "أمتنا" إلى وضعها المزدهر، ذلك الوضع الذي أذهل الكبراء و تعجبت منه العلياء, حيث صدق فيها قول عز من قائل "خير أمة", و بعد أن ضلت الركاب و حادت الخيول عن طريقها صدق فينا الشطر الأول من الآية " كنتم ".

لم تكن الهجرة حادث طارئ في حياة الصحابة فقد سبقه تمهيد مخطط له كالهجرة إلى الحبشة و بيعتي العقبة الأولى و الثانية. فلا بد للعمل الناجح أن يكون "مُهَيأ ً" له من قبل المسئولين الذين هم بدورهم يمثلون دور القائد الفذ.

و حين يتجسد أمامنا قوله - عليه الصلاة والسلام - "رأيتُ في المنامِ أني أهاجرُ من مكةَ إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب " نتيقن أن ثمة صدق باطن خالطة مصادقة ظاهر. فمن ذا الذي يود أن تثمر غراسة بلا جهد دؤوب و النبي صلى الله علية وسلم قد بين لنا "وضوح" هدفه الذي لم يتفان هو بتوفيق الله من تحصيله, فكان لا بد من جزاء يطابق العمل بل و يزيد.

الألم الذي تلقاه حبيبنا فداه آبائنا و أمهاتنا بعد وفاة عضديه (الزوج الحنون رضوان الله عليها)و عمه أبو طالب ذلك الذي كان رحيله سبباً في إكتمال حزن عام (الحزن) و ما تبعه من رحلة إلى الطائف انتهت بإيذاء الحبيب حتى جاءه جبريل - عليه السلام - بملك الجبال "عله يطبق عليهم الأخشبين".

هنا تظهر عزيمة الداعي و فضل المربي " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا", لله درك يا أبا القاسم أي مدرسة حلم هذه التي تخرجت منها.

تسفر الأيام عن مكنونها و تبرز الحاجة لتمهيد الدعوة فليست الإنجازات مصادفة كما أن الدعوة ليست إختراعا. الدعوة مخطط مرسوم بخريطة لها مفاتيح لتوضيح كل فعل كأنما جاء على قدر مقدور.

تستمر التهيئة النفسية للقبائل في مواسم الحج يتبعها بيعتين كان لهما الفضل في بسط رداء الإسلام في المدينة.

و مع تتابع الأحداث يرى المعلم و القائد ضرورة إرسال سفير "بمواصفات خاصة" يشرع في شرح تعاليم الإسلام، يسعى إلى إصلاح ٍٍ مبدئي لتلكم الأرض التي ستصير يوماً ما مأوى للإسلام و المسلمين كي يقول فيها - عليه الصلاة والسلام - "لولا الهجرة لكنت إمرء ً من الأنصار"

كأي عمل إنقلابي جبار لا يقوم على جهد رجل واحد و إن كان نبياً فلا بد من مؤازرة أتباعه الذين أحسن الله إختيارهم ليحملوا معه "شطراً " من همِّ الدعوة فيكونوا خير من يضحي لأجل هذا الدين الذي كأنما جائنا على أطباق فضة سائغة, و بتلك الجهود توضع أول حجرتين في بناء الدين ألا وهما "أول مسجد وضع في الإسلام" و المؤاخاة بين "صنفين" من الناس عاداتهم مختلفة و طبائعهم لا تتشابه لاسيما أن أحدهما "مطرود" بينما الآخر "يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة"

أين ستجد هكذا تربية في تأريخ العظماء..و ماذا تسمي نقلة نوعية كهذة في عالم البدو الذين لم يكونوا يفقهون شيئا حتى جاء ذلك الأمي ليخرجهم من الظلمات إلى النور؟!

أما وقد رأينا صورة الأوائل دعونا نستخدم مرآتنا التي عافت صورنا و نحن بدورنا عفناها (المرآة).أما ترى أنك بحاجة إلى هجرة تحس فيها بأنك تهجر الباطل و أوحالة و تترك المنكر و أهله؟

لكن تذكر معي أن هذه الهجرة ليست وليدة قرار أو حتى فكرة تنتظر النور لتنمو.الهجرة التي نتحدث عنها ليست بمختلفة عن سابقتها. هي هجرة بالروح لا الجسد بالفكر لا الجثمان, و إن كنت قد هززت رأسك قبولا فدعني أخبرك عن بعض ما يجب "إعداده" كي تكون هجرتك ناجحة.

أنت تحتاج إلى دراسة "جادة" لهجرتك. "رأيتُ في المنامِ أني أهاجرُ من مكةَ إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب ظني إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب "

هل حددت مسار هجرتك بالضبط؟, وهل تعلم ما تلك القيود التي تحطمها و ماذا عن تلك الرفقة التي ستغادر ساحتهم؟ هل حددت وجهتك و هل تعلمت تلك التعويذة التي لا بد لك منها للخلاص من كل ما يجعلك " تخلد إلى الأرض و تتبع هواك ". ؟

أما المرحلة التالية هي "و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي", لن تدوم طويلا في طريق يقل السائرين فيه و أنت في أول ولوجك. كما أنه لا بد من شخص "ثقة" تتكأ عليه كلما أحلولكت الساعات أمامك " أو هكذا هـُيأ لك" رجال هم بمثابة القناديل إن الشموس غابت. يرفعون همتك حينما تخبو، يزيلون عنك عقبات الطريق إن أشتد بك الحنين إلى الماضي.

قبل أن تقرر الهجرة عليك أن تبحث عن (رجال) بهم تشد أزرك و ترفع بهم هامتك, لا يضيقون ذرعا في التضحية من أجل خدمة الدين و السالكين فيه.

هنا نبدأ الخوض في المرحلة الأهم.. هل ستنتظر (جبريلا) يخبرك أنك على صواب متى ما ضاقت السبل و أحسست أن الجميع قد تفرق إلا في مضايقتك قد توحد. عندما تسمع عبارات السخرية التي قد تصل إلى الإيذاء, !! هنا الوضع يختلف فلسنا في عصر المعجزات, لكن ثمة يقين عليه أن يتولد بداخلك كلما ساورك الشك في مصداقية ما تصنع. ثق بأن الصادق هو وحده القادر على إجتياز عقبات الطريق, عد إلى الكتاب و السنة لتطمئن أن ما تصنعه لا يخالف شرعا و لا يصير بدعا, عندها فقط أطبق الجبلان على كل من يخبرك أنك تسير خارج السرب و قلو إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله)

أما و قد عزمت الهجرة، لا بد ان تفكر عن (أول عمل ستقوم به), و لهذه الخطوة أهميتها الخاصة حيث أنك (كأي مهاجر) ستراودك الحنين إلى موطنك الأول (والله انك لأحب بلاد الله إلى الله والى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت), حتى تقتلع ذلك الحنين، عليك أن تصنع عملا به تشعر أنك مبدع في طريق الهجرة و أن ثمرتك ستؤدي أوكلها على خير ما يرام, هل ستبني مسجد قلبك؟ أقصد به (ذلك المكان الذي ستستأنس به في هجرتك و تلوذ به كلما أشتد قيظ الصيف أو زمهرير الشتاء), مكان تجتمع به مع أحبة طرقوا الفؤاد و ملؤه بهجة و أمانا, تشعر معهم أنكم و إن كنتم (كثر) فما أنتم إلا (جسد واحد إذا مرض عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى)

معرفة الداء و الدواء لا تكفي لعلاج فعال, كما أن حسن الإستخدام لقواعد باطلة يزيد الطين بلة, إذا فلا بد من تواجد الثلاثة العوامل معا لعمل هجرة جادة من الظلام إلى النور, و لنتذكر موعظة من كلام عمر "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب أن تحاسبوا اليوم يومئذ تعرضون".

هكذا فقط تترك الهجرة أثرها في القلوب. لا تتردد في جمع المتاع متى ما كنت واثقا من وضوح هدفك, و تذكر قول الحبيب (عبادة في هرج كهجرة إلي), وهل هناك أكثر هرجاً من حال كهذا حيث نسفت المبادئ و ذل فيه أهل الطاعة و عُزَّ فيه أهل المعصية,هاجر أخي فكلنا ذلك المهاجر حتى يقضي الله بأمره.


============